الصراع القبلي في حضرموت في القرن الثالث الهجري

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الخامس

مقدمة :

تعد مصادر العمانيين الفقهية منها والتاريخية مناهل يمكن للباحث أن يستقي منها معرفة تاريخية مهمة عن حضرموت، خاصة في فترة انتشار المذهب الإباضي , نظراً للجوار الجغرافي بين القطرين من جهة , ومن جهة أخرى العلاقات والروابط المذهبية بينهما , فقد ساد المذهب الإباضي في كلٍ من حضرموت وعمان خاصة بعد قيام أول إمامة إباضية بقيادة عبدالله بن يحيى الكندي سنة 129هـ . لعل من أبرز تلك المصادر كتاب بيان الشرع للفقيه والشيخ العماني محمد بن إبراهيم الكندي, وهو كتاب موسوعي فقهي في نيف وسبعين جزءاً , ضم مجموعة من السِّيَرْ والمكاتبات بعضها مرسل إلى الإباضيين الحضارمة.

والسِّيَرْ ( بكسر السين المشدَّدة وياء مفتوحة ثم راء ساكنة ) ـ ومفردها سِيرَة ـ هو اسم مشتق من الفعل ( سَيَرَ ) بمعنى ذَهَبَ , والسِّيرَةُ تعني : السُّـنـَّـة ، والطريقة ، والهيأة، واصطلاحًا هي : رسائل في معظمها ذات طابع سياسي تعبر عن وجهة نظر كاتبها حول مسألة أو مجموعة مسائل عقدية وفقهية مثارة من الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الديني المحيط بالكاتب أو سابق عليه.

ومصطلح السِّيَر في عرف العُمانيين في تلك القرون المتقدمة استعمل للإشارة إلى مجموعة من الأعمال القصيرة والتي جُمعَ بعضها في مجلد واحد , واستخدم المصطلح أحيانًا لعنونة عمل مرتبط باسم شخص ما ، وعادة ما تأتي مترافقة مع رسائل أو جوابات جرى تبادلها ، وشاع استخدام هذه الوسيلة على مدى زمني طويل ، وبعض هذه السير هي من بواكير تاريخ التأليف الإسلامي, غير أن الذي يؤسف له أن تلك السِّير لم تـُـوَثـَّــق زمنياً بدقة , أي لم يحرص أصحابها على تحديد زمن كتابتها , وإنما يمكن الاستدلال على ذلك من خلال فترة حياة مصنفيها أو الأحداث والقضايا التي تتناولها , والتي نجدها أحياناً تمتد على حقب زمنية طويلة تصل إلى قرن من الزمان أو أكثر .

ومن أبرز تلك السير الواردة في كتاب بيان الشرع السيرة التي بعثها الإمام العماني الصلت بن مالك الخروصــي( 237هـ ـ 273هـ, إلى الإمام الحضرمي أحمد بن سليمان, وكاتبها الفقيه العماني محمد بن محبوب ( ت260هـ ), ونستدلُ من شخوص هذه السيرة أنها كـُـتِبت في القرن الثالث الهجري, وفي تقديرنا منتصف ذلك القرن, وتعد مصدرًا تاريخيًا عن إباضية حضرموت في هذه الفترة؛ لأنها تسلط الضوء على قضايا مختلفة شهدتها حضرموت آنذاك, لعل من أبرزها الصراع القبلي.

الصراع القبلي في حضرموت في القرن الثالث الهجري :

تتحدث السيرة عن صراع قبلي شرس انقسمت معه حضرموت إلى عصبتين قبليتين متناحرتين , سُـفكت فيه الدماء وعـُـطلت بسببه الحدود الشرعية, حتى أن الإمام أحمد بن سليمان أصبح عاجزاً عن بسط سلطانه على البلاد , وهو الوضع الذي يبدو لنا قد دفع بعض الحضارمة إلى الدعوة لعزل هذا الإمام وتنصيب غيره , فلما وصل ذلك إلى علم الشيخ محمد بن محبوب أرسل إليهم كتاباً محذراً فيه من مغبة عزل الإمام من غير وجه حق لما في ذلك من محاذير شرعية واجتماعية.

وقد وصلت تلك الفتنة إلى حالة من الاستعصاء عجز الإمام عن حلحلة أسبابها , وجمع كلمة الحضارمة من جديد تحت راية واحدة , وظهر ذلك جلياً في خذلان رعيته له ونكثهم بوعودهم معه , ففضل أن يترك حضرموت ويخرج إلى اليمن ليقيم له إمامة عدل هناك وينشر المعروف , وكتب إلى إخوانه في عمان بما هو عازمٌ عليه , غير إنهم لم يوافقوه في ذلك خوفاً على بقية الرعية ؛ إذ لو كان الرجال قد خذلوه فما ذنب النساء والأطفال واليتامى والعجزة ـ حسب ردِّهم ـ فدعوهُ إلى التحلي بالصبر ودعوا من حوله إلى نصرته وعقد الشراء له حفاظاً على تلك الرعية.

وعن تفاصيل تلك الفتنة تؤكد السيرة أن أسبابها لم تكن مذهبية , ولم تكن ناتجة عن خلاف بين الإباضيين أنفسهم , وإنما سببها تعصب وحمية قبلية لا غير, وجاء في السيرة أن ذلك منكر يجب تغييره , وهذا التغيير يبدأ بالوقوف إلى جانب الإمام وعدم خذلانه , والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن في تركه هلاكاً للأمم.

ومن حرص الشيخ أبي عبدالله محمد بن محبوب على إخماد الفتنة وسد مداخلها وحلحلة أسبابها , رسم للإمام الحضرمي خطة يجمع بها شمل الإباضيين في حضرموت ويصلح ما خرب من أحوالهم , ولو وصل الأمر في سبيل ذلك إلى استخدام القوة . تبدأ تلك الخطة بدعوة الإمام إلى قطع الشراء على نفسه وأنصاره , كما دعاهُ إلى بذل المال وفرض الفرائض ومضاعفة العطاء للأنصار من الشراة ليضمن وقوفهم إلى جانبه , وحتَّهُ على حسن المعاملة وإظهار السرور لكل المسلمين , وفي جانب التكتيك العسكري دعَاهُ إلى تقسيم الجيش إلى مجموعات صغيرة ـ كراديس ـ ، كل مجموعة لا يزيد عدد أفرادها عن خمسين شارياً , عليهم قائد عسكري حازم يحظى بالسمع والطاعة في مجموعته.

بعد ذلك حدَّدَ له الزمن الذي يخرج فيه إلى الناس لفرض سلطانه وإقامة الشرائع والحدود , وإخماد فتنة المتعصبين , وهو عند دخول وقت الثمر وقبض صدقة الماشية والثمار , على أن يخص الجند بوافر العطاء من تلك الصدقات لأنه ـ حسب رأيه ـ أجدى لإقامة الدولة وإحياء الدين من أن ينفق على الفقراء والمساكين , وأجاز أبوعبدالله للإمام أن يأخذ من الناس السلاح والخيل والكُراع ما دامت الحرب قائمة, فإذا وضعت الحرب أوزارها أعاد ما سلم منه إلى أهله , وأما التالف فعليه دفع ثمنه إذا كان أهل ذلك المال من غير أهل الحرب , وإذا استخدموا الخيل والإبل في الركوب عليهم دفع أجرةَ ذلك لأهلها على قدر استنفاعهم بها , إذا كانوا مـــن غير أهل الحرب , وأما إذا كانوا من أهل الحرب فلا أجرة لهم.

ويستمر أبوعبدالله في رسم خطته فيطلب من الإمام الحضرمي قيادة الجيش , ودخول البلدات والقرى , فيدعو أهلها إلى الحق، ويعلن فيهم أنه غير محارب لهم إلا من نصب له راية الحرب وجمع الناس على الفتنة , وإذا دخلوا في طاعته عليه أن يتوسط في معاملتهم ويحسن إليهم , فلا يبعدهم كل الإبعاد ولا يأذن لهم بالسير معه إلى رؤوس الفتنة , بل يأمرهم أن يلزموا دورهم وقراهم متفرقين غير مجتمعين على قائد, وهذا يمثل حرصاً وحذراً من الغدر والضرب من الخلف .

وعندما يصل الإمام بجيشه إلى قرى رؤوس الفتنة، عليه أن يعسكر بينهم ويتخذ له الحرس، ويكون حذراً حازماً مستعيناً بالله في تحقيق أهدافه , ثم يبدأ في التفاوض مع الطرفين المتحاربين كلاًّ على حده , فيرسل إلى قادتهم وأصحاب الوجاهة فيهم , ويجادلهم بالتي هي أحسن ويدعوهم إلى الصلح ووقف القتال , أي يدعــوهم إلى هدنة حدَّد مدتها بسنة كاملة.

وحتى تكون تلك الهدنة مقبولة عند الطرفين ومضمونة ألا يخرقها أحدٌ منهم , على الإمام أن يخبرهم أنه ما قـَـدِمَ عليهم وعزم على الصلح بينهم إلا بعد أن استشار إخوانه في عمان , ثم يبدأ بعد ذلك في حل المشاكل العالقة بين الطرفين بالعدل وأخذ رأي أهل العلم ولا يؤخر شيئاً من ذلك إلى انتهاء وقت الهدنة حتى لا يتجدد القتال بينهما، ولنا على ما سبق ملاحظة مهمة هي أن لمشايخ عمان كلمة مسموعة عند طرفي النزاع , وهذا يؤكد لنا أن الصراع احتدم بين طائفتين إباضيتين لأسباب قبلية, وليس صراعاً مذهبياً.

ولتثبيت الأمن والاستقرار وضمان عدم العودة إلى الحرب على الإمام أن يدعو الطرفين إلى الاستغفار والتوبة من تلك الفتنة, ثم يعيـِّـن له ولاة صالحين على كل البلدات ممن لم يشترك في تلك الفتنة، وأن يسند أولئك الولاة بكتائب عسكرية لحفظ الأمن خاصة في القرى التي يخشى أن يعود أهلها إلى الفتنة.

ولما كانت هذه مجرد مشروع خطة من أبي عبدالله محمد بن محبوب فقد وضع لها بعض الاحتمالات وحدد لها المعالجات , من ذلك احتمال رفض طرفي النزاع أو أحدهما للصلح , فيبقى يتصيَّــد الفرصة لإثارة الفتنة من جديد , ويأخذ خصمه على حين غرَّة . وسداً لهذا المُحتَمل أمرهُ أن لا يبرح مكانه ويبقى بينهم يترصد الطرف المعتدي ويقطع شأفة الحرب.

وهناك احتمال أكثر صعوبة من الذي قبل، يتلخص في تآلف المتحاربين وتحالفهم ضد الإمام وجيشه , وعندها يرى أبوعبدالله أن ليس للإمام خيار سوى مقاتلتهم , لكن عليه أولاً أن يحذِّر خصومه من مغبة ما تحالفوا عليه , وإن أرادوا إلا القتال فلا يكون هو البادئ بذلك , فإذا بدأوا بالحرب فقد بغوا وحلَّ قتالهم.

واختـُـتِمت السيرة بالدعاء لأهل حضرموت بالصلاح وجمع الكلمة، والشيء المؤسف له أننا لا نعلم المصير الذي آلت إليه الأمور بعد ذلك , فغياب المصادر يظل حائلاً دون إشباع نهمنا المعرفي عن تاريخ هذه الفترة , غير أن هناك إشارة مهمة يوردها الهمداني تتعلق بتلك المساعدات التي قـدمها يعفر بن عبدالرحيم الحوالي لإنهاء الصراع بين قبيلتي حضرموت وكندة وتـَـحمُّـلهِ دفع ديات القتلى، ويبدو لنا أن هذا الصراع بين القبيلتين هو نفسه الذي تناولته سيرة الشيخ العماني محمد بن محبوب، والتي أرسلها إلى إمام حضرموت أحمد بن سليمان , نظراً لتطابق مشهد الأحداث في السيرة العمانية، إضافة إلى الفترة الزمنية ( القرن الثالث الهجري ) , لذا نرجِّح أن يكون اليعفريون بمساعداتهم تلك حاولوا التدخل في شؤون حضرموت ثم السيطرة عليها خاصة بعد حصول محمد بن يعفر الحوالي في المحرم من سنة 259هـ على اعتراف من الخليفة العباسي المعتمد ( 256هـ ـ 279هـ ) بسلطته على اليمن, فأرسل إلى حضرموت نائباً له , لكن أهلها ناصبوه العداء , لذلك خرج بنفسه ففتحها بعد امتناعها على من قبله, ثمَّ أناب فيها الهزيلي جد بني الدغار وجعل شبام مـركزاً لسلطته, وهناك من رجَّحَ سيطرة اليعفريين على حضرموت في حدود سنة 270هـ, ويبدو أن هذا التغيير السياسي جاء على حساب إمامة أحمد بن سليمان الحضرمي الإباضي؛ إذ لا نستبعد أن يكون اليعفريون قد قضوا على إمامته وعينوا الهزيلي نائباً لهم في حضرموت .

 

 

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر