المرحوم غلطان

مجلة حضرموت الثقافية – العدد الخامس

ذات يوم كنت وصديق مقيم في مدينة القاهرة نتمشى على كوبري قصر النيل دون أن أكترث لمخاطر الطريق فنبهني قائلا : هنا في ثقافة المرور وحوادثها ( المرحوم غلطان ) وهذا المرحوم الذي مات بسبب حادث مروري غالبا ما يكون من سائقي الدراجات النارية أو الراجلين، وصفة المرحوم المباشرة التي تطلق على الضحيّة تطلق عادة من باب الدعوة له بالرحمة، وهو ما يكرره المسلمون في كل مكان ثم استقرت لتقابل إلى حد بعيد لفظة ( الموت ) ولهذا عندهم كل مرحوم ميت، وكل ميت وَجَبت الدعوة له بالرحمة وتأتي استعارتنا لمصطلح ( المرحوم ) في هذا المقال لوصف من مات من الحكام بيولوجيا أو سريريا أو سياسيا، أما رحمة الله فقد وسعت كل شي.

وعودة إلى تهمة تحميل ( المرحوم ) المسؤولية في حوادث المرور الأليمة يلاحظ سرعة تأكيد البراءة أمام ضحية لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، وتحت هذا البند تمضي الأمور في قانون مرور المدن الكبرى بأقل الخسائر على السائقين ( والحي أبقى من الميت ) أو هكذا هم يقولون، وفي بلدان التخلف الاجتماعي والسياسي سنجد تطبيقات عديدة لهذه المقولة تختلف مشاهدها وحيثياتها لكنها تتفق في تلبيس ( المرحوم ) بأكثر مما يستحق متجاوزة بذلك حوادث المرور والأمثلة في التاريخ القريب والبعيد كثيرة، فمثلا تجد الحاكم الجديد في الأنظمة العربية الجمهورية يتعامل مع منظومة من سبقه في الحكم بحسب الكيفية التي وصل إليها ولونها، فإذا كان بانقلاب أبيض فغالبا ما يتحصل ( المرحوم ) على نفس محدود في قبره إلى أن يتمكن الجديد المتسلط فإذا القبور تنبش، والعظام تبعثر وهي رميم، أما إذا كان الانقلاب أسود أو أحمر ( فالمرحوم ) وأهله يحصلون على (نصيبهم) غير منقوص فوق الأرض وتحتها منذ أول ثانية من الزمان، أما إذا تسلط على الناس مرحوم برتبة ( سريري ) أو بآلية إعادة التدوير فتلك الطامة الكبرى لو كانوا يعلمون.

وفي مثل هذه الأجواء يؤسس المتسلط الجديد مجده الخاص بعد أن يحمل زملاءه السابقين أكثر مما يستحقون ، وتتصدر الواجهة مصلحة الشعب العليا التي سيحرص عليها آناء الليل وأطراف النهار يسنده في ذلك جوقة جاهزة عابرة لأصحاب القرار في كل زمان مهمتها تضليل الناس وتلميع الزعيم حتى يقوم زعيم غيره يبحث عن مجده الخاص وعشيرته الأقربين، وبهذا تدور الشعوب حول نفسها كثور الساقية بلا هدى أو سراج منير، ويتكرر إنتاجها للبدايات تلو البدايات، وتتوقف كثيرا عند ماضيها تمجد ما هو بعيد منه، وتهدم ما هو قريب دون الاستفادة من تجاربها، وتراكم خبراتها والبناء على الصحيح منها، لهذا فإن ازدهار الشعوب وتقدمها لن تصنعه قبضة الحاكم المستبد الذي يشغل نفسه بالبحث عن الذرائع التي يستر بها عيوبه، و يحيل خيباته إليها.

وهكذا كلما غابت الشفافية عن أنظمة الحكم غابت الحقائق ، أو يتأجل البوح بها إلى حين من الدهر. يذكر أن الرئيس السوفيتي (نيكيتا خروتشوف 1955-1964م) انتقد السياسة الدكتاتورية للرئيس ستالين، وقسوة مدة حكمه ثم فتح المجال للمناقشة المباشرة أو عن طريق الملاحظات المكتوبة وتوقف عند سؤال مكتوب غير معروف اسم صاحبه يقول للرئيس السوفيتي : أين كنت يا خروتشوف عندما كان ستالين يفعل تلك الجرائم؟ فسأل عن صاحب السؤال فخيم الصمت فكانت إجابته : أنا كنت بجانب صاحب هذا السؤال، وإذا وصفت الإجابة بالمقنعة أو حتى الذكية فإن الرئيس خروتشوف كان ينتمي لثقافة ( لا صوت يعلو فوق صوت الحزب أو الزعيم ) ولذلك حالت تلك الثقافة دون ظهور الكلمة الحرة المخلصة ، وحبست أنفاسها في انتظار وصول الزعيم إلى مرتبة ( المرحوم ) لتبقى فقط إشارة البدء من البطل الجديد والجوقة جاهزة لتحميل(الجثة) كل الخطايا والمثالب.

 

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر