أدوار عولقية في التاريخ السياسي الحديث لحضرموت ( 1500-1900 )

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الرابع

الحضارم في الهند :

لقد ازداد تدفق الهجرات الحضرمية إلى الهند في القرن الثالث عشر الميلادي مع زيادة ترحيب حكام الولايات الهندية وأمرائها بهم، وعملوا على تعيين قضاة لعموم العرب فيما بينهم لحل الخلاف بينهم ولذلك يمكن القول إن مسلمي (كن كان) وطائفة (المابيلا) في المليبار و (الجماعتين) في (غجرات) ينحدرون من أصول حضرمية.. وكان أمراء المسلمين الهنود دائمي الالتماس إلى علماء حضرموت للحضور للهند للإسهام في نشر العلوم الدينية كالقرآن الكريم والحديث والفقه في مختلف الممالك والسلطنات المسلمة كأحمد أباد وباروش وسورت ودولت وأحمد نجر وبيجابور وبليجام وحيدر أباد وبيدار وبراد وجولكنده وغيرها من المناطق والأقاليم الهندية.

العوالق في الصراع ( الكثيري – اليافعي ) في وادي حضرموت :

في حوالي عام 1500م تعلّم الشيخ عبيد بانافع العولقي في تريم, وعلى مر السنين صار فقيه العوالق العليا ومنصبهم, كما أن السلطان بدر بوطويرق قد مد نفوذه إلى أرض العوالق عندما غزا قرية يشبم في حوالي عام 1549م، و في حوالي عام 1704 م (1116هـ) وصل مكتّب (رسول يحمل رسالة) من صالح بن منصّر العولقي بأن بدر بن السلطان محمد و يافع وصلوا إلى عتق ولم نجد ذكراً لسبب وصولهم إلى عتق.. وفي عام 1808 م وصل السلطان عمر بن جعفر الكثيري و معه السلطان صالح بن منصّر العولقي و أولادهم في حوالي 600 نفر من العوالق و تبعهم السلطان حسن بن الهادي الواحدي في نحو 200 نفر و حارب هؤلاء يافع جنباً إلى جنب الشنافر.. و في منطقة قعوضة تقع ما يسمى بحدبة العوالق، وربما أن العوالق في تدفقها إلى حضرموت كما أسلفنا خيمت هناك.

في عام 1843م (1264هـ) تقريباً كان طالب بن حسين الهمامي (العولقي) و علي بن قطيان الكربي و قبائلهم و السادة المحاضير في ضمن قبائل شتى جلبتهم يافع من القبلة و كان ذلك طمعاً في الجمعدار عمر القعيطي لا بغضاً للدولة، وفيما بين عامي 1847 و 1848م تنافس آل كثير و القعيطيون على كسب العوالق في الحرب فيما بينهما و تمكن سلاطين آل كثير من إحضار بضعة آلاف من العوالق المقاتلين, فتمكنوا مع آل كثير و غيرهم من القبائل من طرد يافع من تريم و في الأخير سيطروا على تريم في عام 1847م وعلى سيؤن في عام 1848 وجعلوا منها عاصمتهم، أي عاصمة السلطنة الكثيرية، و في عام 1851م وصلت أقوام من أشراف مارب و عوالق و كرب و دهم و فيهم السلطان محمد بن ناصر العولقي و علي بن عبدالله السليماني العولقي.

بريطانيا و النفوذ العربي في حيدر أباد :

كانت حيدر أباد جزءاً من إمبراطورية المغول من عام 1687م حتى عام 1724م وهو العام الذي استقل بها أصاف جاه الوالي من قبل المغول، وخلال القرن التاسع عشر سيطرت بريطانيا على الشؤون الخارجية لحيدر أباد، واشتهر النظاميون (دولة نظام حيدر أباد) بأنهم كانوا من أكثر الشعوب ثراء في العالم، وعندما تم تقسيم الهند في عام 1947م، رفض النظاميون الانضمام إلى أي من الباكستان أو الهند، وأعقب ذلك مصادمات بين الهندوس والمسلمين، وفي عام 1948م، أقامت الهند حكومة عسكرية في حيدر أباد، وحين قسّمت ولاية حيدر أباد أصبحت مدينة حيدر أباد عاصمة لولاية أندرا برادش، و كانت فترة الحكم البريطاني للهند (الهند البريطانية) تسمى “الراج البريطاني British Raj” أي الحكم البريطاني في اللغة الهندية, الذي انتهي باستقلال الهند في 15/8/1947م.

كان مسلمو نظام حيدر أباد بسبب قلة عددهم مثل سابقيهم من سلاطين البهمن المسلمين, يشعرون بعدم الأمان وسط بحر من الهندوس و الدرافيديان في جنوب الهند, و لذلك فقد شجعوا المسلمين من أي جنسية أو عرق للسكن في أرض الدكن، و هكذا دخل العرب من الحضارمة وغيرهم من جيرانهم فوجدوا التشجيع من حكم نظام حيدر أباد (Hyderabad) وكان أهلنا ينطقونها “حيدر عباد” فمنحوا الرتب العسكرية و الإقطاعيات من الأراضي, و هكذا اغتنى الكثير منهم، ومن برز منهم في الخدمة العسكرية منح الألقاب الفخمة مثل : جنبز جنج (المحارب الجسور) شمشير الدولة ( سيف الدولة) مقدم جنج (المقدم في الحرب) وفوق ذلك وجدوها أرضاً خصبة وفيرة الخيرات مقارنة بأرضهم القاحلة التي أتوا منها، و لم يأت عام 1854م إلا و أصبح كل من يريد نفوذاً في حكومة نظام حيدر أباد, إلا واستعان بمسلحين عربٍ لحراسته و سلامته و جمع ديونه و إيجاراته, أو لتأمين خزائنه، ومن العائلات العربية المستوطنة في حيدر أباد, و التي كانت تتصارع على النفوذ السياسي في حضرموت برز كل من القعيطي والكثيري والعولقي، فأرسلوا الأموال و الجنود و القيادات لإنشاء دولٍ تحمل أسماءهم، فأما دولة العولقي فلم تصمد كثيراً, وأما دولتا الكثيري والقعيطي فقد بقيتا حتى خروج بريطانيا من الجنوب بنهاية عام 1967م، وفي عام 1874م كانت بريطانيا تنظر بعين عدم الرضى للصراعات العربية في حيدر أباد و تأثيرها على حضرموت, فقامت في عام 1876م بعمل هدنة لمدة عامين بين السلطان القعيطي و نقيب المكّلا الكسادي الذي كان مناصراً للعولقي, و بعدها بعام عقدت اتفاقاً بين العولقي و القعيطي في حيدر أباد أنهى الخصومة بينهما.

كان نفوذ العرب (العوالق في ضمنهم) في نظام حيدر أباد – الدكن يقلق شركة الهند الشرقية (كانت السلطة البريطانية تعمل تحت اسم الشركة هذه) الواقعة في مدينة كلكتا، وكان في حيدر أباد ممثل مقيم لبريطانيا، فكانت ترى أنهم لا يحترمون السلطة البريطانية, و حتى أنهم كانوا يفاخرون بمظهرهم من لبس الجنابي و حمل بنادق أبو فتيلة, و ترى أنهم أيضاً يرون أنفسهم أعلى من السكان المحليين، وفي منتصف القرن التاسع عشر رأت فيهم خطراً داهماً ليس على حيدر أباد فحسب، بل على النفوذ البريطاني في الهند ككل، فعزمت أن تكسر شوكتهم، وبعد ضم حيدر أباد إلى الهند في عام 1947م تم ترحيل و طرد حوالي 7000 عربي منها.

مشروع الدولة العولقية بعد وفاة علي بن عبدالله العولقي :

توفي عبد الله بن علي العولقي سنة 1284هـ – 1867م وخلفه ابنه محسن الضابط بجيش النظام العربي برتبة (مُقَدّم جنج) ولم يكن العولقي متستراً على عدائه للقعيطي، بل إنه كان يجاهر به وأنه سوف يعمل لإجلاء يافع عن حضرموت ساحلها وداخلها، وكان القعيطي يتوعَّد العولقي بأنه سوف يحطم آماله في الحكم، وأنه سوف يدمر حصنه الكائن بالصَّداع وسيأتي ببعض تراب أنقاضه إلى حيدر أباد لينثره في وجهه، وراح كل جانب يغزل الدسائس والمؤامرات ضد الجانب الآخر، واستطاع العولقي كسب صداقة قبيلة آل عَمَر العُوابثة التي كانت مسلّحة و لها شأنها في غيل باوزير، وعندما جرى النزاع بين النقيب عمر بن صلاح الكسادي و الجمعدار عوض بن عمر القعيطي على اتفاقية مناصفة مدينة المكلا، كان محسن العولقي أول من حرَّض الكسادي على نقض هذه الاتفاقية (المفروضة) وأمدّه بستين ألف ريال فرنصة في السنة ليمكنه من الصمود في وجه الأطماع القعيطية، وقد دخل العولقي في تحالف عسكري مع الكسادي والكثيري لزحزحة القعيطي عن مدينة الشحر، وقد قام هذا التحالف سنة 1291هـ – 1874م بغزو الشحر، ولكن القعيطي هزمهم في وقعة «المِشْرَاف» المشهورة.

نهاية مشروع الدولة العولقية بحضرموت :

استنجد محسن بن عبدالله العولقي في عام 1874م بالعوالق لنصرة أصحابهم في ساحل حضرموت, فوصل العاقل فريد بن ناصر اليسلمي, و فريد ابن السطان عوض بن عبدالله العولقي صاحب نصاب, إلى جانب عساكره من حيدر أباد و غيرهم من حلفائه من آل عمر باعمر العوابثة و آل كثير، و كان عدد المقاتلين العوالق يصل إلى ألف مقاتل، بعد موقعة المشراف ابتدأ القعيطي يتحرك بسرعة ضد المشروع العولقي، فهو بعد أن وطّدَ نفسه في الشحر راح واحتل (شُحير) ثم داهم غيل باوزير واحتلها بعد أن طرد آل عَمَر باعَمَرْ منها، ثم داهم حصن العولقي بقرية الصَّداع، ولكن الحصن قاوم الهجوم القعيطي, فاكتفى القعيطي بضرب حصار حوله دام عدة أشهر وخلاله قطع عنهم ماء الغيل فأحتفروا آباراً للمياه, و اضطرت حامية من رجال العوالق البواسل خلال مدة الحصار إلى أكل الجلود وشرب دماء الحيوان، ثم بعد طول معاناة إلى الاستسلام، وعندها نسف الجمعدار عوض حصن العولقي بالبارود وأحاله إلى كوم من التراب كما هو مُشَاهَد اليوم، وأخذ بعض ترابه وحثاه في وجه محسن بن عبد الله العولقي في حيدر أباد، وتبخرت أحلام العولقي في تكوين دولة عولقية بحضرموت، وكان ذلك بسقوط الحصن في 26/8/1876م, وبذلك انتهى حلم إقامة دولة عولقية في حضرموت الذي لم يدم إلا 13 عاماً، كانت بريطانيا منزعجة من الصراع المسلح في حضرموت فتدخلت في عام 1876م ورتبت لهدنة لمدة عامين بين السلطان القعيطي و النقيب الكسادي اللذين كانا طرفي الحرب و بمساعدة متبادلة ما بين العولقي و الكسادي ضد القعيطي، كما عقد المقيم البريطاني في حيدر أباد اتفاقاً بين القعيطي و محسن بن عبدالله العولقي, أنهى المشاحنات بينهما.

من هو الأمير علي بن عبدالله العولقي ؟

هو عبدالله بن علي بن محمد بن ناصر العولقي من قبيلة العسكر في نصاب من العوالق العليا، و العسكر هؤلاء هم في الأصل من فئات و مناطق مختلفة أعوان للدولة آل عوض بن عبدالله و هم سلاطين نصاب, و على مر السنين اندمجوا مع بعضهم البعض وكونوا عصبة قوية لا يستهان بها, على الرغم من أنهم شبه جنود فإنهم ليسوا نظاميين، أما دولة نصاب فهم سلاطين العوالق العليا، ولابد أن طموحه الذي لم تسعه أرضه لا بيئته القبلية هو الذي قاده إلى أن سافر من نصاب إلى قعوضة طلبا للخدمة وتحسين معيشته, فنصحوه آل عجاج بأن يسافر إلى حيدر أباد في الهند إن أراد ذلك، ولابد أن هذا كان في عام 1840م أو قبله قليلاً فقد ورد ذكره لأول مرة في الهند في عام 1843م، هناك التحق العولقي جندياً بجيش نظام حيدر أباد الدكن وترقى في مختلف المناصب العسكرية إلي أن صار قائدا لأحد ألوية جيش النظام, وأحد صدور العرب وأعيانهم بحيدر أباد و كان ذا شخصية قوية وطموحاً إلى الملك وله مجموعة إشعار شعبية مطبوعة، و يقال إنه كان له مصلى بجانب قصره في حيدر أباد يصلي فيه التراويح كل ليلة في رمضان والسيوف حوله والفتائل مشعلة، ثم لا يقوم من مجلسه إلا وقد أنفق مبلغاً من المال وهو أول من مهد الخير للعرب بحيدر أباد وفتح لهم السبيل، وأطلق عليه الكتّاب الحضارم لقب “الأمير العولقي” كانت للأمير العولقي عدة مراكب شراعية في البحر تعمل على نقل ما يحتاجه من الهند ويحضرها إلى قرية الحزم والصَّداع، وكان العولقي كثير المال، كريم النفس، شجاع القلب، فطفق يرسل إلى حضرموت بكثير من الأموال، لمواصلة العلويين، ولبناء المساجد والسقايا وما أشبه ذلك، لكن في بلده نصاب من أرض العوالق لم يبن إلا مسجداً صغيراً فقط، و كانت بعض الشخصيات العولقية تسافر إليه في الهند طمعاً في كرمه، مثل رويس بن فريد بن ناصر اليسلمي العولقي, الذي أعجبه المقام في حيدر أباد لكنه تذكر وطنه فأنشد قائلاً :

ملّا الوطن غالي مابا فرقته *** ولاّ المحلّة خير في حيدر عباد .

محسن بن علي بن عبدالله العولقي :

كان ولده محسن، على قدر أبيه جوداً ونجدةً وشهامة، ولكنه لم يكن مثله ولا بقريب منه، لا في العلم ولا في الدين، ومن محاسنه وقفه لمدينة شحير الآتي ذكره بموضعه، وقد أثّرت على حياة محسن حادثة الهزيمة في الحزم والصداع، ولاسيما وأن آل القعيطي أحضروا سدة حصن الصداع إلى حيدر أباد، ووضعوها في الطريق الواسعة، فمات غبناً في سنة 1294هـ – 1877م عن ولد يقال له حسين، لم يكن دون أبيه في الشجاعة، ولكنه مات بعده وشيكاً بسم – حسبما يقال – دسَّ له، وبموته انقرضوا عن غير وارث ثابت، فصارت نقودهم المقدرة بأكثر من عشرين ألف ألف روبية فضلاً عما يناسبها من المجوهرات والعقارات الكثيرة طعمة لبيت المال، و كان عوض حسن من عسكر نصاب و أحمد هنيد من أهل لحدب من المصينعة (مديرية الصعيد) اللذان توفيا في حوالي التسعينات في ضمن صحبة محسن بن عبدالله بن علي العولقي، وصف المرحوم الكاتب محمد عبدالقادر بامطرف العولقي بأنه انتهازي لأنه لم يُقِمْ دولته في نصاب من أرض العوالق بدلاً من حضرموت، ولم يدر بامطرف أن العولقي هو من قبيلة العسكر التي أفرادها أعوان لدولة نصاب و بالتالي لن يسمحوا له بإقامة أي شكل من اشكال السلطة لا في نصاب و لا في أي منطقة عولقية، ومن جهة أخرى فإنَّ العديد من العوالق الذين كانوا بصحبة العولقي قد استوطنوا في ساحل حضرموت و ذابوا في المجتمع الحضرمي, و من هؤلاء الأستاذ حسن كندسه العولقي.

طموحات العولقي خارج حيدر أباد :

كان عبدالله بن علي العولقي طموحاً للملك و السلطة, ففي عام 1856م فاوض سلطان لحج على شراء منطقة بئر أحمد فلم ينجح, و بعد أربع سنوات حاول شراء ميناء بلحاف الواحدي, لكنه بعد ذلك حوّل انتباهه إلى ساحل حضرموت فاشترى منطقة الصَّداع في عام 1863م و بنى فيها حصنه الشهير، أما ابنه محسن فقد أقرض السلطان العبدلي في عام 1869م مبلغ 125,000 ريال فرنصة من أجل خطة السلطان لغزو الحجرية في منطقة تعز الشهيرة بإنتاج البن, لكن هذه الخطة لم تتم.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر