محمد سعيد القدال .. باحثا ومترجما في الشأن الحضرمي

مجلة حضرموت الثقافية – العدد السادس

الدكتور محمد سعيد القدال أحد الأمثلة البارزة على العلاقة الثقافية التي ربطت بين حضرموت والجنوب عموما وبين القطر العربي السوداني الشقيق، بل إن والده الشيخ القدال سعيد القدال هو الذي تولى قيادة حركة تطوير التعليم في حضرموت وعملية تحويله من التعليم الأهلي الذي كان سائدا في البلاد إلى التعليم الحكومي المبني على المناهج والأساليب الحديثة، وهي الحركة التي كانت من بين خطوات تحديث المجتمع الحضرمي التي قام بها السلطان صالح بن غالب القعيطي واستعان فيها بسلطة الحماية البريطانية ممثلة في دار المستشار، وبالذات السيد هارولد إنجرامز، الذي كان أول مستشار مقيم للسلطنتين القعيطية والكثيرية بعد توقيع معاهدتي الاستشارة معهما في عامي 1937 و 1939م على التوالي.

عاش محمد سعيد القدال جزءا من طفولته وصباه في حضرموت بحكم وجود أسرته فيها، وعلى الرغم من عدم وجود معلومات كافية بين أيدينا عن هذه الفترة المبكرة من حياته إلا أن هناك بعض الشواهد على ما ذكرناه، منها الصورة التي نشرها الأستاذ سالم عوض باوزير في كتاب سيرته الذاتية المعنون (محطات على الطريق) ويظهر فيها مجموعة من التلاميذ بالزي المدرسي الحضرمي وعلق عليها المؤلف بهذه الكلمات : ” بعض من زملاء الدراسة بالمدرسة الوسطى يتوسطهم نجل الشيخ القدال، الدكتور (حاليا) محمد سعيد القدال ومنهم…إلخ ” ومنها ما ذكره الدكتور القدال نفسه في مقدمة الترجمة العربية لكتاب المستشرق الهولندي دانيال فان در مولن (حضرموت إزاحة النقاب عن بعض غموضها) التي قام بها، حيث قال في معرض حديثه عن الأسباب التي دعته إلى القيام بترجمة هذا الكتاب : “… وأخيرا، لعلي بهذه الترجمة أدفع بعضا من دين حضرموت عليّ، منذ أن احتضنتني يافعا عام 1940 حتى استضافتني للعمل بها عام 1993م ” وهناك نبذة عن سيرته العلمية وإنتاجه نشرت في نهاية كتاب (السلطان علي بن صلاح القعيطي) إلى جانب سيرة الأستاذ عبدالعزيز علي بن صلاح القعيطي، وورد في رأس هذه النبذة أنه من مواليد عام 1935م في السودان. ومعنى ذلك أنه جاء إلى حضرموت وعمره خمس سنوات. وهذا التحديد لتاريخ الميلاد ينسجم مع ما سيأتي لاحقا على لسانه عن فترة انتظامه في المدرسة الوسطى بغيل باوزير وتعرفه إلى الشيخ سعيد عوض باوزير؛ ولذلك لا داعي للتدقيق حول معنى كلمة (يافع) في النص المنقول عنه قبل قليل، ففي الأمر سعة عندما يرسل الكاتب المتفنن قلمه ويختار كلمات بعينها يرى فيها جرسا جميلا دون أن يأبه لمعناها المعجمي الحرفي.

على أن هذا المقال لا يهدف إلى النبش في سيرة هذه الشخصية الأكاديمية المتخصصة في التاريخ بقدر ما يحاول التوقف عند بعض الذكريات التي ربطتني به، وأشير بادئ ذي بدء إلى تلك الندوة التي عقدت في عدن بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة، 25 أكتبر 1993م، لرحيل المؤرخ سعيد عوض باوزير، وكان مكان انعقادها منتدى الأستاذ (الدكتور بعد ذلك) أحمد صالح رابضة، بعد حوالي سنتين من عقد هذه الندوة، أنشأنا جمعية تحمل اسم (جمعية أصدقاء المؤرخ سعيد عوض باوزير الثقافية) وأصدرنا مجلة (الفكر) إحياءً لذكرى مجلة (الفكر) القديمة التي أصدرها عن دار الطليعة بالمكلا الصحفي الأستاذ أحمد عوض باوزير في ستينيات القرن الماضي ولم يصدر منها إلا أربعة أعداد فقط، كان العدد الرابع من هذه النسخة الجديدة التي أصدرناها من مجلة (الفكر) عددا متميزا بما احتوى عليه من موضوعات غنية وجذابة، وقد نشرنا فيه جزءا من تلك الندوة العدنية بعد أن فرغتُها من شريط تسجيل أرسله لي أحد الإخوة من عدن ولعله الأستاذ عبدالله سالم باوزير صديق الدكتور رابضة وكان أحد المشاركين في الندوة، وكان الشاعر محمد عوض باوزير حاضرا فيها أيضا.

كان الدكتور محمد سعيد القدال مشاركا في تلك الندوة إلى جانب عدد من الأكاديميين العرب والمحليين من بينهم الفلسطيني -أستاذي في إحدى المراحل التعليمية – الدكتور محمد عبدالكريم عكاشة الذي عاصر وجود والدي في غيل باوزير منذ الستينيات، وقد عثرت بين مخلفات والدي على نسخة من ديوان الشاعر محمود درويش (عاشق من فلسطين) طبعة دار الآداب، مهداة إليه من الدكتور عكاشة بتاريخ فبراير 1972م، وكنت حينها مغتربا في الخارج للدراسة، كان أول المتحدثين في تلك الندوة العدنية الدكتور صالح علي باصرة وقد تناول في مداخلته عددا من الأفكار أظنها هي التي بلورها وصاغها بعد ذلك في بحث بعنوان (سعيد عوض باوزير، 1915-1978م، أعماله ومنهجه في تدوين التاريخ) نشرناه في العدد الأول من مجلة (الفكر) ثم نشره صاحبه لاحقا ضمن فصول كتابه (دراسات في تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر) كان الدكتور القدال قد قدم لتوه من السودان في ذلك العام 1993م الذي عقدت فيه الندوة حتى إن تعريفه ورد عند نشر الندوة بأنه من جامعة الخرطوم، وقد جاء من ضمن حديث الدكتور القدال عن المؤرخ باوزير ما يلي : ” تعود معرفتي بالأستاذ سعيد إلى عام 46-47م عندما كنت طالبا في مدرسة غيل باوزير الوسطى وكان خالي عوض عثمان معلما في هذه المدرسة وكان صديقا حميما له وأخذني عنده في بعض المرات وكان معجبا به، وانطبعت في ذهني صورة منذ عام 46م عن الأستاذ سعيد أنه رجل مفكر …”

وبحكم تخصصه في التاريخ ونظرا لوجوده في حضرموت لا بد أن الدكتور القدال قد درس بعمق كتب المؤرخ باوزير الثلاثة عن تاريخ حضرموت والجزيرة العربية، ثم إن حاجته لدراسة هذه الكتب كانت أكثر وضوحا بعد أن ربطته علاقة من الصداقة والتعاون العلمي والثقافي بالسفير الأستاذ عبدالعزيز بن علي بن صلاح القعيطي، الذي كان المؤرخ سعيد عوض باوزير قد ارتبط بوالده السلطان علي بن صلاح وعمل معه لسنوات، وكان هناك تأثر وتأثير متبادل بين الرجلين، وقد أثمرت علاقة الدكتور القدال بالأستاذ عبدالعزيز كتابين مهمين على الأقل أولهما (السلطان علي بن صلاح القعيطي) والآخر (إحلال السلام في حضرموت) ومن أجل هذه المهمة، أقصد مهمة بحث هذه المواضيع وكتابتها لغرض النشر في كتب، احتاج الدكتور القدال – أو ربما كلفه الأستاذ القعيطي – أن يزورني في بيتي بغيل باوزير لكي يطلع على بعض الأوراق والرسائل التي خلفها والدي رحمه الله والتي تخص فترة وجوده في القطن وعمله مع السلطان علي رحمه الله، وقد استقبلته في البيت في الغرفة التي كنا نتخذها مقرا لجمعية المؤرخ سعيد عوض باوزير يضم أيضا مكتبة صغيرة خاصة بالجمعية، وهو نفس المكان الذي استقبلت فيه عددا من الزوار الآخرين، ومن بين الذين زاروني لغرض مشابه لغرض الدكتور القدال الباحثة الألمانية ألريكه فريتاج حيث اطلعَت على سيرة والدي عن مرحلة شبابه التي كتبها بنفسه، وكانت ما تزال مخطوطة، وهي التي نشرتُها فيما بعد ضمن كتاب (حياة جديدة).

وأتذكر أن الدكتور القدال في أجواء تلك الفترة التي زارني فيها أهداني كتابين له، أحدهما ترجمته لكتاب المستشرق والدبلوماسي الهولندي دانيال فان در مولن (حضرموت إزاحة النقاب عن بعض غموضها) وتاريخ إهدائه فبراير 1999م، والآخر كتاب من تأليفه بعنوان (معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني) وتاريخ إهدائه مايو 1999م، وربما لولا هذا التوثيق في تاريخ إهداء الكتابين لما استطعت تذكر زمن تلك الزيارة المهمة قياسا إلى شخصية الزائر وإلى الغرض منها، وهذا عيب وضعف في الحس التوثيقي أعترف به وربما يشترك معي فيه الكثيرون، أقول هذا لكي أستنتج منه أسبقية لقاء آخر جمعني بالدكتور محمد سعيد القدال وكان في المكلا، ولم يكن ذاك لقاءً واحدا بل كان لقاءات متكررة لا أستطيع أن أتذكر عددها، حيث كنت أتردد عليه في مقر سكناه في العمارة التي كان يطلق عليها عمارة (اليمدا) المطلة على الشارع الرئيسي القديم في المكلا، لا أدري ما الذي ساق أحدنا إلى الآخر ولا كيف تم ذلك، ولكن لا بد أن عشقي للترجمة كان أحد الأسباب التي فعلت فعلها في هذا الأمر. تناقشنا في تلك اللقاءات حول بعض المصطلحات والتسميات المتعلقة بغيل باوزير وبالذات زراعة التمباك فيها مما ورد في كتاب فان در مولن وربما كلفني أن أتأكد له من بعض التسميات، مثل (التمباك الحمّي)ةكما دار بيننا حديث حول كلمة guano وهي فضلات الطيور – ولا سيما طيور البحر – التي تستعمل سمادا للتمباك وغيره من المزروعات، وقد صادفتني هذه الكلمة بعد ذلك عند ترجمتي لكتاب دورين إنجرامز عن حياتها في حضرموت، وفي أثناء وجودي معه ذات مرة حدثني عن تحيّره في ترجمة عنوان الكتاب وهو بالإنجليزية: Hadhramaut Some Mysteries Unveiled ، فاقترحت عليه أن تكون الترجمة : (حضرموت إزاحة النقاب عن بعض أسرارها) وأظن أنه كان يفكر في كلمة (الخمار) ولكنني رأيت من الأفضل اللجوء إلى هذا التركيب الشائع، وهو ما اقتنع به، ولكن الكتاب صدر بعد ذلك مع تغيير كلمة (أسرارها) في العنوان إلى (غموضها)! هذه واقعة أرويها كما حدثت لا أدعي لنفسي فيها فضلا ولست في حاجة إلى ذلك، كما إنها لا تنتقص من قامة الرجل ومكانته العلمية الراسخة. وقد استأذنت الدكتور القدال أن أنشر هذا الجزء من الكتاب، الذي يتحدث عن غيل باوزير وشحير وزراعة التمباك وقصر السلطان (الحصن) وحديقة السلطان (الباغ) وما إلى ذلك، في مجلة (الفكر) فلم ير بأسا في ذلك، ونشر فعلا في العدد الخامس (1997م) من المجلة تحت عنوان : غيل باوزير في عيون مستشرق هولندي 1932م، وقد ترجم الدكتور القدال كتابا آخر لنفس المؤلف الهولندي هو كتاب (رحلة من عدن إلى حضرموت) ومشى كاتب هذه السطور على خطاه بترجمة كتاب ثالث لفان در مولن عن الجزيرة العربية كلها هذه المرة ومن ضمنها حضرموت، هو كتاب (وجوه في بلاد العرب).

عدا الكتابين اللذين تعاون فيهما مع الأستاذ عبدالعزيز القعيطي وأشرت إليهما سابقا، لا أظن أن الدكتور القدال ألف شيئا مرتبطا بتاريخ حضرموت إلا كتابه عن سيرة والده الذي صدر بعنوان (الشيخ القدال باشا معلم سوداني في حضرموت) ولا يهدف هذا المقال كما قد يوحي عنوانه إلى التعمق في تآليف الدكتور القدال وترجماته في الشأن الحضرمي، فهذا يحتاج إلى جهد وحيز أكبر ليس هذا مكانه، وإنما أردت به أن أوثق جانبا من الحراك الثقافي في بلادي، الذي شاءت الظروف أن تضعني في قلبه أحيانا بشكل أو بآخر. ولكنني أود، في ختام هذا المقال، أن أعبر عن إعجابي بأسلوب الدكتور القدال وموهبته في الكتابة. إنه واحد من الذين يكتبون السهل الممتنع والممتع، وليس هذا متيسرا إلا للقلة من أهل القلم والفكر خاصةً من أولئك الذين ينتمون إلى تخصصات ليس لها ارتباط مباشر بالأدب ولكنهم يعرفون أهمية الجمال والذوق في الكتابة، أيا كان نوعها ومجالها. فترجماته سلسة تخلو من العجمة التي تجدها عند كثير من المترجمين على الرغم من أنه لم يكن متخصصا في هذا الباب، أما مؤلفاته التي وضعها بنفسه فحدث ولا حرج عما فيها من جمال الأسلوب ومن الأناقة في اختيار الألفاظ والعبارات دون أن تحس في ذلك بتكلف أو تعمّل. وأجزم أن الدكتور القدال كان واعيا تماما بأهمية الموهبة أو (المقدرة) الكتابية عند المشتغلين بالبحث والتأليف كما إنه كان يعرف مكانه منها ويعتدّ بذلك. وسأدلل على هذا الكلام باقتباسين: أولهما مما ورد على لسانه في معرض حديثه عن والدي في الندوة آنفة الذكر، وثانيهما من مقدمته لكتاب (الشيخ القدال باشا معلم سوداني في حضرموت).

قال عن المؤرخ باوزير : ” الحديث عن الأستاذ سعيد كمؤرخ يذكرني أيضا بمؤرخ عندنا في السودان اسمه محمد عبدالرحيم، لأن الاثنين هما من الشخصيات الطليعية التي بدأت بمبادرات فردية شخصية وبدون تدريب أكاديمي ولكنهم بحسهم التاريخي والوطني وبثقافتهم وبما عندهم من مقدرة كتابية معينة خاضوا ميدان كتابة التاريخ. وهذا النوع من التاريخ له تجليات مختلفة ويصبح تراثا ومنطلقا لدراسات أكاديمية فيما بعد” وأظن أن الدكتور القدال نفسه هو من اقترح عليّ ذات مرة أن أقوم بتحقيق كتب والدي التاريخية، وأنه يمكنني أن آخذ عليها درجة علمية، وقد فعلت والحمد لله – ولكن بطريقتي الخاصة – (فخدمتُ) كتب والدي التاريخية الثلاثة المعروفة، وها هو آخرها – وإن كان هو أول ما نشر والدي من كتب – (معالم تاريخ الجزيرة العربية) يصدر الآن في طبعة منقّحة ممتازة بالتعاون بين (مكتبة الصالحية للنشر والتوزيع) و(مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر).

وقال الدكتور القدال مفتتحا تقديمه للكتاب الذي بحث فيه سيرة والده، وهو ما أختم به هذا المقال، وأدلل به في الوقت نفسه على جمال الأسلوب عند القدال الذي أشرت إليه، مع إنه نموذج عشوائي بالنسبة لهذه النقطة :

” ما كان لي أن أقوم بهذه الدراسة عن الشيخ القدال لمجرد أنه والدي، فليس في حياة كل والد ما يستدعي الدراسة؛ كما إن هذه الدراسة لا تعلي من قدر والدي بالنسبة للآباء الآخرين. إن دور الآباء أعمق من مجرد الدراسة وأكثر سموا، فالآباء يتولون تربية أبنائهم، ويحافظون بذلك الدور على تدفق تيار الحياة. هذا هو دورهم الأهم والأبقى، ويندغم إنجازهم الأبوي مع إنجاز الآباء الآخرين، فتظل جذوة الحياة متقدة. وإذا برزت في حياة أحد الآباء جوانب تستحق الدراسة، فإن تلك الجوانب تقع خارج مهمتهم الأبوية. والآباء في الغالب محل تقدير أبنائهم سواء كُتب عنهم أو لم يُكتب عنهم، فالخيوط التي تشدهم أقوى من كل ذلك “.

” ولكنني قمت بهذه الدراسة عن الشيخ القدال لأنه والدي، فقد كانت له في حياته إنجازات تستوجب الكتابة، وأبناؤه أحق من يكتب عنه إذا كان لهم في الكتابة شأن. وكانت تطرق آذاننا أصوات تثني عليه وتشيد به خلال حياته وبعد وفاته…”

“… وبدأت منذ عام 1985 أجمع ما يقع في يدي من وثائق، ثم أخذت أسعى إلى بعضها سعيا. ثم تشاء الظروف أن أذهب إلى العمل في كلية التربية بالمكلا: حضرموت، وهي المسرح الذي شهد أهم سنوات سيرته. واعتبرت أن تلك الصدفة هيأتها نوايا الشيخ القدال، فانفتح المجال أمام هذه الدراسة.”

رحم الله المؤرخ الأديب الدكتور محمد سعيد القدال وتحية وسلاما له في الخالدين بما خلفوا بعدهم من ثمرات المعرفة والفكر.

 

غيل باوزير

21 أكتوبر 2017م

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر