القضاة الحضارم في مصر من 40 – 132 هـ

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الرابع

الملخص :

بعد أن شارك الحضارمة بمختلف قبائلهم في عمليات الفتح الإسلامي في كل من العراق و الشام و مصر، و استقرارهم في تلك الأمصار المحررة، تقلد العديد منهم مناصب رفيعة في الجهاز الإداري و القضائي … و لكفاءتهم الإدارية ومعرفتهم الواسعة في تشريعات الفقه الإسلامي وخبراتهم الحضارية، فضلاً عن اتصافهم بالصدق، و الأمانة، و مكارم الأخلاق .. كل ذلك جعلهم على رأس الجهاز الإداري فكانوا هم المتولين لأهم منصب بعد منصب الخلافة و هو منصب القضاء، و هذا البحث المتواضع يتناول الحضارمة الذين تولوا منصب القضاء في مصر خلال تسعين عاماً.

مقدمة :

منصب القضاء منصب إسلامي بحت، فبعد انتشار الإسلام في مصر، ظهر هذا المنصب، الذي تمتع شاغله (القاضي) باحترام كبير جداً؛ لأنه يمثل حامي الشريعة و الناطق باسمها، و مايصدر عنه من قول أو فعل إنما هو مطابق للشريعة و لأجل خدمتها، و من هنا جاءت أهمية هذا المنصب.

القضاة الحضارم في مصر :

القضاء :

قال ابن خلدون : (هو منصب للفصل بين الناس في الخصومات حسماً للتداعي و قطعاً للتنازع) وهو من الأمور الخاصة بالخلافة، وتأتي مرتبة القاضي من حيث الأهمية بعد مرتبة الخليفة؛ لأنها تمثل الشرع، فالجيش الذي حرر مصر ضم العديد من أبناء القبائل الحضرمية، و فيهم العديد من الصحابة من أهل حضرموت، الذين استقوا الشريعة الإسلامية و الحديث النبوي الشريف من سيد الخلق و خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ويكفي أن معاوية بن خديج التجيبي كان رسول عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الذي حمل له بشرى فتح الإسكندرية، فكانت مشاركة الحضارمة في عمليات الفتح في مصر.

عندما أصبح معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – (توفي  سنة 60هـ ) خليفة للمسلمين عام 40هـ، وكان أول قاضٍ لمصر هو :

سليم بن عمر التجيبي :

و هو من صحابة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ وكان قبل ذلك يتولى القصص، ثم جمع له معاوية بن أبي سفيان القضاء والقصص، وفي رواية الكندي أن سليم بن عتر كان قاضياً للجند زمان عمرو بن العاص، وممن شارك في فتح مصر، و لكفاءته وقدراته أضاف إليه معاوية النظر في الخراج، ثم يرفع ذلك إلى صاحب الديوان، و بذلك فهو أول قاضٍ يقوم بهذه المهام.

و يعود له الفضل في أنه أول من نظم ووضع (أرشيفاً) للقضايا، و كان السبب تلك الحادثة التي قضى فيها بين مختصمين في ميراث لهم، فبعد أن قضى بينهم، فما لبث وأن اختلفوا و تناكروا، فعادا إلى القاضي سليم فقضى بينهم و كتب كتاباً بالحكم الذي أصدره ثم طلب من شيوخ الجند أن يشهدوا و يسجلوا اسماءهم، وهكذا يكون أول قاضٍ في مصر سجل سجلاً بقضائه في المواريث.

ظل سليم بن عمر قاضياً لمدة عشرين عاماً ( 40 – 60 هـ ) كل هذه السنوات كان مثالاً للنزاهة والعدل، و إلمامه بالكتاب والسنة النبوية الطاهرة، و مما قيل فيه إنه كان يصلي بالليل و يختم القرآن الكريم ثم يأتي أهله ثم يعود و يختم القرآن، ومما قالته زوجته فيه ” رحمك الله فقد كنت ترضي ربك و تسر أهلك “.

يونس بن عطية الحضرمي :

ولاه عبدالعزيز بن مروان ( تـ86 هـ ) القضاء و الشرطة سنة 84هـ، و هو من سادات حضرموت، هاجر مع أبيه و أعمامه من حضرموت في عهد الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه -.

أما سبب توليه القضاء، إثر الحادثه التي وقعت في الشام و اختلاف فقهائهم و قضاتهم في نفقة المبتوتة، و هي المرأة المطلقة من الرجل، فيقال بت الرجل طلاق امرأته، فأرسل الخليفة عبدالملك بن مروان ( تـ85 هـ ) إلى أخيه عبدالعزيز بن مروان والي مصر آنذاك قائلاً له “..فاكتب إلي بما عند أهل مصر فيه..”.

جمع عبد العزيز بن مروان فقهاء و مشائخ مصر، و كان يونس جالساً في آخر المجلس غير أن فقهاء مصر لم يعطوا حكماً في قضية نفقة الزوجة المطلقة، فقام يونس فأجاب على تلك المسألة، فأعجب برأيه عبدالعزيز و الحاضرون، فسألهم عنه فأخبروه، فولاه القضاء.

أوس بن عبدالله بن عطية بن أوس :

ابن أخي يونس، تولى القضاء من قبل والي مصر عبدالعزيز بن مروان، بعد مرض يونس عام 84هـ، و أضاف إليه الشرطة، وفي رواية أن من تولى الشرط هو عبدالرحمن بن معاوية بن حديج، لم يمكث طويلاً في منصبه سوى حوالي شهرين و نصف الشهر، ثم صرف عام 86هـ، أي في السنة ذاتها.

عبدالرحمن بن معاوية بن حديج التجيبي، ويقال له ( السكوني ) :

و هو ابن القائد الذي أرسله عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بخبر الفتح، و كان أحد الأربعة الذين وزعوا القبائل العربية في الفسطاط و أنزلوا القبائل في خططها.

قبل أن يتولى القضاء كان متولياً منصب صاحب الشرطة، ثم جمع عبدالعزيز بن مروان له القضاء و الشرطة عام 86هـ.

وهو أول قاضٍ اهتم و نظر في أموال اليتامى وضبطها، عن طريق عريف كل قوم، وكتب كتاباً بذلك، بمعنى أنه أسس و عمل ديواناً، ووضع له من يقوم بمراقبة أموال اليتامى.

يبدوا أنه بعد وفاة عبدالعزيز بن مروان، تولى ولاية مصر ( عبدالله بن عبدالملك 86 – 90 هـ ) وأراد استبدال عمال عبدالعزيز وعزلهم، فعندما أراد ذلك لم يجد عليه مقالاً و متعلقاً، أي لم يجد ثغرة أو زلة على القاضي عبدالرحمن بن حديج، فولاه مرابطة الإسكندرية، حتى صرف عن قضائها في رمضان سنة 86هـ بعد أن وليها ستة أشهر.

عبدالواحد بن معاوية بن حديج التجيبي :

تولى القضاء من قبل عبدالله بن عبدالملك سنة 89هـ و كان عمره خمسة وعشرين سنة، وقال فيه الكندي : ” … فما علق عليه شيء” ثم أضاف إليه عبدالله الشرط، و لكن قرة بن شريك الذي عين والياً على مصر، من قبل الخليفة الوليد بن عبدالملك (90 – 96 هـ) صرفه عن القضاء سنة 90هـ.

يحيى بن ربيعة بن ميمون الحضرمي :

ولاه الخليفة هشام بن عبد الملك (تـ105 هـ) ولكنه عزله إذ لم يكن محمود السيرة، فقد جاءه طفل يتيم يشكو عريف قومه فلم ينصفه، رغم الشهود الذين أكدوا للقاضي أن الطفل مظلومٌ، ولكنه لم ينصفه فكتب اليتيم شعراً، ومما قاله :

أكدوا حكمك بباطل لم تأتِ حقاً *** و لم يسمع بحكم مثل ذلك.

فبلغ يحيى بن ميمون ما قاله من شعر فقام بسجنه، فعلم الخليفة هشام بأمر اليتيم فقرر صرفه عن القضاء، و مما قاله الخليفة لواليه في مصر : ” اصرف يحيى عما يتولاه من القضاء …و تخير لقضاء جندك رجلاً عفيفاً تقياً سليماً من العيوب لا تأخذه في الله لومة لائم “.

توبة بن نمر الحضرمي :

من أعظم قضاة الحضارمة في مصر، كان قوياً في الحق محمود السيرة وكان لا يقبل شهادة الأشراف، و لا شهادة مضري على يماني، ولا شهادة يماني على مضري، كان كاتبه مغيت مولى حضرموت.

أما عن عدم قبول شهادة الأشراف و المضريين على اليمانيين و العكس فيعود إلى اشتداد العصبية القبلية التي أذكاها الخليفة الوليد بن عبدالملك (تـ125 هـ ) وظلت نارها مستعرة، فكانت سبباً و عاملاً من عوامل سقوط الخلافة الأموية سنه 132هـ.

ومما يؤكد مصداقية و نزاهة توبة، و إدراكه خطورة العصبية القبلية كوضع سياسي تعيشه الدولة العربية الإسلامية عامة، و مصر خاصة، كون معظم قبائل جنوب الجزيرة العربية كانت موجودة في مصر، خاصة التي شاركت في تحرير مصر، في حين أنَّ معظم القبائل المضرية والعدنانية كانت في الشام، وعلى ضوء ذلك و خوفاً على أحكامه القضائية و عدم تأثرها بذلك الوضع السياسي، استدعى توبة زوجته (عفيرة الأشجعية) وقال لها : “… جزاك الله من عشير خيراً، قال فاسمعي لا تعرضي لي في شيء من القضاء، و لا تذكريني بخصم و لا تسأليني عن حكومة، فإن فعلتِ شيئاً من هذا فأنتِ طالق، فإما أن تقيمي مكرمة و إما أن تذهبي ذميمة  “.

ففي الوقت الذي طور القضاة الحضارمة الذين سبقوه من عمل للأرشيف و غيره، فقد أنشأ توبة ديواناً جديداً، عندما وضع يده على الأحباس و عمل لها ديواناً خاصاً، و أكد الكندي ذلك بقوله : ” إنه أول قاضٍ بمصر يضع يده على الأحباس في زمن هشام، وإنما كانت الأحباس في أيدي أهلها وفي أيدي أوصيائهم، فلما كان توبة قال : ” ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظاً لها من الالتواء و التوارث “.

كان كريماً سخياً، لا يملك شيئاً إلا وهبه ووصل به إخوانه، وعندما أصبح قاضياً أراد أن يحجر على المسرفين والمبذرين، فكانت له قصة مع غلام بلغه أنه مبذر لا تحوي يده شيئاً إلا وهبه و بذره.

كان يتحرى الدقة والعدل والشهادة في ما يصدره من أحكام، وعرف عنه أنه كان يقضي بيمين صاحب الحق مع شاهده في الشيء اليسير.

خير بن نعيم الحضرمي :

بعد وفاة توبة بن نمر عام 120هـ تولى خير بن نعيم القضاء من قبل والي مصر حنظلة بن صفوان الكلبي، وكان خير فقيهٍ، هذا ما أكده فقيه وقارئ مصر آنذاك (  ورش ) الذي قال فيه : ” ما أدركت من قضاة مصر أحداً أفقه من خير بن نعيم “.

يذكر الليث بن سعد عن خير أنه كان يقضي فيمن اعترف لرجل بحق عليه ثم ادعى بأنه قد قضاه إياه و لا بيَّنه عنده.

عزل عن القضاء سنة 127هـ من قبل والي مصر آنذاك ” حوثرة بن سهل الباهلي ” المعين من قبل الخليفة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ( 127هـ – 132هـ ) وحوثرة الباهلي كلفه مروان بن محمد بالقضاء على الفتنة ( خلع مروان سنة 128هـ، في هذه الفترة كان والي مصر هو حفص بن الوليد الحضرمي الذي طلب من الخليفة ان يعفيه فعفاه ).

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر