يا ناس خلّوا الصياح

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الرابع

(( يا حضرموت افرحي .. كلين بالسر باح

واحيي الليالي الملاح .. الفقر ولّى وراح

بترولنا با يجي .. يا ناس خلّوا الصياح

ريحه في الأحقاف فاح .. الفقر ولّى وراح ))

بعد أبيات شعرية تؤكد على الفرح، وتبشر بالأمل، والليالي الملاح، لاينسى الشاعر حسين محمد البار تضمين نصيحة ذهبية للناس بأن يكفوا عن الصياح والكلام غير المباح، أو لعله أراد أن يقول لهم إن الفرح والضجيج قطبان لا يلتقيان وخلال أكثر من نصف قرن صارت هذه القصيدة ( البترولية ) ترنيمة حضرمية حزينة سجلت مرحلة انكسار حلم حضرمي على عكس ما قصد قائلها من التبشير بميلاد عصر مزدهر مع سبق الإصرار والترصد.

كان خبر اكتشاف البترول واحتمال تصديره في ستينيات القرن الماضي حلم الحضارمة العظيم، فقد رأوا فيه الضمان الذي سيضع حداً لمعاناتهم المزمنة وشتاتهم الواسع في أرض الناس، لاسيما أن مواطن الهجرة التقليدية في شرق آسيا وشرق أفريقيا سدت أبوابها بعد الحرب العالمية الثانية وتعقيدات التطورات السياسية الدولية ما بعد المرحلة الاستعمارية، وصرخة البار لاستتباب الهدوء ربما ستكون عابرة، وغير مسموعة في سياق قصيدة ( أغنية ) ضجت حروفها وكلماتها بالفرح وسحبت الأذهان إلى عوالم جديدة تتشكل بحسب اتساع خيالات أصحابها.

ومن منظور السياق التاريخي أو تاريخينية القصيدة سيظن البعض أن القصيدة ماتت مع نهاية حلم ظهور البترول في حضرموت وارتفاع الشركات العاملة منها قبيل عام 1967م، فلا الفقر ولّى وراح، ولا ظهرت الأيام الملاح، وحتى عندما تدفق البترول من حضرموت في تسعينيات القرن الماضي وما بعدها لم يحصد الحضارمة إلا مزيدا من الفقر والقهر، وغابت قصيدة الفرح الحضرمية البترولية إلا على استحياء، ومع هذا ورغم الضبابية نرى أن في متن القصيدة عروقاً تنبض بالحياة وأنها تمضي إلى سياقات مؤجلة ربما سيجد بعض الناس في هذه اللحظات – التي تحاول فيها حضرموت صناعة نفسها والإمساك بزمام أمورها – فرصة مناسبة لاستدعاء القصيدة بعد ما ينيف على نصف قرن من الزمان من ظهورها.

لكننا عندما نعيد النظر في ماضينا القريب وحاضرنا المعيش لاسيما خلال القرن الماضي وحتى حينه نجد أن هناك محاولات من النخب الحضرمية من ساسة وعلماء ومثقفين وشخصيات اجتماعية سعت لتوحيد الكلمة وإيجاد آليات تجعل من حضرموت كتلة فاعلة في محيطها، بيد أن هذه المحاولات تصطدم بعوائق منها : التنازع، والتشاحن، وغلبة الذاتية على المصلحة الوطنية وفي مثل هذه الأوضاع يتراجع عن حضرموت صوت العقل ويتجمد الفرح، وإن لاحت بشائره، وتفاصيل ذلك في كتب التاريخ، وخلال السنوات والأيام القريبة كنت شاهدا على محاولات (مخلصة) اجتهدت للملمة الناس، وعندما تحين موعد الكلمات يتغنى الكل بحضرموت حد البكاء والهيام، وحين تحين ساعة العمل وأفكار التأسيس يبحث الكثير منهم عن مكانه، ومكانته وإن كانت قدراتهم أقل بكثير مما يتطلعون إليه، فإن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا يسخطون ويتذمرون فإذا بالانسحابات (البطولية) تتناثر، وإذا بالتكتلات تلو التكتلات تتفرخ، ويستمر الصياح، وفي مثل هذه مواقف يطل – أو هكذا يخيّل إليّ – الشاعر حسين البار في المكان لكن في ثوب جديد وملامح صارمة ونظرات جادة لا علاقة لها بالدندنة والفرح ويبدو وهو يصرخ صرخته التي ما تزال ترن في أذني واثقاً من وصول صوته إلى الناس أو إلى رائد لا يكذب أهله.

يا ناس إن حضرموت لن تعبر إلى مستقبلها إلا بعقول المتنورين الصادقين من أبنائها .. يا ناس لن تصنع حضرموت الجديدة في المجالس الفاقدة للوعي، والغرف الموبوءة بالقات .. يا ناس التاريخ ولّى وراح .. يا ناس التاريخ للتدبر والتأمل وللعقول الصحاح .. يا ناس المستقبل قرّب ولاح .. يا ناس خلّوا الصياح…

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر