الحضارمة في إندونيسيا بين الحفاظ على الهوية وتحديات الاندماج

كتاب في رحاب تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر

في أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر العقد الثاني من القرن الماضي واجه المهاجرون الحضارمة تحديات عديدة ومتسارعة، فقد جاءت السياسة الهولندية بثمارها، وشهدت هذه المدة مؤثرات خارجية تمثلت في حركة الحداثة التي أفرزتها الثورة الصناعية في أوروبا، ووصلت تيارات من هذه الحداثة إلى المهاجرين في إندونيسيا عبر مصر خلال الحركة الإصلاحية والتنويرية التي شهدتها وقتئذ، فقد قرأ العديد من المهاجرين المجلات والكتب المصرية التي نشرت وحملت مفاهيم الإسلام الحديثة، وأصبحت شخصيات الإصلاح مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا تثير الاهتمام وتبعث الآمال.

وبرزت قيادة جديدة داخل المجتمع المهجري الحضرمي تكون أفرادها من التجار الأغنياء وملاك العقارات والضباط الذين تعينهم الإدارة الهولندية للإشراف على شؤون أهل منطقتهم، فبينما كان العديد منهم من السادة فإن الأثرياء من غير السادة شكلوا جانبًا من هذه القيادة الجديدة، فلم يعد المعيار للوضع الاجتماعي النسب الشريف وإنما الثراء والتعليم، وكانت الجالية جزءا من نظام سياسي متطور، أي الإدارة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا التي كانت تعتبر نظريًا في الأقل كل الحضارمة متساوين.

لابد أن هذه التطورات مجتمعة جعلت المهاجرين يضعون لأنفسهم التساؤلات الآتية : من نحن؟ وماهي الخطوات العملية للتعامل مع هذه المتغيرات؟ وعندما حاولوا التصدي لهذه التساؤلات ومواجهة التحديات ظهر ماعرف بالنهضة الحضرمية التي ارتكزت على تأسيس الجمعيات والتعليم الحديث والصحف، وخلال ثلاثة عقود نشأت عشر هيئات وجمعيات عربية في إندونيسيا وهي : ( جمعية خير 1903م ) ( الجمعية الخيرية 1910م ) ( الجمعية العربية الإسلامية 1912م ) ( جمعية الإصلاح والإرشاد 1914م ) ( الجمعية اليافعية 1925م ) ( جمعية الرابطة العلوية 1928م ) ( الوحدة العربية 1929م ) ( الجمعية الكثيرية الشنفرية 1931م ) ( وحدة مواليد العرب 1932م أو رابطة عرب إندونيسيا ) ( اتحاد عرب إندونيسيا 1934م ) حملت هذه الجمعيات الهم الحضرمي العام، والمسالك الخاصة التي تبنتها، ومواقفها تجاه تحديات الأصالة والمعاصرة والهوية والاندماج، والمقالة ليست معنية بالخوض في تفاصيل هذه الجمعيات وصراعاتها رغم أهمية ذلك، وما سنركز عليه هو الإفرازات والمضامين التي لها علاقة مباشرة بموضوع المقالة.

إن التحدي الأهم الذي زلزل المجتمع الحضرمي هو ظهور جمعية الإصلاح والإرشاد، والرابطة العلوية حيث انقسم الحضارمة إلى جناحين كبيرين من حيث قوة التأثير هما : الإرشاديون والعلويون، وكان الباعث إلى هذا الانقسام والتنازع سببًا – كما يبدو – عديم الأهمية وهو حق غير العلوي في الزواج من العلوية، وأفتى السيد العطاس بعدم شرعية هذا الزواج، وأرسلت الفتوى إلى الشيخ محمد رشيد رضا الذي عارض فتوى العطاس، وكان هذا أول أزمة هزت تفكير الحضارمة في الشرق الأقصى، وأدت إلى إدراكهم لقيم حرية التفكير، وروح المساواة المتأصلة في الإسلام، وانفجرت المعركة عام 1913م عندما أفتى الشيخ السوركتي بشرعية الزواج، وأصبح للفتوى صدى كبير في الأوساط الحضرمية المهجرية بل في حضرموت نفسها، مما أثار حفيظة السادة العلويين وسخطهم، واضطر السوركتي لتقديم استقالته من جمعية خير، ثم أسس جمعية الإصلاح والإرشاد بمساعدة بعض الأثرياء الحضارمة، وفتحت الجمعية مدرسة لها وصحيفة عبرت عن أهدافها وكانت الجالية الحضرمية في إندونيسيا تعيش في حالة توتر قبل وقوع هذه الأحداث التي أدت إلى الصراع المكشوف، فكان الحضارمة من غير السادة يشعرون باستياء من إصرار السادة على المحافظة على مكانتهم الاجتماعية كما هي مقرّة ضمن التركيب الاجتماعي في حضرموت نفسها، ومن هنا فإن الانقسام ظهر في وضع قابل للانقسام.

قال الأديب علي أحمد باكثير عن هذه الجمعية : ” …. لكن جمعية الإرشاد بمبادئها القويمة ومطالبها العادلة، ومناصرة روح العصر لها، وكونها حاجة أتت في حينها تشعر بها نفس كل حضرمي أبصرت عينه النور تغلبت على كل تلك المقاومات وأخذت طريقها في القوة والاتساع “.

تقوم أيديولوجية الإصلاح على أن الإسلام تحول من إلى مجموعة من الخرافات والانحرافات، وكانت الدعوة للعودة إلى الكتاب والسنى صدى لحركة الاستنارة المصرية، ومن أبرز أهدافها : الإصلاح الاجتماعي، وتحقيق مبدأ المساواة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم، ورفض الامتيازات الخاصة بالسادة المنقولة من حضرموت كتقبيل اليد وتخصيصهم فقط بلقب سيد قبل أسمائهم.

لم يقف العلويون مكتوفي الأيدي أما الحركة الإرشادية وأسسوا ( الرابطة العلوية ) التي حددت لنفسها أهدافًا منها : السعي إلى كل ما يحصل به تقدم الشعب الحضرمي، أدبيًا وماديًا وتقوية روابط الإخاء بين العلويين خاصة والحضرميين عمومًا، والقيام بضبط أنساب العلويين، ولعقدين من الزمن تفاقم الصراع بين العلويين والإرشاديين والأحقاد وفي حالات محدودة إلى التشابك المباشر، وتنافست الجمعيتان في إنشاء العديد من المدارس العربية، وفي نشر الإصدارات الدورية، وسعى كل منهما إلى جذب المهاجرين الحضارمة.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر