سوق الخريبة القديم

تحركت في صباح يوم جميل إليها أحمل خبايا أوراقي الكثير من الأسئلة، وعند وصولي إلى المنطقة أخذت شيئاً من الراحة ليس لطول ومشقة المسافة ولكن لأخذ فكرة بسيطة عن المنطقة وسوقها الجديد ومقارنته بالسوق القديم.

وبعد ذلك قصدت بيت الوالد والأستاذ الحبيب حامد أبوبكر الجفري أمده الله بالعافية والصحة، وهو شاهد أعيان في فترة ازدهار سوق الخريبة القديم في تلك الفترة.

فأضاف وأفاد لي الكثير من المعلومات، فهو ذو طبع وعطاء كريم فلم يبخل علي بمعلومات، فتحدث عن تسمية المنطقة بذلك الاسم المعروف حالياً الخريبة قائلاً : إنه تعود إلى امراة هي من سكنت المنطقة، فأتى أحد السادة وسألها عن سبب سكناها بها، فقالت : إن الخير بها وبأهلها، ومن هنا تم تحريفها إلى تسمية منطقة الخريبة.

وهي منطقة مسورة ذات بيوت متلاصقة بعضها ببعض، وكانت هناك أبواب (سدد) تغلق عليها بما فيه سوقها القديم من العدو الخارجي.

ثم تحدث عن قدم السوق فقال ان سوق المنطقة تزامن مع ولادتها فهو قديم جداً، وعند تصويرنا السوق القديم وجدنا على أحد أبواب المحلات التجارية تاريخ صناعة هذا الباب يعود إلى عام ١٣٤٢هجري، وعام ١٣٥٦هجري ولكن قد يكون أقدم من ذلك بكثير.

ثم أخذ يتحدث عن السوق وتجاره قائلاً إن السوق كان سوقاً مليئاً بالخيرات، وأهله خير؛ وكان يزيد عدد المحلات التجارية على ستة وثلاثين محلاً تجارياً باستثناء البسطات، يأتي إليه الناس لقضاء حاجتهم منه، فكان هناك التجار الكبار بائعو الجملة والتجزئة وتجار صغار بائعو التجزئة، ومن أهم التجار أمثال الباعبيد والباقادر والبار والباعيسى وآل الوزير وبادويلان وبانبيلة والباهارون وباقلب وبن جويهر والخنبش وبركان وباطاهر وغيرهم.

أمَّا عن أهم السلع التي تباع في السوق فهناك سلع محلية من إنتاج الوادي كالتمر والطعام والحبوب وغيرها من الطعمة، وهناك حرف محلية البعض تصنع في البيوت من قبل النساء والبعض الآخر لها محلات تجارية بداخل السوق كأدوات المنزل من أواني فخرية وأخرى معدنية تستخدم لطباخة وحفظ الطعام، وأدوات الزراعة المحراث والمنجل والفأس وأدوات تستخدم للحيوانات، وغيرها من الحرف المحلية المشهور بها الوادي في ذلك الوقت وهناك سلع مستوردة كتمر وادي حجر والقمح البر الآتي من الضليعة ووادي حضرموت وكذلك البصل وملح شبوة حيث يذكر أنه في بعض الأشهر تأتي قافلة مكونة من عشرين جملاً محملاً بملح شبوة، وكذلك الأغنام ولها مسميات بأسماء المناطق التي أتت منها فأغنام قبلة تأتي من الضليعة، وغنم سيباني من شرق تأتي من كور سيبان، وغنم مشقاصي من شرق مشقاص؛ حيث تنقل كل هذه السلع المستوردة عبر قوافل الجمال قبل وصول المركبات، وتطرح حمولتها في السوق في مكان يعرف من أول إلى الآن بـ(المحاويك) نسبة إلى الحوكة، منها ما يسلك العقبة القبلية عقبة الخريبة من جهة الغرب ومنها مايسلك عقبة الحبل من جهة الشرق إلى بطن الوادي وهناك قوافل تمر في وسط الوادي آتية من أسفل وادي حضرموت.

كما يبرز في السوق الدلل فهم جزء لا يتجزأ من السوق، وهم وسيط بين البائع الذي يأتي من خارج السوق والمشتري وهم أصحاب السوق؛ حيث كان هناك تخصص في دلالة السلع، فكان منهم متخصص في سلعة الحطب والصخر النباتي المحروق والجدور وهي جذوع النخيل بعد تقطيعها ليستفاد منها في بناء أسقف البيوت، متخصص في ذلك سعيد باقلب ثم خلفه ابنه سالم سعيد باقلب، وفي دلالة الأغنام والجمال والأبقار الباخريبة، وفي دلالة الحبوب والبصل وملح شبوة وغيرها من الأطعمة التي يستخدم فيها المكيال عمر عوض العي.

وأما عن سيط السوق فهو سوق معروف له سيط مسموع يأتي إليه البائع والمشتري من الوادي ومن خارج الوادي من المرتفعات البادية والأودية المجاورة كوادي عمد وحريضة ووادي العين فيأتي إليه من كل حدب وصوب لتبادل السلع على مدار أيام السنة ، والدولة التي كانت تنظم حركة البيع والشراء وحماية السوق وحراسته الدولة القعيطية، فقد كان هناك حراس من يافع يقومون بحراسة السوق، وكان هناك مقر لهم في بداية مدخل السوق كما أنهم كانوا يحرسون المنطقة بل الوادي ومقرهم الحصون الموجودة في بطن الوادي، وكذلك الحصون الموجودة في مرتفعات أعالي الوادي كحصن الحبل وحصن الكوبه.

كما كانت هناك بعض الحرف التي تمارس في السوق فأسرة البابقي في لحام الحديد برصاص الكير، وأسرة الباعثمان في الفضة، وأسرة الباخيضر والباعفي والباعيسى في عصر الزيت الجلجل معاصر السليط، واسرة العي وبن حميد في دباغة الجلود.

وكانت العملة المتداولة في السوق قبل وجود الدولة القعيطية كانت عملة تنسب لأسرة الكاف وهي أسرة معروفة بثرائها في وادي حضرموت، وهي عملة شبيهة بالفضة، ثم تلتها عملة الدولة القعيطية، ثم تعاقبت الحكومات بعدها بعملاتها المعروفة.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر