الأعياد والمنادر

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الثاني

المندر وجمعها منادر وهو مايطلق عليه في بعض مدن وادي حضرموت ” مداد ” وفي ساحلها ” مظل ” وهو شكل من أشكال التنزه والتفسح والترويح عن النفس، كما أنه يعتبر شكلا من أشكال الاحتفال في بعض الأعياد، ففي الماضي القريب كان سكان أهالي مدينة شبام وبعض مدن الوادي يحتفلون في يوم المزدلفة – الثامن من شهر ذي الحجة – وفي يوم آخر ربوع – آخر يوم أربعاء من شهر صفر – أو بعد هطول الامطار حيث يطيب لهم الخروج إلى خارج المدينة في سفح الجبل وأ بين أشجار النخيل أو عند معايين المياه في الجبال، فيتجمعون شبابا وشيوخا في أعداد كبيرة منهم، وربما تتعدد هذه الفرق، ويتهيؤن لذلك قبل عدة أيام وغالبا ما يبكرون في الصباح، ويتم قضاء يومهم هناك في ترح ومرح وانشراح بين قدور الشربة ومضابي اللحم، كما يحلو لهم الغناء والطرب والاستماع إلى الشعراء والأدباء الشعبيين منهم، فتنشد القصائد وتقرأ المقالات.

وهنا نستعرض إحدى مقالات الأديب الشعبي أحمد عبدالله بركات من مواليد مدينة شبام 1273 – 1348هـ والتي نهج فيها نهج خطبة الجمعة في زمانه وحتى وقت قريب حتى يشد بها مستمعيه، فينصتوا لها في هدوء وسكينة ووقار، لقد أوضح بركات فيها أهمية المندر وكيفيته، وطريقة طبخ الشربة وشوي اللحم، وقد أسماها :

خطبة الشوربة (1 ) :

الحمد لله الحميد المجيد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، الذي زين الشربة بالوقيد، واللحم بالغظف والتقديد، بعد سنانة الحديد، أحمده حمداً من قلب منفرد بالتوحيد، عاى الشربة واكل العصيد، طلباً للجمالة بعد العيد، متعوذاً من اللحم الغليظ الشديد، ومن وقيد الكرب والجريد، وصلى الله على سيدنا محمد أفضل العبيد، الهادي إلى المنهج الرشيد، وعلى آله وصحبه أهل التعظيم والتحميد، ماحدث مندر يوم المزدلفة قبل العيد.

أيها الناس مالكم عن تحريك الشربة ساكتون، وعلى تفصيل اللحم خامدون، مالكم لا تضحكون، فهذا يوم المزاح، والبسط والانشراح، وليس عليكم في ذلك جناح، فاحذروا المراقبة في الكلام، ولا تخافوا الملام، فإن يومكم هذا زكاة العمر من سائر الأيام، إني أوصيكم بوصية لم ينظمها قبلي أحد، ولم يدعها والد لولد، ولا يتعين على إظهارها الغل والحسد، فإن عرفتم شوري واتبعتم مشورتي فزتم وظفرتم، وإلا خبتم وندمتم.

فإذا كان قبل يومكم هذا بثلاث أيام، قربوا ما تحتاجون من طعام، واشتروا الغنم السمان، واجمعوا مابين الماعز والضان، واتبعوا في ذلك مذهب حميد بن شقران، وليترأس واحد منكم ويتصدر، ولايطمع في أصحابه ويتظفر، والحذر في ذلك كل الحذر، فإنه جاء في مقالة من صح نصيحته وآدابه : ” من حب نفسه بغضه اصحابه ” ونزهوا البر ودقوه، واشتروا الحطب وشقوه، وسلموا ملحقكم من المخاسير، ولا تطلبوا في ذلك المعاذير، أيها الجاهل المغرور، أطلق الفلس المصرور، فلست في ذلك معذور، أتظن أنك تنسى مالك عن الشربة فرحاً مسرورا، وعند مخلص الفلوس ملوماً محسورا، فأخرجه غير ماسوف فإنه عليك مخلوف؛ فإذا اجتمعتم للحساب فقيدوه بالكتاب، فذلك من أحسن الأسباب، واحتفظوا بالدراهم والدنانير؛ فإذا كانت ليلة هذا اليوم، فليتقدم منكم خفاف القوم، يختارون لأصحابهم المكان الطيب اللائق، المائل عن المارين في الطريق، يبيتون تلك الليلة إلى الصبح يسمرون، ويحكمون الأواني ويعدلون، فإذا طلع الفجر يدعون، وبعضهم للشربة يفعلون وبعضهم للقهوة يطبخون، والحذاق يتحدثون، والصبيان يلعبون.

فإذا نضجت الشربة فسكنوها على النار، واجتمعوا على عود وطار، ولا في ذلك عار، فقد روينا في الحديث المسند بالتحقيق، عن المعلم خميس باطريق، أنه رخص يوم الحبوش للحشام القمبوس، وجميع آلات اللهو والطرب، وشاع ذلك عند العجم والعرب، وأهل المقاهي والرشب، واجعلوا في حسابكم كل اثنين من الصغار بواحد من الكبار، وديروا الشربة من اليمين، وقدموا الحذاق المسنين، ولينادي صاحب وظيفة التقديح، ويظهر صوته ويصيح، ويقول : ” يامعشر الحضور، هل في احد منكم تقصور؟ فلا تخافوا الحذور، هل من صحفة قاصرة ؟ أو حوائج فاترة ؟ فالعوض حاصل في الآخرة ” فإذا أكملتم العدد فردوا عليهم بالرد، وديروا ثاني دير، ولا يعجل الديار بالسير، وزينوا أخلاقكم بالكرم، وقيدوا صحافكم بالعلم، فذلك أحسن وأتم، وإلا صرتم إلى المغالطة، والمقابعة والمراقطة، فتبدلون بالفرح حزناً، وبالضحك شجناً، وبالمودة خصاما، فقد جرت هذه الواقعة وأنا صغير، ولا ينبئك مثل خبير.

ثم بعد فراغكم من الشربة، وخروجكم من تلك الغبة، يكون أكثر همكم إصلاح المضابي، ولا تخمروا أنفسكم في الجوابي، وإذا أوقدتم المضباة واحكمتموها، وأغلقتم فيها وخمدتموها، فالقوا الجنوب والشخوص عليها، وليقرب أهل المعرفة باللحم إليها، فإن لها شروط كثيرة، وآداب شهيرة، ولا تدرك الا بالمعاينة للحاضرين، ولا تتبين الا للحذاق الماهرين، وأحذركم التهوين في الحطب، لا تستامنوا على الجذوع والكرب، فإن الكرب والليف، لا ينجح الشرق والمغاطيف، واسالوا التخفيف من الرب الكريم اللطيف.

اللهم وما كان في شربتنا هذه أو غيرها من حريق أو دخان، أو زيادة في مائها أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو تهجير أو تبدير، فتقبلها اللهم بفضلك، وتجاوزها عنا بمنك وجودك وكرمك وإحسانك، اللهم رب السموات العلية، والطسوت المجلية، والمضابي المطفية، والدروع الخلية، والحمير المشدودة، والمنازل المقلودة، اجعلنا في هذا المكان مثل هذا اليوم من العائدين الفائزين، واغفر لأمواتنا السابقين، وبارك في ذريتنا اللاحقين، وكثر دراهمنا ودراهم السامعين يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل لحمنا لحماً هنياً طرياً ضبياً، سايفاً ناجحاً سميناً رخيصاً مضبياً، اللهم وما خسرناه من حفل أو سنكر، أو أكعاك أو مخمر، فاخلفه علينا بالخلف الصالح، وكثر لنا من الفوائد والمصالح، حتى لا ننقصه لأهل المنادر, ونكون مع أول مبادر، اللهم وما سبح لك من الأصوات المختلفة، يوم الحبوش المزدلفة، اجعلنا من العائدين الفائزين، والله سبحانه وتعالى يقول، وهو أصدق القائلين : ” وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ” وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ” بارك الله لنا ولكم في القرآن العظيم، وهدانا وإياكم الى الصراط المستقيم، وأدام أوقاتنا وأوقاتكم في نعيم، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولكل المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

…………………………..

1- مختارات من الأدب العامي الحضرمي ( أشعار ومقامات وخطب ) قام بترتيبها وتصحيحها ومقابلتها روبرت سارجنت – معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن 1950م.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر