الأمن الغذائي في الموروث الثقافي الحضرمي

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الرابع

التغيرات المناخية التي تعرضت لها حضر موت منذ الألف الثالث قبل الميلاد وضعت الحضارم أمام تحديات كثيرة ومتنوعة ومن بين تلك المشاكل التي برزت في حضرموت متحدية الإنسان الحضرمي في صميم حياته وبقائه مشكلة إنتاج الغذاء، التغيرات المناخية مست كل مقومات الحياة الاقتصادية وخاصة الزراعة التي تشكل العمود الفقري للاستقرار البشري.

إذا أخذنا المناخ الذي يعد أهم عناصر الإنتاج الزراعي فقد أصبحت حضرموت في ضمن المناطق الحارة ولكن أهم مشكلة ناجمة عن التغيرات المناخية هي الجفاف المستديم الذي خيم على حضرموت وأثر في كل منظومة الحياة الاقتصادية، فندرة الموارد المائية في ظل تدني تكنلوجيا الإنتاج الزراعي المحصلة النهائية انخفاض المساحة الزراعية والإنتاج الزراعي، وقد حصل هذا وهو ما يفسر عملياً حدوث مشكلة غذائية أو تعرض الأمن الغذائي للخطر.

مشكلة الأمن الغذائي بفعل التغيرات المناخية في حضرموت ذكرت في كتابات الأغريق، يقول استرابون : ( إن حضرموت في وقت سابق منتجٌ لكثير من النباتات العطرية والتمر واللبان والتوابل والقرفة ،أما الإنتاج في الوقت الحاضر فهو الذرة ونخيل التمر والسمسم، كما أن الزراعة في حضرموت تعتمد على المياه الجوفية هذا الاختلاف في أنواع المنتجات يفسر اختلاف الظروف المناخية للرطوبة في الماضي والجفاف حالياً الذي بدأ في القرن الثالث قبل الميلاد وبلغ ذروته في بداية القرن السادس الميلادي).

إن ازمة الغذاء التي تعرضت لها حضرموت لم يستسلم لها الحضارم بالأمس، بل دخلوا في عصف ذهني أثمر في حدوث ملاءمة بين المعطيات المناخية الجديدة والواقع الجغرافي، جاء في الموروث الحضرمي :

صيفك الزبرة وبرك الحوت *** وشتاك البلدة إن بغيت قوت

القراءة الجغرافية لهذا الموروث الشعبي الذي يركز على الحبوب الغذائية نجد فيه معالجة لمشكلة الغذاء التي سببتها التغيرات المناخية في مستويين: المستوى الأول إمكانية زراعة أكثر من محصول زراعي في السنة و المستوى الثاني نظام الدورة الزراعية.

فأما المستوى الأول وهو زراعة أكثر من محصول زراعي فأولها محصول الذرة البيضاء أو الرفيعة ( السرغوم ) التي تعد من أهم الحبوب الغذائية في حضرموت ويبدأ موسم زراعتها في نجم الزبرة حسب التقويم الزراعي الحضرمي. والزبرة تبدأ من 7 مارس وتنتهي 19 مارس، ومن سماته يزيد النهار بمعدل دقيقة واحدة في اليوم وفي ثامن يوم فيه يتساوى الليل والنهار في حضرموت، وعقب ذلك يبدأ النهار في الزيادة والليل في النقصان هذا يتوافق مع شروط نمو الذرة لأن الزراعة المبكرة تجنب المحصول ضعف النمو ونقص كمية الإنتاج بسبب ارتفاع درجة التبخر، كما أن الزراعة المبكرة تمكن المزارعين من ري جذور المحصول بعد الحصاد التي تسمى محلياً عكظة وتستخدم علف للحيوان.

وأما زراعة البر ( القمح ) فإن الموروث الثقافي الحضرمي يشدد على زراعته في نجم الحوت الذي يبدأ في 14 أكتوبر، وهذا يتوافق تماماً مع انخفاض درجات الحرارة التي تصل إلى أدنى معدلاتها في نجم الذراع، فانخفاض الحرارة والجفاف يؤديان الى جودة المحصول وحمايته من الآفات وخاصة صدأ القمح المعروف محلياً بالحمار الذي تسببه الرطوبة.

وأما المحصول الثالث الشتا وهو نوع من أنواع الحبوب الغذائية ويشبه الذرة البيضاء أو الرفيعة  ( السرغوم ) غير أن حبوبها أصغر منها، يشير الموروث إلى أن موسم زراعة المحصول في نجم البلدة الذي يبدأ من 15 يوليو، وحسب التقويم الشبامي الحضرمي يكون الفصل خريفاً، ولكن درجة الحرارة مرتفعة ومناسبة لزراعة هذا الصنف من الحبوب، وتتزامن زراعته مع بداية موسم التمور.

وأما المستوى الثاني الذي جاء في المورث الثقافي الذي فصح عنه بيت الشعر هو نظام الدورة الزراعية، فعلى الرغم من تعدد محاصيل الحبوب الغذائية التي تزرع فإنه يتبادر إلى الذهن إن الأرض الزراعية تتعرض للإجهاد، وبالتالي انخفاض خصوبتها وهو ما يعرف في الاقتصاد بتناقص الغلة، ولكن ما يحصل عكس ذلك التصور، المتتبع للزراعة قبل نكبة حضرموت الزراعية في سبعينيات القرن الماضي يلاحظ أن الزراعة كانت في أفضل حالاتها، بل إن حضرموت منتجة للحبوب الغذائية وتصدر الفائض إلى الخارج، بل هي تطعم سكان إمارات الخليج والشاهد على ذلك سوق شبام للحبوب حيث تأتي قوافل الإبل فارغة من ساحل الخليج عبر الصحراء أو من وادي النعر القادمة من ساحل حضرموت إلى شبام وتعود محملة بكل أصناف الحبوب التي تزرع في حضرموت.

هذا الإنتاج الوفير والأمن الغذائي في حضرموت في الماضي بالرغم من الجفاف وتخلف تكنولوجيا الإنتاج الزراعي، فالري بالسناوة أو الأمطار والسيول الصيفية غير المنتظمة أو مياه الغيول والينابيع وهي محدودة، ما كان هذا ليتحقق في ظل الظروف الصعبة إلا بسبب الالتزام بالمواعيد الزراعية، ويكشف الموروث الثقافي ذلك الالتزام حيث يقول :

الطرف والجبهة حصاد لبرار ( القمح )

بعملية حسابية لمحصول القمح من بداية غرس البذور إلى الحصاد المدة الزمنية للقمح صنف العبادي وهو المفضل في حضرموت وحتى النوع العراقي الذي تم زراعته فيما بعد فإن عدد أيام النمو 120 يوماً، ولهذا فإن من 14 أكتوبر نجم الحوت وحتى أول أيام نجم الطرف 9 فبراير هي 116يوماً.

اليوم حضرموت تعاني من انخفاض إنتاج الحبوب الغذائية بل والتمور، فهي مكشوفة غذائياً فلا يوجد فيها أمن غذائي لمدة زمنية محدودة، إن تغير هذه المعادلة الغذائية وتحقيق أمن غذائي يمكن أن تكون بوابة استلهام التراث الحضاري لحضرموت أحد المداخل لأن هذا يعمل على إيجاد ملاءمة بين المعطيات المناخية والمكان الجغرافي.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر