بيننا عيش وملح

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الأول

عندما كنت عضوا في عشيرة الجواّلة، وهي مرتبة أعلى من الكشافة بجامعة الكويت، اعتدنا عند استقبال أحد الأعضاء الجدد أن تأتي العشيرة بالخبز وعليه قليلاً من الملح، ثم يقوم القائد بتمريره على كل الأعضاء، فرداً فرداً ليأخذوا منه ويأكلوه.

وتيقّنت من الأعراف الحضرمية فوجدت أن الأكل في إناء واحد له اعتبارات أمنية بين المتخاصمين، لذا فهم يقولون :

(بيننا عيش وملح)

وسمعت العوام يرددون في أمثالهم :

(ماعقّه العيش والملح)

عن ذلك الشخص الغادر الناكر للمعروف السيئ الخلق.

ثم صرت أتساءل عن حكاية (العيش والملح) التي يقسم بها كثير من البسطاء وغير البسطاء في شكل يُعد من أكثر أشكال القسم تراجيديا ودرامية، وذلك عندما يقول الواحد منهم دامغا أو شبه دامغ لسامعه :

(يصدّق بالله وحياة العيش والملح اللي بيننا، أن كذا وكذا قد حدث)

وذلك كي يدلل على صدق قوله أو صحة روايته..!!

إنني أتساءل عن الحكمة وراء الاستمساك العنيد من هؤلاء المقسمين بهذا القسم، وذلك بغض النظر عن أمرين على جانب كبير من الاهمية.

أولهما : أننا مأمورون بنص الحديث الشريف ألا نقسم بغير الله، (من حلف فليحلف بالله أو ليصمت) –  (من حلف بغير الله فقد كذب).

وثانيهما : أن لفظة العيش لها معنى في بلادنا ما ليس لها في بقية البلدان العربية، ففي مصر مثلا يقصدون بالعيش الخبز، وفي الخليج يقصدون به الأرز، بينما في بلادنا يقصدون بالعيش في الغالب هو الطعام (القوت) عموما دون تحديد نوعيته (كما جاء في الأعراف الحضرمية).

أقول بأنني أتساءل – بغض النظر عن هذين الامرين – عن حكمتهم في القسم بالعيش والملح بالذات مقترنين؟!! لماذا لا يقسمون بـ(التين والزيتون) مثلما أقسم الله عز وجل من فوق سبع سماوات طالما أنهم يبحثون عن (أكل) يقسمون به؟!

البعض قال في معرض تبرير القسم بهذين الصنفين من الطعام، أن في العيش والملح كل مقومات الحياة التي يحتاجها الجسد كي يبقى حياً، من كربوهيدرات وأملاح وفيتامينات وبعض الدهون وبعض البروتينات، لذا فمكانتهما تساوي أي طعام وربما تفوقه، لأن – العيش والملح – يخلو ببساطة من كل مسببات السمنة والامراض والرفاهية، وهذه المكانة هي التي جعلته أهلا للقسم به..

والبعض الآخر قال أن العيش (الخبز) الجاف الذي يغمس بالملح – فقط – كما هو في الجوالة، هو زاد الفقير الذي لا يجد في كثير من الأحيان إلا هو، ولذا فأن من الشرف ما يجعله أهلاً لأن يقسموا به.. الفقراء والأغنياء على السواء..!!

والبعض الثالث قال : بأن العيش والملح هو كناية عن كل ما يؤكل من طعام، ولا يعقل أن يقول رجل لآخر مذكّرا إياه بما تطاعماه سويا، (وحياة اللحم المضبي والمندي والدجاج المشوي واللخم والبراوطة والشربة والكبسة اللي بيينا) وكأنه يعيّره بما أطعمه أو يمن عليه به، فيكتفي بالإشارة الى أقل ما أطعمه منه ربما نكرانا للذات.

 

وقد أورد ابن الجاور في كتابه : (تاريخ المستبصر) صـ224 عند ذكره لذمام العرب ما يلي :

( إذا أمسك عربي لصا أو ربيطا أومن يكون عليه دم، فإن أكل الربيط في بيت صاحبه تمراً أو لحماً قتله بعد يومين وليلتين، وقيل بعد ثلاثة أيام، ويقال بعد سبعة أيام، وإن أكل خبزا قتله بعد يومين وليلة، وقيل يومين وليلتين، ويقال بعد ساعة واحدة، وإن شرب ماء في بيته بعد يوم واحد، ويقال بعد ساعة واحدة، وإن شرب حليباً أحرم عليه دمه بعد ثلاثة أيام بلياليها، ويقال إن السلام يكون في ذمامه إلى أن يغيب كلٍ عن صاحبه، فإن سلّم عليه صاحبه بطُل حقّه وآمن من جميع ما يكره، قيل : ولم ذا؟ قال : لأن اللحم يبقى بمعدة الإنسان يومين وليلتين، ويبقى الخبز يومين وليلة، ويبقى الماء يوماً واحداً. والسلام ما يغيب عن النظر، فما تقتضي المروءة أن تقتل انسانا وخبزك في أمعائه ).

أما النساء، وهن أكثر الفئات قسماً بالعيش والملح في حديثهن مع بعضهن أو مع الرجال، فقد قلن بأنه كناية عما بين المرأة وزوجها من طعام اقتسماه سوياً، فراح نصفه في جسده ونصفه الآخر في جسدها، فحق أن يكون كلاهما توأمين في مكونات جسديهما، وبالتالي في فضلات طعامهما المقتسم هذا من عرق وإخراج، إلى حد أن رائحتيهما تكاد تكون، بعد دوام العشرة بينهما متشابهة، فإذا أقسمت المرأة على زوجها بهما، فكأنها تقصد أن تذكّره – عمداً – بكل ما هو مشترك من لحم ودم، وهذا قسم غالٍ لا يعلم قدره إلا من كان شريكاً في الحياة وشريكاً في اللقمة.

ألم تسمع – هكذا قالت إحداهن – قول المطربة الراحلة : (ليلى مراد) وهي تقول في واحدة من أروع أغانيها مذكّرة زوجها بأن ما بينهما من عيش وملح هو الذي – بالتأكيد – سيزيل أسباب الخصام بينهما ويرجعهما الى بعضيهما في أقرب فرصة : (والعيش والملح وعشرتنا، ما تهونش علينا محبتنا، ولا تقدر على نار فرقتنا، وحنرجع ومسيرنا لبيتنا، بيتنا وحشنا ووحشني هواه، يمين بالله والعيش والملح).

أما أنا، فلم أتمكن من إكراه عقلي على الانصياع لأي من الأقوال والتبريرات السابقة رغم وجاهة بعضها، لأنني كنت محاصراً بين شقي رحى لا أملك الفكاك من بينهما، بين أقوال جدّتي التي حفرت لها في الذاكرة مكاناً غير قصي، وبين صفتي الاعتبارية التي نعتني بها البعض : (باحث) التي تفرض البحث عن الأصول والفروع لأي موضوع..!

أماجدّتي، فقد تذكرت أنها لطالما قالت لي :

(إذا خشيت غدر صديق فأطعمه في بيتك، ثم دع العيش والملح يتصرف معه أو يفعل فيه فعله).

ولطالما قالت لي أيضا :

(قد تجد لكل الخائنين أعذارا، إلا خائن العيش والملح، لا يهون إلا على قليل الأصل).

وكانت تسمعني ذلك المقطع من أغنية الشاعر حسين المحضار :

(ريت الزمن لي فات يرجع على العدان)

الذي يقول فيه :

(الغش ما كان ديني ** والعيش والملح يكفيني ** عاملت ساير محبيني** بالجود والإحسان).

لأنها – أي جدّتي – تحب الطرب الأصيل، وكل ما هو أصيل، وتستشهد بما سمعه جدي من نظم للشعراء الشعبيين أمثال الشاعر سعيد بكران :

العيش والملح يكفي بيننا خرده

ونسى الصداقة وذم الأهل والجيران

لي فك لسانه ونيّـربي في البلده

ويقول للناس..كل حقّـي ولد بكران

وقول الشاعر بوسرجين :

العيش هو والملح في باحريز ماأثّـر وعق

يحتاج والله رشخ على غفلة وخلق الله نيوم

أما صفتي الاعتبارية، فقد سحبتني عنوة إلى صفحات القواميس وأمهات الكتب، فوجدت بها – بين ما وجدت – معنى يضرب كل أولئك المجتهدين الذين سعيت إليهم مستفتياً، ويضرب أيضاً كل أقوال جدّتي رحمها الله إن كانت قد قصدت هي أو غيرها، أن العيش هو الخبز الذي نأكله، وأن الملح هو الذي نستخدمه مع الطعام مثل ملح (الصليف).

فالقواميس – في هذا الصدد – لا تقيم من لفظة (العيش) أيّة علاقة مع الخبز الذي نأكله، فالعيش في القاموس هو (الحياة)، وهي العيشة والمعيشة، وهي المعايشة وهي العشرة أي التعيش، ومنها عائش وعائشة وعيوشة، أي حي ومعايش ومعاش ومتعيش.

والقواميس في معنى كلمة (الملح)ر غم أنها تشير في أحد معانيها الى الملح المستخدم في الطعام، لكنها تشير إلى معنيين آخرين أقرب ما يكونان إلى معنى العيش، المعنى الأول هو الملح بمعنى الممالحة أي المؤاكلة والرضاع، أي تشارك البالغين في طعام واحد، أو تشارك الأطفال في الرضاعة من ثدي امرأة واحدة !!

والمعنى الثاني، وهو الملح من الملاحة والمليح والاستملاح والملاح، أي كل ما ظرف وسهل وحسن وجمل.

وبجمع المعنيين القاموسيين عن (العيش والملح) فإننا نرجّـح أن ليس فيهما ما يشير إلى ما درج الناس على فهمه من معنى له صلة بالخبز أو (القوت واللقم) والملح، بل هو – في أغلب الظن – القاموسي (الأكاديمي) قسم بالحياة والعشرة والمعاشرة وما فيهما من ملاحة وظرف وأيام جميلة وكل شيء مليح، كان يوماً مابين من يقسم بهما وبين المقسوم له، أو المقسوم عليه.

والآن، وبعد أن انتهينا – بحثيا – إلى معنى لـ(العيش والملح) هو أقرب للقناعة والمنطق منه إلى العاطفة التي تحركنا تجاه كثير من قضايانا، هل لنا أن لانقسم بالعيش والملح، بل نتعاهد على أن نقسم لبعضنا فنقول : (والله الذي قدّر بيننا عشرة، وقدّر بيننا فيها كل شيء مليح..أن كذا وكذا…) فنكون بذلك قد اتبعنا سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت ذاته أرضينا رغبتنا في أن نذكّر السامع بما نريد أن نذكّره به كي يلين لنا – إذا استعصى – للأيام المليحة والذكريات الجميلة التي كانت بيننا يوما.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر