الجدوى العلمية من النجوم الشبامية لدى القدماء

لم يحظ تقويما نجوميا بالحفظ والتدوين والتوثيق والاهتمام لدى العام والخاص بمثل ما حظي به التقويم الشبامي الحضرمي، فلم يكن تقويما شعبيا يمارسه العامة بل اعتمده الفقهاء والمؤرخون في مصنفاتهم كبديل عن التقويم الشمسي، فقد كان للقدماء أغراضاً متعددة في تعاملهم بالنجوم استفادوا منها في ميادين شتى أهمها :

  1. معرفة التوقيت والأزمان.
  2. معرفة الاتجاهات الجغرافية.
  3. معرفة موقع الجرم السماوي على صفحة السماء.

أولا : التوقيت :

تمكن القدماء من خلال الاستعانة بالنجوم من تحديد لحظة نصف الليل أو ربعه، ومعرفة الماضي من ساعات الليل أو الباقي من الساعات إلى وقت الفجر، وكذلك تحديد ساعات الليل وأجزاؤه بدقة مقبولة، وأبرز من كانوا يستعينون بالنجوم في تحديد ساعات الليل هم المؤذنون لصلاة الفجر، والفلاحون الذين يراقبون ليلاً توزيع سقي المزارع والري في الغيول والعيون والجداول المائية.

وطريقتهم في ذلك هو بمراقبة السماء بمجرد حلول الظلام، فإن النجوم الثمانية والعشرين تكون موزعة كاملة على دائرة البروج حول كامل الأرض، وبناء على ذلك يكون 14 نجماً ظاهراً للعيان على صفحة السماء و 14 نجماً في السماء المقابل للجهة الأخرى من الأرض، فإذا حل المساء فسيشاهد 14 نجماً ظاهراً ممتداً من سماء الأفق الشرقي إلى سماء الأفق الغربي، ومع مرور الوقت يلاحظ على الدوام طلوع نجم جديد من تحت الأفق الشرقي، وغروب مقابل له من الأفق الغربي، والذي يتسبب ذلك عن دوران الأرض حول نفسها، ثم يمكن هنا اختيار أحد ثلاثة أنجم كعلامة على بدء العدّ والحساب وذلك حسب الظروف الجوية للسماء، فإما أن نختار النجم الذي على الأفق الشرقي أو الذي على الأفق الغربي أو النجم المتوسط الذي على سمت الرأس، وبناء على هذا فإن النجم الذي يظهر بعد غروب الشمس بالأفق الشرقي لا يطلع رابعه إلا بربع الليل، وويظهر خامسه بثلث الليل، وسابعه بمنتصف الليل، وتاسعه بثلثي الليل وعاشره بالربع الأخير من الليل، ولا يطلع الثالث عشرة له إلا وقت حلول الفجر، ولا يغرب الثامن من النجم الذي بالمغرب إلا بمنتصف الليل، وهكذا دواليك يمكن تقسيم وتحديد أجزاء الوقت بمقدار حركة النجوم، وأن متوسط الفترة الزمنية ما بين طلوع النجم الأول والثاني له هو إحدى وخمسين دقيقة زمنية، ومن أول غروب الشمس إلى طلوع الفجر يمكن مشاهدة 25 نجماً تقريباً من أصل 28 أما الباقي فيكون داخلاً في حيز شعاع الشمس.

ثانيا : الأزمان :

معلوم أن أغلب المصالح المعاشية والأعمال الدنيوية ترتبط مواعيدها بالتقويم الشمسي، كالتقويم الميلادي، أو التقويم الرومي، أو التقويم القبطي، كمعرفة مواعيد الفصول الأربعة، وأوقات الحصاد والبذر، ومواسم رحلات الصيد والتجارة، ومواسم هبوب الرياح البحرية.

ولم يكن الحضارم يعرفون أياً من أنواع التقويم الشمسي، وإنما استعاضوا عنه بتقويم النجوم الشبامية، فإنهم قد أدركوا من خلال تعاقب الأجيال وتراكم الخبرات أن أي موسم إذا حلّ مع غروب نجم معين بالفجر فإن موعد الموسم يترافق حلوله دائماً بغروب نفس النجم للأعوام المتلاحقة، حتى لكأن النجم يصير علامة على حلوله دائماً وأبدا، وتفسير ذلك من الناحية الفلكية، أن النجم إذا غرب فجراً في يوم ما فإن غروبه يتكرر بنفس موعد التقويم الشمسي، لأن السبب في اختفاء النجوم بوقت الفجر هو حركة الشمس المدارية ( الظاهرية ) في فلكها حول الأرض، فإذا تحركت الشمس بمقدار 13 درجة في مدارها اختفت من النجوم مقدار منزلة واحدة في الجهة الشرقية، وظهرت لسكان الأرض منزلة أخرى من الجهة الغربية، وحيث أن الشمس ترتبط في موقع مدارها بتاريخ معين من التاريخ الميلادي فاختفاء النجم كذلك يمكن ربطه بأي نوع من أنواع التقاويم الشمسية، لذلك، إذا كان غروب نجم باعريق مثلاً يوافق الأول من شهر أكتوبر فسيقع غروبه في السنوات اللاحقة في نفس التاريخ، ومثله إذا وافق موسم الحصاد في نفس يوم غروب نجم البطين فجراً، فإن الحصاد التالي سيكون في نفس يوم غروب نجم البطين، والخلاصة مما سبق أن التقويم النجمي عند الحضارم يقوم نفس مقام التقويم الشمسي في أغراضه وأهدافه.

ثالثا : الاتجاهات الجغرافية :

ربما لا يعدو الأمر غريباً على من حفظ صور منازل القمر أن يهتدي بالنجوم على الاتجاهات الجغرافية، كمعرفة الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولهم في ذلك طرقاً متعددة من أبسطها أنه إذا شوهد عدة منازل في أي بقعة من السماء فالمتقدم في الترتيب يشير دائماً إلى الأفق الغربي، والمتأخر يشير لجهة المشرق، فعلى سبيل المثال، إذا شوهدت النجوم : القلب والشولة والنعايم بكبد السماء، فالقلب يشير إلى جهة المغرب لأنه متقدم على الشولة، والنعايم تشير إلى جهة المشرق لأنه متأخر، وهذه تعتبر من البديهيات التي يجيدها القدماء، وقد استفادوا بذلك في الاهتداء في ظلمات البرو البحر.

وقد جعل فقهاء المذاهب الأربعة لنجمة القطب الشمالي أولوية في الاستدلال على الشمال، ويسمونه ( نجمة الجدي ) ثم يأتي بعده من حيث الترتيب نجم سهيل للاستدلال به على جهة الجنوب؟

العصر الذي يرقى إليه بداية العمل بالنجوم الشبامية :

من النظرة العامة للنجوم الشبامية، أنها ترتكز على المنازل الغاربة فجراً بالأفق الغربي، وأنها تبدأ بالهنعة وتنتهي بالهقعة، وأن مقدار كل منزلة 13 يوماً، إلا الهقعة، فعددها 14 يوماً في البسيطة و 15 يوماً في الكبيسة، وأن مسميات بعض النجوم خاصة نجوم السعود منها تم تغييره إلى أسماء أخرى، ومن خلال هذه المعطيات توجه هاجس من التساؤلات لدى بعض الباحثين في التاريخ والمشتغلين في التراث عن بدايات العصر التي اعتمدت فيها العمل بالنجوم الشبامية في القطر الحضرمي، ولا شك أنه من اليسير جداً على أي أحد أن يجازف في القول فيطرح أمام ذلك الآلاف من السنين بل وعشرات الآلاف المؤلفة من الأعوام، لكن تبقى مجازفاته مجرد أوهام ودعاوى لا يعجز أي شخص آخر أن يدعي مثلها في أي قضية أخرى، ومثل هذه تأباها مناهج البحث العلمي، ما لم يقم صاحبها عليها دليلاً صحيحاً.

لكن المقطوع به أن أشهر من تكلم بإسهاب من القدماء في النجوم الشبامية هو العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة، وهو بدوره قد أشار في بعض نصوصه إلى محققين سبقوه في حساب النجوم، كما أشار بشكل واضح إلى قضية زحلقة الفلك في النجوم الشبامية بقوله ( لكن حساب الشبامي قد دخل فيه الخلل بسبب طول الزمان فإذا أردت أن ترده إلى الصحة فأنقص من أيام منزلة الشبامي التي أنت فيها عشرة أيام فما بقي فهو الذي مضى من تلك المنزلة على الصحة ) وقد أيد المتأخرون مسألة الزحلقة في النجوم.

إذن فمقدار الزحلقة من الزمن الأول إلى عصر العلامة بامخرمة هو عشرة أيام، والمعروف عند علماء الهيئة أن الفلك تتزحلق بمقدار درجة واحدة في كل اثنان وسبعون عاماً قمرياً، وبالتالي فإذا ضربنا 10 أيام في 72 كان الحاصل هو 720 عاماً وحيث أن العلامة عبد الله بامخرمة قد صنف جداوله الفلكية عام 951 للهجرى فإذا رجعنا القهقرى من هذا التاريخ بمقدار 720 عاماً فإننا نصل إلى العام 231 للهجرى، أي أن النجوم الشبامية ترقى في استخدامها بحضرموت إلى القرن الثالث الهجري.

ويؤكد ذلك بوضوح ما ذكره صاحب كتاب مختصر الخصال بقوله : ومعرفة ذلك أن دخول الهنعة عند رجوع الشمس يكون الفيء في ذلك خمسة أقدام ونصف إلا قيراطي قدم، وينقص كل يوم قيراط حتى تقوم الشمس دخول الزبانان على غير شيء.

وهذا النص لصاحب مختصر الخصال هو أقدم ما بلغنا من النصوص التي تتحدث عن النجوم الشبامية بحضرموت، إذ أن وفاة أبي اسحاق كان في القرن الخامس الهجري، أما قوله ( حتى تقوم الشمس دخول الزبان على غير شيء ) فمقصوده : أن أول الزبان في التقويم الشبامي تكون الشمس فيها مسامتة للرأس فلا يظهر للفيء أي ظل، وبإجراء عملية حسابية بسيطة يمكن معرفة موقع الراصد ومنطقته التي أقام فيها عملية رصد ظل الشمس، إذ أن رجوع الشمس عند دخول أول الهنعة توافق دائماً وأبداً 24 ديسمبر من كل عام، ومن أول الهنعة إلى أول الزبان يمضي فيها عشرة أنجم، وكل نجم يحوي 13 يوماً أي أن مجموع أيام الأنجم العشر هو 130 يوماً، فإذا سرنا بمقدار 130 يوماً إبتداء من 24 ديسمبر فسنصل إلى تاريخ 3 مايو الذي هو أول مدخل نجم الزبان في عصر أبي اسحاق إبراهيم الحضرمي في القرن الخامس الهجري والذي يكون فيه الشمس مسامتةً على رأس الراصد ، وإذا حسبنا عرض البلد بنفس التاريخ والذي يكون فيه الشمس مسامتاً لها فسنجده 15 درجة و 33 دقيقة وهذا هو نفس عرض مدينة الهجرين وأجزاء من وادي العين كالبويرقات والسفيل.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر