لسانك حصانك

عبدالله باكرمان

قد يأتي على الإنسان حِينٌ من الدهر يدخل في تجربة أو موقف يكون له صدى في وجدانه، وأثر في أعماقه أكثر من أي زمن آخر، هذه المواقف قد تكون مشهدًا حزينًا أو خبرًا مبهجًا أو كلمة صادمة أو نصيحة نافذة، فنحن كم نسمع من نصائح ومواعظ، وكم نقرأ من محاسن الكلم، التي تحثُّ على رباطة الجأش والتصرُّف السليم، ولكنْ تتفاوَتُ الاستجابة للمواقف بعوامل ترتبط بسيكولوجية الأفراد، وخبراتهم في الحياة، ومحكومة بعوامل كثيرة.

وكما أن الشعوب المندفعة إلى مآلات غير منضبطة لا تنتبه إلى سوء المصير إلَّا ( بعد خراب مالطا ) فإنَّ هناك أشخاصًا لا يتعلَّمون إلَّا بعد أنْ يَمُرُّوا بصدمات وعثرات استثنائية تكون بمثابة جرس إنذار ( وكل دقة بتعلومة ) كما يقول الحضارمة بلهجتهم الدارجة، وكثير من الشعوب تلجأ إلى التاريخ تلتمس منه الحكمة؛ بوصفه مستودع التجارب الإنسانية، لكن الشعوب التي تقرأ التاريخ ولا تتدبَّره حالها كحال الأفراد الذين تشبعوا بالخُطَبِ الرنَّانة التي تحثُّ على مكارم الأخلاق منْ غيرِ أنْ يكونَ لها أثَرٌ أو تطبيق في سلوكهم، بخاصة عندما تصدم بمشكلات واقعهم المعيش، وغالَـبُهم العرب بإدمان قراءة التاريخ منْ غيرِ إنعامِ الـنَّظرِ في مراميه، لهذا تَجِدُهم يقعون فريسة سهلة لمَنْ أراد بهم الشرَّ من خلال استدعاء التاريخ بغرض الفتنة وخراب البلاد، وفساد العباد، ولكن العرب ـ ليس بدعًا في هذا المضمار ـ وحتى الغرب الأوروبي لم تسعفهم حِكَمُ التاريخ في الحدِّ من صراعاتهم المذهبية والاستعمارية، وما الحربان العالميتان – اللتان تسبَّبتا في وفاة ملايين البشر ـ عنّا ببعيد.

وقريبٌ من هذا وفي باب الصدمات التي لها أثَرٌ إيجابيٌّ في حياة الناس صار لنا موقف مع المؤرِّخ عبد الرحمن الملاحيّ رحمه الله، وقبل استعراض هذا الموقف تجدُرُ الإشارة إلى أن الأستاذ الملاحي – الذي نال قبولًا مجتمعيًا لافتًا – تقلّبت به سبل الحياة، وتشعّبتْ مشاربُها بين العمل في سلك التدريس، والعمل الإداري، والإسهام الثقافيّ الإبداعي، ثم التفرُّغ للكتابة التاريخية، بَيْدَ أنَّ هذه التفرُّعاتِ كمَا قدْ تَبدُو لم تكنْ تمضي معزولةً عن بعضها، بل تداخلتْ في شخصيته؛ بحيثُ يصعُبُ الفصلُ بينها، لكنَّه اشتهرَ بالكتابة التاريخية وعشق التراث جنبًا إلى جنبٍ مع نشاطه المجتمعي الوطني، وعمله الرسمي.

وهناك مِيزَةٌ مُهِمَّةٌ تَجِدُها في شخصيّة الملّاحي وعلاقته المنفتحة مع زُوّارِهِ وأصدقائه وتلاميذه، فليس غريبًا أنْ تجدَ في مجلسِ الملاحيِّ السلفيَّ، والصُّوفِيَّ، والليبراليَّ، وغيرهم، كان يرى أنّ نقاط الالتقاء بين الناس أكثر من نقاط التباعُد والتشاحن، وأن الأصل في العلاقات بين الناس هو احترام الاختلاف، وتقـبُّل وجهات النظر لهذا حرص على أن يكون على مسافة معقولة من محيطه المجتمعي ممَّا أكسبه مكانة سامية في قلوب مَنْ عرفوه، واقتربوا منه، وأضفى على مجالسه حالة خاصة من الاحترام والتبجيل.

وبهذه المعرفة وقد كُنْتُ مع ثُـلَّةٍ من الأصدقاء نُرَكِّزُ في أحاديثنا الوديَّة معه على ماله علاقة بالتاريخ والثقافة والهمّ المجتمعي، ولا تخلو الجلسات من سَرْدِ الحكايات، وحديث الذكريات، والمواقف الطريفة، وعلى أية حال كانت لي مع المؤرِّخ الملاحي عادةٌ حرصْتُ على استمرارها إلى أيامه الأخيرة في هذه الدنيا، وهي التواصُلُ عبر الهاتفِ في ساعةٍ محدَّدةٍ، ويومٍ من الأسبوع متفق عليه، وغالبًا ما أوافيه بالجديد في النشاط الثقافي في مدينة المكلا وأخبار أصدقائه في الحرف والكلمة والمواقف المجتمعية والوطنية، وكنت أتعمَّدُ تجنُّبَ الحديثِ عن نشاطٍ علميٍّ كان يتابِعُه عَنْ بُعْدٍ وكنْتُ طَرَفًا فيه، لكنَّه تعثَّر لأسبابٍ خارجةٍ عن إرادتي، ومع تكرار تساؤله وإلحاحِه اضْطُرِرْتُ في البَوْحِ عن ذكر الأسباب المتعلِّقة بالشخص المتَّهم بتأخير هذا النشاط، وبدأ الأمرُ وكأنّني بصددِ السقوط في فصل من الغِيْبَةِ الممقوتة في صديقنا المشترك، فبِسُرعَةٍ حَرَفَ الحديثَ إلى وادٍ بعيد، وشعرْتُ أنّه تركني متعمِّدًا في شعبٍ خَلِيٍّ …، صحيح الملاحي لم يقمْ ناصحًا لكنَّ رسالته وصلتْ في حينٍ من الدهرِ بأقوى من طلقات المدافع، وأسرعَ مِنْ أزيزِ الطائراتِ، تعلّمْتُ بها درسًا راقيًا تغلغَلَ في شراييني بَرْدًا وسَلَامًا..

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر