مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

مناصب عينات .. ودورهم في إصلاح ذات البَيْن في يافع في ضوء وثائق تاريخية تُنشر لأول مرة .. (بني بكر أنموذجًا) (2 – 2)

أ.د. علي صالح الخلاقي


المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 26 .. ص 15

رابط العدد 26 : اضغط هنا


المبحث الثاني

إصلاح البين عند فشل تنصيب عاقل لبني بكر

العاقل: تسمية متعارف عليها لشيخ القبيلة أو القرية أو مجموعة قرى، تمثل جزءًا من تركيبة المكتب، حسب تقسيمات كل مكتب في يافع. والعاقل يسهم مع القاضي والأعيان في حل مشاكل القبائل، ويمثلها إلى مشيخة المكتب الذي تنتمي إليه. وتدير كل قبيلة شؤونها بطريقة أشبه بالحُكْم الذاتي، ولكنها تلتزم في تعاملها مع الغير بالأَعْرَاف العامة للقبائل اليافعية. فأعيان القبيلة أو القرية إلى جانب الشيخ (العاقل) والقاضي هم هيئة إدارة شئون القبيلة (الحُكْم)، وهم من ينظر في المخاصمات والمنازعات، ويبتون في الدعاوي، ويقرون (الغُرم) والحرب والسلام…الخ. ويتم اختيار العاقل بالوراثة من قبل (بيت المعقلة)، ويتم تنصيبه بلي (عمامة المعقلة) حول رأسه بحضور العُرَّاف وممثلين لبعض القبائل الأخرى([1]).

وهكذا الحال في بني بكر؛ إذْ تنحصر المَعْقَلة (المشيخة) في بيت آل دينيش، ومنهم يتم تنصيب العاقل، ومن يتفقون عليه في إطار بيت المشيخة تقبل به بني بكر.  وقد برز خلاف طارئ عقب وفاة (عاقل) بني بكر الشيخ ناصر بن عوض بن سعيد بن عوض بن سعيد بن محمد بن دينيش البكري عام 1191هجرية/ الموافق 1777م، حول من يخلفه، وانحصر ذلك الأمر في إطار بيت المشيخة (آل دينيش)، الذين لم يتفقوا على اختيار البديل مباشرة، كأن يرثه أكبر أولاده أو أحد إخوته أو أبناء عمومته، ممن تنحصر المشيخة أفقيًا في أسرتهم وتقبل به بنو بكر، كما يحدث في مثل هذه الحالات. وقد كان للشيخ المتوفَّى اثنان من الأبناء، هما: أحمد، ودينيش، وكما يروى فإن الشيخ أحمد بن ناصر قد خلف والده في المعقلة؛ بوصفه أحقَّ بها من غيره لأنَّه النجل الأكبر لوالده، وفي عهده حدث الفشل أو عدم الاتفاق بين (آل دينيش)، ربما لعدم استقراره في بني بكر ومكوثه غالبًا في حضرموت، كما تشي بذلك الوثائق والمراسلات الكثيرة، وتفضيل آل دينيش أن يكون البديل مستقرًا في بني بكر فحصل ذلك الخلاف.

ومن الوثائق التي بين أيدينا وتخص أحمد بن ناصر، النجل الأكبر للمتوفَّى، وتدعم فرضيتنا حول عدم الاتفاق عليه، رسالتان أرسلهما من حضرموت إلى أخيه دينيش بن ناصر في بني بكر، الأولى من سدبة في 11 ذي القعدة 1194هجرية والثانية من سيئون في 22 ربيع ثاني 1195هـ، و يبدو من مراسلاته وحضوره في الأحداث في حضرموت أنه استقر وآثر البقاء فيها، وقد كانت له مكانته الاجتماعية المهمة هناك، وحظي بتقدير كبير لدوره المؤثر هناك؛ إذ كان الشيخ (العاقل) على قومه بني بكر في حضرموت، وكان أحد الموقعين على حلف القعطة وبني بكر في حضرموت في 22 من جمادى الأولى سنة 1198هـ.  وهناك شاهد كريم بين الشيخ أحمد ناصر دينيش وعُقَّال بني بكر وأصحابهم العسكر في شبام عند الموسطة 30 من ذي الحجة سنة 1207هـ تراضوا بموجبه باتباع شور العاقل، ووضع ضوابط لحركة العسكر ورواتبهم (قُلمتهم)، وحضر وكتب الوثيقة نائب الشرع عبدالحبيب بن أحمد حيدر. كما يوجد أيضًا شاهد كريم بيد الشيخ أحمد ناصر دينيش والفقيه عبدالله بن أحمد حيدر مؤرخ 9صفر1208هجرية يؤكد تسلُّم مصروف آل بني بكر الذي في شبام، وأنه دَيْن في ذمته حتى يدخل سيئون ويستلمون مصروفهم، والضمين في ذلك السلطان أحمد علي بن عمر، وبختمه وتوقيعه، كما ورد اسمه ضمن الموقعين على وثيقة حِلْف يافع (الموسطة والضُّبَي) وآل تميم في حضرموت سنة 1208هجرية ([2])، إلى جانب السلطان أبي بكر بن السلطان عمر قحطان بن عمر بن صالح هرهرة وبيت الشيخ علي هرهرة والمشايخ عُقال آل يافع، وورد اسم الشيخ أحمد ناصر في أكثر من رسالة موجهة إليه من بني بكر-يافع إلى حضرموت.

ومع ترجيحنا لفرضية الخلاف على معقلة الشيخ أحمد ناصر الذي آثر البقاء في حضرموت، كما بيَّنا، تظل أسباب ذلك الخلاف غامضة بالنسبة لنا، ولا نعرف كُنَهها؛ لعدم ذكرها تصريحًا أو تلميحًا فيما وقع بين أيدينا من وثائق تعود إلى تلك الفترة، وقد تكشف عن ذلك وعن غيرها من الوقائع والأحداث التاريخية التي نجهل الكثير، منها الوثائق التي ما زالت بحيازة بعض الأُسر، خاصة من آل عزالدين ومن آل دينيش، ممن نتمنى عليهم إظهارها قبل أن تتعرض للتآكل والتلف.

إن مثل هذا الخلاف الطارئ، ليس استثناء، وحدث ويحدث مثله في غير بني بكر، في كل زمان ومكان، ويتم معالجة مثل ذلك بالطُرق والأعراف القبلية، التي كانت تنظم المجتمع القبلي اليافعي، من خلال اللجوء إلى أصحاب الحل والربط فيها، من الحكماء والعقال. وبالفعل جرت محاولات ومساعٍ حثيثة لحل هذا الخلاف في إطار المنظومة القبلية لبني بكر، وبُذلت جهودٌ ومساعٍ لوقف تداعياته، التي سيكون لها انعكاس سلبي على بني بكر وتماسكها الداخلي ودورها ومكانتها البارزة في الأحداث والتطورات على مستوى يافع أو حضرموت؛ لأن الألم قد أصاب الرأس المحرك والمدّبر، وسيتداعى له الجسد إذا لم يتم علاجه. وصدق رسولنا الكريم القائل: “مثل المؤمنين في توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالحمى والسهر”، فما بالك حين يكون ذلك العضو المتألم هو الرأس.

ومن أبرز تلك الجهود وأهمِّها لجوء قضاة بني بكر، بحكم مكانتهم الشرعية والدينية في المنظومة القبلية، إلى داعي القبيلة ممثَّلة بأعيان عَصَيْبَها السّبع (إبراهيمي، عمري، حسني، يزيدي، مشعلي، سناني، بلحي) لعقد اجتماع هام وطارئ في 30 ربيع ثاني 1191هـ/ الموافق 7 يونيو 1777م، تدارسوا خلاله هذا الأمر الجلل وتشاوروا وتبادلوا الآراء لإصلاح ذات البين والدفع بالتي هي أحسن لتوحيد الصف وفقاً لمقتضيات العُرف القبلي وعملاً بقوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ].

وخرج الاجتماع بالوثيقة الآتية:

نص الوثيقة رقم (6)

الحمد لله وحده، لما كان آخر شهر ربيع ثاني سنة 1191هـ حضر لدينا وبين يدينا وهما بني بكر جميعا: ابراهيمي، وعمري، وحسني، ويزيدي، ومشعلي، وسناني، وبلحي ، فلما تم حضور المذكورون لدينا اجمعوا الشور بينهم ان رأيهم وشورهم واحد وكلمتهم واحدة على خسارة وفائدة وقتل وغير ذلك لحتى يجي شور عقالهم أهل دينيش واحدًا، ومتى ما صلحوا أهل دينيش كان عاقلهم من تراضوا عليه أهل دينيش وبني بكر، وصحوا بني بكر الجميع وتلازموا وتصادقوا وطُرحت بنادق من العصيب جميعا، لبراهيمي بندق والدخيل عليهم الجميع الشيخ يحيى ناصر امسعود ومن مال عليه كان سلبه بيده عصيب بني بكر والدخيل، وطرح بندق على أهل حسن محسن ابن محمد بيبك ومن مال عليه او خالف من أهل حسن سلبه  بيده عصيب بني بكر والدخيل على أهل يزيد وطرح بندقه عوض جبران ابن عوض، والدخيل على العَمِّيره الشيخ محمد عبدالله الحطيبي والشيخ بوبكر أحمد الحقبي، والدخيل على المشاعلة وأهل سنان حسين ابن سنان الشرح وعلي عبدالله الحاشدي وطرح بندقه وباقي عصيب بني بكر سلبه بيده، والشيخ يحي ناصر والشيخ حسين ابن سعيد لشرف؟؟ دُخَّلا على عصيب أهل إبراهيم أهل سعيد وأهل عوض ابوبك وأهل موجر وأهل بلحي دخيل عليهم حسين سنان وعلي الحاشدي والدخلا بني بكر الجميع عضد بعضهم البعض، ومن مال من صاحبه كلمة الجميع عليه واحد، تراضوا على ذلك لحتى يصلحون العقال أهل دينيش وتجي كلمة أهل دينيش واحدة، وان تحاكموا أهل دينيش او تخاسروا وان تضاربوا ليس لبني بكر فيهم اعتراض، صح ذلك والدخيل على أهل عبد الواحد،محسن محمد وعلي عبدالواحد، صحوا المذكورون وصلحوا وتراضوا وتحالفوا انهم اخوة عظم ما لهُ مفصل ومن مال منهم الى أحدا كلمتهم وشورهم واحد، ومن طلبهم حق من أهل دينيش شورهم وخسرهم واحد، صح ذلك صح صح صح بحضر شهود الحال

شهد بذلك مقبل عوض بلخير الخلقي.

شهد بذلك الشيخ علي ابن مقبل ابن علي عبدالقادر الداوودي.

شهد بذلك الشيخ بوبكر علي الكاش الحضرمي.

شهد بذلك صالح ناجي الخلقي

شهد بذلك عبد احمد رقاشي خلقي

والله خير الشاهدين وكفى ونعم الوكيل

[[وفي أعلى الوثيقة]]

توقيع [على شكل رسم مربع]

كتبه الفقير الى الله احمد حيدر بن علي عز الدين (توقيعه)

شهد بذلك الفقيه علي سعيد عز الدين (توقيعه )

شهد بذلك السنيدي احمد حيدر (توقيعه)

شهد بذلك (توقيع) عبدالحبيب أحمد حيدر

الشرح والتعليق:

تكتسب هذه الوثيقة أهمية كبيرة؛ كونها وثيقة إجماع مهمة، وتعد ميثاق شرف بين عَصَيْب بني بكر، وأهم ما جاء فيها([3]):

  1. الاجماع على أن رأيهم وشورهم واحد، وكلمتهم واحدة على وفي خسارة أو فائدة أو قتل وغير ذلك حتى يجيء شور عقالهم أهل دينيش واحدًا.
  2. أن يكون عاقلهم من تراضى عليه أهل دينيش أولًا، ثم بني بكر.
  3. صحح الجميع وتلازموا وتصادقوا وطُرحت بنادق من العصيب جميعًا، وهي في العُرف القبلي (بنادق وجه) للثبات على ما التزموا وتعهدوا به.
  4. على كل عصبة (دخيل)([4])، وتعني حسب سياق معناها مُقَدَّم أو ضمين لكل عصبة لتنفيذ ما تعهدت به، ومن مال أو خرج عليه، فعصيب بني بكر جميعها إلى جانبه، كما أن الدخلاء جميعهم عضد بعضهم البعض، ومن مال من أصحابه عليه فكلمة الجميع عليه واحدة، وقد تراضوا على ذلك حتى يصلح العُقَّال (آل دينيش) وتأتي كلمتهم واحدة.
  5. منع الانحياز إلى أي طرف في المشكلة القائمة بين آل دينيش، وإذا تحاكموا أو تخاسروا وتنازعوا فيما بينهم فليس لبني بكر فيهم اعتراض.
  6. صحح المذكورون وتصالحوا وتراضوا وتحالفوا أنهم إخوة، عظم ما لهُ مفصل، لا يميل منهم إلى أحد وكلمتهم وشورهم واحد، ومن طلبهم حق من أهل دينيش فشورهم واحد وخسارتهم واحدة.

وذكرت الوثيقة أسماء الشهود المحايدين من خارج بني بكر، ومن قضاة بني بكر وفقهائهم أصحاب المبادرة، وكتبها الفقيه أحمد حيدر بن علي عز الدين. وهكذا جعلت الوثيقة الكرة في مرمى أصحاب الشأن (آل دينيش)، وتركت الحل لهم بما يرتضوه ويرضى بني بكر، وحرصت على لـمِّ شور بني بكر وتوحيد كلمتهما، ومنعت الانحياز لأي طرف، ووقف أية تداعيات، يكون لها انعكاس على وحدة بني بكر.

تدخُّل منصب عينات لإصلاح ذات البَيْن

من الجلي أن المحاولات الحثيثة لحصر المشكلة وحلها في إطار بيت المشيخة (آل دينيش) قد تأخرت ولم تصل إلى نتيجة سريعة، رغم الجهود التي بذلها قضاة بني بكر وحكماؤهم وعصيبهم، الذين اتسم موقفهم بالحيادية إزاء الخلاف الداخلي بين آل دينيش، وترك الأمر لهم في اختيار من يرتضونه خلفًا للشيخ ناصر بن عوض دينيش، مع وضعهم ضوابط مهمة وملزمة أجمعوا عليها في ميثاق الشرف لمواجهة أية مستجدات في ظل هذا الخلاف.

ولا شك أن استمرار الخلاف دون الوصول إلى حل داخل بيت المشيخة (آل دينيش) قد انتشر خبره في محيط بني بكر ويافع، بل وبلغ صداه إلى حضرموت، وهو أمرٌ متوقع نظرًا لثقل وجود آل بني بكر وانتشارهم في عدد من المدن والقرى الحضرمية ممن تصلهم الأخبار الخاصة والعامة أولًا بأول من أهلهم وأقربائهم في بني بكر، ولا شك أن مثل هذا الخبر قد تصَدَّر بقية الأخبار الخاصة والعامة التي تحملها عادةً الرسائل الشخصية، أو على لسان المسافرين القادمين من بني بكر، فضلًا عن وجود عدد من الشخصيات المؤثرة من مشايخ آل دينيش في حضرموت، ممن كانوا يتابعون القضية وتصلهم تطورات ما يدور أولًا بأول، ويبدو أنه قد أقلقهم بروز هذا الخلاف واستمراره، ولم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى منصب عينات حينها الحبيب السيد سالم بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (خلف أباه وتولى المنصب بين سنة 1177- 1211ه)؛  لما له من تأثير روحي وكلمة مسموعة يمكن أن تحسم هذا الخلاف، ولإدراكهم أن قراره نافذٌ ولن يعترض عليه أحد، فاتجهوا إليه طالبين تدخله لوضع حدٍ لهذه المشكلة خشية استفحالها وتشعبها وخوفًا من عواقب إطالة أمدها على وحدة بني بكر، وعلى دورها ومكانتها في إطار يافع وحضرموت.

رسالة صاحب عينات وإقامة الأَسَنّ من آل دينيش

لم يتردد منصب عينات الحبيب سالم بن أحمد ‍ فور علمه بما بلغه من خلاف غير متوقع بين من يرى فيهم سندًا وعونًا له، وساءه أن يحدث ذلك وتخوف من عواقب استمراره، ولم يطُل به التفكير في البحث عن حلٍ لإصلاح ذات البين في (بيت المشيخة)، وهو يدرك أن كلمته ماضية وقراره نافذٌ فرأى أن الحل المقنع والمُرضي للجميع هو إقامة الأَسَنّ من آل دينيش خلفًا للمتوفَّى المحب الشيخ ناصر بن عوض دينيش، كما جاء في رسالته التي وجهها إلى عدد من الأعيان وبني بكر كافَّةً، يتصدّرهم الفقيه أحمد بن حيدر بن علي عزالدين نظرًا للمكانة المهمة التي يشغلها الفقهاء في المنظومة القبلي،ة والدور المنوط بهم في مثل قضيةٍ كهذه، تمس رأس المشيخة في بني بكر، ولأنهم على رأس المبادرين لوقف تداعياتها ومحاولة التوفيق بين أطرافها وحلها داخليًا.

وفيما يأتي نصّ رسالة منصب عينات الشيخ سالم بن أحمد ([5]):

نص الوثيقة رقم (7)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الله تعالى يحفظ ويخص ويحرس ويمن بالعافية والتوفيق على المحبين الملحوظين الفقيه أحمد حيدر علي وجابر محمد([6]) ومحمد عبدالله الحطيبي([7]) وعوض جبران([8]) ومحمد علي مسعود([9]) وإسماعيل بن أحمد([10]) وكافة بني بكر جميعًا حفظهم الله، وخصهم للسلام ورحمة الله وبركاته.

لا يخفى عليكم يا محبين بأنه بلغ إلينا وفاة المحب الشيخ ناصر عوض دينيش إلى رحمة الله تعالى فالله تعالى يغفر له ويرحمه رحمة الأبرار ويسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار، وبلغنا أنه حصل فشل من أجل إقامة العاقل من بعد المحب الشيخ ناصر. القصد يا محبين أن يكون العاقل الأسن من أهل دينيش ومن هو الأسنُّ منهم فقد أقمناه، وفيه لكم الخير والبركة وذلك بأمرنا ورأينا فاعتمدوا أمرنا ، ومن خالف أمرنا ومراده إقامة غير الأَسَن فلا يصيد خير ولا يفلح والقدرة تصرف فيه، فاجمعوا رأيكم وكلمتكم واجتمعوا على كتابنا هذا حال يصل إليكم ، اجتمعوا جميعاً وأقيموا العاقل من أهل دينيش الأَسَن منهم بأمرنا ورأينا، ومن خـالف  فهو مقطوع ولا يبلغ مقصود ويحسر ويندم ولا يصيد خير ولا يفلح ، كونوا على حذر لأن أمركم إلاّ إلينا وأنتم إلاَّ على يدنا ولا لأحد تقديم ولا تأخير في مثل هذا الأمر إلاّ برأينا وأمرنا واعتماد أمرنا أكبر فايدة وتحمدون عقباه وبه لكم الخير والبركة والحفظ والجمالة والكلمة العالية، ومن خالف ما يصيد خير، والله الله بالمقام التام بطاعة الله ورسوله وما يرضي الله ورسوله ويرضينا وجَمْع رأيكم واتحاد كلمتكم وبذل النصح بينكم البين والمحافظة على حدود الله وفي جانب الضعيف والمسكين والإخلاص  واقواء النيات والتمسك بالانذار (النذور) والوِدَا([11]) إلى يد خادمنا أحمد البكري([12]) ومن قبَّضه ما هو لنا بريَّت ذمته والدعاء مبذول بالعوض والخير والبركة وصلاح الثمار والشفاء والعافية والحفظ والجمالة والهداية والدعاء مبذول والسلام من الأصناء والأولاد أحمد وعلي .

والحمد لله رب العالمين. ويسلموا عليكم الأعمام والأولاد والاخوان وكافة أصحابنا الجميع والسلام ختام.. 

وفي أعلى الرسالة

ختم برسم الشيخ سالم بن الشيخ أحمد

(تولى المنصب بين سنة 1177- 1211ه‍)

الشرح والتعليق:

  • جاءت رسالة منصب عينات كالمنقذ من دوامة تعقيدات هذه القضية، التي كادت أن تعصف بوحدة بني بكر، وتفرِّق جمعهم وتجعلهم شذر مذر، ومن المعروف أن أمر منصب عينات نافذٌ لا محالة ويرضى به الجميع عن قناعة؛ لمكانته الروحية، وتأثيره الديني، ولما يحظى به من توقير وتبجيل كبيرين، وأخذ الجميع لأوامره مأخذًا جديًّ؛ا لاعتقادهم ببركته، وأن رضاه من رضا الله ورسوله، ولا مجال هنا للشورى، أو الأخذ والرد، أو الاعتراض، أو التسويف فيما يقرره المنصب.
  • خلت الرسالة من الاستهلالة التقليدية التي تبدأ بالدعاء بصالح الأعمال، ذلك لأن الأمر جلل، كما أسلفنا، وعليه أن يدخل مباشرة في صلب القضية، فأوضح أنه بلغه وفاة (المحب الشيخ ناصر عوض دينيش)، وبعد أن ترحَّم عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة، ذكر أيضًا أنه بلغه ما حصل من فشل في إقامة العاقل من بعد (المحب الشيخ ناصر). ثم دخل في الأمر المهم، أو خلاصة الموضوع باتخاذ قراره النافذ والملزم بإقامة الأَسَنّ من أهل دينيش، أي الكبير في السِّن، ممن تقدَّم به العُمْر وعَرَكته الحياة وحلَب الدَّهرُ أَشطُرَهُ، مجرّب للأمور يُحسن تدبيرها بمعرفته وجودة رأيه، قائلًا بصيغة الأمر: “القصد يا محبين أن يكون العاقل الأسن من أهل دينيش ومن هو الأسن منهم فقد أقمناه، وفيه لكم الخير والبركة وذلك بأمرنا ورأينا فاعتمدوا أمرنا”. وفي تقديري أن الفقرة أعلاه هي لُبُّ مضمون الرسالة أو (بَيْتُ القصيد)، وما عداها تحصيل حاصل وتأكيد له وقعه الروحي والنفسي.
  • يحذِّر من يخالف أمره أو يريد إقامة غير الأَسَن بأنه (لا يصيد خير ولا يفلح والقدرة تصرف فيه)، ويدعوهم إلى جمع رأيهم وكلمتهم حسب رسالته ويقيموا العاقل (الشيخ) الأَسَنّ من آل دينيش بأمره ورأيه، ومن خـالف  فهو مقطوع، ولا يبلغ مقصودًا ويحسر، أي يشعر بالحسرة ويندم، ويجدد التحذير من عواقب مخالفة ذلك بقوله: “كونوا على حذر لأن أمركم إلاّ إلينا وأنتم إلاَّ على يدنا ولا لأحد تقديم ولا تأخير في مثل هذا الأمر إلاّ برأينا وأمرنا واعتماد أمرنا أكبر فايدة وتحمدون عقباه وبه لكم الخير والبركة والحفظ والجمالة والكلمة العالية، ومن خالف ما يصيد خير”.
  • ويختتم كالعادة بنصائحه الدينية لهم بطاعة الله ورسوله، وجَمْع رأيهم، واتحاد كلمتهم، وبذل النصح بينهم…الخ. كما يدعوهم لأداء النذور (النذار) المخصصة لمناصب عينات وتأديتها (الوِدَا) إلى يد خادمهم أحمد معوضة البكري، حتى تبرأ ذمتهم.

عينات وترجيح العاقل علي دينيش:

وهكذا تنفست بنو بكر الصعداء، وخرجت من أزمة طارئة، ووقع الاختيار حسبما أمر منصب عينات على الأكبر سنًّا حينها من بيت آل دينيش، هو الشيخ علي بن دينيش بن عوض بن سعيد بن عوض بن سعيد بن محمد بن دينيش البكري، النجل الأكبر للشيخ دينيش بن عوض، شقيق الشيخ المتوفَّى ناصر بن عوض بن سعيد بن عوض بن سعيد بن محمد بن دينيش البكري، وتخطت أسرة المشيخة ومعها بني بكر جميعها محنتها التي عانت منها، وعادت الأمور إلى نصابها والمياه إلى مجاريها. وبارك منصب عينات الشيخ سالم بن أحمد هذا الاختيار، كما جاء في رسالة وجهها إلى الفقيه أحمد بن حيدر وعوض بن صلاح البكري وأصحابهم بني بكر كافَّةً في حضرموت، قبل سفرهم إلى يافع متمنيًا أن ييسر الله عليهم وأن تصحبهم السلامة والعافية، ويحفظهم أينما توجهوا، وفيما يأتي نصها رسالة ترجيح العاقل علي بن دينيش([13]):

نص الوثيقة رقم (8)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الله تعالى يحفظ ويخص ويحرس ويمن بالعافية والنعايم على المحبين الملحوظين أحمد بن حيدر وعوض صلاح البكري وكافة أصحابهم بني بكر حفظهم الله وخصهم السلام ورحمة الله وبركاته.

وصل كتابكم الكريم وتحققناه وتذكرون ما بلغ في نفوذ السلطان علي بن جعفر إلى القبلة ولا عندكم خبر ما مقصده فالمرجو أن مقصده خير لنفسه ومن قصد غير ذلك ما يبلغ مقصود  إن شاء الله تعالى وتذكرون أنكم مسافرين إلى الجبل المحروس فالله تعالى ييسر عليكم وتصحبكم السلامة والعافية ويحفظكم اينما توجهتوا وتذكرون صَدَر المحب الشيخ علي دينيش لقصد الزيارة والاستخلاف فهو وصل وبلغ الزيارة المقبولة والنظر الشامل وصدر كتاب صحبته للمحبين بني بكر وعرفنا لهم إنا رجحناه أنه عاقلهم وفي معقلته لهم الخير والبركة وشددنا عليهم بالإخلاص والوِدَا وحسبما أوصيناه إليهم وللخادم أحمد البكري، وتذكرون يا محب أحمد أنكم واصلين للزيارة فالله تعالى يهيئ لكم الأسباب ويبلغكم الزيارة المقبولة والنظر الشامل والقصد والمراد والدعاء لكم مبذول بصلاح الأمور ظاهراً وباطن والسلام من الأعمام والأصناء وأولاد احمد وأصنا.

ختم برسم الشيخ سالم بن الشيخ أحمد

الشرح والتعليق:

  • تبدأ الرسالة بعد السلام بإعلامهم بوصول كتابهم الكريم إليه، الذي يذكرون فيه خبر نفوذ السلطان علي بن جعفر إلى القبلة، والمقصود بالقبلة جهة الشمال، أي ذهابه إلى الإمام الزيدي في صنعاء، وعدم معرفتهم بمقصده من تلك الزيارة، فيرد عليهم المنصب بقوله: “وتذكرون ما بلغ في نفوذ السلطان علي بن جعفر إلى القبلة ولا عندكم خبر ما مقصده فالمرجو أن مقصده خير لنفسه ومن قصد غير ذلك ما يبلغ مقصود إن شاء الله تعالى”.
  • والسلطان علي بن جعفر بن علي بن عبدالله بن عمر بن بدر أبي طويرق([14])، هو السلطان السادس والثلاثون من سلاطين آل كثير، ولعل زيارته للإمام كانت بهدف البحث عن تأييد للحدِّ من نفوذ يافع، الذي تقوّى في ذلك الوقت على حساب ضعف نفوذ الدولة الكثيرية.
  • ومن مضمون الرسالة نعرف أن الشيخ علي بن دينيش قد وصل إلى عينات للزيارة والاستخلاف، أي مباركة اختياره خليفةً لعمه المتوفَّى الشيخ ناصر بن عوض ، وقد بلغ الزيارة المقبولة والنظر الشامل، وصدر كتابٌ من المنصب الحبيب الشيخ سالم بن أحمد للمحبين بني بكر، يذكر لهم ترجيحه للشيخ علي بن دينيش، وأنه عاقلهم وفي معقلته لهم الخير والبركة، ولم نقع على ذلك الكتاب الذي قد تكشف عنه الأيام، لكننا عرفنا عنه من نص الرسالة أعلاه لمنصب عينات، إذْ قال: “وصدر كتاب صحبته للمحبين بني بكر وعرَّفنا لهم إنا رجحناه أنه عاقلهم وفي معقلته لهم الخير والبركة”.

علاقة الشيخ علي بن دينيش بعينات وبحضرموت:

التزم الشيخ علي بن دينيش نهج أسلافه في العلاقة المتينة مع صاحب عينات، وظل التواصل قائمًا، والزيارات مستمرة إلى عينات، وتبادل المراسلات، وقد عاصر كل من المنصب الحبيب سالم بن أحمد (تولى المنصب بين سنة 1177- 1211ه)، ومن بعده ابنه المنصب الحبيب أحمد بن سالم بن أحمد (تولى المنصب بين سنة 1211-1241هـ).

  ومما بحوزتنا من وثائق ورد ذكره فيها، رسالة من منصب عينات الشيخ سالم بن أحمد موجهة إليه وإلى كل من أبوبكر الحقبي ومحمد عبدالله الحطيبي والفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر وبني بكر كافَّةً([15])، موضوعها الرئيس، الذي طرقه مباشرة بعد السلام ودون أية مقدمات، عزل القائم بخدمته في بني بكر أحمد معوضة البكري، بسبب تقصيره في الخدمة، المتمثلة بجمع النذور والأموال والعشير، مبديًا عدم رضاه عما جمعه من مبلغ ضئيل لم يكن يتوقعه، كما في قوله: “لا يخفاكم من أجل الخدمة المباركة التي تحصل منكم، فالمحب الخادم أحمد البكري أرسل ستة قروش ونصف وقرش ونصف للمشايخ وقبلناها على حسب نياتكم الصالحة بالله تعالى يبارك لكم ويبارك فيكم ويزيدكم من خير الدنيا والآخرة، والمحب أحمد البكري عرف لنا منه تقصير في الخدمة، وعزلناه عن خدمتنا ومرادنا أنكم تقيمون خادم حافظ أكيد الذي تعرفونه أنتوا”. ويؤكد مجدداً على الاعتناء في خادم حافظ لأشيائهم يبلغ جميع ما يحصل، ثم يوصيهم بمزيد من الإخلاص والتمسك بالنذور وتأديتها (الوِدَا) إلى الخادم الذي يقيمونه وغيرها من الوصايا التقليدية في طاعة الله ورسوله وإقامة حدود الله..الخ. كما يوصيهم في جمع رأيهم السديد واتحاد كلمتهم وبذل النصح بينهم البين، ويحذرهم من فتح أبواب الفتن..الخ”.

وفي ختام رسالته يشير إلى أن السلطان عمر قحطان – الذي ساءت علاقته بمنصب عينات حينها – وصلت منه كتب، واعترف وأصلح وأخلص نيته، وذكر أنه خارج للزيارة، ويطلب منهم طاعته بما يرضي الله ورسوله ويرضي مناصب عينات.

الرسالة الثانية([16]) من منصب عينات الشيخ أحمد بن سالم بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (خلف أباه وتولى المنصب بين سنة 1211-1241هـ)‍، وجهها إلى كل من الشيخ الشيخ علي بن دينيش بن عوض البكري والفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر وبني بكر كافَّةً، وفيها يذكرهم بوصول كتابهم إليه لطلب الدعاء، ثم يسرد الدعاء والنصائح المعتادة،  والحث على (الوِدَا) أي ما يخصص لهم من أموال وعطايا ونذور تذهب، كما قال، للمطبخ المبارك…الخ. ويرحب بقدومهم للزيارة مع السلاطين كما ذكروا ذلك.

الرسالة الثالثة([17]) من صاحب عينات الشيخ أحمد بن سالم بن أحمد، وخص بها الشيخ علي بن دينيش البكري وكافة بني بكر جميعاً، استهلها ببذل الدعاء المعتاد، وتأكيد العلاقة المتميزة، القديمة والمتينة مع بني بكر بقوله: “لا يخفاكم لم نزل باذلون لكم صالح الدعاء مقيمين خاطرنا معكم ونظرنا شامل عليكم ومعتنون بكم ومعكم لأنكم الخُلاصة لنا وعلاقة بنا سابق ولاحق، الأول مع الأول، والآخر مع الآخر، وهذا وصدرت إليكم خطوط بما فيها كفاية آخرها حول الخدمة المباركة”.

ينحصر موضوع الرسالة في قضيتين رئيسيتين، الأولى: التأكيد على التمسك بالنذور، وإيصال كل شيء إلى عينات بوقته وحلّه ليبلغ المطبخ المبارك، والتحذير الشديد لكل من يفرّط بذلك بأنه لن يصيد خيرًا، ولن يفلح وبه هلاك حاله وماله. والثانية والأهم يذكرهم بما أرسل لهم من رسائل حول استمرار الحوادث والأحوال غير المرضية، الذي يتعرض لها جنابهم الشريف من القبائل، وتفرق المحبين يافع، ويطلب وصول 150 مقاتلًا في أسرع وقت، لمجابهة تلك الأحداث، وحماية عينات من الأخطار المحدقة بها من بعض القبائل، يقول: “ومرادنا وصول مائة وخمسين نفر ناس ملاح زيان مستمعين مطيعين مأمورين منفذين برأينا ورأينا الله الله حسبما سبق منا إليكم”.

 ويتعجب من عدم وصول أحد حسب الطلب والتساهل في الأمر، مُجَدِّدًا طلب الخروج بأسرع وقت، ومهدِّدًا من يخالف كلامه بعواقب الأمور، والقدرة الباهرة التي ستتصرف فيه، يقول: “الخروج في الحال مائة وخمسين نفر المبادرة الله الله، الساعة الساعة لأنكم الخلاصة لنا وعلاقة بنا زيادة وتكونوا حسبما ظننا فيكم، وبما في الخطوط السابقة كفاية، اعتمدوا اعتمدوا ومن خالف كلامنا وأمرنا لومه من نفسه والقدرة الباهرة تصرف فيه وهو مقطوع منا الدنيا والآخرة، ومن اعتمد لنا نحن غير نادم ويحمد العاقبة الحسنة برضانا ودعانا”.

ونجد مثل صيغة التحذير والتهديد هذه تتكرر غالبًا في رسائل سادة عينات؛ لتخويف أتباعهم من عواقب مخالفة كلامهم وأوامرهم نظرًا لما لهم من تأثير روحي قوي في قلوب الناس واعتقادهم ببركتهم. وأقول لو أن لهم مثل تلك القدرة التي يهددون بها من لا يستجيب لكلامهم، لكان الأولى بهم توجيه (القدرة الباهرة) لدفع الضرر، وصد الخطر عن أنفسهم، وتسخيرها ضد من يتهددهم من القبائل، التي يشتكون منها ولما احتاجوا لطلب النجدة والغوث من غيرهم.

وهناك رسالة من السيد الشيخ أحمد بن سالم بن أحمد موجهة للشيخ علي دينيش وآخرين من مشايخ بني بكر([18])، تتضمن بعد المقدمة التقليدية والدعاء إشارة إلى ما حدث من السلطان أبوبكر بن قحطان هرهرة من أمر كبير وفعل شنيع بتعرضه لصوافي([19]) الحبيب الحسين ولأولاد آل محسن بسبب صوافي الحبيب الحسين، والصوافي هي الأراضي التي تؤول ثمارها لصاحب عينات وربما النذور العينية، ولهذا نراه يطلق الأدعية ضد السلطان الذي انتهك حقًا مقدَّسًا في نظره، وجعله عرضة لسخط الأسلاف والأخلاف، يقول: “وبلغ إلينا ما جرى من السطان بوبكر قحطان الأمر الكبير والفعل الشنيع والتحدي العظيم واستحوذ عليه الشيطان واتبعه وتعرض لسخط الله وسخط سيدي الشيخ أبوبكر بن سالم وسيدي الحبيب الحسين وسخطنا وأسلافنا الأقطاب أهل الأنوار الشارقة والكرامات الخارقة…وتعرض في صوافي الحبيب الحسين وتعرض لأولاد آل محسن على سبب صوافي الحبيب الحسين وذلك غلط وشطط وتحدي عظيم ولا يصيد خير ويندم ولا يفلح ويخسر ويندم”.

كما وجدنا شاهدًا كريمًا محرَّرًا تاريخ 4 من شهر جمادى الأولى سنة 1210هـ بيد الشيخ علي دينيش في أربعة قروش حجر، بختم وتوقيع السلطان بوبك بن عمر هرهرة([20]) عن اتفاقهم مع الدولة بأن من سلَّم لهم الشاهد سلموه الدراهم([21]).

وهذه الرسائل، وغيرها مما لم يصل إلينا، تبين المكانة المهمة التي مثلها الشيخ علي بن دينيش، الذي اتبع نهج أسلافه في الحفاظ على دور مشايخ بني بكر ومكانتهم، سواء في العلاقة مع سلاطين يافع، أو مع مناصب عينات، وقد عاصر المنصبين الشيخ سالم بن أحمد وابنه أحمد بن سالم، وكان له زيارات لهما منذ ترجيحه عاقلاً لبني بكر ومباركة عينات له.

الخلاصة

  • جرت أحداث انقلاب بني بكر على الفقهاء آل عزالدين، ونسمي ذلك الخلاف (انقلابًا) حسب توصيف منصب عينات الذي جرت الأحداث في عهده وهو السيد الشيخ أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (1142-1177هـ)، بمعنى أن ذلك الخلاف قد حدث في حياته، أي قبل وفاته سنة 1177هجرية، وقد صدرت منه خمس رسائل بختمه حول هذه القضية، ولا نعرف في أي سنة بالضبط لعدم كتابة تاريخ رسائل مناصب عينات والاكتفاء بوضع ختمهم على رسائلهم، ويتضح موقف المنصب الواضح والقاطع إلى جانب فقهاء بني بكر آل عزالدين، ورفض الانقلاب عليهم، وتثبيت إنابتهم وإقامتهم في نيابة الشرع، بل وتوجه المنصب أيضًا برسالة أخرى إلى السلطان عمر بن قحطان بن هرهرة طالبًا منه استخدام نفوذه ومكانته للضغط على آل بني بكر، والقبول ببقاء الفقهاء على عوائدهم السابقة.
  • فيما جرت أحداث خلاف آل دينيش، وهم  بيت المشيخة في بني بكر، فيمن يخلف الشيخ ناصر بن عوض بن سعيد بن عوض بن سعيد بن محمد بن دينيش البكري، المتوفَّى عام 1191هجرية، في عهد صاحب عينات الحبيب السيد سالم بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (خلف أباه وتولى المنصب بين سنة 1177- 1211ه)، وقد صدرت منه ست رسائل بختمه تخص معالجة هذه القضية، وعلى عكس خلاف بني بكر مع الفقهاء والانقلاب عليهم الذي أخذ منحى عامًا، شمل بني بكر بأسرها، وتطلب تدخل منصب عينات وسلطان آل هرهرة ، فإن الفشل أو عدم الاتفاق على من يخلف الشيخ المتوفَّى ناصر بن عوض دينيش قد انحصر في إطار بيت المشيخة (آل دينيش)، لكنه مع ذلك تطلب تدخل فقهاء بني بكر ومعهم عقال العصيب وتدخل منصب عينات.
  • من رسالة منصب عينات اتضحت لنا أسباب خلاف بني بكر مع الفقهاء بسبب تصرفات وسلوكيات أولاد وإخوان الفقيه أحمد بن علي، فيما كانت أسباب خلاف آل دينيش حول من يخلف العاقل المتوفي الشيخ ناصر بن عوض دينيش، ورغم فرضية الخلاف حول نجله الأكبر أحمد بن ناصر بسبب عدم استقراره في بني بكر فإن الأسباب تظل مجهولة ولا نعرف كنهها، وربما تكشف الوثائق عن ذلك في المستقبل.
  • كادت بنو بكر أن تدخل في فتنة داخلية بسبب خلاف أصاب رأس المؤسسة القبلية، عقب وفاة الشيخ ناصر بن عوض بن دينيش، وعدم التوصل مباشرة إلى اختيار خلف له يرضي بيت المشيخة، وانقسامهم في هذا الشأن. ورغم عدم حسم الخلاف وتأخر الوصول إلى حل سريع باختيار خلف للعاقل المتوفي الشيخ ناصر بن عوض دينيش فإن المنظومة القبلية أظهرت تماسكها، وتمكنت بنو بكر بمبادرة قضاتها وحكمتهم ومعهم أعيان العصيب من مواجهة المشكلة الناشئة وحصرها في إطارها الصحيح داخل بيت المشيخة (آل دينيش)، وترك الاختيار لهم بمن يرتضوه، وكانت وثيقة الشرف التي تم التوقيع عليها كانت ضمانة قوية لوحدة الصف ورسوخ المنظومة القبلية بتراتبيتها وقطع دابر أية تدخلات لصالح أي طرف.
  • بينت هذه المشكلة مكانة بني بكر بثقلها الاجتماعي والسياسي في يافع والممتد إلى حضرموت، ووصول أصداء الخلاف إلى مثاوي آل بني بكر ومساكنهم هناك وإلى الحضرة الدينية، المتمثلة بمناصب عينات الذين تجاوبوا سريعًا وتدخلوا بثقلهم وكلمتها المسموعة.
  • كان موقف عينات واضحًا ومتشابهًا في تنصيب الأَسَنّ سواء في مشكلة الفقهاء أو في الخلاف على تنصيب العاقل خلفًا للمتوفَّى، وكان ذلك هو الحل المنقذ والقاطع الذي وافق عليه الجميع دون اعتراض، لأن أمر المنصب لا يقبل الاعتراض، لمكانته الدينية، وتأثيره الروحي وخشيتهم من أن يصيبهم مكروه جراء مخالفتهم له. 
  • نستخلص من هذه الوثائق والأحداث التاريخية قوة الروابط وحميمية العلاقة بين يافع وحضرموت وتأثير مناصب عينات من آل الشيخ أبي بكر بن سالم  ونفوذهم في مجريات الأحداث وإصلاح ذات البين وحل أي مشاكل يصل صداها إليهم أو يُطلب منهم التدخل فيها؛ باعتبارهم المرجعية الدينية والروحية ليافع بسلاطينها ومشايخها وقبائلها، وتجلى ذلك من خلال نموذج العلاقة المتبادلة بين بني بكر وعينات، وتأثيرهم وتجاوبهم السريع عند الحوادث والملمات، وتدخلهم الحاسم لحل الخلافات فور بلوغ صداها إلى مسامعهم عبر منظومة التواصل، القائمة حينها من خلال الرُّسل والرسائل، التي لا تنقطع بين الطرفين، والتواصل مع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك السلاطين، وقد كانت مواقفهم حاسمة وسريعة في إصلاح ذات البين، ووضع حد للمشاكل والخلافات الناشئة، سواء بين بني بكر والفقهاء من آل عزالدين، أو في مشكلة (آل دينيش) فيما بينهم البين وهم عُقَال بني بكر، وكان قرار عينات في الحالتين اختيار الأسن منهم، وهو ما تم الأخذ به مباشرة، ويتوافق مع الأعراف المتبعة في المنظومة القبلية، فأنتهى الخلاف، وعاد الائتلاف ووحدة الصف.
  • استخدم مناصب عينات نفوذهم الروحي في ترهيب من يخالفهم بعواقب قدرتهم المستمدة من القدرة (الإلهية)، ولهذا تتكرر في رسائلهم عبارات، مثل: (القدرة تفنيه)، و(ومن خالف أمرنا لا يصيد خير ولا يفلح والقدرة تصرف فيه)، و(من عاند أو عارض أصابته القدرة)…إلخ، وهو ما يكون له وقعه في نفوس العامة، الذين يتخوفون من أن تمسهم تلك الدعوات أو يلحقهم مكروه بسببها، فيحرصون على عدم مخالفتهم أو إغضابهم .
  • تكتسب الوثائق الخاصة بمناصب عينات قيمتها التاريخية، وهي وثائق تُنشر لأول مرة، وتخص اثنين من مناصب عينات هما: السيد الشيخ أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (1142-1177هـ)، ثم ابنه السيد سالم بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سالم بن أحمد بن الحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم (خلف أباه وتولى المنصب بين سنة 1177- 1211ه)، وحرصنا على نشر نصوص هذه الرسائل كاملة مع صور واضحة لها بما يمكن الباحثين والمهتمين من الاستفادة منها عند دراسة دور مناصب عينات ومكانتهم وتأثيرهم خاصة، وسادة حضرموت عامة في أتباعهم، وفي يافع خاصة.

د.علي صالح الخلاقي .. أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية – جامعة عدن

[1] – معجم الأسلاف والأعراف القبلية في بلاد يافع، د.علي صالح الخلاقي، ط1، 2020م، ص79. 

[2] – صورة من الحلف بحوزة المؤلف، وما زلنا نبحث عن الأصل.

[3] – انظر صورة الوثيقة رقم (6) من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين البكري.

[4] – كلمة “دخيل” في لهجة يافع تعني الضيف أو المولود، ويبدو أن الفقهاء آل عزالدين بحكم صلتهم بحضرموت وتلقي علومهم الدينية هناك قد أخذوها عن اللهجة الحضرمية بحكم تأثرهم بها أثناء تواجدهم هناك، فقد أفاد د.أحمد با طايع أن معناها الوسيط بين طرفين لحل مشكلة أو للتقريب بينهما، وهذا المعنى في حضرموت مقتصر على العامة في المدن أما بين القبائل فهناك المقادمة.  

[5] – انظر صورة الوثيقة رقم(7) من محفوظات الشيخ قاسم صالح محمد بن دينيش البكري (العسكري).

[6] – جابر بن محمد بن ابي بكر ابن عمر بيبك الشغمومي الحسني.

[7] – محمد بن عبد الله بن احمد بن عبدالله الحطيبي العمري.

[8] – عوض بن جبران بن عوض اليزيدي البكري.

[9] – محمد علي مسعود التام الحسني.

[10] – إسماعيل بن أحمد ملجمي بن محمد بن علي سعيد البلحي.

[11] – الوِدَا: تأدية الشيء إلى صاحبه، ويقصد هنا تأدية النذور والعشير والصدقات لصاحب عينات إلى يد خادمه في بني بكر.

[12] – يورد اسمه (المحب الخادم أحمد معوضة الشاحذ) وأقامه في خدمة صاحب عينات المنصب أحمد بن سالم بن الشيخ أبي بكر بن وبنظر الفقيه نائب الشرع عبدالحبيب بن أحمد حيدر، في رسالة موجهة إليه (من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين).

[13] – انظر صورة الوثيقة رقم (8)، من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.

[14] – حضرموت.. تاريخ الدولة الكثيرية، محمد بن هاشم، تريم للدراسات والنشر، ط1، 2002م، ص135.

[15] – انظر صورة الوثيقة رقم (9)، من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.

[16] – انظر صورة الوثيقة رقم (10)، من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.

[17] – انظر صورة الوثيقة رقم (11)، من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.

[18] – انظر صورة الوثيقة رقم (12)، من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.

[19] – الصوافي: الأملاك والأرض مات أهلها ولا وارث لها والضياع كان يستخلصها السلطان لخاصته واحدتها صافية. (المعجم الوسيط)

[20] – أبوبكر بن عمر بن صالح هرهرة، سلطان يافع العليا، خلف أخاه قحطان بن عمر بن صالح هرهرة.

[21] – من محفوظات الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين.