مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

التقرير الأولي للحفرية الإنقاذية لمغارة المشهد بدوعن م/ حضرموت

رياض باكرموم


المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 20 .. ص 23

رابط العدد 20 : اضغط هنا


مقدمة

    بناء على البلاغ الذي وصل إلى الهيئة العامة للآثار والمتاحف بساحل حضرموت يوم الخميس 15/1/2021، والذي يفيد بظهور مغارات أثناء أعمال شق الجبل الواقع إلى الجهة الشمالية الشرقية من مساكن قرية المشهد بوادي دوعن م/ حضرموت، لغرض إقامة مستوصف طبي ، وتوسعة مدرسة المشهد من قبل متصدِّق من آل العطاس والذي يشرف على الأعمال هو السيد/ أحمد عبدالله شيخ العطاس، ومن خلال تواصل المدير العام للهيئة العامة للآثار والمتاحف بساحل حضرموت عبر الهاتف مع الأخ سالم أحمد بانخر مدير عام مديرية دوعن الذي قام بإيقاف جميع الأعمال حتى يتمكن فريق مختص من معاينة الموقع.

من اليمين أحمد العطاس، رياض باكرموم، د. حسين العيدروس، عبدالله الحامد ويظهر في الخلفية المغارات الأثرية المكتشفة – السبت 16 يناير 2021

 وفي صباح يوم السبت 16/1/2021 تم النزول إلى الموقع من قبل الأخ مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف بساحل حضرموت الأستاذ رياض باكرموم والأخ مدير الهيئة بالوادي والصحراء د.حسين العيدروس، واتضح أن الموقع أثري ، ويعتقد أنه مقبرة قديمة، وكان الجزء الذي ظهر من المقبرة بفعل الشق بالمعدات الثقيلة (الدكاك) شق فتحة بالمقبرة أبعادها 15×1,5مترًا، وذلك بعد استقطاع مساحة

واسعة من الجبل تزيد على 30 مترًا طولًا من الجنوب إلى الشمال، وعرض حوالي 20 مترًا من الغرب إلى الشرق، وتم النزول إلى عمق يزيد على 20 مترًا، وقد بدأت تظهر المقبرة على مسافة من رأس المنحدر الجبلي بحوالي مترَيْنِ، وتبعد عنها الى الغرب مقبرة أخرى بحوالي 5 أمتار، وبمستوى ينخفض عنها بحوالي 3 أمتار.

أهمية الموقع

ينتمي المشهد الحضاري في ريبون أو منطقة المشهد عمومًا من حيث الكمّ والأهمية التاريخية للمواقع الأثرية المنتشرة في أنحاء اليمن إلى أهم المناطق المتميّزة على المستوى العالمي. تمثّل الأوابد التاريخية والأثرية في حضرموت وجنوب الجزيرة العربية لجميع الفترات الزمنية بدءًا من الاستقرار البشري قبل حوالي مليون سنة من وقتنا الحاضر وحتى الفترة الحالية ، وبذلك تمتلك مستوطنة ريبون واحدةً من أكثر مجموعات المحفوظات الحضارية الطويلة الأمد شمولًا ، والتي لم تتمّ دراسة عددٍ من أجزائها الواسعة بشكلٍ علميٍ بعد.

تمثّل حالات التدمير للمواقع الأثرية القديمة بالإضافة إلى أعمال التنقيب غير المشروع واسعة النطاق في مواقعَ أثريةٍ مهمّةٍ القوى المحرّكة لعمليةٍ تقود إلى فقدانٍ لا رجعة إليه للأدلّة التاريخية الأكثر أهميةٍ

في البلاد. في ظلّ هذه التطوّرات الدراماتيكية يهدف مشروع توثيق والتنقيب الإسعافي لمغارات المشهد الممتدة لمستوطنة ريبون الأثرية إلى وضع اليد على المواقع الجديدة التي طالتها أيادي المد العمراني.

تكشف الحفريات الأثرية في ريبون والمشهد كلها تقريبًا، عن آثار قديمة، ويعدُّ هذا الأمر بالنسبة لأصحاب الأراضي في المنطقة، سواءً المزارعين منهم أو الراغبين في البناء على أرضهم، عقبةً يجب تجاوزها لضمان الاستمرار في استعمال أرضهم. وأشدّ ما يخشاه هؤلاء هو احتمال أن يؤدي اكتشاف آثار في أرضهم إلى حملهم على وقف البناء فيها أو منعهم من فلاحتها أو حتى إلى مصادرتها من قبل السلطات.

ولأجل حماية الموقع من أن يتعرض لأي أعمال نبش ونهب قد تلحق أضرارًا بالآثار بالموقع ، وبناء على الأطر المتعارف عليها أثريًا فإنه يجب إجراء حفرية إنقاذية سريعة للمغارتين المكتشفتين، سارعت الهيئة بساحل حضرموت إلى جذب تمويل أولي من صندوق التراث والتنمية الثقافية بمحافظة حضرموت لاستكشاف المقبرة:  

المرحلة الأولى (23-28/1/2021)

باشر فريق العمل المختص والمكون من:

مالاسمالمهنةالعمل الحالي
1رياض أحمد باكرموممختص آثارمدير عام الهيئة بالساحل
2د.حسين أبوبكرالعيدروسمختص آثارمدير الهيئة بالوادي والصحراء
3أحمد صالح الرباكيمختص آثارمدير دائرة الآثار بفرع الساحل
4عبدالله أبوبكر الحامدمختص آثارمن متحف سئيون
5أحمد كرامة باحمالةمختص آثارمركز الرناد للتراث والعمارة بتريم
6 محمود سالم صبيحعاملمعلِّم
7عمر عبدالرحمن العيدروسعاملمتحف المكلا

أعمال الاستكشاف والتوثيق الأولى للموقع صباح يوم السبت الموافق 23 / 1 / 2021م. استمر العمل إلى الخميس 28/1/2021م، وتم خلال هذه المرحلة استخراج كميات كبيرة من التراصفات الطينية ، تتخللها بقايا كسر عظمية متحللة ، وبقايا كسر فخارية صغيرة متناثرة، بالإضافة الى أجزاء من حجارة غير منهدمة يبدو واضحًا عليها أنها كانت تتساقط بين الفينة والأخرى بسبب الرطوبة الناتجة عن مياه الأمطار التي تدخل إلى المقبرة من الاتجاه الغربي، وخلال هذه المرحلة تم إزالة كميات من الجهة الغربية والجنوبية ، وعمل مقطع (مسبار اختباري) من الجنوب إلى الشمال بعرض نصف متر لاستكشاف الطبقات والوصل حتى عمق متر فقط، ثم توقف العمل لعدم كفاية الدعم المادي.

المرحلة الثانية (21/3/2021 إلى 2/4/2021)

بعد الحصول على اعتماد مالي مقدَّم من مؤسسة نهد التنموية تم استئناف أعمال التنقيب بالفريق المكوَّن من:

مالاسمالمهنةالعمل الحالي
1رياض أحمد باكرموممختص آثارمدير عام الهيئة بالساحل
2د.حسين أبوبكرالعيدروسمختص آثارمدير الهيئة بالوادي والصحراء
3أحمد صالح الرباكيمختص آثارمدير دائرة الآثار بفرع الساحل
4عبدالله ابوبكر الحامدمختص آثارمن متحف سئيون
5علي حسين السقاف مختص آثارمدير دائرة الآثار بفرع الوادي
6 عبدالله علي يعمر مختص آثارمعلّم بمدرسة
7عمر عبدالرحمن العيدروسعاملمتحف المكلا
8محمد رمضان مسلمعاملعمل خاص
9سالم أحمد باهربعاملمتحف المكلا

بدأ العمل يوم الأحد 21/3/2021م، وتم خلال الأسبوع الأول توثيق 12 طبقة تراصفية، تحتوي على بقايا عظام بشرية متناثرة وأغلبها متحللة، كما تم العثور على مؤشرات وجود بوابة حجرية تماثل البوابة الموجودة في إحدى المقابر المجاورة في الجهة الغربية، غير أنها أقل جودة من حيث صقل الحجارة التي تمثل القوام الجانبي للمدخل، وهو عبارة عن قناة تم شقها في حجر كلسي بمقاسات (33×31×22 سم)، ظهر على جانب أحد الكسر حروف بخط المسند الجنوبي، كتبت بطريقة الحفر بطريقة غير احترافية تمثل حرفي (؟/ب ن/؟) ، كما تم في يوم الثلاثاء 25/3/2021م العثور على حجرتين كبيرتين يبدو أنهما كانتا لتدعيم المدخل، أبعادهما: الأولى (76×49×25 سم)، والثانية (74×34×29 سم). كما تم العثور على كسر فخارية سوداء لأوانٍ صغيرة الحجم (طاسات متوسطة)، ذات حافة رقيقة، ومقبض عبارة عن زائدة بسيطة متصلة بالحافة ذاتها.

     كما تم في الأسبوع الثاني (السبت 27/3/ 2021م) العثور على كميات أكبر من البقايا العظمية المتناثرة في أجزاء مختلفة من المقبرة، مما يدل على العبث بالرفات في أزمنة بعيدة، وقد تم خلال التنقيب وفي الطبقتين 13، 14 اللتين تقعان على عمق أكثر من متر ونصف المتر من بداية الطبقة التراصفية الطينية التي تشكل رأس المقبرة، والتي نتوقع أنها ترسبت بفعل تسرب مياه الأمطار التي كانت تدخل عبر المدخل، الذي تم الكشف عنه لاحقًا في الجهة الغربية، بدليل انسياب مستوى الطبقة نحو الشرق، والتي كان بينها وبين حجارة السقف الظاهر مسافة لا تزيد عن 25 سم، كما أن سقف المقبرة كان يتساقط بين الحين والآخر نتيجة لعوامل مختلفة، لذلك نجد بقايا الحجارة وبقايا طبقات الحجر الرملي التي تشكل مناطق في أصل المقبرة تظهر في دواخل الطبقات الطينية التي ترسبت فوق الرفات، وفوق الطبقات الطينية التي كان يتم وضعها مع الدفن للرفات.

    تم خلال تنقيب الطبقات 13، 14 العثور على بقايا عظمية تشكل جمجمة بشرية، ثم تم العثور أسفل منها على عظام ركبتي جمل وبقايا عظمية أخرى، مما يؤكد وجود الدفن المشترك بين الإنسان والحيوان (الإنسان والجمل)، أو ما يعرف بالبلية عند العرب؛ إذْ يعمدون إلى ناقة المتوفَّى، ويتم دفنها معه، وهي عادة معروفة، وتوجد نظائر لها في الجزيرة العربية. وعثر في ريبون بالقرب من المقبرة هذه على مقابر للبلية، ومن وادي دوعن نفسه جاء أول دليل أثري على ذكر دفن الجمال من النقوش القديمة في نقش حضرمي قديم من وادي دوعن يؤرخ ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، يذكر شخص يدعى كرب – همو بن إيل شهر قام بالتعاون مع أخيه مرشدم بوضع جمل داخل القبر نشره Frantsouzoff 2003،  وبالقرب منها تم العثور على خاتم برونزي أو (حلقة أذن) بالقرب من عظام يتوقع أنها لذراع المتوفي.

   خلال تنقيب الطبقات السفلية (15، 16) بتاريخ 1/4/2021 تم العثور في الجهة الشمالية الشرقية من المقبرة على هيكل عظمي بشري متكامل مستلقٍ على ظهره، ويتجه رأسه الى جهة الشمال، وتلتقي ساقاه عند القدمين، حالة الجمجة جيدة مقارنة ببقية الإجزاء التي كانت شبه متحللة وبالذات الأطراف (أطراف اليدين والقدمين)، ولاحظنا وجود مادة برونزية اللون شبه متحللة على الجهة اليمنى من الصدر، ربما تكون جزءًا من حُلِيٍّ أو لباسًا متحلِّلًا.  

 وفي الجهة الشرقية من المقبرة وأسفل موقع بقايا الجمل تم العثور على أدوات فخارية متنوعة الأحجام والأصناف مكسرة بشظايا، أكبر من تلك الأواني الفخارية التي تم العثور عليها في الطبقات الأثرية الأعلى، وتم العثور في الطبقة 14 على مسحقة حجرية ثلاثية القاعدة، ومدقٍّ صغير يتناسب مع حجم المسحقة المعثور عليها وعلى بقايا عظمية. والجدير بالملاحظة أنَّه توجد صفائح حجرية رقيقة ربما كانت توضع عليها الجثث وتفصل ما بين التربة والجسد، كما يجب الإشارة إلى وجود كميَّات من الأحجار المتراصة وغير المنتظمة والتي عادة ما تكون فوق الرفات العظمية.  

   ومع خلال أعمال التنقيب الإنقاذي الذي تم بفريق محلي لأول مرة في تاريخ حضرموت، ومن خلال ما تم جمعه والعثور عليه ومن متابعة اللقى والتسلسل الطبقي يمكن القول بأن:

  • أن هذه المقبرة تنتمي إلى نظام المقابر الكهفية، وتعدُّ مقبرة أسرية لشخص/ عائلة متميزة على الأرجح، في الأقل أنه كان من علية القوم أو تجارهم، فمثل تلك المقابر مكلفة الحفر والتجهيز، عكس المقابر العادية البسيطة التي تعدُّ سطحية وجماعية، والتي تم العثور عليها من قبل البعثة السوفيتية اليمنية المشتركة في الجهة المقابلة.
  • معظم بقايا الرفات البشرية والبقايا والأدوات والمرفقات الجنائزية لم تكن في مواضعها الأصلية التي تم وضعها بها، وهو ما يدل على أنه تم العبث بالمقبرة وسرقتها ربما في أزمنة بعيدة، على الرغم من إخفاء مداخل المقبرة بعناية، وعلى بعد أمتار من المقبرة توجد مقابر تم سرقتها ونهبها منذ فترات بعيدة فالمقبرة التي تحدها من جهة الشمال تذكر البعثة السوفيتية اليمنية المشتركة أنها وجدتها منهوبة، وكانت في ثمانينيات القرن الماضي مسكنًا للبدو الرُّحَّل، وفيما بعد للمصابين بالجذام.   
  • التأكيد على وجود عادة البلية أي دفن جمل المتوفَّى مع المتوفَّى، وهي عادة معروفة عند العرب وممتدة إلى فترات المرحلة الإسلامية ربما في اعتقاد لعالم ما بعد الموت، وتوجد في ريبون نفسها مقابر للبلية في الجهة المقابلة من الوادي.
  • هذه الحفرية الإنقاذية العاجلة والسريعة تعد الأولى من نوعها في كونها تتم بفريق محلي – والتي أعطت فرصة لخريجي الآثار للممارسة العمل الميداني للآثار – والتي تم التنقيب خلالها في مقبرة لا يوجد لها أي معلم ظاهر على السطح ولولا أعمال الشق لمَّا تمَّ العثور عليها، ونؤكد على ضرورة حماية المنطقة لاحتمالية وجود مقابر مشابهة من الممكن إجراء أعمال حفرية منتظمة تخرج بنتائج أكثر دقة وتكتشف المزيد حول تاريخ المنطقة.
  • تحليل الرفات العظمية لا شك سيعطي معلومات مهمة ويكشف معلومات حول إنسان هذه المنطقة خلال الألف الأول قبل الميلاد ونمط العيش، وستكون النتائج دقيقة كون الرفات تم استخراجها بطريقة علمية ومن قبل فريق مختص.
  • هذا التقرير أولي وسيتم بعون الله وبعد دراسة المعثورات كتابة المزيد حول هذا المشروع وعن هذه المقبرة وطبيعة الدفن واعتقاد الحضارمة القدماء للحياة ما بعد الموت وغيرها.

     وختامًا نتقدم بالشكر لكل من أسهم في نجاح هذا المشروع ونخص سعادة اللواء الركن/ فرج سالمين البحسني محافظ حضرموت، قائد المنطقة العسكرية الثانية، والأخ سالم أحمد بانخر مدير عام مديرية دوعن على تقديم التسهيلات والدعم والمساندة لفريق العمل، والأخ الأستاذ/ أحمد محمد بن علوي العطاس مدير عام صندوق التراث والتنمية الثقافية م/ حضرموت على تقديم التمويل للمرحلة الأولى من المشروع والسعي لجذب تمويل المرحلة الثانية ومساندته الدائمة لفرع الهيئة وخدمة التراث والآثار، والأخوة مؤسسة نهد التنموية على تقديم التمويل المالي للمرحلة الثانية من المشروع والتي لولاهم لما تمَّ المشروع بهذه السرعة ولتعرض الموقع لأعمال النبش وضياع المعلومة التاريخية، وللأخ أحمد عبدالله شيخ العطاس على حسن الاستقبال والضيافة والتعاون المطلق مع الهيئة، والشكر موصول لفريق العمل من منتسبي فرعي الهيئة بساحل ووادي وصحراء حضرموت.

رياض باكرموم ..  مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف بساحل حضرموت (المكلا).

د. حسين العيدروس  .. مدير عام الهيئة العامة للآثار والمتاحف بوادي وصحراء حضرموت (سئيون).