سالم محمد بجود باراس
المرجع : مجلة حضرموت الثقافية .. العدد 28 .. ص 49
رابط العدد 28 : اضغط هنا
الزواج في الهضبة:
من أجمل ما في الريف أن الزواج يتم بسهولة في صورةٍ من صور التيسير، وبدون تكاليف مجحفة للزوج، كان الذهب والفضة قبل التسعينيات رخيصًا، وبمقدور الزوج تلبية طلب أهل الزوجة لشروط بنتهم، كان يشترط (ستة بناجر ذهب دقة تركتر) والبناجر مفردها بنجري، وهو ما يلبس في معصم المرأة، ودقة تركتر لا أعرف تسميتها بذلك؛ والتركتر معروف وهو آلة حديدية يمشي على سلاسل بعكس الشيول الذي يمشي على عجل يسمى بحضرموت (تاير)، ويشترط أيضًا حزام فضة، وبعض الأشياء البسيطة والمعروفة في ذلك الوقت، وملابس النساء من أثواب منوَّعة، وبراقع، ولبس (المَصْوَن) (بفتح الميم وسكون الصاد وفتح الواو) وهو لبس خاص بالعروس يوضع على الرأس، وغير ذلك، ثم يبدأ الزوج بدعوة جميع القرى المجاورة، وتسمى هذه (عرس ظاهرة)، يتم تجهيز العريس باللبس المعروف قديمًا وهو ما يأتي:
الصبيغة: وهو لبس مثل الفوطة، يأتزر به رجل القبيلة على خصره، وسميت صبيغة لأنها تطلى بمادة النيل أو النيلة .
الخراطة: وهي ما تصنع من جلد الأغنام بعد دبغها، تطرز أطرافها يدويًا بنقوش جميلة، يلبسها العريس فوق كتفه يوم عرسه، ويبدأ كل الحاضرين برمي النقود، ما يسمى (القهوة)، وهي كناية عن المساعدة والتكافل الاجتماعي، وتستخدم أيضًا الخراطة كزينة لرجل القبيلة، وكجراب لحفظ طعامه وزاده، وما أشبه ذلك. بالنسبة للعروس توضع لها قطعة قماش تفرش على الأرض، وتبدأ النسوة بوضع النقود فيها بما يسمى (الطرح)، هذه العادة اختفت في الوقت الراهن، وخاصة عند العريس وبقي بعضها عند العروس.
البندق ( السلاح) : كان البندق يعد زينة رجل القبيلة، فلابد للعريس أن يرتديه يوم عرسه، والبنادق القديمة كانت كثيرة، أهمُّها (بو فتيلة، الهطفة، الشرفة، العيلمان، بوقمع، هرتي، الميزر، الفلنطة، بوعطفة، الفتيني، سَوزن، بو شعلة، وغيرها وآخرها الكلاكنشوف وهو الآلي)، وللبندق أهمية عند رجل القبيلة، فهو يصطاد به الغزلان والوعول، والشَّرَم (بفتح الشين والراء) وهي الأرانب، والوبران، وكذلك أنواع الطيور، مثل: طائر القوري، الخفرد، الحجل، وغير ذلك من الحيوانات والطيور، لذلك قال الشاعر مادحًا بندقه (سلاحه) :
بندقي ما هو كما بندقك واللون فيه *** بندقي غالي وطوَّلت النَسَع في غشاه
ما هو: أي ليس كما بندقك. النَسَع: هي ذبال تتدلى من الغشاء مزينة ومنقوشة. والغشاء ما يحفظ السلاح ويعد كجراب له ويصنع من جلد الأغنام.
صناعة البارود :
صناعة البارود ليست بالأمر السهل، فهو يستخدم لبنادق البوفتيلة، حيث يُلقم البارود من ماصورة البو فتيلة، ما يسمى بحضرموت (المَعنقة)، ويتكون من ثلاثة أشياء، وهي: الفحم: ويستخدم أهل حضرموت شجرة (العُشر) لاستخراج الفحم منها، ثم الملح الصخري (نترات البوتاسيوم)، وأخيرًا الكبريت الأصفر المعروف.
إنَّ هذه المقادير تحتاج ميزانًا ودقة في المكونات، فهي خطيرة، وتحتاج لخبير لعمل البارود وكيفية صناعته، ما نذكره هنا فقط هو إشارة للمكونات، ولابد من النسب المئوية لهذه المقادير، وهي: 74.8%، ملح صخري 13.3%، فحم 11.9% من الكبريت.
وما قيل في القنص من الشعر قال الشاعر :
نص حق من قنص ومن جاب قشعة ويقنص نص محكوم نص والضيف بُصرُه بنص
خصني ما اختص من ناس ما لي تخصص خُص نفسي وكل واحد يخص ذي يخُصُه
القشعة: (بضم أو فتح القاف وفتح الشين والعين) هي قرون الصيد مع جلدته بالرأس، يتفاخر بها الحضارمة كناية عن الشجاعة والقدرة على الصيد، والقشعة يضرب بها المثل للشخص الشجاع والكريم فيقال فلان قشعة .
(نص( نصف الصيد، بصره (بضم الباء وسكون الصاد وضم الراء) أي بكيفه أو له الحرية، وهنا تعني للضيف النصف من القناصة، وهذا يدل على الكرم. ما لي: أي لا دخل لي، فالمثل الحضرمي يقول : (ما سيبي ما حولي)، أي لا أتدخل في أي شيء.
الجنبية والخنجر والشفرة: تعد هذه الأسلحة زينة رجل القبيلة، وهي سلاحه وحصنه المنيع على كل عدو يتربص به، فالجنبية أنواع وقد ذكرناها في كتابنا (زبدة الخلاصة في عادات وتقاليد حضرموت).
الغشاء : وهو جراب يستخدم لحفظ السلاح، ويصبغ بالنيل، تزيَّن أطرافه يدويًا بنقوش جميلة، ويصنع من جلد الغنم، فالحضرمي كان ذا مهارة في الصنع اليدوية، وعرف كيف يصنع من جلود الأغنام أشياء كثيرة، فالحاجة كما قيل أم الاختراع، فصنع القربة لحفظ الماء، والسقا لحفظ قوته وما يلزم أثناء تنقله من منطقة لأخرى، وصنعت النساء من جلد الأغنام القماش، وهو مثل السقا تطرَّز أطرافه يدويًا، واستخدمته أثناء سروحها بالغنم وتنقلها، ففيه تحفظ قوتها وزينتها وما يلزمها، وصنعوا من جلد الغنم حذاء باجحيش المعروف، وجراب للسكاكين، ومسبت لحفظ الرصاص وزينة يتمنطق به رجل القبيلة وغير ذلك.
الفص والعضاد والحُبُس والمَخِية : الفص يلبسه العريس ورجل القبيلة، وهو فص من الفضة، يُزيَّن بجلد ذي نقوش وعقد جميلة، ثم يُزيَّن بفص من الأحجار الكريمة، مثل: العقيق اليماني، ويلبس في العنق، والحبس (بضم الحاء والباء) هي سير من جلد، يلبس فوق عضد الرجل كزينة، وكذلك العضاد يلبس كزينة، ويعتقد أنه يشفي من بعض أمراض معينة، تسمى (النكب) (بفتح النون والكاف) وهو وجع بالكتف يستخدم له عضاد من الحديد، والمخية (بفتح الميم وكسر الخاء) هو سير من الجلد أيضًا يلبس تحت الركبة كزينة، ويستخدم أيضًا الحثمة تحت الركبة، وهي من شعر الغنم؛ إذ يعتقد بأنها تبني المادة اللزجة التي في الركب وتعيدها، وربما في هذا الكلام شيء من الصحة؛ فقد قيل لي إن باكستانيًا رأى هذه الطريقة فنصح بها وقال: إنها تبني وتعيد تلك المادة في الركبة والله أعلم، لذلك نجد القليل من أهل الريف مِمَّن يشتكي من ركبهُ، فهم يمشون مسافات بعيدة، ويُعمَّر أحدهم فوق السبعين، ولازال يقطع الأودية، ويعتلي الجبال دون شكوى، وهذه الحثمة تستخدم لحبس السم عندما يتعرض الرجل للدغة ثعبان، أو لسعة عقرب وما أشبه ذلك .
هذا مختصر عن لبس الرجل قديمًا، حاليًا بدأت تغيرات تطرأ على رجل القبيلة ليواكب العصر الحديث، فلبس الشال والعمامة المطَّرزة والشيدر والشميز، والمعوز والسلاح الآلي، والحذاء العصري، وهكذا هي سنة الحياة، لهذا قيل في المثل الشعبي: (دهن السار يسير)، والسار هو قطعة الجلد، بمعنى لكل دولة رجالها، ولكل عصر فرسانه .
يبدأ الناس بالتوافد للعرس، ويتم إطلاق الأعيرة النارية من الطرفين كترحيب بالضيوف، وتسمع الزوامل تقترب حتى تصل إلى الطرف الآخر، وهم أقارب الزوج ومن معه، فيطلبون الكلان (العريس) للهوكة عليه، ثم تلتحم الأطراف في الزوامل، ويبدأ الشعراء في التنافس، مثل قول الشاعر علي محمد باصريح بو صدام:
يا مصبّح صبوح النوب فوق المجاني صبحوا بالمروة والشروع الطويلة
قال با صراح شوف الجمع هذا كفاني بارك الله في جمع الخوة والقبيلة
الشاعر يمتدح القبيلة وجميع من حضر، وهو يحث على التمسك بالعادات والتقاليد الحميدة، وأشار لها بكلمة (الشروع الطويلة) .
يا مصبّح: وهو الصباح. وكذلك صبوح النوب، أي: عندما يذهب صباحًا للمجنى. باصراح: باصريح، وهي من قبيلة سيبان العريقة .
فهناك أيضًا الغناء يسمى الدان، ومن هذا النوع قول الشاعر الأستاذ سالم عبد القوي باراس :
غُن يا مغني وشل صوتك رفع به رفوع غُن حرّك القلب وعروق الرئة والضلوع
صوتك عجبني وحَسُّه عا كياني يزوع ريت الحراوة تجزّع عندكم من سبوع
غُن: هي من الغناء، أي: أسمعنا صوتك وأطربنا به .
وشل صوتك، أي: ارفع صوتك .
ومن أمثلة شعر الزوامل:
في أحد أعراس منطقة العليسة قال الشاعر أحمد بن يسلم في قصيدة طويلة:
ما نتُم محضوركم بيد القافلة والقافلة كلين بايمسك كراه
ما حَنَا إلاّ وشَل ومواشَلة وألَّا معي حمران با هَوَّش علاه
ما نتُم: ما أنتم، أُدغمت للضرورة الشعرية، وتُعَد من لهجات البادية. محضوركم: أمركم وغايتكم. كراه: أجرته. ما حنا: ما نحنُ. وشل ومواشلة: مساعدة. حمران: اسم لجمل له، وتعني أحيانًا الرجال الذين يعتمد عليهم. با هوّش: با حمِّل عليه، وتعني في مواقع أخرى التحريض ضد آخر. علاه: عليه .
هنا في البيت إشارة خفية للشاعر عبدالله باصرة – رحمه الله – فكان رده جميلًا فقال:
بعض الكلِم مثل الرصاص القاتلة والقَبَح للقبَّاح ذي تربَّى علاه
الكلم: جمع كلمة، أي: بعض الكلمات، مثل الرصاص في حدتها وقسوتها. والقَبح: الهجاء أو الكلام القبيح. القبّاح: الذي يهجي غيره. علاه: عليه.
وهناك الحَفَّة؛ (بفتح الحاء وتشديد الفاء مع الفتح) وهي أن يتقابل اثنان بحفة معينة على نغم المدروف، وتحريك الأرجل، فهناك حَفّة مثلوثة ومربوعة، ولا يجيدها إلا من هو محترف ومتمرس عليها، والهَبِيش: لست أدري سبب التسمية، وربما حسب ما قيل: اسم جِنِّي، فالجميع يصفق من الرجال في المدارة، بقول: هبيش وا هبيش، هبيش وا هبيش، وا حي يا بوك … وقبل هذه الكلمات يكون الغناء، وآخر بيت من قول الشاعر يقومون للشرح، بحيث تقوم أحد النساء تسمى (شلالة) (بفتح الشين وتشديد اللام مع الفتح)، أي: من تلحن الصوت لهذا الشعر، فمثلًا قول الشاعر:
يا نيم قم ش المصبّح يلعبوا به لعب، وهكذا النساء والرجال تردِّد هذا مع التصفيق والهبيش إلى طلوع الفجر، وهكذا دواليك بقية أيام العرس .
والقزح والغياضي وغير ذلك من الموروث الشعبي، هذه هي عادات وتقاليد ذلك العصر، وما بقي منه اليوم إلا القليل واختفى معظمه .
أشعار النساء في الهضبة
وللنساء في الشعر والأراجيز دور ملموس، نحاول نقتطف بعضًا من بساتين شعره، فعندما تطحن المرأة ترتجز بالشعر لكي يعطيها النشاط والحيوية، فالمراجيز أو المرجزة سواءً للرجال أو النساء هي عامل قوي لبث النشاط والحيوية وعدم الشعور بالكسل والملل أثناء العمل، سواءً في الصراب (قطع السنابل من الزرع)، أو الحشيش (حش الرمام)، أو العمل في أي شيء، فمن أمثلة الأرجوزة والمرأة تطحن على المرهاة قولها :
با قوم با شل طحيني ذي في الكيس حَب
حد يطربوا له وحد يا ناس ما له طرب
باقوم: أي للعمل. حب: حبوب الذرة أو الطهف ونحوه. حد: (بفتح الحاء)، أي: شخص يطربون له. الطرب: (بفتح الطاء والراء) هو قمة الرضا والسعادة بالشيء المراد فعله.
وتقول شاعرة في موت سعد بن حبريش :
بن حبريش روَّح من الديس ما شي والعيانة علاه لما وصل جولة الريان حنّت علاه
كان ابن حبريش شخصية حضرمية لها شأن، لذلك تبارى الشعراء في رثاه كهذه الشاعرة .
روَّح: (بفتح الراء وفتح الواو مع التشديد) هي كلمة دارجة، وتعني ذهب .ما شي: تعني ذهب، وتُطلَق على كل من مشى برجله أو بسيارته ونحو ذلك، وتطلق في مواقع أخرى بمعنى: لا شيء معي، فمثلًا تقول: هل معك فلوس (نقود)؟ فيرد: ما شي معي.
العيانة: بمعنى العين عليه، كناية عن مراقبته وتبييت النية لقتله .
علاه: بمعنى عليه. كثير من كلمات البادية تقلب بعض الحروف، فمثلًا تقول: صباح الخار: والخار هنا الخير، قلبت الياء ألفًا، وكذلك كلمة ثار بمعنى ثور، فتقول: نطحني ثار بمعنى ثور، وتقول : بعار بمعنى بعير وغير ذلك .
حنَّت: كناية على صوت إطلاق الرصاص عليه بكثافة، وتستخدم لأي شيء فيه صوت، سواءً كان مفرحًا أو محزنًا، تقول: حن الرعد، أي: بدأت المخيلة؛ لأن الرعد رسول المطر وعلامته .
وكانت النسوة قديمًا تشارك العروس فرحتها، وتنشد الشعر وتلامس هموم الناس؛ إذ تقول شاعرة :
ما شي عوائد عوائدنا خَطَت عا شبام حتى القعاطي من أقصوره تقنَّع وزال
واليوم قد قَطبُوا سدته هي والقوام
ما شي: لا توجد. العوائد: هي العادات والتقاليد. خَطت: مرَّت أو تجاوزت. القعاطي: السلطان الحاكم وهو القعيطي. أقصوره: قصوره. قطبوا: خربوا. سدته: سدة المكلا، والقوام: هي ما تقوم عليه السدة.
ومن أراجيز الصراب :
الصراب (بفتح الصاد أو كسرها) هو حصاد البُر والذرة والشعير ونحوه، والحشيش يكون للرمام، الأراجيز مفردها أرجوزة، يتغنى بها الرجال أو النساء أو معًا على حد سواء؛ لتلهب فيهم النشاط وعدم التعب، فمن أراجيز الرجال مثلًا:
من معه مُدين حَب ما يَعوَّل بالتعب
من معه: أي الذي نصيبه مدين، وهو ملء الكفين من الحبوب. ما يعوّل: لا يعطي للتعب أهمية.
وقولهم أيضًا:
قال با عوم عَولَة مَيَّحَت ريت لي فيش يالعَولة ثمين
عَولة: اسم لطائر، هو الحمام البري. مَيّحت: عبرت ومرَّت أمامي. ريت: (بفتح الراء والياء) أمنية يا ريت. فيش: فيكِ، أي: العولة. ثمين: اسم لقسم في هذا الطائر .
الثمين والرُبع والناصفة ونص الثمين هي تقسيمات حضرمية معروفة لأي لحم يتم تقسيمه .
من أراجيز الصراب قولهم :
يا سَبُولَة تمنِّي فوق رأسي ونا صَرِب يا سبولة تمنِّي فوق حرَّاث يعجب
يا سبولة: يا سنبلة. تمني: اطلبي أمنية. ونا صرب: أي وأنا أقطع السبول، بمعنى السنابل. حرّاث: صاحب المحراث .
ومنها أيضًا:
قال بو خالد صباح الخار لك يا غصن راوي
من ثمر مُد لــي شمروخ بصــطي والقيــالي
صباح الخار: صباح الخير. مُد لي: ناولني. شَمرُوخ: عذق من الثمر. بصطي: فطوري .
وقولهم في أرجوزة أخرى:
سرّحت البكرة وقدنا في تراويح العشية طرَّب المركب بلادك يا الغريب
سرحت البكرة: هو بداية التبكير للعمل. طرّب المركب: نادى منادي المركب .
أحياناً يَبدع الزوج بيتًا من شعر، وهو يشتغل مع زوجته، فترد عليه بما يناسب قوله ويبدأ العمل بنشاط وحيوية، فالزوج أنشد لزوجته صفية بقوله :
صفية روّحت والمرُوّح في قداها
فترد زوجته صفية :
يظلِّي حيث ظلَّت ويمسي من مساها
وللحب قصص وحكايات في ذلك الزمان؛ إذ يقول شاعر حين الصراب عندما ذكروا له حبيبته :
لحَّد يذكَّر متيَّم في نهار الصَراب زام الهوية عبر مدفون تحت التراب
هذه الأراجيز كان لها قديمًا نكهة خاصة، فهي تضفي عليهم السعادة وانشراح الصدر وراحة النفس، فيكون للعمل طرب، أي انشراح، ويذهب عنهم التعب والملل والصمت المخيف أثناء العمل.
عادة حَسَن والجَويَّد:
عادة حَسَن والجَويَّد كثيرًا ما نسمع عنها، ويُخيَّل لنا من أول وهلة أنه مَثَلٌ شعبي أو مقولة عابرة، ولكن كفانا مؤنة البحث والسؤال الشيخ أحمد سويد باصريح، فعلى الرغم من أنه لا توجد وثائق ومخطوطات بحوزة أيٍّ من آل سيبان فإنها قد تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولكي لا تُنسَى أحببنا توثيقها من عقلاء آل سيبان ووجهائهم، وسنكتب ما حفظوه وهي قاموس ودستور قبلي تعارف عليه الناس منذ مئات السنين، فمن مئات السنين اجتمع المقدم حسن باصريح والمقدم الجَويّد باقديم؛ وهما من قبيلة المراشدة والخامعة؛ بوضع دستور وقانون قبلي يضم العادات والتقاليد والأعراف والأحكام لهذه القبيلة؛ حتى تحمي كيانها وتماسكها الداخلي، ولكي تقوى شوكتها عند القبائل الأخرى، وتثبت وجودها على الساحة، وبعد أشهر من الاجتماعات والمشاورات المتواصلة، اكتمل الدستور، أو ما يُعرَف (بعادة حسن والجَويّد)؛ إذ أقرته فيما بعد الكثير من قبائل سيبان، وعملت به في شؤون حياتها.
أهم ما ورد في هذا الدستور التاريخي:
جريمة القتل: فمن وجد مقتولًا، ولا يُعرَف قاتله، يحلف أربعون حلّافًا من أقرب منطقة وجد فيها القتيل، وأما المرأة ففيها عشرون حلّافًا (يمين القسم(.
العَقَدة: وهي الهم بالقتل أو التهديد، فعليه غرامة مالية تُقدّر بمائة وعشرين قرشًا .
العَدوة: من الاعتداء ومجاوزة الحق، فكل من اعتدى على الممتلكات الخاصة، تلزمه غرامة تقدر بستين قرشًا.
الهامية والدامية: وهذا ما يختص بحقوق الزوجة، فالهامية التي تتعرض للأذى الجسدي، فينتج عنه أورام وكدمات، ففيها غرامة على الزوج تقدَّر بقرش.
والدامية؛ ما يحصل بسبب الأذى الجسدي من جروح ودماء، فيلزم الزوج غرامة مالية تقدر بقرشين .
وإذا اعتدى الزوج على زوجته عند نشوب خلاف بينهما في وسط الطريق، وهي سارحة إلى أهلها، ففيها غرامة تقدَّر بستين قرشًا، وتحت هذا البند فقرات تختص بحقوق المرأة والزوج أقرها الدستور القبلي .
النهب والسرقة: ففي الماشية على الرأس الواحد يمين، إذا اتهم أو شك فيه، وفي الثلاثة الرؤوس وما فوقها خمسة حلّاف.
وأما الإبل ففيه عشرة حلّاف. وكل ما استجد فعلى مقدم القبيلة الاجتهاد وإصدار حكم فيه .
نكران الأخ لأخيه: وذلك في الحقوق أو طلب الحماية وكان مغلوبًا على أمره، وهنا يقصد بالأخ؛ هو الأخ من القبيلة، فكل من أخَلَّ بهذه الأخوة والنجدة، فعليه غرامة تقدر بألف قرشٍ، عقوبةً وردعًا لِمَنْ تسوّل له نفسه شق عصا القبيلة.
وظل هذا الدستور معمولًا به لدى غالب قبائل سيبان سنوات وأزمنة مديدة، حتى بدأ الخلاف يدب فيها ويفُت في عضدها، كما أن دوام الحال مُحال، كما هي حالة كل المجتمعات في كل عصر وزمان، بدأت النزاعات والخلافات بين قبائل سيبان والتشرذم في صفوفها، ولم يستقم لها الأمر حتى جاء عهد المقدم أحمد بن سالم باقديم، والمقدم سعيد بن سالم بانهيم، فجمعا كلمة القبيلة، ووضعت عهود ومواثيق لرأب صدع القبيلة ولمِّ الصف، وانفرد بالزعامة والقيادة المقدم الشاعر سعيد بانهيم لحكمته وحنكته وشجاعته، التي لا يشق لها غبار، فجمع القبيلة وألّف بينها، ورفع صيتها وهيبتها بين القبائل قاطبة، وارتفع صيته عند الحضر والبدو والقبائل المجاورة لحضرموت، حتى وصل صيته وشهرته لكل قبائل اليمن .
مقدم القبيلة
هو الشخص الذي ينظم شؤون القبيلة ويتحاكم إليه أفرادها في شؤون حياتهم، يطلق عليه المقدّم أو شيخ القبيلة أو بو الطائلة، وله مستشار في بعض الأمور يسمى شوير، ومعظم المقادمة قديمًا كانوا لا يقرأون ولا يكتبون، ولكن كانوا ذوي حافظة وذاكرة قوية وحنكة وفطنة وفراسة، كان يأتي الخصم فيسرد دعواه والآخر جوابه والمقدم صامت ثم ما يلبث فيقول: لقد قلت كيت وكيت ورد هذا وقال كذا وكذا، فيسرد كل أقوالهم كلمة كلمة، ثم يحكم في الأمر ويخرج الطرفان وهما راضان بالحكم بدون مجاملة ولا يحيد ولا يميل لطرف .
من أشهر المقادمة في قبيلة سيبان: وهم المقدم سعيد بن سالم بانهيم، والمقدم سعيد باحسين السومحي مقدم السموح، ومن مقادمة الخامعة المقدم أحمد بن سالم باقديم، والجويَّد بن سالم باقديم، والمقدم سالمين بحمد باقديم، ومقدم آل باصريح سالم سويد باصريح، وكان حسب ما أخبرني المقدم سعيد باجاه باصريح أن مقدم الخامعة والمراشدة كان يدعى (باقُعَر) في زمن الحاكم عمر أحمد باصرة، ثم المقدم سعيد بانهيم جاء على المراشدة، وجمع بطون قبيلته وهكذا، وسوف نأخذ نبذة مختصرة لهذه الهامات التي ندر مثلها في العصر الحديث، فقد جمعت الصدق والنزاهة والإخلاص والحنكة، نذكر أهم الشخصيات والهامات القبلية كعينة ونموذج اشتهر بين الناس والقبائل، فهؤلاء على سبيل المثال لا الحصر نقتطف شيئًا من تاريخهم الناصع البياض .
المقدم والشاعر سعيد بن سالم بانهيم :
شخصية معروفة ولد وترعرع في إحدى قرى أرياف المكلا تسمى (رأس محل) عام ١٨٩٣م وتوفي عام ١٩٧٤م، المقدم بانهيم بلغ صيته الآفاق، فهو من فطاحلة وحكماء سيبان، جمع في عصره بطون قبيلته المتناثرة، ورص صفوفهم، وحل الخلافات والنعرات القبلية بينهم، فأصبح له شأن عظيم وشخصية يشار له بالبنان، فقويت قبيلته وذاع صيتها بين كل القبائل.
وقد ألَّفنا كتابًا عن بانهيم ويضم سيرة حياته، من أراد المزيد فيرجع له، وكذا كتاب (صوت من الهضبة)، وصل صيت هذا المقدم والشاعر بانهيم حتى عند قبائل يافع حيث قال فيه الشاعر علي بن أحمد البكري :
سعيد بانهيم وينه وهو معدود شاعر عمد وادي حويرة عا صاعد وحادر
بغينا الصدق يظهر وبا نحُك الدفاتر وبا نشوف الذهب ذي عليه الصُفَر ساتر
المقدم سالم سويد باصريح :
من أشهر مقادمة آل باصريح وأفضلها، اشتهر بالحكمة والفطنة وحدة الذكاء، حتى أن المقدم سعيد بانهيم في عصره جعله من أهم مستشاريه لحكمته وذاكرته العجيبة في حفظ الأحكام وربطها وفك شفرتها وحلحلتها سريعًا، ولد في قرية الدهماء سنة 1900م، حل الكثير من القضايا بين قبيلته والقبائل الأخرى، مثل قبيلة نوَّح والخامعة والسومحي وغيرهم، وقد عاصر في وقته مقادمة كثرًا، منهم المقدم مانع باذياب مقدم العوابثة، والمقدم علي سعيد بن كردوس مقدم العوابثة أيضًا، وعاصر والتقى بشيوخ وسلاطين عصره، أمثال السلطان عمر بن عوض القعيطي، وغيرهم من شخصيات ورجال أعمال، توفي في مسقط رأسه بالدهماء سنة 1991م.
الحياة في الريف:
رغم شحة الإمكانات وقلة الموارد والخدمات فإن أهل الريف لهم حياة هادئة وسكون بال، بل إن أكثرهم من الجيل الأول لو خُيّر بين الريف والمدينة لاختار الريف؛ لأن طفولته وشبابه عانق ترابها وامتزجت روحه بها، سوف نجول ونصول في جولة مكوكية خاطفة للحياة في الريف لنحاول الإلمام ببعض التفاصيل لندونها للجيل القادم .
السكن
غالب بيوت أهل الريف بمرتفعات هضبة حضرموت الجنوبية بدوعن من مادة (القرف) (بفتح القاف والراء) وهي مادة جيرية، تستخرج من التلال، تسمى عندهم (القارة)، وهي مادة تميل للاصفرار هشة نوعًا ما، وإذا وضعت بالماء تصبح كالعجينة، فهذه المادة تستخدم بكثرة في الريف لبناء بيوتهم وتقاوم التعرِّيات والأمطار لسنوات وسنوات تفوق المائتين عام .
ومن الجبال يستخرج مادة جيرية تسمى (الصرُوف)، وهي تشبه الكنتر في اتساعها وطولها، وعود سقف بيوتهم من أشجار أرضهم، مثل عود (الضرور، وعود شجرة السدر، والصرح، وغيرها)، وكانت تقطع هذه العيدان في فصل الشتاء؛ لكي لا تدخلها الأرضة وتفسد .
والطين من أرضهم يخلط مع عيدان صغيرة جدًا تسمى (الذياد والتبن، وهي مخلفات الطهف والذرة وغيره) .
يعتمدون في طعامهم على الذرة والبر والمسيبلي والطهف، وكلها من منتوج أرضهم في ذلك الزمن، فتقوم الزوجة بالطحن على المرهاة لتعمل لزوجها الذرة وهي تتذكر مقولة الأجداد في فضل الذرة لتقوية الأجساد (الذرة ثم الذرة ورهن صلاحك في الذرة)، ثم تفته له بلبن الغنم وسمنها ويشاركه أولاده والزوجة، ويعد المعصرة (دهن السمسم) مع التمر الحجري وجبة أساسية للصغير والكبير؛ لتعطيه الفيتامينات اللازمة لجسمه، فيذهب الزوج إلى صاحب المعصرة فيسكب له بالبطة الدهن (البطة) هي آلة مثل الأبريق أسطوانية الشكل.
أما الغذاء فيكون كعادة الريف تعتمد على (اللخم) والرز كوجبة أساسية ومن فترة إلى أخرى يذبح له رأس غنم وهكذا دواليك.
أكثر ما يشتغلون بالريف ويعتمدون عليه هي الزراعة، فيكثر عندهم أشجار السدر (العلب)، والصُر، والقرظ، والسُمر، والضبين، وغيرها، وقد كتبت كتابًا بالصور عن أعشاب الهضبة ونباتاتها ويعد الكتاب الأول من نوعه؛ حيث ذكرت فيه الأشجار والنباتات بمرتفعات هضبة حضرموت الجنوبية مع علاجها إنْ وُجِد، أسميته (الأعشاب والنباتات بمرتفعات هضبة حضرموت).
كما اشتغل الناس بمهنة تربية النحل (النوب)، وتربية الأغنام، والبعض يشتغل بأعمال شاقة، كحفر النقاب: مفرد النقاب (بفتح النون والقاف نَقَبة)، وهي اشتقت من نقب الأرض وحفرها بمعدات بدائية تسمى عندهم (القدوم، والمنفاج، والسبرة، والمربشة) هي عدة الحفر للنقبة، وتستخدم لحفظ الماء وقت مواسم الأمطار وهو عمل شاق جدًا حيث ينزل تحت الأرض قرابة ثلاثة أمتار ثم يتسع بشكل دائري تحت الأرض ثلاثة أمتار في كل جهة، أي اثني عشر مترًا كخزان أرضي لحفظ الماء، ثم يوضع لها على سطح الأرض سواقٍ، وبهذا ينتهي العمل، كما اعتمد الناس على (الكرفان) وهي حفر كبيرة وضخمة، تقوم بشقها آلات ومعدات، كالبوكلين والشيول، وتستخدم لحفظ أكبر كمية من المياه .
الحياة الاقتصادية:
لا يكاد يومٌ من أيام الناس يمر وإلا والمواطن يتألم من جور الغلاء الفاحش وصعود غير مسبوق في الأسعار مقارنة بدخل الفرد الذي لا يسد حتى ضرورات المعيشة، حينها يتذكر ذلك الزمن الجميل زمن الشلن في التسعينيات وما قبلها، فلسان حاله يتذكر مقولة (عوض لعنة) وهي شخصية معروفة بالمكلا حينما قال: (وين سفينة نوح، وين ناقة صالح، وين شجرة مريم)، ويقصد بها عملة الشلن لدولة الجنوب سابقًا، فقد كانت فيه صورة لسفينة ونخلة وناقة مخفية، كانت الأسعار بعد الوحدة اليمنية مقبولة نوعًا ما، من التسعينيات وحتى عام ٢٠١٤م تقريبًا كان دخل الفرد يتواكب مع أسعار المواد الغذائية حينها، ولكن السنوات ما بعد هذا العام بدأ الجحيم يستعِر بناره ويزحف بدخانه، حتى وصل لأسعار جنونية تفوق الخيال، ووصل الناس لتحت درجة الصفر من الفقر والجوع، سنحاول نضع جدولًا لأسعار المواد الغذائية كمقارنة وذكرى عابرة لما كان عليه الوضع عام ١٩٩٠م والوقت الراهن ٢٠٢٢م .
أسعار المواد الغذائية لعام 1990م متوسط الراتب للفرد ألفين شلن | المواد الغذائية لعام ٢٠٢٢م متوسط الراتب للفرد ستين ألف ريال يمني |
الحوت الثمد بو ١٥ كيلو ٦٠٠ شلن | الكيلو الثمد ٤ ألف ريال يمني |
اللخم الفراسلة والفراسلة ٢٠ رطل ١٦٠ شلن | الفراسلة اللخم ٥٠ ألف ريال يمني, الفراسلة ٢٠ رطل ,الكيلو رطلين سعرهُ ٥ ألف ريال يمني |
البرميل القاز والديزل بو ٢٠٠ لتر ٤٠٠ شلن | الدبة الديزل 18 ألف ريال يمني |
السكر بو ٥٠ كيلو ٣٠٠ شلن | السكر بو ٥٠ كيلو ٥٠ ألف ريال يمني |
الرأس الغنم ٤٠٠ شلن | الرأس الغنم المتوسط ٨٠ ألف ريال يمني |
الجمل الكبير ٤٠٠٠ شلن | الجمل الكبير ٢ مليون ريال يمني. |
رز كورة ٥٠ كيلو ١٦٠ شلن | رز بو طائرة كورة ٥٠ كيلو ٤٠ ألف ريال يمني |
البر ١٠٥ شلن | البر ٣٥ ألف ريال يمني |
الدقيق بو جمل استرالي ٩٠ شلن | الدقيق بو ٥٠ كيلو ٤٠ ألف ريال يمني |
اللبن الدانو العلبة ٢٥ شلن الكرتون وفيه ٦ حبات سعره ١٥٠ شلن | العلبة الدانو اللبن ١٨ ألف ريال يمني |
الريما ( زيت الطبخ) بو 18 لتر 120 شلن | الريما (زيت طبخ) بو ١٨ لتر ٣٠ ألف ريال يمني |
في وقتنا الراهن بدأت الحياة تتعقد أكثر، فنزح الكثير إلى المدن بسبب عدم وجود خدمات عامة، وأعمال يرزقون منها، ويظل الريف مهوى لكل من تربى وترعرع فيه، فقلوبهم ـ مهما هاجروا إلى دول الخليج أو المدن ـ تظل تخفق كأفئدة الطير لعشها وسكنها .
المراجع والمصادر
المقدم الشاعر سعيدبن سالم بانهيم وشعراء آخرون ،ط١ ، لعام ٢٠١٦
كتاب صوت من الهضبة ،ط١،لعام ٢٠٢٠م
الأعشاب والنباتات بمرتفعات هضبة حضرموت ،ط١، دار الوفاق ،لعام ٢٠٢٢م
رحلة كفاح ونجاح..من أعلام حضرموت سالم أحمد باصريح ،ط١، لعام ٢٠٢٠م .
زبدة الخلاصة في عادات وتقاليد حضرموت،ط١، دار الوفاق،لعام ٢٠١٩م
الدوريات :
مجلة المكلا ،العدد ٢٨، لعام ٢٠١٦م .
مجلة شعاع الأمل، العدد ١٥٠، لعام ٢٠١٤م .
مجلة شعاع الأمل، العدد ١٤٦، لعام ٢٠١٤م .
المجلة الحضرمية، العدد الأول، لعام ٢٠١٩م .