لا تقول بر ألا لمان تصر

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الثالث

خيوط رفيعة تفصل بين المثل الشعبي، والقول المأثور، وأحياناً يصعب التمييز بينهما وبصرف النظر عن الاختلاف أو التشابه فإن هناك قواسم مشتركة تحملها رسائلهما التي تنبع من الذات الجمعية، وتعكس ثقافة المجتمع وتختزل تجارب إنسانية تتركز في كلمات يقصد بها النصيحة أو التحذير أو التشجيع وأشياء كثيرة، وهذه الأمثلة غالباً ما تكون عابرة للمناطق، تشترك فيها المجتمعات الإنسانية تتغير المفردات والمعنى واحد.

وفي حضرموت تتداخل الأمثلة والحكم والمقولات المنقول منها، والأصيل الذي يستمد هويته من خصوصية مفرداته العامية، وارتباطه بالبيئة المحلية، وقبل التوقف عند هذه المُثُل لابد من التغلغل في بنيتها وتفسير مفرداتها العامية، لاسيما مفردتا (البر) ويقصد به القمح و ( لمَّان ) التي تعني : إلى أن، والمعنى الحرفي للمثل هو النصيحة بعدم الاستعجال في احتساب القمح مضمون الحصاد إلا إذا تم حصاده وربطه بإحكام في الأكياس ( الجواني ) وهي مرحلة تجاوز فيها محصول القمح المخاطر المتوقعة من هجوم الحشرات أو تقلبات الطقس أو عبث الطيور وغيرها من المخاطر.

ويؤشر هذا المثل المحفوف بالتشاؤم إلى أهمية هذا المحصول في حياة السكان، لاسيما وهو يزرع في بيئة جغرافية يغلب عليها الجفاف، وتقع في ما يعرف بمناطق ظل المطر. لهذا يعد نزول المطر في حضرموت حدثاً حيوياً يقرن غالباً برحمة الله، فعندما تسمع الأرض المرحومة في حضرموت فهم يقصدون الأرض نزل عليها المطر، وإذا تفهمنا هذا القلق الحضرمي في متابعة زراعة هذه السلعة إلى مرحلة ما بعد الحصاد فإننا نلاحظ أن حالة القلق تتحول عند البعض منهم إلى ما يشبه الذعر وبخاصة أولئك الذين يحركون المثل إلى : ( لا تقل بر إلاَّ لمَّان قده بين الكبد والصر ) أي : صار طعاماً تم أكله واستقر في الأمعاء، وهذه مرحلة يمكن وصفها ( بفوبيا القمح ) التي يسود فيها التشاؤم إلى درجة مبالغ فيها، وهي ترتكز على كم هائل من المخاوف والتوجسات من الأعداء المتربصين بحبة القمح، وهذه الفوبيا ( القمحية ) لا علاقة لها بقصة الرجل الذي توهم نفسه حبة قمح فظلّ يتوجس من ديك الجيران واحتمال ابتلاعه، وعندما عولج من هذا المرض واقتنع بآدميته، وأنه ليس حبة قمح خرج من بيته، وعندما شاهد الديك عاد مذعوراً … وعندما أكد له أهله إنسانيته وأنه ليس حبة قمح أجاب : بأنه مقتنع بذلك ولكن من يقنع الديك؟!

وعلى الرغم من أن القمح صار في مراحل لاحقة يحتل المرحلة الثانية بعد تسيد الأرز على موائد الطعام الحضرمية، ثم توسع زراعته واستقدام أنواع جيدة ورخيصة من بلدان بعيدة فما يزال المثل يحتل مكانه البارز في الثقافة الشفهية الحضرمية، لكن بإسقاطات متنوعة لا علاقة لها بالقمح وطحينه فصار له حضوره القوي عند النصيحة بكتم الأسرار أو بعدم البوح بالمساعي المتوقع إنجازها قبل أوانها. وحقيقة الأمر فإن الخوف من المستقبل يأخذ مكاناً واضحاً في الثقافة الشعبية الحضرمية بحيثيات تختلف فحواها لكنها تتفق في مضمونها، من ذلك قولهم : ( لا تقول صيبي صيب إلا لمان يعدي الحصبة والقطيب)، وهكذا يظلون في حالة توجس مزمن من أن يصيب الطفل أحد هذه الأمراض القاتلة فيعكرون فرحتهم ويفسدون بهجتهم بهذه النعمة التي محياها ومماتها بيد الله ، ولا يدل هذا على ضعف في الإيمان فهم مشهورون بتدينهم، لكن ثقافة الخوف في الوجدان الحضرمي لها أبعادها المتشعبة بحيث يصير من الصعوبة بمكان حصرها في اتجاه واحد أو عامل من العوامل، ولنا أن نتخيّل – على سبيل المثال – حالة الترقب والوجل الكامنة في النفوس في هذا المجتمع الذي يهاجر قسم كبير من رجاله وشبابه وأحياناً أطفاله بحثاً عن الرزق في بلدان بعيدة، يمكثون فيها سنوات عديدة ، ويقطعون للوصول إليها صحاري وودياناً، ويمخرون عباب البحار وأهوال المحيطات على سفن شراعية تستغرق رحلتها شهوراً تاركين في تغريبتهم مدنهم وقراهم وزوجاتهم وبناتهم وأخواتهم وأمهاتهم اللاتي لا تقل فجعتهنَّ بقرار السفر من المسافرين أنفسهم لاسيما عند مغادرة الأطفال إلى المجهول بعد أن يختصروا عنوة أجمل سنوات عمرهم.

وإذا سلمنا بأن منطقية ظهور أمثلة (فوبيا القمح) محكومة بزمانها حيث التخلف الاجتماعي وظروف الطبيعة القاسية والإمكانات المحدودة ، فإنها إذا استحضرت في ظروف غير زمانها تحتفظ بخلاصتها، وتستمد منها الحكمة والعبرة، ثم تصير ملمحاً من ملامح الثقافة الشعبية لمجتمعها وعنواناً لهويته ، ربما سيخامر قراءتنا لهذه الأمثال بعض الشكوك أو التحفظات ، لاسيما ممن هم خارج الدائرة المحلية ، وقد تبرز قراءات مغايرة وهذا حق لن يسقط بالتقادم ، والمهم احترام الرأي المختلف بمعزل عن ثقافة التشاؤم، التي لا تعترف بالقمح إلا بعد أن يستقر بين الكبد الصر، أو تلك المرتبطة بأوهام صاحب الديك.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر