( البار ) الذي افتقدناه

مقالات وحوارات واستطلاعات الأستاذ أحمد عوض باوزير

مات أخي وزميلي حسين محمد البار، كان موته صدمة لي، ولأصدقائه الكثيرين ولحضرموت قاطبة، لم يكن متوقعا.. كان كل شيء يبدو مقبولا أو معقولا، إلا أن يموت البار.. ربما بتلك السرعة المفاجئة المذهلة.

كنت قد قابلته آخر مرة ذات نهار أذكره جيدًا، كان ذلك منذ أسبوعين تقريبًا، كان يتوجه إلى منزله، وكنت أنا كذلك متجها إلى بيتي بعد نهار مضن من الكد والعمل المتواصل، وودعته على لقاء آخر معه.

كان البار بالنسبة لي هو الأخ الأكبر، كنت أجهله كما لو أنه أبي، لقد زاملته طوال ست سنوات .. كنا نلتقي في الثلاث السنوات الأولى في ( دار المستقبل للطباعة والنشر ) حيث كانت تصدر عنها صحيفة الطليعة والرائد، ثم عندما أنشئت ( دار الطليعة ) وصدرت عنها صحيفة الطليعة كنا نلتقي أيضا، كان التعاون بيننا قائما، وكان الود هو الطابع المميز لعلاقتنا معا.

كان كل واحد منا يشكو للآخر مشاكله ومتاعبه، وكان يجد لدى الآخر العزاء والمواساة، ورغم اختلاف نظرتنا إلى بعض الأمور فإن هذا الاختلاف لم يعكر صفو علاقتنا وإخائنا، لقد كان شهما ينبض قلبه بالحب ويشع بالعرفان ويتسع للنقاش والحوار دون أن يضيق به أو يتبرم.

وعندما اضطرته الظروف لإيقاف صحيفته ( الرائد ) كان – يرحمه الله – شديد الحرص على أن تصل إليه أعداد الطليعة وكان في آخر لقاء لي معه قد أوصاني بأن أبعث إليه بأعداد الطليعة بانتظام.

وعندما علمت بأنه لزم فراش المرض في بيته ظننت الأمر وعكة أصابته لا تلبث أن تزول، وقد أرسلت له أثناء ذلك قصاصة صغيرة مع ابنه عبدالله أعتذر له عن عدم زيارته ووعدته بأن أزوره في أقرب فرصة ممكنة.

حتى كان ظهر يوم الأربعاء الماضي كنا في دار الطليعة نعد الصفحات الأخيرة قبل أن ندفع بها إلى المطبعة لتدور دورتها الأسبوعية.. فحضر من يبلغني الخبر الأليم أو المفاجأة المذهلة ولم أصدق ساعتها، ظننت محدثي يهزل معي، لكنني قرأت على وجهه الجد وأبصرت في نظرته الأسى والحزن ووقتها وجدتني أردد في ذهول : لا حول ولا قوة إلا بالله!! ألا ما أتفه هذه الحياة وما أمر نهايتها، هكذا تكون خاتمة المطاف موت وفناء، تلك الحياة النابضة تلك الخلجات والرؤى .. يذبل بريقها ويذهب سحرها تعالت حكمتك يارب وعظمت قدرتك، لقد خلقتنا في هذه الدنيا وجعلت حياتنا كدا متواصلا وصخبا لا ينقطع وفجأة تقف كل تلك الحياة ويموت كل ذلك الصخب، لكن حياة الآخرين لا تتوقف بل تمضي لاهثة كأنها قد أوتيت الخلود الأبدي، حكمة لا يكنه سرها أحد ولا يحيط بها مخلوق، فتباركت يارب يا مالك الملك يا واحد يا قهار.

رحم الله صديقي البار، لقد كان متفتحا للحياة محبا لها، عشق فيها طيباتها، وتدله بجمالها، لقد نشأ فنانا منذ صباه، فنظم فيها شعره وسكب فيه روحه وحنانه، فاجتمع من ذلك كله ثروة لأدبنا يفخر بها ويحرص عليها.

إن الفنان لا يموت لأنه يترك بعد موته نبضة من قلبه، تذكرنا به وتزيدنا به تعلقا والتصاقا، وإلا فهل يموت قائل هذه الأبيات :

مـــدلِّهتي مــا لهــا ما لهـــا تُـــــدِلّ وتكثــــر إدلالهـــــــا

أريـها فــؤادًا نقشـت عليــه هـواهــا الجمــوح وإجلالهــا

وأجعـــل منــه لهــا معبــدَا وأبـــذل روحــي فــداءَ لهـــا

وأرســــله نغمـــا حــــاملا أمــــانيّ نفســـــي وآمالهـــــا

فمـا إن ترينيَ إلا الجحــود وإلا الصــــدود وأهوالهــــــا

وإلا الهيــام ونــار الغــرام بقلــــــبي تُجــــدّدُ إشــــعالها

أقلبي تريــــدين تضــــييعه ونفســـي تريـــدين إذلالهــــا؟

ثقـي أنهــا قطُّ مــا رامهـــا ســــواك بــــذلٍّ ولا نالهـــــا

ولو لم يكن منك هذا الأذى لزلزلـــت الأرض زلزالهـــا

مرة أخرى لقد كان موت زميلي البار صدمة لي وأية صدمة .. لقد افتقدناه ونحن أحوج ما نكون إليه، إنها لخسارة كبرى للأدب والصحافة في هذه البلاد، لقد كان البار رفيق نضال بدأت بواكيره ولم تستو أعواده بعد، ألأ ما أضنى السير بدونه، رحمه الله وطيب ذكراه.

الطليعة، العدد ( 292 ) 15 ذو القعدة 1384هـ ،

18 مارس 1965م

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر