وهج القصائد على شواطئ اللغة (1-3)

قراءة في بناء لغة الشّعر في قصائد عقد الثّمانينيّات 1980م - 1989م

أ.د. عبد الله حسين محمد البار

إشارةٌ:

(لغة الشّاعر عوض الشّقّاع لغةٌ ريّانةٌ حقًّا، وهو كثيرًا ما يفاجئ قارئه، ويحقّق له ما يسمّى بخيبة التّوقّع، الذي هو مبعثُ المتعة، ومصدرُ الشّعريّة في لغة القصيدة المعاصرة.)

الشّاعر العراقيّ علي جعفر العلاق في تعليقٍ مخطوطٍ بقلمه على قصائد من شعر الشّقّاع تيسّرت له قراءتها.

على هامش القراءة:

قبل بدء الحديث في جوهر الموضوع علينا أن نقف مع القارئ على طبيعة المتن، موضع القراءة؛ لئلا يتحيّر في إدراك أبعاده.

المتن الذي سنبحث في خصائصه الأسلوبية ما أسعفت الطاقة هو القصائد التي أبدعها الشاعر عوض ناصر الشّقّاع في عقد الثّمانينيّات من القرن العشرين (1980م – 1989م)، ويبلغ عددُها ثلاثًا وخمسين قصيدةً، كما احتوتها دواوينه الأربعة (طقوس النار والأحجار / عناوين لرحلة الغيوم / السائر في الظلمات/ متاهات في كتاب الرمل)، وَدَعْ عنك خامسَها وهو (الدفتر السقطريّ) فله حديثٌ مستقلٌّ في مقامٍ غير هذا المقام.

 إنّ ثلاثًا وخمسين قصيدةً هي نتاج عشرة أعوامٍ تنبئ – بافتراضٍ، وبقليلٍ من الحساب العابر – أنّ الشّاعر ينتج خمسَ قصائد في كلّ عام ولا غير. وهو ما يولّد جملةً من الافتراضات الأخرى، منها أنّ الشّاعر من المحكّكين، الذين لا يقبلون كلّ ما يرد إلى خواطرهم من شعرٍ، بل يُرْجِعُون فيه البصر كرّتين. ولستُ بمستطيعٍ نفيَ هذه الصّفة عنه، فكلّ مبدعٍ عبقريٍّ عبدٌ لصنعته، فتراه يتعهّد إبداعه الشّعريّ كما تتعهّد الحسناءُ زينتها، ولعلّه أحرص عليه منها على زينتها في بعض الأحيان. وإنّ المتأمّل في قصائد الشّقّاع لا يغفل عمّا تحلّت به من محاسن ورواء.

على أنّ ثمّة افتراضًا آخر – يبدو في ظاهره على تناقضٍ مع الافتراض الأوّل – يتعلّق بموقف الشّاعر من الحياة، والتفاعل معها، وقد عرف فيها فنونًا من الإحباط، حتّى غدا مثلما وصف الشّاعرُ العبّاسيُّ دعبل الخزاعيُّ نفسه، أو كما قال هو: (أنا مسيحٌ حاملٌ صليبَه)، فامتلأت نفسه بالإحساس بالعبث ممّا أورثه انصرافًا عن ممارسة الإبداع، وعن الركون إليه بصفته مفزعًا تلوذ به النفس من نكد الدّنيا، الذي تخصّ به الحرّ من أمثاله، فتركه هاجسًا يقبله متى شاء القدوم إليه، لكنّه لا يسعى إليه حثيثًا.

أمّا إذا نظرتَ إليه من جهة نَفَسِ الأبيات فيها بان لك انتظامُها في بنية القصيدة القصيرة بلغة النقّاد الحداثيّين، أو المقطّعة بلغة بعض النقّاد الأوائل. فأقصر أبيات نصوصه في هذه المرحلة لا يقلّ عن الخمسة الأبيات إلا قليلًا، وأطولها لا يزيد على العشرين بيتًا إلا قليلًا. ولعلّ هذا عائدٌ لرغبة الذات في اختزال القول للاحتفاظ بوهج الانفعال واحتدامه، فلكم أفضت إطالة أبيات القصيدة عند كثيرٍ من الشّعراء إلى شيءٍ من البرودة والترهل، فيخبو وهج انفعالها ويبوخ احتدامه.

هذا كلّه في دائرة الافتراض، أمّا إذا نظرت إلى النصوص من خلال توزّعها على أعوام العقد كاملًا كما دلّت على ذلك تواريخ كتابتها، وقد أثبتها الشّاعر في ذيل كلّ قصيدة بان لك توزّعٌ على نحوٍ آخر، يجلوه لك الجدول الآتي:

العام عدد القصائد
1980م 13
1981م 3
1982م 2
1983م 8
1984م 3
1985م 6
1986م 11
1987م 5
1988م –
1989م 2
الإجمالي 53

ينبئ الجدول أنّ الأعوام (80/ 86/ 83) هي أخصب الأعوام بالإنتاج الشّعريّ للشّقّاع، نسبتها إلى ما أنتجه في الأعوام السبعة الأخرى هي (61%) في مقابل (39%) لعدد قصائد الأعوام الأخرى في هذا العقد. هل يمكننا القول إنّ لهذا صلةً بالتّغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة، التي شهدتها مدينة عدن في المدة الزمنيّة من 1980م إلى 1986م؟ حيث مثّل القائمُ بالأمر اتّصالا غير منظورٍ بين الذات المبدعة والوعيّ الجمعيّ للانتماء الجغرافيّ الذي تعالى فغدا حضورًا سياسيًّا للجماعة التي تنتمي إليها الذات، ومشاركةً فاعلةً في حركة المجتمع من سنوات الصعود حتّى جحيم المأساة في 13 يناير 1986م. وهو اتّصالٌ لم يُحِطْ به الإدراكُ، ولا هيمن عليه الوعيُ هيمنةً كاملةً يومئذٍ، لكنّه ترك أثره على العالم الباطنيّ للذات، فانسابت معه على طريقتها في الانفعال بالحياة والتفاعل معها، فنسجت عوالمها التّخييليّة في تلك الأجواء، على الرغم من موقفها من الفرد، وإن كان هو الرجل الأوّل في ذلك الحين، وقد تجلّى ذلك الموقف في مثل قوله:

شكلتني مدينتي، ذاتَ حلمٍ شفقاً أزرقًا .. هوًى أرجواني

حدثتني عن الغرام ونامت جعلت “ما العملْ ؟” كتابَ “الأغاني”

فلّسفت موتَها الجديدَ لتنسى وأضافت إلى المعاني .. معاني

لعبةً أصبحت لكلِّ جهولٍ وجماعيّةً لأغبى أناني

ومثل قوله:

أَبَحْتَ شموخَك في غفلةٍ وعدتَ، ووجهُك سِفْرُ القنوطْ

تسلّ، إذا شئتَ بالانكسار فقد يبهج الهابطين الهبوطْ

لأنّك لم تُطِقِ الارتفاعَ يكون لزامًا عليك السُّقوطْ.

…إلى آخر ذلك من أمثاله.

على أنّ فاعليّة هذا التّفاعل مع الوعي الجمعيّ لم يقتصر على ابتهاج الذات بلحظات الانتصار فقط؛ فلعلّ مكابدتها لمرارة الهزيمة، وانهيار المشتهى في يناير 1986م قد فاق في أثره عليها أضعاف ما فعلته فيها بهجة العام 80م، وهو ما يجلوه قوله:

شناعاتٌ مواظبةٌ على تأليفها الأشنع

يدين الحفل كلّيًّا لرِجْل ِ الراقص الأبرع

تشوه وقتنا جدًّا تمادى عامنا الأصلع

خواءُ الخارج القمعيّ مثل الداخل المقمع

وقوله:

أأشكو سوايَ وأشكو الأنا ؟ كلانا كسرنا كلانا الكسيرْ

فسوءُ البداياتِ قد قادنا إلى نقطةٍ عند سوءِ المصيرْ

وهو يجمل ذلك في قوله من حواريّةٍ:

*لماذا الهزائمُ لا تنتهي ؟ – لأنّ انطلاقاتنا دائمة.

ولذلك غدت هذه الأعوام الثلاثة متنًا في تجربته الإبداعيّة في هذه المرحلة، وما سواها من سنوات ذلك العقد إلا حاشيةٌ على ذلك المتن.

هذا النتاج الشّعريّ لهذه السنوات العشر الأولى من رحلة الثلاثين عامًا فوق درب الشّعر هي التي سيدور عنها الحديث؛ لنتبيّن كيفيّات بناء لغة الشّعر فيها بالكشف عن عناصرها المكوّنة، من خلال جدليّة المواضعة والتوسّع، وطرائق تشكيلها في النصّ لتتمكّن من إنتاج الدّلالة، وتوليد المعنى.

مفتتح لقراءة النّصّ:

القضيّة الأولى والأساسيّة التي يثيرها شعر الشّاعر عوض ناصر الشّقّاع في أفئدة المتلقّين هي أنّه شعرٌ موزونٌ ببحرٍ وقافيةٍ.

وهل يضيره شيئًا أن يكون موزونًا ببحرٍ وقافيةٍ؟

لقد مضى زمنٌ كان فيه أدونيس – وهو في السمت الأعلى من أعلام الحداثة الشعرية في عصرها الحديث – يصم الوزنَ بوظيفة النّظم ولا غير، “فليس كلُّ كلامٍ موزونٍ شعرًا بالضرورة”، هكذا كان يقول. وهو حكمٌ جائرٌ، لا يقتصر جوره على ما سفّ من قصائدَ موزونةٍ ببحرٍ وقافيةٍ، بل يشمل القصائدَ القلائدَ، والمقلّداتِ الخوالدَ في تاريخ الشعرية العربيّة. فهل خلا قول القائل:

ويا رُبَّ يومٍ قد لهوتُ وليلةٍ بآنسةٍ كأنّها خطُّ تمثالِ
يضيءُ الفِراشَ وجهُها لضجيعِها كمصباحِ زيتٍ في قناديلِ ذبّالِ
كأنَّ على لبّاتِها جمرَ مصطلٍ أضاءَ غضًا جزلا وكفَّ بأجذالِ
وهبّت له ريحٌ بمختلف الصّوا صبًا وشمالٌ في منازلِ قفّالِ

من شعريّةٍ؟

أو هل صحّ وصفُ قولِ القائل:

رَعَوا ما رَعَوا مِن ظَمْئهم ثمّ أوردوا غُمارًا تسيلُ بالرِّماح وبالدَّمِ
فَقَضُّوا منايا بينهم ثمّ أصدروا إلى كَلأٍ مُسْتَوبلٍ مُتَوخِّمِ

بأنّه يخلو من نفحات الشعرية وعبيرها الفوّاح؟

وأين يقع منها قولُ من قال:

 ما كان عمري بالجميل، وها أنا

 في السيئات، فمن يلاقي العمر أجمل؟

 بركت على ظهري الجمالُ، وأعظمي

 سوسٌ .. وتعوي ذئبةٌ في كل مفصل

 اليوم عكازي يبث هواجسي

 والموت كالعكّاز : يحملني ويحمل

وقولُ من قال:

ما لقلبي غيرُ قلبي، ماله

 يسلق الماضي على نار التمادي؟

أغنياتي كلُّها غيميَّةٌ

 وحكاياتي سوادٌ في سوادِ

أرسم القلبَ لألقى حُزْنَه

 أتحرّى الدمَ بحثاً عن عنادي

وقولُ من قال:

ضيعتُ شارعي القديمَ،أضاعني

 كان الضياعُ خيارَه وخياري

للبّنِّ رائحةُ الغيابِ، مسافرٌ

 في جيبه قدّاحةُ الأشعارِ

مزقي على كلِّ البيوتِ، وهامتي

 مدفونةٌ في حوش “عبد الدارِ”

قد كنت في “دمّون” أنهل حلمه

 بين الكؤوس ورفّة الأقمارِ

وعجيزةٌ لعنيزةٍ مسَّدتُها

 حتى دفقتُ بحارَها ببحاري

صارت “عنيزة” نجمة مشهورة

 يردي القبائل رقصها في البارِ

اليوم لا خمر لدي، وليس لي

 أمر، وهرّأتِ الوحولُ جداري

فيم انطلاقي والتساقطُ داخلي

 ودماي لبلابٌ على الأسوارِ

…إلى آخر ذلك.

انتظام القصيدة – إذًا – في وزنٍ، بحرًا وقافيةً كان أم تفعيلةً، لا يهبها شعريّةً لا تشعّ من لغتها، وخلوُّها منه لا يمنحها إيّاها ما دامت مفتقدةً فيها. لكنّ رافضي القصيدة الموزونة ببحرٍ وقافيةٍ درجوا على وصم الوزن فيها بوظيفة النظم كلّما رأوها منتظمةً في أشطارٍ متوازيةٍ، مثلما أنّ المتمسّكين بالوزن لا يرون في قصيدةٍ خلت منه .. بحرًا وقافيةً أو تفعيلةً .. شعرًا قطّ. والمسألة ليست على ذلك النمط من التفكير الحدّيّ القاطع، والكائن بين اختيارين إمّا وإمّا. إنّ الأدقَّ صوابًا هو النّظر في لغة القصيدة، وطرائق استخدام الدوالّ فيها، وكيفيّات تشكيلها، انتظمت في وزنٍ، أو خلت منه. وهو المحكّ في تبيان شعريّتها، ومنها يضوع أريجها العابق، ويأتلق نجمها الوضّاء.

على أنّ هذا لا يعني أن تغدو القصيدة بئرًا معطّلةً بعد أن خلت من الوزن، وقد كانت بوجوده فيها قصرًا مَشِيدًا، تأتلق في أبهائه كلُّ عناصر الإبداع والجمال.

وبعيدًا عن أيّ موقفٍ انطباعيٍّ من عنصر الوزن في القصيدة، فالذي لا مراء فيه أنّه واحدٌ من عناصرَ أخرى تتكوّن منها البنية الإيقاعيّة للقصيدة. وتلك العناصرُ – بما فيها الوزنُ – جزءٌ من بنيتها اللغويّة، التي يتشكّل منها كيانُ القصيدة كلّه.

والشّاعر حين يستخدم الوزن لا يستخدمه كما هو في عَروض اللسان، بل يشكّله على نحوٍ يجعل منه عَروضًا للنّصّ، شأنُه في صنع هذا شأنُه في استخدام البنية الإفراديّة، وتركيب الجملة، وتشكيل الصّورة الفنيّة تمامًا بتمام.

وهذه بديهيّةٌ يدركها كلُّ ذي معرفةٍ بأوزان الشعر، وكيفيّات تشكيلها في القصيدة، ولكن لن يضير المقام شيئًا إن عرضنا مثلًا يوضّح القصد ويبين عن غامض المسألة.

إنّ من بحور الخليل بحرًا اسمه (الكامل)، اتسقت تفعيلاته على هذا النحو:

متفاعلن / متفاعلن/ متفاعلن ×2

ل ل _ ل _ / ل ل _ ل _/ ل ل _ ل _ ×2

ولقد اشتملت عليه قصائدُ من قصائد هذه المرحلة من شعر الشّقّاع وعددها تسعٌ، خمسٌ منها جاءت على مجزوئه، وأربعٌ أُخَرُ جاءت على التّام منه في هيئتيه الأساسيّتين، وهما:

– عَروضه صحيحةٌ وضربها صحيحٌ، وهما قصيدتان: (أن تذكري وشيءٌ لا يُرى).

– عَروضه صحيحةٌ وضربها مقطوع، وهي قصيدةٌ واحدةٌ هي (النائي).

تلك ثلاثٌ من أربعٍ، أمّا الرابعة فقد جاءت على نسقٍ لم تألفه الشعريّة العربيّة في تاريخها قديمه وحديثه إلا في ضرب المجزوء منه، وهو أن تكون (عَروضه صحيحةً)، ويكون (ضربها مذيّلا)، والمقصود بالتذييل زيادة ساكنٍ إلى الوتد المجموع في التفعيلة، فتصبح (متفاعلن ل ل _ ل _) (متفاعلانْ ل ل _ ل _ه(، وقد جاءت منه قصيدة (خطواتٌ مرثيّةٌ).

وبالنظر في طرائق القصائد الأربع وزنًا لا نجد واحدةً منها انتظمت في إطار تفعيلات البحر كما رُسِمَتْ صورتُها في دائرته العَروضيّة وهي (الدائرة المؤتلفة)، وإنما تشكّلت وفق مقتضيات لغة النّصّ وحركتها الإبداعيّة، وتأبّت على الانتظام في هيئاتها الموروثة، فأضافت إليها صورًا لم يكن لعَروض اللسان بها عهدٌ، وهي (متفاعلن / متفاعلن / متفاعلانْ×2):

أمشي على خطِّ العذاب المستقيمْ فجديدُ أوجاعي شبيهٌ بالقديمْ أسلو جحيم الذّات أبحث خارجي فوجدتُ أنّ الآخرين هم الجحيمْ ما خطوةٌ إلا لها مرثيّةٌ وحقير أشيائي له همٌّ عظيمْ  

وفي هذا ما يشي بنزوع الإبداع إلى الخروج على المألوف، ناهيك بتحرّره – رؤيةً وموقفًا وتشكيلًا لغويًّا صورةً وتركيبًا – من أسر الماضي؛ لتتشرّب روح العصر ومكوّناته المتحوّلة، واقرأ له قوله في قصيدته (النائي):

تتسرّب اللحظات بين أصابعي فكأنّ عمري كائنٌ من ماءِ

وأحسّ أنّى في الجسوم ممزقٌ فكأنّما كلّ الورى أشلائي

أبداً أحنّ إلى اكتمالٍ نافذٍ ليسير هذا الكون تحت حذائي

 ومثله قوله في قصيدة (شيءٌ لا يرى):

نادى العبيرُ فسرتُ خلف ندائه لكنّ بابَك والطريقَ تنكّرا فتفرَّق الأمل الجميل شراذمًا عبر الشوارعَ والعذابُ تجمهرا كنتِ البلادَ إذا البلادُ تأنقت كنتِ الزمانَ إذا الزمانُ تعطّرا  

 ومثله قوله في قصيدة (أن تذكري):

قدرٌ عليَّ : بدايةً ونهايةً أن أعبر النهر الذي لم تعبري أمتصُّ غربة عالم متوجّعٍ وأذوقُ خيبة عالم متوتّرِ وأراك في كلِّ الظروف حكايةً تندى بأحداقي، وإن لم تشعري  

وفي هذا المتغيّر الأسلوبيّ وفي سواه من متغيّرات أسلوبيّة، اشتملت عليها لغة الشّعر في قصائد الشّقّاع في هذه المرحلة من تاريخه الإبداعيّ ما يستوجب درسه والوقوف على خصائصه الأسلوبيّة؛ لمعرفة طرائقه في بناء لغة الشعر عقدئذٍ، وكيفيّات تشكيلها في النّصّ، فندرك من مستويات الكلام فيه شيئًا، ومن هياكله شيئًا آخر، ومن أقسامه شيئًا ثالثًا. وسنبدأ أوّل ما نبدأ بـ

شعريّة اللغة وحداثتها:

القَدامةُ وصمةُ كلّ قصيدةٍ ينسجها شاعرها على منوال البحر الواحد والقافية الواحدة.

قالوا ذلك في شعر الشّقّاع مثلما قالوه في شعر البردّونيّ من قبلُ.

ومن عجبٍ أنّ قائلَ مثل ذلك الحكم لم يتقرَّ لغةَ النّصّ، ويستكشف خصائصها، ويبين عن محاسنها، أو يكشف عن مقابحها إن وجدت، (فهكذا تورد الإبل)، وليس كما يصنع (سعدٌ وأصحابُ سعد).

فلقد يمنح شاعرٌ قصيدته لغةً ذات شعريّةٍ ظاهرة وإن نسجها في بحرٍ واحدٍ وقافيةٍ واحدةٍ، فالاعتبار هنا بتشكيل اللغة، وطرائق استخدامها فهو الجوهر، وعليه الاعتماد في تبيان محاسن القصيدة، أو مقابحها، وما خلاه فَعَرَضٌ لا قيمة له في ذاته. وهو على أيّة حالٍ ليس باعثَنا على الكتابة هنا، وإنّما همّنا الحديث عن شعريّة اللغة في شعر الشّقّاع وحداثتها.

 وإنّ من مظاهر (الشعرية) في شعر الشقّاع في هذه المرحلة أنّ لغته لا تحيل إلى مرجعٍ مّا تشير إليه دوالُّها، ويتحدّد به المقصود، بل هي تحوّم في فضاء الدلالة، فيتجدّد مردودها الإنتاجيّ بتجدّد قرّائها. حقًّا هي تمتح من الواقع المعيش، لكنّها تنزاح عنه، وتتخطّى عناصره، فتتشكّل فيه على نحوٍ خاصٍّ؛ لتخلق عوالمَ تخييليّةً، وكائناتٍ لا وجودَ لها بتشكّلها اللغويّ إلا في الشعر. قال:

تـثـب الأشواق فـي أوردتي كـجـيـادٍ عادياتٍ في السهولْ
مـن غبار الحزن.. من جيفته تطلق الدنيا شـعـاعاً.. وحقولْ
لـم تـعـد ذاتية الأمس سوى ورق يـهـذي .. وتـاريخ يبول

أوغلت الدفقة الشعريّة في المجاز، فشكّلت اللغةُ عوالمَ على غير ما ألف الواقعُ المتشكِّلُ الموجود. فالأشواق – وهي معنويّةٌ في الأصل – تتخذ هيئة الكائن الحيّ الذي يثب ويقفز، وتستحيل الأوردة إلى فضاءٍ مكانيٍّ يتلاءم مع هُويّة الفعل المسندُ إليه الفاعلُ (الأشواق). ثمّ يجيء دالّ (الحزن) في البيت الثاني، فيتحرّر من تجريده اللغويّ؛ ليغدو جمادًا يتولّد عنه (غبارٌ) يوحي بالعقم والجفاف وانعدام الرواء والنماء؛ لتتمدّد من بعد صورته، فيستحيل كائنًا حيًّا انعدمت فيه الحياة فغدا (جيفةً) لا حياة فيها، ولا تجدّد لها. ولكنّ الصورة لم تقف عند ذلك، بل انسربت إلى (المفارقة)، فإذا الحياة تتفجّر من ثنايا ذلك العدم، وإذا الآمال تشعُّ بجديدٍ، وإذا الدّنيا تتجدّد خلاياها بحياةٍ خلاقّةٍ في الحقول.

يتراسل مع ما سلف هذا التّضادُّ، الذي ينشأ بين (الحاضر) البائس، الذي جوهره غبارٌ وجيفٌ، لكنّه يلد مستقبلًا كلّه إشراقٌ ونماءٌ، و(الماضي) الذي كان مجيدًا فغدا (ورقًا يهذي .. وتاريخًا يبول) في منظورٍ وجوديٍّ يتجاوز الماهية إلى عتبات الكينونة. ويأذن بتعالي (التداوليّ) على معطيات (الشّعريّة) ومكوّناتها من غير أن يقوى على إلغائها. وفي هذا ما يشي بتماسّ لغة الشّعر عند الشّقّاع بالعصر، ومنظوماته الفكريّة، وما تماهى معها من دوالّ تبين عن خصائصه الفلسفيّة.

وقريبٌ من ذلك ما نجده في قوله:

عاشقٌ من أوّل الحزنِ أتى عندما يُطفَأُ – شوقاً – يتوهج

نـارُه يُمتشق الموجُ بها صمتُه أنشودةُ السِّيفِ المضرَّج

فاضت الأسرارُ من نظرته فحكاياه شموسٌ تتبرَّج

وهب البحرُ له فطرتَه : كلَّما يلمحُ أنثى .. يتموّج !

هنا تستعصي (الشعريّة) على معطيات المجاز الموروثة؛ لأنّ وضعها في إطاره يفسد صنيع الشّاعر وقد أحكم نسجها، ويقرّب هُويّةَ إبداعه وقد أغرب تخييلها. فالعاشق يبدو (شمسًا) تتوهّج، ثمّ تُطفأ لتتوهّج، ووهجها أشواقٌ في أعماقه، ثمّ تصير النارُ بعضَه – (“ناره” في تركيبٍ إضافيّ، ويتجلّى ضميرُ الغائبَ في بنية التجريد للدلالة على المتكلّم لأنّ “عاشق” في مفتتح القول خبرٌ لمبتدأٍ يمثّله ضميرٌ مستترٌ هو “أنا”) – وهي ذاتُ فاعليّةٍ فبها (يُمتشق الموجُ)، وهو موجٌ منزاحٌ عن أصله؛ إذ غدا سيفًا صارمًا لا عهد للناس به، فهو نتاج اللغة ووليدها. وتفعل (المقابلة) فعلَها في التركيب اللغويّ فيصبح الصمتُ أنشودةً، وتُنسب إلى السِّيف، ويغدو الجماد من بعدُ كائنًا حيًّا يتضرّج بالدماء حين تُسفك. أتراه لهذا كانت الأسرار عميقةً في عينيه؟ وإنّما فاضت منهما الأسرار؛ لأنّ صدره بها زاخرٌ عامر.

وتكون الشعرية بخرق المألوف كما في قوله:

لفتتها من بن “ذي ناخبٍ” وخطوها الحنّا ولحن الزّفافْ

فاللفتة حركةٌ، والخطوة وقعٌ، وكلاهما لا يتوافقان مع المرئيّ الذي يمثّله المذوق/المشروب (البنّ)، والمشموم (الحنّاء)، وإن يكن في (لحن الزفاف) ما فيه.

لكنّ تدبّر الدلالة يبين عن ائتلافٍ ينبثق من ثنايا الاختلاف، يتمثّل في هذه النشوة، التي تحدثها (القهوة) في إطار المجاز المرسل، وهذه البهجة التي يلدها مشهد الحنّاء يخضب كفّي الحسناء وقدميها، وهو ما يضاهي ما تحدثه لفتة المحبوبة وخطوها في فؤاد من أبصر ورأى.

وفي مثل ذلك النزوع لتوغّل الدّوال في الشّعريّة يغدو اتّصالها بالمواضعة محدودًا، كما نجد في قوله في موضع آخر :

أهمي، كدمع الليلة المتحدِّرِ وأجفّ – وحدي – كالصباح الأصفرِ

هنا يسهم المجاز الذي أوغلت فيه اللغة في خروجها من دائرة المواضعة، فنجد في الفعل المضارع (أهمي) المسند إلى الفاعل (ضمير المتكلم أنا) ما يمنح الإنسان ماهية الجماد (السحاب)، في حين أن قوله (كدمع الليلة المتحدّر) ما يمنح الجماد (الليلة) ماهية الإنسان (تساقط الدمع). ومثله ما يهبه الفعل المضارع (أجفّ) من منح الإنسان، وهو المسند إليه في هذه الجملة ماهية الجماد (التراب)، على أن في التركيب الإسناديّ في قوله في بنية التشبيه (كالصباح الأصفر) ما يمنح الجماد (الصباح) ماهية الكائن الحي غير الإنسان (النبات)؛ من حيث إن الاصفرار مرحلة في تحول النبات بعد الجفاف. هنا تتداخل الأشياء والأحياء في تراسلٍ دلاليٍّ يتجاوز حدّ المواضعة في اللغة.

ومما يتصل بما نحن فيه أنّ الجملة في شعره قد تقف عند حد الصّفر من الكلام، فيتطابق المنطوق مع المصدوق في إطار المواضعة، كما نجد في قوله:

لبسوا أحدث الثياب .. وقلبي يلبس الشعر والهموم الجديدة

ففي قوله: (لبسوا احدث الثياب) تطابقٌ بين المنطوق والمصدوق؛ حيث إن الظرف الزّمانيّ متصلٌ بِعِيْدٍ من الأعياد، وهو ما يقتضي البهجة، التي من صورها التعبيريّة الحديث عن لَبْس أحدث الثياب، وليس لهذا القول صلةٌ بالشعرية، لكن الإبداع يتجاوزه إلى الإيغال في درجات الشعرية العليا، فنجد: (قلبي يلبس الشعر والهموم الجديدة)؛ حيث تبارح الدوال دائرة المعجم ومواضعاته؛ لتتخلق في أفقِ المجاز، الذي به يُمْنَحُ المعنويّ ماهية الحسيّ الملموس، ويتجلّى الإسناد على غير المألوف في اللغة.

أمّا ما نجده في قوله:

أحاور عاصفة في جذوري واقرأ زلزلة في يقيني

فأنكش شعري عن مطلعٍ وأستلّ قافية من جبيني

دعيني أواصل عزف الصخور لأطلقها في المدى الياسميني

فعائدٌ إلى أنّ اهتزاز درجة التطابق بين الدالّ ومدلوله المرجعيّ أفضى إلى تحرّره من إسار المعجم، فيوغل بالبنية اللغوية في دائرة المجاز الاستعاري، فيغيب المرجعُ، وتتجلى الشعرية، (أحاور عاصفةً/أقرأ زلزلةً/ أستل قافيةً/ أواصل عزفَ الصخورِ). وهنا تتجاوز الصورة حدّي التشابه والتماثل؛ لتسكن في دائرة التماهي بين العناصر المكوّنة لبنية الصورة الاستعاريّة. وفي تركيبها اللغويّ تتداخل الحقول الدلالية، التي تنتمي إليها مفرداتُ البيت، فنجد الإنسانيَّ (أحاور/ أقرأ/ يقيني) يتداخل مع الطبيعيِّ (جذور/ عاصفة/ زلزلة). أما في قوله: “أواصل عزف الصّخور” فإنّ الفنون تتداخل من فنون مسموعة إلى فنون مرئية.

وإنّ من مقتضيات الشعريّة خروج الدّال من دائرة المواضعة إلى دائرة التّوسّع بعيدًا عن محدّدات المجاز ومكوّناته، كالذي نجده في قوله:

سلوتِ المحيطَ الجسورَ الغيورَ وأقعيتِ فـي البركةِ الراكدةْ

هنا تنسلخ الدّوالّ من دائرة المواضعة وما ألزمتها بها من معنى؛ لتتلبّس معانيَ أخرى غير التي عُرِفت بها، فيأخذ (المحيط) -وهو جمادٌ- ماهيّة الإنسان، فيتشخّص الجلال، ويتعظّم من جهة الاقتران اللغويّ بين صفاتٍ تشير إلى بشرٍ (الجسارة والغيرة) واسمٍ هو في أصله ينتمي للجماد. يقابله في هيئةٍ مضادّةٍ صورة الإنسان وقد أخذ ماهيّة الحيوان والجماد في آنٍ؛ لتشخيص دلالة الحقارة والدناءة، وهو ما يولّده الاقتران اللغويّ بين صفات البشر، (يومئ إليها ضمير المخاطبة)، وما أضيف إليها من أفعال حيوانٍ (أقعى)، وصفات جمادٍ (البركة الراكدة).

وقريبٌ منه ما نجده في قوله:

تجيءُ بسلَّةِ الأفراحِ نشوى وتطرد ذلك الحزن الخرافي

هنا يقترن المجرّد (الأفراح) بالجماد (سلّة) اقترانًا إضافيًّا؛ ليتجسّم الأثر، الذي يحدثه مجيء المحبوبة في الذات المتكلّمة. وهذا استخدامٌ للدوالّ تنوّعت طرائقه في قصائد الشّقّاع في هذه المرحلة، فنجد حنين الزنبقة إلى القطاف في اقترانٍ فعليّ يدلّ عليه قوله:

ملامحها على وهج انفعالي كزنبقة تحن إلى القطافِ

حيث اقترن كائن حيّ غير إنسان (الزنبقة) بمجرّد ذي صلة بصفةٍ من صفات الإنسان، وفي هذا ما يرشّحها للتشخيص.

وجميع تلك الدوال قد اقترن بعضها ببعضٍ، في إطار انزياحها عن مراجعها، فتجلّت شعريّتها من ثنايا ذلك الانزياح.

 على أنّ القول بالانزياح قانونًا للشعريّة لا يعني أن ليس ثمّة سواه، فلقد تتجلّى الشعريّة من ثنايا التماثل والتناسب على مستوى التّأليف أو التوزيع، وهو المستوى الأفقيّ في تركيب الكلام، وهو ذو صلةٍ بالسبك النحويّ، كما دلّ عليه أصحاب اللسانيّات النصّية، وسنقف منه على ظاهرة التوازي، التي يرى ديبوجراند وديسلر أنّها تتشكّل من خلال “إعادة البنية مع ملئها بعناصر جديدةٍ”. وهي ألصق بالوظيفة الشّعريّة، التي تنشأ من خلال إسقاط محور التماثل الخاص بمحور الاختيار على محور التوزيع كما يرى جاكوبسون، وهو يعدّ بنية التوازي بعض منتجات ذلك القانون. ويعود اهتمامه بها إلى يقينه من أنّ “بنية الشعر هي بنية التوازي المستمرّة”.

وفي شعر الشّقّاع تتجلى صورٌ شتّى لهذا التوازي بين التراكيب، تتنوّع بناها اللغويّة بتنوّع المواقف، ومقاصد الذات من تركيب الكلام. فلقد تجيء في هيئة “الموازنة”؛ من حيث تماثل تركيب الجملة في الشّطرين، كما في قوله:

 تـتـلـقّـانـي بعمرٍ خـالدٍأتـلـقّـاهـا بـعُمْـرٍ لن يطولْ

تتكوّن الجملة في الشّطر الأوّل على النحو الآتي: (فعل مضارع، يتلوه فاعلٌ، يدلّ عليه ضميرٌ مستترٌ، يعود على الغائبة، يلحق بهما مفعولٌ به، يدلّ عليه ضمير المتكلّم المتّصل، ثمّ حرف جرٍّ واسم مجرور، وتختتم الجملة بنعتٍ)، يماثله في الشّطر الثاني التكوين نفسه ما خلا موضعين، هما: التبادل في المواقع بين الفاعليّة والمفعوليّة بين ضمير المتكلّم المستتر، الذي يدلّ عليه استخدام همزة المضارعة، وضمير الغائبة، الذي يتجلّى حاضرًا في المقول اللغويّ. واستخدام الجملة الفعليّة في موضع الصّفة (لا يطول)؛ من حيث إنّ الجمل بعد النكرات صفات.

لكنّ التّأمّل في حبك الكلام ومحتواه يكشف عن بنية (التّضادّ) في ثنايا بنية (التماثل)؛ حيث يدلّ معنى البيت على تقابلٍ ضدّيٍّ بين الخلود والفناء، واتّساع مجد البلاد، وضيق تاريخ الفرد، ومن هنا يتأبّى المكوّن الأسلوبيّ على أن يكون مجرّد حلية صوتيّةٍ؛ ليتّصل بمنابع الدلالة، فغدا واحدًا من وسائل إنتاجها في النّصّ.

ومثله في سياقٍ آخر قوله:

أهابُها وهي اقترابٌ قصيّْ وأشـتـهـيها وهـي بُعدٌ قريبْ

تتكوّن الجملة هنا من فعلٍ وفاعلٍ، يدلّ عليه ضمير المتكلّم، ومفعولٍ به، يدلّ عليه ضمير الغائبة الحاضر في المقول اللغويّ، ثمّ حرف عطفٍ (الواو)، واسم (الضمير هي)، وهو مبتدأٌ خبره الاسم الذي يليه، ثمّ اسمٌ نعتٌ للخبر. وفي الشّطر الثّاني التكوين ذاتُه تمامًا بتمام. لكنّ دلالتي الجملتين متضادّتان على تماثلهما في إطار السبك النّحويّ. فالمحبوبة في الشطرين واحدةٌ، لكنّ الذّات المتكلّمة هي التي تتشظّى في رؤيتها للمحبوبة في حالتي الحضور والغياب، والقرب والبعد، وهو ما أفضى إلى تقلّب موقف الذّات من المحبوبة في حالة الهيبة حيث الإجلال والإكبار والسموّ بها عن الخيالات الدنيئة، والتصوّرات المرذولة، وحالة الاشتهاء حيث الابتذال، والتّدنّي، والسّقوط.

ولقد تكون الموازنة في تركيب الجملتين في شطري البيت وسيلته في إتمام المعنى، وتكميل أبعاد الصّورة؛ حيث لا يمكن إتمامه، ولا تكميلها إلا بالموازنة، كما نجد في قوله:

كنتِ البلاد إذا البلاد تأنقت كنتِ الزمان إذا الزمان تعطرا

وهنا يتجاوز التماثل في الموازنة مستوى التركيب النحويّ إلى حدّ التّوازي على مستوى البنية الصّرفيّة (الزّمان/ البلاد، تأنّقت/ تعطّرت) ممّا يأذن بخلق إيقاعٍ لا يخفى على أذن المتلقّي.

ولقد تكون الموازنة وسيلة الإبداع في تكامل الدلالة في إطار جدليّة السبب والنتيجة، كما في قوله:

أما غرست مشاتل أغنياتي أما قطفت عناقيد اعترافي؟

حيث (الغرس) سببٌ، و(القطف) نتيجةٌ.

ومجيء التّوازي في إطار الموازنة لا يمضي على نسقٍ واحدٍ في شعر الشّقّاع، بل تتنوّع طرائقه في التشكيل، ففي قوله:

الشناعات خارجي تتزيّا والسفالات ترتقي في كياني

تتكوّن الجملة في الشطر الأوّل من اسمٍ، يتلوه ظرفٌ مضاف إلى ضمير المتكلّم، ثمّ فعل مضارع. بيد أنها في الشّطر الثّاني من البيت تتكوّن من اسم، يتلوه فعلٌ مضارعٌ، ثمّ جار واسم مجرور مضاف إلى ضمير المتكلّم. فتراءت كثافة التوازي مخفّفةً بسبب ما أحدثه سبك الكلام من تغييرٍ في ترتيب عناصر الجملتين بتقديمٍ وتأخير.

ولقد يفضي التوازي في شعره إلى نوعٍ من التّنازع في الإسناد إن جاز نقل المصطلح من دائرة الأفعال إلى دائرة الأسماء، كما نجد في قوله:

ووهمُ الحُبِّ .. وهمُ النَّصرِ .. مثلُ النَّومِ في الشَّمسِ

فالتوازي بين المتضايفات (وهم الحبّ) و(وهم النصر) أفضى إلى تماثلٍ في التركيب من جهة السبك النحويّ، وإلى اتّحادٍ في التصوير من جهة التشكيل البلاغيّ (مثل النوم في الشمس)، فكلاهما نحوًا وبلاغةً فيه سواء.

ومن التوازي ما يكون تقسيمًا، كما في قوله:

أحبَّ الحبيباتِ

يومي شذًا

وخطوي غناءٌ

ودربي غصونْ.

حيث تقسّم البيت إلى أربع جملٍ، تساوت ثلاثٌ منها في بنيتها اللغويّة، فهي اسمٌ مبتدأٌ مضافٌ إلى ضمير المتكلّم، ثم اسم خبر للمبتدأ. وإنّما كان ذلك كذلك لتماهي الموقف الشّعوريّ للذات المتكلّمة بالوجود وأشيائه بعد أن وجد في المحبوبة ما افتقده في الآخرين:

محطَّتُها، وحدها، لم تَخُنْ وكلُّ المحطَّاتِ صارت تَخُونْ

ولقد تكون الموازنة ثماثلًا على مستويي بنية التركيب، وبنية الدلالة ممّا يسهم في خلق تكاملٍ في المعنى، كما في قوله:

لأنَّ جمالَكِ فوقَ الجمالِ لأنَّ جنوني فوقَ الجنونْ

فالجلال الذي يتحلّى به جمال المحبوبة لا يضارعه إلا جنونٌ، مثل جنونه، فيتساوى الفعل ونقيضه مما أفضى إلى تساوي عناصر الجملتين وتوازنهما من جهة التركيب.

ولقد تصاعد هذا التوازي في شعره في هذه المرحلة حتّى وصل أقصى مداه في قصيدة “التّفّاحة”؛ حيث تشكّل على ثلاث صورٍ، أولاها: صورة الموازنة في إطار التقابل الضّدّيّ، كما في قوله:

لهذا الخروج الصريح الشجيّ لهذا الدخول البهيج الحزين

لهذي الشموس التي عن يساري لهذي المرايا التي عن يميني

لهمٍّ يطاردني كلّ يوم لهجسٍ أطارده كلّ حين

وثانيتها: صورة الموازنة في إطار التماثل والاستواء بين بنية لغوية ودلالة معنوية، كما في قوله:

أحاور عاصفة في جذوري واقرأ زلزلة في يقيني

وثالثتها: صورة الموازنة في إطار التخالف التركيبيّ بتقديمٍ وتأخير، كما في قوله:

فأنكشُ شَعْري عن مَطْلع ٍ وأستلُّ قافيةً من جَبِيني

 وقصائد الشّقّاع في هذه المرحلة على الرغم من انتظامها في بحرٍ وقافيةٍ تتماسّ في كثيرٍ من ظواهرها اللغويّة مع طرائق شعراء الحداثة في استخدام اللغة، ومن ذلك ظاهرة اللبس في تعيين الوظيفة النحويّة للدوالّ.

ولقد شاع استخدامها منذ سبعينيّات القرن الماضي، وغدت خصيصةً أسلوبيّةً في شعر كثيرٍ منهم. وهي من ظواهر اللغة التي يستحقّ تجلّيها في أشعارهم درسًا، لكنّنا – في مقامنا هذا – لا نهدف لقراءة النصّ على مستوى التّعاقب، وإنّما غايتنا قراءته على مستوى التزامن؛ لبيان ظواهر اللغة، وطرائق تشكيلها في قصائد الشّقّاع في مرحلة الثمانيّنيات من القرن العشرين. وأنت واجدٌ صورة لهذا اللبس في مثل قوله:

فتحتُ الكتاب فكانت هناك

صحارى .. سحابًا .. حمامًا .. ملاكْ

(صحارى .. سحابٌ .. حمامٌ .. ملاكْ)

هنا تقف الجملة حائرة بين الإفصاح والإغماض، فترك تعيين الوظيفة النحويّة للدوالّ لتفاعل المتلقي مع المنطوق / المكتوب وقدرته على جلاء اللبس. وهو يبدأ في الظهور من لحظة إحالة ضمير الغائبة على غير مذكورٍ، فَمَنْ تلك التي أضمرها في البيت بقوله: (كانت)؟ وما تكون؟ وهنا لا بدّ من اختيارٍ لاحتمالٍ من احتمالين يقتضيهما السّياق، وهو أنّ (كانت) هنا ناقصةٌ ، وأنّ ضمير الغائبة – وهو اسم كان – محذوفٌ. وعليه فالدوال الأربع التالية (صحارى سحاب حمام ملاك) أخبارٌ متعدّدة لاسم كان المحذوف.

لكنّ السياق يحتمل أن تكون (كانت) تامّةً، وعليه فالدوالّ الأربع مرفوعاتٌ؛ لأنّها في موضع الفاعليّة.

وإنّ بين الاحتمالين فرقًا. فالاحتمال الأوّل لا يبعد بالدوالّ عن دائرة التماثل الاستعاريّ بين المتحدّث عنها في موضع (المستعار له)، والدوالّ الأربع في موضع (المستعار).

أمّا في الاحتمال الثّاني فتتراسل العلاقة بين الجملة الخبريّة في مستهلّ البيت (فتحتُ الكتابَ) – وهي الجملة النواة لتوليد ما تلاها من جملٍ – والجملة التالية لها (كانت هناك…)، ويسهم حرف العطف (الفاء) في تحقيق التعقيب والتلازم بين الجملتين، فلولا (فتح الكتاب) ما تجلّت كينونةٌ لشيءٍ.

هذا أمرٌ، وثمة ثانٍ هو الاتكاء على المفردة في إنتاج المعنى؛ بوصفها وحدةً مستقلّةً بعيدةً عن دائرة التركيب، وهو خلاف ما عليه الحال في الاحتمال الأول. وهنا يتداخل المشهود مع الغيبيّ، وعالم الجفاف والإقفار، مع عالم الإخصاب والنماء … إلى آخر ما هنالك من ذلك. بيد أنّ هذا لا يتمّ إلا بخروج الدوال من دائرة الإسناد الاسميّ إلى دائرة الإسناد الفعليّ، وبه تتحوّل الجملة من حالة الثبوت والسكون، التي يشفّ عنها استخدام بناء الجملة الاسميّة إلى حالة التجدّد والتغير، التي يقتضيها استخدام بناء الجملة الفعليّة.

قريبٌ من هذا ما نجده في قوله:

قلق الشيء الذي أرقبه مطرٌ دامٍ .. صحارى .. وخيول

يشي تركيب البيت بحالة من التماثل بين (قلق المُنتظَر) وما تلاه من دوالّ (مطر دامٍ .. صحارى .. خيول)، وهو تماثلٌ لا ينفي التنافر الدلاليّ، الذي تنتجه المفردة وقد غدت وحدة إنتاج المعنى. فالمطر عطاءٌ يسهم في تجديد الحياة، لكن وصفه بالفعل الدائم (دامٍ) عطّل قدرته على فعل ذلك، وحال دون فاعليّته في إحداث التجديد؛ لأنّ سيلان الدم يعادل الموت. والصّحارى جفافٌ، وفضاءٌ لا سبيل للتائه فيه من خلاصٍ، فهي ضياعٌ يعادل الموت. والخيول قوّةٌ، لكنّها تعادل العدم ما دام كلّ ما يحيط بالمتكلّم داخلَ النصّ يحاصره بالجفاف والإقفار والموت.

وليس ببعيدٍ عمّا سلف ما نراه في قوله:

هواكِ نشيدٌ .. نخيلٌ .. عيونٌ.. هواكِ نهارٌ عل “ميفعة”

فهو قريبٌ من قريب.

وفي شعر الحداثة تنضفر جدلية الوضوح والغموض، والبساطة والتعقيد؛ من حيث إنّ مفردات النصّ ميسورةٌ مأنوسةٌ لكنّ الغموض والتعقيد يجيئانه من طرقٍ أخرى. ولا يخلو شعر الشقّاع من صورٍ لهذه الجدليّة، لكنّنا نقف من تلك الصور على واحدةٍ بعينها، وهي تتعلّق بطرائقه في استخدام ضمير الغائب أو الغائبة على حسب السياق. فالأكثر عنده استخدامه معزولًا عن مرجعه الذي يشير إليه، ممّا يأذن باندفاع الدلالة إلى منطقة الغموض والتعمية، قال:

كانتْ تُناديني.. وكنت المجيبْ في لهفة الطفل وحزن الغريبْ

طلعتُها- كانت – ألوهيَّةً خطوتها – كانت – غناءً وطيبْ

في ضحكها أمومةٌ واشتهاءْ لصوتها – كان – مذاق الحليبْ

أهابُها وهي اقترابٌ قصيّْ وأشتهيها وهي بعدٌ قريبْ

مضت ففي الحجرات أمسيّةٌ حزنى .. وفوق الباب صبحٌ كئيبْ

هنا امرأةٌ حضرت، فنادت، فأجاب نداءها المتكلّمُ في النصّ، ووصفها، وتفاعل معها قربًا وبعدًا، هيبةً واشتهاءً، ثمّ مضت مخلّفةً في الوجود الضيّق المحدود زمنًا مغايرًا ومختلفًا: (في الحجرات أمسيةٌ حزنى/ فوق الباب صبحٌ كئيب)، ونحن لا نعلم من تكون؟ أهي حبيبةٌ مقصودةٌ؟ أهي امرأةٌ عابرةٌ في طريقٍ؟ أهي كائنٌ حيٌّ؟ أم هي فكرةٌ ذات تأثيرٍ عميقٍ في نفسه؟ فغدت مرجعًا في فضاء النصّ، لكنّ الوصول إليه غير متيسّرٍ، ولا ممكنٍ إلا بمثل ما سلف من الاحتمال والافتراض.

ولقد تكون إحالة ضمير الغائبة على مجهولٍ، كما في قوله:

وجهها – كان – مظلة وسحاباتٍ مطلَّة

وبـروقـاً .. تـرعـش الآمـالَ مـن أوّل وهـلـة

… يأذن النظر في عنوان القصيدة – بوصفه نصًّا موازيًا – بتقريب صورة المرجع ويحدّده، وهو في هذه القصيدة (المحبوبة) كما تدلّى كالثريّة في أعلاها. لكنّ تعيين العنوان للمرجع لا يحلّ مشكلة تحديد هُويّة المحبوبة، من تكون؟ وما تكون؟ أهي امرأةٌ أم وطنٌ؟ أم هي حلمٌ مشتهى؟ وما أشبه ذلك من أسئلةٍ لا جواب لها.

على أنّ الاتكاء على العنوان لتحديد المرجع لا يطّرد في قصائد الشقّاع في هذه المرحلة، فإذا بالقارئ يتعثّر بعودة الضمير الغائب على غير مذكورٍ في النصّ، وعليه أن يحدّده كما تمكّنه قدرته على التأويل. من ذلك كما في قوله:

وجهها في المدى البديعْ نشوةٌ تغمر الجميعْ

رعشةُ الفجر والنَّدى مثلما يُقبل الربيع

أيقظت صبوة الهوى كدتُ، من خلفها، أضيعْ

وإنّ في إغماض المرجع العائد عليه ضمير الغائب أو الغائبة ما يرتقي بمعنى القصيدة كاملةً من دائرة الغنائيّة، التي يمثّلها شيوع ضمير المتكلّم في النصّ إلى دائرة السرديّة التي يجلوها استخدام ضمير الغائب مذكّرًا كان أم مؤنّثًا.

وإذ وصل الحديث عن شعريّة اللغة وحداثتها إلى هذه المنطقة من الاستخدام اللغويّ فلنكتفِ بما سلف من حديثٍ عنها ولننتقل إلى النظر في

طرائق تشكيل ضمير المتكلّم ووظيفته في النصّ.

هيمن ضمير المتكلّم بتشكيلاته اللغويّة كلّها على شعر الشقّاع في هذه المرحلة – أعني عقد الثمانينيّات من القرن الماضي – هيمنةً غلّبت الوظيفة التعبيريّة للخطاب الشعريّ على سواها من وظائف الكلام.

وبدا حضور الذات المتكلّمة في النصّ طاغيًا على حضور العالَم من حوله أفرادًا وجماعاتٍ. فلا كون إلا كونها، ولا داخل إلا ما يعتمل في جُوّانيّتها، عنها يدور الحديث، وإليها يساق، لها أوّله ولها آخره. والعلّةُ في هذا الإيغال في محيطاتِ الذاتِ وأدغالِها اكتشافُها وجودًا سياسيًّا يحاصرها ويصرّ على إقصائها ونفيها، ويضع وجودها كلّه على هامش المجتمع وحواشي الحياة. فتقاصرت عن أن تكون متنًا متّحدًا مع سواه من متون المجتمع كما كانت تتمنّى وتروم. هذا على مستوى الإنسان فيه. يتراسل معه إحساسُ (الشّاعر) في داخله بالانسلاخ عن أصداء التحديث الشعريّ على مستوى الوزن؛ حيث وجد (الشاعر الشقّاع) هُويّته الإبداعيّة في إطار البحر والقافية في جيلٍ آثر شعراؤه الانسرابَ إلى الشعر في إطار التفعيلة، أو في إطار ما عُرِفَ بقصيدة النثر، وفي هذا خروجٌ على السّرب يفضي في الزمن الثوريّ إلى عزل كلّ نصٍّ لا يتفاعل مع التجربة الأدبيّة في اتجاهها العام. ناهيك باحتضان المجتمع لتوجُّهٍ يرى الأدب وظيفةً ولا غير. فاندغم (الإنسان) في (الشّاعر) ليشكّلا ذاتًا واحدةً، ثمّ تضخّمت هذه الذّات، فغدت جماعةً حين مسَّ وجودَ الجماعة ما مسَّ وجودَ الفرد في داخله إنسانًا ومبدعًا من إقصاءٍ ونفيٍ وتهميش.

ولقد تجلّى حضور الذات في النصّ على مستويات من اللغة، منها ما جاء في مطالع القصائد، واتخذ هيئاتٍ متنوّعةً، هي:

1- حضور الذات على هيئة همزة المضارعة:

لو يقول الليل شيئاً لو يقولْ آه كم أشتاق للفظ البتول

أنسابُ كاللَّحنِ الشَّفيفْ في ليلِ أحزاني الكثيفْ

كما تومض الأنجم السّاهدةْ أناديكِ.. لكنْ بلا فائدة

 أمشي على خطّ العذاب المستقيمْ فجديد أوجاعي شبيهٌ بالقديمْ

… إلى آخر ما هنالك من ذلك.

2- حضور الذات على هيئة الضمير الدال على الفاعليّة:

صباح الخير: يا غيري الذي سميتُه نفسي

ويا أحجار أخطائي التي سميتُها حدسي

رأيتُ في الشارع وجهاً حبيب ألفتُه يوماً.. وأمسى غريب

فتحتُ الكتاب فكانت هناك

صحاري .. سحاباً حماماً .. ملاك

3- حضور الذات على هيئة (ياء المتكلّم)، وهو يدلّ في مظانّ على المفعوليّة:

كانتْ تُناديني.. وكنتُ المجيبْ فـي لهفة الطفل وحزن الغريبْ

يطالبني الأمس أنّ أرجعه يناشدني الشعر أن أبدعه

لا تقابلني بقلبٍ منفتحْ أيهاّ الوقت أرحني .. واسترحْ

رَمتني على الرمّل إحدى القُرى فكان جبيني كتَابَ التَّعبْ

… إلى آخره.

على أنّه يجيء في مظانّ مضافًا إلى سواه اسمًا كان أو ظرفًا:

مرّت الأعوام فوقي كالقطارْ ودهاني قلق، عشب ونارْ

عيناكِ عندي فرصة للرَّحيلْ يا حلوة تجئُ عند المَقِيْلْ

بشاشةُ الدنيا وألوانها حمامةٌ ترسل أحلى هديلْ

“نوار” ضاعت من يدي يالانهيار المعبد!

الشوق يكمن في دمي.. مثل الحسام المغمد

والحزن يعزفني .. فيا أرجاء روحي : رددي!

…إلى آخر ذلك.

4- حضور الذات على هيئة ضميرٍ مستترٍ يؤوّل بالضمير المنفصل (أنا):

ناءٍ على هذا الطريق النائي أنهدّ من ألفي الحزين ليائي

أي (أنا ناءٍ)، والدليل على ذلك حضور ضمير المتكلّم في عجز البيت (أنهدُّ/ ألفي/ يائي).

غير من كنتِ تنادين أميرا غير من غنّى لكِ الشعر المثيرا

أي (أنا غير مَنْ…)، والدليل على ذلك قوله بعد أبياتٍ ” ضاع تاريخي وضيّعتُ المصيرا”.

5- حضور الذات في هيئة الضمير المنفصل (أنا)، وهنا يظهر في النصّ فعلًا وقوّةً كما في قصيدته (هُويّة):

وتسألني (من أنا)؟ فاطمة – أنا طائر الفطرة الهائمة

أنا بيت شعر يجوب المساء يسبِّح للحلوة النائمة

أنا فكرة دوخت عصرها أنا نكبةٌ لم تزل قائمة

6- ولقد تتجلّى الذات على هيئة (التجريد)، وهو إخلاصُ الخطاب للآخر والمقصودُ به المتكلِّم، وهو من مكوّنات (اللسان)، التي انتظمت في (الكلام) فزيّنت ديباجته، ورقّقت حواشيه. ولشعراء العربيّة طرائقهم في استخدامهم إيّاه تدلّ على حساسيّة مرهفةٍ بالمكوّنات الأسلوبيّة، وسننها اللغويّة في اللغة العربيّة. وهو يجيء في شعر الشقّاع على هيئة مخاطَب، كما في قوله:

لم تلقَ يوماً مثلها فاحفظ ” للبنى ” فضلها

ماذا تريدُ؟ ومن تراوِدْ؟ أنت المطارَد .. والمطارِدْ

كابدتَ .. كابدتَ الدروب ولا تزال هنا تكابدْ!!

أو يجيء في هيئة ضمير الغائب:

أيُّها النائم في حضن الجبل أعط للنائي عناوين الأمل

كيف تنساه وقد كان هنا عاشقاً بالباب، يسقيك الغزل؟

يعود بأقماره الساهدة يهزّ مدينته الراقدة

يرتل مأساته في الظلام ويطلق أشواقه العائدة

… إلى آخره.

وكما يُفتتح البثّ الشعريّ في قصيدة الشقّاع بضمير المتكلّم يُحتتم به، قال:

غير أنّي في هواها سائرٌ وسأفنى بين سيري والوصول

وهنا تتقلّب الذات على هيئات الضمير في مستوياته اللغويّة كلِّها، فجاءت في موضع الابتداء (أنّي)، وفي موضع الفاعليّة (سأفنى)، وفي مقام الإضافة (سيري).

وقريبٌ منه قوله:

قد محوتُ العشق من ذاكرتي وكبير الهمِّ ينسيك الصغارْ

ولقد يستتر الضمير لكنّ في النصّ كاملا ما يشير إليه، كما في قوله مختتمًا قصيدة (المحبوبة):

” عنترٌ” يشعل حربًا كي يلاقي وجه “عبلة”

وهنا يحدث اللبس بتحديد المقصود بـ(عنتر) في حشو البيت حين تقرأه معزولًا عن أبيات القصيدة الأخرى، لكنّ النظر في تلك الأبيات يدلّك على أنّ المقصود بالخبر هنا هو ضمير المتكّلم المنفصل (أنا) الواقع في منزلة الابتداء في النصّ، ومن ذلك قوله:

سأناديها إلى أن يجد التاريخ ظلَّه.

وقد تتقلّب الذات بين هيئات اللغة من المفعوليّة إلى الفاعليّة، كما في قوله في ختام قصيدةٍ:

هاتف بالباب يستعجلني فدعيني أعزف اللحن الأخيرا

ففي حين يقع ضمير المتكلّم الممثّل بالياء في موقع المفعوليّة في موضعين تراه في الموضع الثالث يتعالى إلى موقع الفاعليّة تحدّيًا للتلاشي والفناء، وما حديثهم عن تغريدة البجع بمنسيٍّ أو مجهول، وهي فاعليّةٌ تبدو دالّةً على حرصٍ من جهةِ المبدِع على استحضار الذات لتوكيد حضورها، ففي بعض قصائده تغيب الذات عن مطلع القصيدة، كما في قوله:

لحبيبٍ مثل وجه الصبح أبلجْ لغرام أحزن القلب وأبهج

غابت الذات في موضع الافتتاح، وحضر الآخر/ المحبوب بهاءً وغرامًا، حزنًا وبهجةً، لكنّ ذلك لم يتمدّد ليزداد حضور الآخر، فوقف عند هذا الحدّ؛ ليفسح المجال أمام الذات المتكلّمة؛ لتحضر في هيئة الفاعليّة ومقام الإضافة:

أجمع الآن لظى تجربتي كي أصوغ الحب أسلوباً ومنهج

 ثم يفيض حضورها على مكوّنات العالَم كلّها وتفاصيله، ولا تقف في تطوافها إلا عند اختتام القصيدة لتعلن أنّها تبتدئ الغناء وتنهيه بفاعليّتها كما مضت بها التجربة وصعدت بها الرؤى:

لحبيبي أبتدي هذا الغناء ثم أنهيه لعصرٍ يتهدَّجْ

ومثلما افتتحت القصيدة بضمير الذات في بنية التجريد اختتمت به مخاطَبًا وغائبًا:

تمشي حواليك الجموعُ وأنت في الأزمات واحدْ

فالمخاطَب هنا هو المتكلّم، وهو المتحدَّث عنه بضمير الغائب في قوله في خاتمة قصيدة (العائد):

يلوك الشوارع يمضي إلى قصيدته: جثة هامدة

أليس هنا عمره كلّه تجمّع في بقعة واحدة؟

ولقد مثّل ضمير المتكلّم بهيئاته اللغويّة كلّها جوهر موقفٍ شعريٍّ كاملٍ، تجلّى في قصيدة الشقّاع “هُويّة”:

وتسألني (من أنا؟) فاطمة

– أنا طائر الفطرة الهائمة

أنا بيت شعر يجوب المساء

يسبِّح للحلوة النائمة

أنا فكرة دوخت عصرها

أنا نكبةٌ لم تَزَلْ قائمة

هنا ضمير المتكلّم المنفصل (أنا) مبتدأ الأشياء ومنتهاها، وعلاقته بها علاقة إسنادٍ اسميّ ممّا يدلّ على ثبوت النواتج الدلاليّة، التي تضمّنتها دوال الجمل في الأبيات، فهناك (الهيمان والتيه والدوار والنكبة التي لم تزُلْ). لكنّ توالي هيئات ضمير المتكلّم في أبياتٍ تاليةٍ من القصيدة عينها يكشف عن علاقة إسنادٍ فعليٍّ، تتغيّر به النواتج الدلاليّة؛ من حيث التجدّد، والتنوّع، والتغيير: (أغنّي لشيءٍ غريبٍ/ أمشي على الحقبة العائمة/ سأفتح جمجمتي…/ سأنفيك من داخلي مرّةً/ ألقاك في الجولة القادمة/ أريدك فعلا…). وفي هذا ما ينبئ أنّ جوهر الإشكال الشعريّ في القصيدة يتراسل مع جوهر الإشكال الوجوديّ للذات الشّاعرة إن لم نقل إنّه منبثقٌ منه، يؤكّد هذا التأويل ما نجده في ثنايا القصيدة من علاقةٍ ثنائيّة بين الذات والجماعة، يبرزه هذا التجانس بين ضميري التكلّم للمفرد (أنا) وللجماعة (نحن)، (لنا هدف اللحظة الحاسمة/ انطلاقاتنا دائمة). وإنّما بدا ذلك على ذلك النحو لأنّ إشكال الجماعة الوجوديّ – في هذا الموقف الذي انبثقت منه القصيدة – يتماثل مع إشكال الذات الوجوديّ تمامًا بتمام. بيد أنّه في غيرها من القصائد تقوم الثنائيّة بين الذات والآخر متنوّعة متعدّدة. فهي مختلفةٌ ضديّةٌ في موطنٍ، وهي مؤتلفةٌ منسجمةٌ في موطنٍ آخر. تدلّ على الرفض في مقامٍ، وتدلّ على القبول في مقامٍ آخر.

على أنّ ظهور الآخر في أيّة قصيدةٍ للشقّاع لا ينفي طغيان حضور الذات في النصّ وهيمنتها عليه حتّى ليتلاشى الآخر وإن كان في أصل التجربة محورها الفاعل. في قصيدة (سمرقنديّة) يقول:

مساء الخير يا شهدي ويا ترنيمة الوردِ

سمرقنديّة جاءت بكل عذوبةٍ عندي

زحام الشارع العدنيّ أطلعها بلا وعدِ

كلؤلؤةٍ رماها البحر بين الجزر والمدِّ

وفي هذا ما يأذن بالانسراب إلى عالَم الآخر لاكتشاف مكوّناته، وتبيان خصائصه، واستكناه أبعاده. لكنّ ذلك لم يكن لأن في كونه ضمورَ الذات وتلاشي فاعليّتها، وهو ما لم تقبل به، فانصرفت عن تجسيد صورة الآخر كما دلّ عليها الواقع المشهود، وأبان عنها حدث المجيء؛ لتبرز صورة للآخر – وهو هنا تلك السمرقنديّة – كما رسمتها الذات، التي تجلّت في الخطاب من خلال ضمير المتكلّم الدّال على الفاعليّة (أخذتُ/ رأيتُ/ لمحتُ/ قرأتُ)، ومن خلال الياء ضميرًا للمتكلّم (لديّ/ عروبتي…). ولعلّ في مثل هذا الصنيع الإبداعيّ ما يفضي إلى القول بأنّ حضور الآخر في شعر الشقّاع في هذه المرحلة من تاريخه الإبداعيّ لا يزيد على كونه وسيلةً تسعف الذات على جلاء جوّانيّتها ولا غير. فغلبت النجوى على بثّه الشعريّ، وانحصرت (الرسالة) في (الباثّ)، فلم تستكمل دورتها بين باثٍّ ومتلقٍّ كما يقتضي شرط الاتصال بين الذوات، فغدت صوتًا منطلقًا في فضاء اللغة من أن يتعيّن متلقّيه، أو تتحدّد هُويّته. ومن هنا تتعالى لغة النصّ عن المستوى التداوليّ لتوغل في الشعريّة. وتغدو الشعريّة عبيرًا يضوع من ثنايا اللغة.

هذا الرصد لحركة الذات في النصّ على مستوى ضمائرها لا يمنعنا من السؤال عن طبيعتها في شعر الشقّاع آنئذٍ. والحقّ أنّها – إن صدقت النصوص، وصحّ الحدس – مزيجٌ من الرومانسيّة والوجوديّة؛ فلقد رفضت الواقعَ الموجودَ؛ اشتهاءً للمرتجى المنشود من عالَمٍ مفقود، فبدت كالمنبتّ لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع. فظلّت الذات في منزلة (الرفض)، ولم ترق إلى منزلةٍ سواها. أتراه لهذا غابت صورة الجماعة من شعره، وحضورُها فيه دالٌّ على الانتماء؟ لقد أعلن الشاعر يومًا أنّ ما نحن فيه (عالَمٌ غيرُ عالمي) وإن اشتهى السّيادة المطلقة فيه:

أبدًا أحنّ إلى اكتمالٍ نافذٍ ليسير هذا الكون تحت حذائي

 أتراه يطمح إلى ما طمح إليه أبو الطيّب في قديم الزمان:

أريد من زمني ذا أن يبلّغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ؟

أم تراه يحذو حذو البردّونيّ في قوله:

أريد ماذا يا زمانًا بلا نوعيّةٍ لم يدر ماذا يريد؟

لقد يصحّ هذا، ولقد يصحّ سواه. وأيًّا كان عمق التعليل ومداه فإنّ الظاهرة هي من الظهور في شعره بحيث لا تخطئها عين النّاظر فيه.

(2- 3)

استخدام الفعل ودلالته في النصّ:

 مثلما اتّخذت اللغة في شعر الشقّاع في مرحلة الثمانينيّات من ضمير (التكلّم) وسيلةً (للتعبير) عن مضامين الفكر ومحتويات الرؤية فقد وجدت في استخدام الفعل أداةً لجلاء المواقف وتجسيد الرؤى.

وسنحاول جلاء طرائق النصّ في تشكيل الفعل في بنية الكلام، ووظيفته النحويّة، ودلالته من خلال عددٍ من الأحكام ذات الصبغة النحويّة – الدلاليّة.

والفعل في العربيّة لا يكون إلا مسندًا.

فهو على هذا “عمدةٌ” في الكلام وليس “فضلةً”.

قد يكون لازمًا فيقتضي وجود فاعلٍ، ومكمّلات ولا غير. وقد يجيء متعدّيًا فيقتضي وجودَ فاعلٍ، ومفعولٍ به، ومكمّلات.

ولأهل النحو حديثٌ طويلٌ عن تشكّلاته في الجملة وفق منظور (نحو اللسان)، لا يشغلنا هنا ما دام شاغلنا هو طرائق استخدامه في شعر الشقّاع.

وإنّ النظر فيه ينبئ عن عدوله بالفعل من دائرة (العمدة) إلى دائرة (الفضلة) والمكمّلات ممّا يمنح الفعل في مظانِّ استخدامه من القصيدة وظيفةً نحويّةً، غير التي جرى بها العرف اللغويّ عند العرب. فهو يفرغ الفعل من وظيفته الإسناديّة ليمنحه وظيفة المكمّلات في الكلام؛ حيث يجيء حالًا أو نعتًا، قال في قصيدةٍ عنوانها (العائد):

يعود بأقماره الساهدة يهزّ مدينته الراقدة

يرتل مأساته في الظلام ويطلق أشواقه العائدة

في هذين البيتين اللذين تفتتح بهما القصيدة تتوالى أربعة أفعالٍ في صيغة الفعل المضارع (يعود/ يهزّ/ يرتّل/ يطلق)، وهي من جهة الصنعة النحويّة تبدو متساويةً من حيث الإسناد، لكنّها من جهة الوظيفة التي تؤدّيها في النص تبدو متخالفةً، فالفعل الأوّل (يعود) هو العمدة في الكلام، وهو يمثّل (النّواة) التي تتولّد عنها بقيّة الجمل، أمّا الأفعال الثلاثة الأخرى فهي أدخل في تبيان حال الفاعل المسند إلى فعل العودة عند حدوث الفعل، فبدت الأفعال الثلاثة في هيئة الحال، الذي يمكن تقديره بمشتقٍّ؛ لتستقيم الدلالة ويصحّ المعنى، وتتحوّل الأفعال الثلاثة من صيغة الفعل المضارع إلى صيغة الفعل الدائم، أو قل اسم الفاعل كما يقولون، وتصبح (هازًّا/ مرتِّلا/ مطلِقًا)، وتلك وظيفةٌ نحويّةٌ متولّدةٌ عن السياق.

يتراسل معه استخدام الفعل للدلالة على النعت؛ بسبب العدول به عن حدّ الإسناديّة، التي هي وظيفته في الكلام، قال:

هنا ولدٌ ذاهبٌ في الضياع سعيدٌ بشقوته الخالدة

تلاشى على عتبات الحجاز رمادًا من اليمن الواقدة

يتصدّر الفعلُ الماضي (تلاشى) البيتَ الثاني من هذين البيتين، وهو هنا لا يُستخدم للدلالة على الزمنيّة والحدثيّة، وإنّما يُستخدم لوظيفةٍ نحويّةٍ منبثقةٍ من السياق، وأعني بها صفة (التلاشي) في ذاتها، مثلما دلّت الصفتان الأوليان في البيت الأوّل من هذين البيتين، وهما صفة (الضّياع)، كما دلّ عليها قوله: (ذاهبٌ في الضّياع)، وصفة (السّعادة بالشّقاء)، كما أنبأ بها قوله: (سعيدٌ بشقوته الخالدة).

وليس استخدام الفعل للدلالة على النعت في صيغة الماضي من الاعتباطيّة في شيءٍ، فهو إلى القصديّة أدنى؛ من حيث إنّ الصفة دالة على ثبوت الحال واستقرار الهيئة، وكذلك هو النّاتج الدلاليّ لاستخدام الفعل في صيغة الماضي، فدنا بذلك من الاسميّة؛ من حيث انتفاء الزمنيّة والحدثيّة عنه في ثنايا الكلام.

وممّا يتصل بهذا الوادي دلالة الفعل – ماضيًا كان أم مضارعًا – على زمن وقوع الحدث، فهو في المضارع مثلًا “يدل في أكثر استعمالاته على وقوع الحدث في زمن التكلّم”، كما نصّت على ذلك كتب النّحو. وعدِّ هنا عن دلالته على المستقبل فهم شرطوها بعلاماتٍ تدلّ على الاستقبال كالسين وسوف، أو بحروفٍ تمحضه إلى المستقبل، منها (أنْ) وأخوات لها.

ولقد جرى استخدام الفعل المضارع في شعر الشقّاع للدلالة على وقوع الحدث في زمن التكلّم، كما في قوله:

يعود الأمس منهمراً كأشعارٍ نواسيَّة

يؤرقني.. وقد كانت طيوف الأمس منسيّة

فيطرق كل أبوابي وأحزاني النحاسية

وهو استخدامٌ يقف عند حدّ الإخبار، ولا يكاد يتجاوزه إلى زمنٍ أشدّ انفساحًا:

أ- لانفتاحه على المطلق من الزمان كما في قوله:

قد يكشف المجهولُ عن أسراره لكن يظلُّ هناك شيءٌ لا يُرى

حيث يتجاوز الفعل هنا الدلالة على الوقوع في زمن التكلّم، فيدخل في الزمن المطلق غير المحدَّد بحاضرٍ آنيٍّ أو مستقبلٍ قريبٍ.

ب- أو لإفادته معنى التكرار المستمرّ، الذي تألفه العادة وتعتاده الألفة، كما في قوله:

لأنّ خيالها، ليلاً، يوافي أبيتُ على فراش من قوافي

كأغنيةٍ ترفرف في سمائي كلؤلؤةٍ لدى أحلى الضفافِ

هنا يتكرّر حدوث الفعل في ظرفٍ زمانيٍّ بعينه ممّا يفيد معنى الاستمراريّة ودلالة الاعتياد.

قد يستخدم الفعل المضارع المجزوم ب(لم) يتلوه الفعل المضارع المرفوع للدلالة على الزمن الماضي المنقطع. على أنّه ينزاح بوظيفة الفعل المضارع المرفوع من الدلالة على الحدثيّة والزمنيّة إلى وظيفة تبيان هيئة الفاعلين عند وقوع الفعل، وهو ما يبقي الدلالة الزمنيّة حاضرةً في النصّ، كما في قوله:

 كأن لم نكنْ ذات يومٍ هـنـا نـدندنُ فـي نغمةٍ واحـدةْ

كأن لم نسرْ في العشايا معاً تحاصـرُنا الأعينُ الحاسدةْ

واستخدام الفعل الماضي مسبوقًا ب(قد) يمحض الفعل للإيغال في المضيّ، لكنّه جاء على غير مدلوله في شعر الشقّاع؛ حيث دلّ الاستخدام على وقوع الحدث في زمانٍ يتّصل بالحاضر، كما في قوله:

يعود الأمس .. جنّياً يداعب نهد إنسية

لقد اضنى مسافاتي لأن خطاه “عنسيّة”

لأنّ جذور أمسي- يا حنيني – غير أمسية

هنا (الحاضر) هو جوهر التجربة، ولذلك هيمن التعبير بالمضارع المرفوع؛ لدلالته على ذلك الحاضر – تكرّر استخدامه في النصّ ستَّ مرّاتٍ في حين جاء الفعل الماضي مسبوقًا ب(قد) مرّتين فقط، إحداهما في البيت الثاني؛ للدلالة على الإيغال في المضيّ ولا غير (وقد كانت طيوف الأمس منسيّة)، والأخرى هي التي نحن بصدد تحليلها.

وقع الفعل الماضي المنقطع (قد أضنى) تحت تأثير فاعليّة الفعل المضارع، فدلّ على استمراريّة الحدث من الماضي المنقطع إلى الحاضر المعيش، ولعلّه يمتدّ إلى المستقبل المنتظر، يدلّك على ذلك تعليل الحال بقوله: (خطاه عنسيّة – قوّة لا تعرف ضعفًا/ جذوره غير أمسيّة – متمدّدة في الحاضر ومستمرّة في القادم من عالم الغيب)، وهنا يتخطّى استخدام الزمن منظوره المتعيَّن في كتب النحو ومكوِّنات اللسان.

يقابله ضديًّا تحويل الزمن الحاضر إلى الزمن الماضي في قوله:

أسلو جحيم الذات أبحث خارجي فوجدتُ أنّ الآخرين هم الجحيمْ

مجيء الفعل الماضي (وجد) بعد فعلي المضارع (أسلو/ أبحث)، حوَّل زمن الفعلين من دلالة الحاضر إلى دلالة الماضي، وكأنّ الحدث فيهما تمّ في ذلك الزمن، ومن هنا اتّساق استخدام الفعل الماضي بعدهما في عجز البيت.

ولقد يتنازعان الهيمنة على الزمن، كما في قوله:

كأطياف “حبَّان” كـانت معي كأطياب “ميفعةٍ” تنفحُ

انتظمت الجملتان في إطار البنية التشبيهيّة على مستوى التخييل؛ من حيث (هي/ المحبوبة) مشبّهٌ، و(أطياف حبّان وأطياب ميفعة) مشبّهٌ به، وقامت الأداة (الكاف) بمحض العلاقة بينهما للتشابه. لكن العلاقة بين زمني كلّ جملةٍ جاءت متغايرةً من حيث دلالة الفعل الناسخ (كانت) على الزمن الماضي، ودلالة الفعل المضارع (تنفح) على الحال المستمر غير المنقطع.

أفضى استخدام الفعلين في صيغتين متخالفتين إلى شيءٍ من اللبس، على الرغم من اقتضاء عمليّة التشابه بين المرئيّات في صورة المحبوبة الانتظامَ في بنيةٍ زمنيّةٍ واحدةٍ. وعليه فهو إمّا استخدم الفعل المضارع (تنفح) في معنى الماضي، وإمّا استخدم الفعل الماضي (كانت) في معنى المضارع، وهو الأدقّ؛ لاتّساقه مع استخدام الأفعال في سياق النصّ، فهوى المحبوبة (يجرح)، وهي (تمرح)، وهو (يحسُّ بأنّها البلاد كما يقول لها)، وأنّها في دمه (تسبح)، وهي (تقول) له ما تقول (وحين يجدّ الهوى تمزح)، وهو (سيترك عزّان) لعلّه يربح بخسرانها ما دام لا يزيد على كونه ذبيحًا (يقبّل يد من يذبح)، ومن خارجه (تزأر الحادثات)، ومن داخله (شجنٌ ينبح)… إلى آخر ما هنالك.

سياقٌ تتوالى فيه الأفعال في صيغة المضارع، أفلا يتّسق معها تحوّل استخدام الفعل في صيغة الماضي إلى صيغة المضارع ولوجًا إلى معنى الديمومة والاستمرار، ونأيًا بها عن معنى القدم والانقطاع؟

وممّا يتصل بهذا إعماله الفعل الناسخ الذي لا عمل له، كما في قوله:

طلعتُها- كانت – ألوهيَّةً خطوتها – كانت – غناءً وطيبْ

في ضحكها أمومةٌ واشتهاءْ لصوتها – كـان – مذاق الحليبْ

فالأصل – كما يقتضي قانون اللسان ذلك – في (كان) إذا جاء بين متلازمين، وبصيغة الماضي، أن يكون زائدًا لا عمل له من جهة الصنعة النحويّة، أمّا من جهة الدلالة فهو يفيد معنى المضيّ والقِدم. وعليه فقد كان من المتوجّب أن يشتمل المبتدآت تقدّمت أو تأخّرت (طلعتها/ خطوتها/ مذاقُ الحليب) على أخبارٍ مرفوعةٍ أو مؤوّلةٍ بمرفوعٍ، لكن ّ خبرين منها جاءا منصوبين (ألوهيّة/ غناء وطيب)، وثالثهما – سيرًا على النسق – تأوّله بمنصوبٍ؛ لأنّ الكلام جرى على إعمال الناسخ في الجمل الثلاث.

ومثله قوله:

وجهها – كان – مظلة وسحاباتٍ مطلَّة

وبـروقـاً.. تـرعـش الآمـال مـن أوّل وهـلـة

فقد أعملها ولا عمل لها في مثل هذا المقام. ومن هذا الباب قوله:

وحيداً – كما كان بدء الزمان – يهرول في الطرق الجاحدة

فالأدقّ إجراء (المنصوب/ وحيدًا) هنا (مرفوعًا/ وحيدٌ)؛ لأنّه بالخبريّة أليق، وأمّا الناسخ فلا عمل له سوى الدلالة على انقطاع الحدث في زمنٍ سحيقٍ.

ومن ظواهر استخدام الفعل التي خرج فيها النصّ على مألوف القاعدة اللغويّة وتجاوز منطوقها:

– رفع المضارع المنصوب بإحدى أدوات النّصب، كما في قوله:

” عنترَ” يشعلُ حربًا كي يلاقيْ وجه “عبلة”

فيا وعدها آن أن نلتقيْ ويا شغفى آن لي أن أبوح

دعيني أحاول أن أنتهيْ ليبدأ هذا النشيد “المعيني”

– رفع المجزوم، كما في قوله:

هاتف بالباب يستعجلني فدعيني أعزفُ اللحنَ الأخيرا

 دعيني أحاول أن أنتهي ليبدأ هذا النشيد “المعيني”

ومنه إجراء اسم الشّرط الجازم (مَنْ) في معنى الاسم الموصول غير الجازم (مَنْ)، ممّا يقتضي رفع المضارع في موضع الجزم، كما في قوله:

مَنْ يريد الموت : هذا وقته فعلى كل فتى أن يستعدْ

مَنْ يشبُّ الحلم لن يبلغه مَنْ يريد الحبَّ – حتما – لن يجدْ

– نصب الفعل المرفوع دون مسوّغٍ، كما في قوله:

ومضةً ترديَ الرَّدى فكرةً تسقط العروشْ

ويماثله جزم المرفوع دون مسوّغٍ للرفع، كما في قوله:

أحب المحبَّةَ في ذاتها كذا يكن الحبُّ .. أو لا يكونْ

ويقتضي التعبير (بالفعل) استخدامه على أصل صيغته بالبناء للمعلوم، فيتجلّى الفاعل في الجملة كائنًا ما كان الفعل لازمًا أو متعديًّا. وهو الشائع في شعر الشقّاع. فالفعل في جمل أبيات قصائده في هذه المرحلة يجري على النحو الآتي:

إمّا أن يكون الفعل مسندًا، وفاعله هو الذّات المتكلِّمة في النصّ، وهنا يدخل التركيب في دوائر الاعتراف، كما في قوله:

أرنو فتصفعني الكـُوى أمشي فيمضغني الرَّصيفْ

أو في دوائر النجوى، كما في قوله:

أهمي، كدمع الليلة المتحدِّرِ وأجفُّ – وحدي – كالصباح الأصفرِ

قدر علي : بداية ونهاية أن أعبر النهر الذي لم تعبري

أمتصُّ غربة عالم متوجع وأذوقُ خيبة عالم متوتر

أو استدرار عطف الآخرين من خلال إظهار ضعفها، كما في قوله:

ناءٍ على هذا الطريق النائي أنهدٌّ من ألفي الحزين ليائي

أو إظهار حالاتها المعنويّة وتناقضاتها الجوّانيّة، كما في قوله:

أحاور عاصفة في جذوري واقرأ زلزلة في يقيني

فأنكش شعري عن مطلع ٍ وأستلّ قافية من جبيني

أو في دوائر التعاطف الإنسانيّ، كما في قوله:

وأحسّ أنّى في الجسوم ممزقٌ فكأنما كل الورى أشلائي

أو التعالي بصنيعها، كما في قوله:

فأبثُّ في قلب الجميع محبّةً خضراءَ للأحباب والأعداءِ

أو في دوائر التحدّي، كما في قوله:

سآتيكِ من لغةٍ حرَّة تمرُّ على صخرتي ورفاتي

سأدخل كهفي لأقرأ حتفي وأنقضُّ : عاصفةً في دواةِ

وإمّا أن يكون الفعل مسندًا وفاعله الآخر، والذات تعرفه وتحدّق فيه وفي فعله، فينفتح التركيب على دلالات متنوعة:

كالإدانة في قوله:

قتل الزمانُ بقلب كلٍّ خلَّـه فحبيبتي ثكلى وشاعرها يتيمْ

تتسرّب اللحظات بين أصابعي فكأنّ عمري كائنٌ من ماءِ

أو إبراز قوّة (الفاعل/ الآخر) على اجتراح الأفعال، التي تصيب سهامها الذات، كما في قوله:

يعود الأمس منهمرًا كأشعارٍ نواسيَّة

يؤرّقني.. وقد كانت طيوف الأمس منسيّة

فيطرق كل أبوابي وأحزاني النحاسية

ويزرعني هوى “حقات” أو نجوى “قلنسية”([1])

ولقد يعمد إلى توالي الأفعال، وتنوّع الفاعلين؛ لبيان أثر ذلك على وجدان المتكلّم، كما في قوله:

نادى العبيرُ

فسرتُ خلف ندائه

لكنّ بابَك والطريقَ تنكّرا

فتفرّق الأملُ الجميلُ شراذمًا عبر الشّوارع

والعذابُ تجمهرا

هنا خمسة أفعالٍ، لكلّ فعلٍ منها فاعله الذي ينماز من الآخر في دلالته، ففي حين يوحي نداء العبير باستجلاب البهجة ممّا أفضى إلى سير الذات خلفه أملًا في الظَّفَرِ بها، وتنظّرًا لها، يوحي تنكّر وسيلة الظفر بالمشتهى (الباب والطريق) بالجفوة والصدّ، وهو ما يفضي إلى فعلين تتكامل بهما الدلالة، وهما (تفرّق الأمل شراذم، وتجمهر العذاب)، وهنا تتكامل الدلالة من خلال التضاد بين ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون، بين الموجود المشهود، والمأمول المنشود.

بيد أنّ (اللسان) قد أذن باستخدام الفعل مغيّرة صيغته بالبناء للمجهول، فعمد (النصّ) إلى توظيفه في مظانّ منه وإن قلّت في قصائد الشقّاع في هذه المرحلة من تاريخ تجربته الإبداعيّة. فقد دلّ الإحصاء على أنّها لا تزيد عن الثلاثة المواضع عددًا، لكنّ لها بعدها الدلاليّ، ففي قوله:

نـاقـة الله التي مـا عُـقِرَتْ يـتـولّـى حلبَها (سامٍ) و(بولْ)

 يُستخدم الفعل في صيغة البناء للمجهول؛ للدلالة على تعظيم المفعول به وإجلاله، ولذلك تعذّر العثور على فاعلٍ ينهض بالفعل، ولو كان كأشقى ثمود، هذا في الزمن الماضي، أمّا في الزمن الحاضر فالفاعل ظاهر ومحدّد ومدرك بكلّ وسائل الإدراك، فبدت الناقة ممتهنةً (تحضر في الشطر الثاني بضميرها/ ها)، ويتجسّد الفاعل الذي يستبدّ بها (سامٍ وبول)؛ للدلالة على تحقير الشأن.

أمّا في قوله:

عاشق من أول الحزن أتى عندما يُطفَأُ – شوقاً – يتوهج

ناره يمتشق الموج بها صمته أنشودة السِّيف المضرَّج

فإنّ الفعل المضارع في البيت الأوّل (يُطْفَأُ) يقوم بدور المولِّد الدلاليّ في الجملة، وقد جاء مغيّرةً صيغته بالبناء للمجهول ممّا أسهم في إضمار الفاعل، واندغام المفعول به في مقام الفاعليّة تعظيمًا للشأن. فإذا عدنا بالجملة إلى بنيتها العميقة، التي لم تتجلَّ على سطحٍ لغويٍّ ظهر لنا أنّ (العاشق) شمسٌ، رام الآخرون أن يطفئوها، فهي إذًا واقعةٌ في مقام المفعوليّة، وتلك دونيّةٌ يأباها ((الإبداع)) ولا يقبل بها، فاستعاض عنها بإضمار الفاعلين، الذين أبوا إلا نفيه وإلغاء وجوده، فغيّر في صيغة الفعل المضارع؛ ليتمكّن المفعول به من الصعود إلى مقام الفاعليّة، وهو ما يسّر من بعدُ تجلّيَ فعل جواب الشّرط (يتوهّج) في صيغة البناء للمعلوم؛ لتتسق الفاعليّتان في مقامٍ واحدٍ.

أمّا في قوله: (ناره يُمتشق الموج بها) فقد أمكن تغيير صيغة الفعل من الارتقاء بحال الأشياء من منظورها الطبيعيّ؛ لتكتسب منظورًا أسطوريًّا، أو ما هو أدخل في عوالمه.

وثمّة موضعٌ ثالثٌ جاءت صيغة الفعل فيه مغيّرةً بالبناء للمجهول، وهو قوله:

استبدت “هندُ” يا قلبُ اتئدْ بُدِّل العجزُ بعجزٍ مُستَبدْ

(بدِّلَ العجزُ بعجزٍ…). الأصل في الفعل (بدل) – بالبناء للمعلوم أو بالبناء للمجهول سيّان – أن يتّصل حرف الجرّ (الباء) فيه بالمتروك من الأسماء، ولكنّ الإبداع آثر استخدامه كما أجازه اللسان العربيّ في عصره الحديث. أتراهم لهذا أجازوا قول شوقيّ:

أنا من بدَّلَ بالكتب الصّحابا لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا

 والمتروك هنا هم الصّحاب وليس الكتاب؟ وكذلك هو في بيت الشقّاع، لكنّ البعد الدلاليّ في بيته ظاهرٌ غير ملغيٍّ من جهتين.

أولاهما: التقابل الضدّيّ بين (الأهون) و(الأعظم)، فالعجز غير الموصوف أهون عن العجز المُسْتَبِد.

 وثانيهما: من جهة الفاعليّة، فليست الأهمّية هنا لعمليّة االتبديل، ولكنها للفاعل الناهض بالفعل، والمفعول به الذي حلّ في مكانة آخرٍ، ومن هنا قيمة الاستخدام ودلالته.

ومن قبل قيل: “وإذا خرج الكلام عن حدّ الإمكان فإنّما يراد به بلوغ الغاية لا غير ذلك”. وإنّ فيما سلف غنيةً فلنلقِ نظرةً على

الأساليب الإنشائيّة في قصائده:

وإنّ الأغلب عليها في هذه المرحلة شيوع (المتكلّم)، الذي يفضي بما في النفس، فهيمن الخبر على النصّ، وبدا التعبير باليقين ناتجًا عن ألفةٍ للمعنى، ومكاشفةٍ للمفهوم، فتماهى المنطوق بالخبر؛ لأنّ غاية النصّ الإفضاء، والإخبار.

لكنّ مظانَّ منه ندَّ فيها التعبير عن موجعات النفس، وتسلياتها بالخبر، فتوسّل بالإنشاء؛ لإظهار المكنون فيها، ولجلاء الرؤية للحياة. فانتقى الإبداع صورًا من الأساليب الإنشائيّة، ونوّع في طرائق استخدامه إيّاها، فتنوّعت دلالتها في النصّ.

ومن الصور التي تنقّاها (الاستفهام/ الأمر/ النداء/ النهي والتمنّي وهما قليلا الاستخدام).

أمّا عن طرائق استخدامها فمنها ما جاء في مطالع قصائده مفتتحًا بها أبياتها، كما في قوله:

ساعديني على النوى يا أمينه قلق اليوم فوق ما تعهدينه

وهو أمرٌ. ومثل قوله:

ماذا تريد؟ ومن تراوِدْ أنت المطارَدُ والمطارِدْ

وهو استفهام. وكقوله:

أيّها النّائم في حضن الجبلْ أعطِ للنائي عناوين الأملْ

وهو نداءٌ مشفوعٌ بأمرٍ. وكقوله:

لا تقابلني بقلبٍ منفتِحْ أيّها الوقتُ أرحني واسترِحْ

وهو نهيٌ مشفوعٌ بنداءٍ وأمر.

لكنّه لم يقتصر على استخدام تلك الأساليب في مطالع قصائده، بل جاء بصورٍ من الإنشاء في متونها أحدثت نوعًا من النغم المغاير للنغم الذي تولّده مكوّنات الأسلوب الخبريّ في الكلام. وهذا واحدٌ من العوامل التي تسهم في تشكيل الأساليب الإنشائيّة، وأعني به العامل الصوتيّ، وقريبٌ منه العامل النحويّ والصرفيّ؛ من حيث إنّ لهذه الأساليب أدواتٍ تحدّد هويّتها اللغويّة كالنداء، والاستفهام، والنهي، وصيغًا صرفيّة تختصّ بها كالأمر، والتعجّب، وما أشبه هذا.

 وفي كتاب (خصائص الأسلوب في الشوقيّات) للدكتور محمّد الهادي الطرابلسيّ تفصيلُ ما أجمل هنا فلينظره في مظانّه من رام التفصيل. أمّا نحن فماضون في تقرّي طرائق استخدام هذه الأساليب في شعر الشقّاع، كما أنبأت قصائده، وسنبدأ أوّل ما سنبدأ بـ

النداء:

 لا تخطئ عين الناظر في شعر الشقّاع شيوع دال (النداء) فعلًا وصيغةً، فقد تكرّر الفعل في مظانّ منه متعدّدة، ومتنوّعة، كما في قوله:

– …. … … … أناديكِ لكن بلا فائدة

– أناديك والصّمتُ ما بيننا … … …

– أناديكِ قبل انسدال السّتار … … …

– كانت تناديني وكنتُ المجيبْ … … …

– كم أناديكَ ولكن لم تُجِبْ … … …

– … … … أناديكِ أنت فيأتي سواكْ.

 وفي هذا ما ينبئ عن أنّ المساحات والمسافات بين الذات المرسومة في النصّ، والآخرين رحيبةٌ، تتطلّب مدّ الصوت، ورفعه بالنداء؛ ليبلغ الآخر، فيلتفت إلى مصدره، فيقبل عليه.

ولعلّ هذا الناتج الدلاليّ كان وراء استخدام الإبداع صيغةَ النداء في القصيدة على صورٍ من التشكيل متنوّعة.

ولقد نادى الشقّاع أعلامًا ولو في إطار الرمز ودائرة الاستخدام المجازيّ، مثل قوله:

– أيُّ شيءٍ لديك غير الأماني يا حنانُ اذهبي دعيني أعاني

– وهنا السّماء تحجّرت وفِّرْ نداءك يا بلالْ

مثلما نادى صفات في شخوص:

– عيناك عندي فرصةٌ للرحيلْ يا حلوةً تجيء عند المقيلْ

– هل أشبُّ الغرامَ كي تفهميني أنتِ يا ربّة الجمال الحزينِ؟

– أيا حضرميّة همّي بعيدٌ بعيد وخطوي قصيرٌ قصيرْ

ولقد يجيء المنادى في بنية (المستعار) منزاحًا به عن بنية المنادى (المشبّه)، الذي جرى استخدامه في نحو اللسان، قال:

لم أعد يا حمامتي وصباحي ذلك الشّاعر الذي تعرفينه

فالمحبوبة – وهي في الأصل المنادى – خفيت في المقولة اللغويّة، وهي هنا في مقام المستعار له، وحلّ محلَّها المستعار (حمامتي وصباحي) في إطار بنية الاستعارة التصريحيّة. ومن بابه قوله:

يا وجهَ مَنْ أحببتُ يا قمرًا يطلّ على التّلالْ

حيث الوجه مستعارٌ له والقمر في مقام المستعار، وقد ناداه بعد مناداته (الوجه)؛ للحثّ على الإقبال، والالتفات إلى صوت المنادي الحائر في أمور الزمان:

أصبحتَ مألوفًا .. ومكشوفًا .. فما بال الجمال؟

ولقد يستخدم المنادى في شعر الشقّاع مصحوبًا بأمرٍ أو نهيٍ، كما جرى به الاستعمال في نحو اللسان، كما في قوله:

– … … … يا حنانُ اذهبي دعيني أعاني

– والحزن يعزفني .. فيا أرجاءَ روحي ردّدي

– استبدّت هند يا قلبُ اتّئدْ … … …

ولقد يتقدّم الأمر، أو النهي على المنادى في مظانّ من شعره مخالفة لما جرى به الاستعمال في نحو اللسان، كقوله:

– ساعديني على النوى يا أمينة … … …

– لا تفتحي الأبواب يا رجائي فهذه آخرة الدّروبِ

– لا تقابلني بقلبٍ منفتِحْ أيُّها الوقتُ أرحني واسترِحْ

على أنّه يكثر من استخدام المنادى مصحوبًا بالخبر على غير ما جرى به الاستعمال في نحو اللسان، كما في قوله:

– طالبتي همّي بلا آخرٍ وأغنياتي رحلةٌ في الأصيلْ

– أيُّها الحلمُ الذي ضيّعته كدتُ ألقاك صباحًا عند إبْ

وهنا يتحوّل المنادى إلى أذن تصغي لنجوى المنادي، وهمسه بما في الوجدان.

أو يجيء المنادى النكرة مصحوبًا بجملةٍ خبريّةٍ، هي في معنى النعت له، ممّا يدخل النداء في دائرة التعجّب:

– … … … يا حلوةً تجيء عند المقيلْ

 ولقد يستخدم النداء للتعجّب بأسلوب النّدبة، كما في قوله:

نوّارُ ضاعت من يدي يا لانهيار المعبدِ!

فالمتعجّب منه هنا هو المستغاث له، لكنّه أشرب معنى التعجّب من ذاته ومن صفته؛ حيث الأصل فيه: يا للمعبد المنهار! وكأنّما استغاث بالآخرين له من جهةٍ، وتعجّب من انهياره، وهو الكيان الضّخم من جهةٍ أخرى.

ولعلّه لهذا وجد النصّ سبيله إلى التعجّب منفتحًا، فمضى إلى قوله:

يا حيرةَ الأقمار في الأفق تبحث عن غدِ

يا نبتة الحسراتِ في الليل القديم المرعدِ

… إلى آخر ما هنالك من ذلك.

ولقد ينزل المنادى البعيدة منزلته من القلب منزلة المنادى القريب حين يستخدم أداة النداء (يا)، كما في قوله:

ألن تستحرّي ولو مرّةً بنار الأناشيد يا باردة

حيث المرأة الموصوفة بالبرودة قد لفظها القلب بعد أن تنكّرت له، وهجرت المحيط الجسور الغيور؛ لتقعي على البركة الراكدة، فهو بعدٌ معنويٌّ، لا يلائمه استخدام الأداة (يا) وإن نودي بها البعيد. لكنّ في قوله:

أيا حضرميّةُ همّي بعيدٌ بعيد وخطوي قصيرٌ قصيرْ

إنزالا للمنادى القريبة منزلته من القلب – تدلّ عليها هذه النجوى، ويؤكّدها هذا الهمس – منزلةَ المنادى البعيد الذي لا يظفر به:

أجوب المكلا بهذا الغناء كراعٍ يغازل بنت الأمير

وهنا تماهى القرب المعنويّ مع البعد الحسّيّ من جهة أنّ الوصل أمرٌ صعبٌ إن لم يكن مستحيلًا، فتلاءم شكل التعبير مع دلالة السياق.

ولقد يتوالى المنادى في إطار التشخيص، كما في قوله:

فيا وعدها آن أن نلتقي

ويا شغفي آن لي أن أبوح

ويا سحرها كيف في لحظةٍ منحتَ القصائد جسمًا وروح

ويا آخر الحزن فلتنطفئْ ليشرق هذا الغرام الطّموح

فيتجلّى المنادى في مقام (البهجة)، وفي مقام (الحبّ)، وفي مقام (التعظيم)، وفي مقام (الترجّي).

وكما وضع المنادى في مفتتح البيت وضع في مختتمه، فجاء في عجزه، كما في قوله:

هل أشبّ الغرام كي تفهميني أنتِ يا ربّة الجمال الحزينِ

جدّدي نكهة الزمان .. تمشّي في دمائي .. يا نكهة الياسمينة

ألن تستحرّي ولو مرّةً بنار الأناشيد .. يا باردة؟

وهنا يتراءى النداء صرخةً في فضاءٍ، تظلّ تتردّد فيه علّه يصل إلى سمع المنادى، فيجيب طلبًا، ويلبّي نداءً.

الأمر:

أسلوب الأمر صورةٌ من صور التفاعل بين المرسِل والمرسَل إليه؛ إذ يقتضي وجودُ الآمر وجودَ مأمورٍ ومأمورٍ به، وهو الفعل المطلوب إنجازه. والأصل في شعر الشقّاع أنّه يجلو تجربة ذاتٍ في مكابدة الوجود، وينثّ صور معاناتها لبلوغ المنشود. فلا سبيل فيه لاستخدام (الأمر)؛ من حيث يقوم على علاقة استعلاء وإلزام، ومن هنا قلّ في قصائده وإن لم تخل من مظاهره التي تشكّلت فيها على طرائق، وسمتها بالخصوصيّة، التي تميّز نصًّا من نصٍّ حتّى وإن اتّفق مع آخرين في عمليّة اختياره هذا المكوّن الأسلوبيّ وتوظيفه فيها.

وبتدبّر طرائقه في استخدام (الأمر) في شعره نجد أنّه يستخدمه مع مسندٍ إليه مفردٍ ولا غير، على خلاف ما نجده في أشعار سواه من شعراء العربيّة في الأوّلين والآخرين. فامرؤ القيس استخدم الأمر مع مسند إليه مثنّى في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ … … …

والشنفرى استخدمه مع مسندٍ إليه جمعٍ في قوله:

أقيموا بني أمّي صدور مطيِّكم فإنّي إلى قومٍ سواكم لأميلُ

وفي تاريخ الشعرية العربية ترسُّمٌ لخطاهما على حسب اقتضاء السياق، حتّى غدا القول نمطًا مكرورًا. أمّا في شعر الشقّاع فالمسند إليه في فعل الأمر مفردٌ عددًا، لا يكاد يتجاوزه إلى سواه قطُّ. قال:

– أيُّها النائم في حضن الجبل أعط للنائي عناوين الأمل

حطَّ عن كاهله يا حلمه ذلك الحزن الذي لا يحتمل.

– احمل الورد للذي كنتَ عيده ودعِ الحزن للقلوب الوحيده

الصحافات سلوةٌ؟ فلأجرّبْ كان لبنانُ جثّةً في جريده

… إلى آخر ما هنالك.

ويتنوّع المسند إليه المفرد من حيث الجنس بين مذكّرٍ ومؤنّثٍ، فإذا قال في موضعٍ:

ساعديني على النوى يا أمينه … … …

قال في آخر:

… … … وفّرْ نداءك يا بلالْ

وقد يتعيّن لديه المسند إليه دلّ عليه المنادى، وقد لا يتعيّن فيبدو عامًّا غير محدَّدٍ، كما في قوله:

خذْ دمي هجمة الوحوش وانفعالا بلا رتوش

أنتَ يا من أحبّه أعطني وجهك البشوش

ولقد يجيء المسند إليه في مقام التجريد، ويستوي فيه أنْ يكون السياق للذات المتكلّمة، كما في قوله:

فارجع لمن صانت هواك لدى الخطوب لعلَّها

أو في سياق الذات المخاطبة؛ حيث يشتقّ من المؤنّث – وهو المأمور الواقعيّ، والمختصّ بالخطاب – مخاطبًا مذكّرًا، فيجعله مأمورًا نصيًّا، يتجلّى في الخطاب الشعريّ، فيناديه ويأمره. قال:

أيُّها النائم في حضن الجبل أعط للنائي عناوين الأمل

ولقد توزّع الأمر في قصائده بين المطالع والمتون، لكنّه جاء في الأغلب جزئيًّا ومتفرّقًا في مظانّ متنوّعة ما خلا قصيدة (الياسمينة)؛ حيث توالت أفعال الأمر في سياقٍ لغويٍّ متّصلٍ:

ساعديني على تجاوز وضعي وتخطّي كلّ الظروف المهينة

امنحيني طفولتي من جديدٍ

برّدي هذه الهموم السخينة

احمليني على حواري المكلا

أرجعيني إلى عشايا دثينة

جدّدي نكهة الزمان..

تمشّي في دمائي يا نكهة الياسمينة.

تتوالى أفعال (الأمر) هنا مفصولةً غير موصولةٍ. ويذكر علماء بلاغة اللسان مواضعَ ثلاثةً يجب فيها الفصل دون الوصل في الكلام، هي:

أ) أن يكون بين الجملتين اتّحادٌ تامّ، كأنْ تكون الثانية توكيدًا للأولى، أو بدلًا منها، أو بيانًا لها. ويجري الحديث هنا عن كمال الاتصال.

ب) أن يكون بين الجملتين تباينٌ تامّ، كأنْ تختلفا خبرًا وإنشاءً، أو تتنافرا؛ إذ لا مناسبة بينهما. ويجري الحديث هنا عن كمال الانقطاع أو الانفصال.

ج) أن تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤالٍ، اشتملت عليه الجملة الأولى. ويجري الحديث هنا عن شبه كمال الاتصال.

عمد النصّ هنا إلى الانزياح بالمكوِّن الأسلوبيّ عمّا جرى به العرف اللغويّ في بلاغة اللسان ليصنع بلاغته، ويبين عن جرأته في انتهاك قواعد اللغة وسننها المرسومة. وليس لنا من حقٍّ في أن نسأل: لماذا؟ فللشعراء أن يقولوا، وعلينا أن نتأوّل، كما قال الفرزدق يومًا. ولهذا ترانا نعيد النظر كرّة أخرى في أفعال (الأمر)، كما اشتملت عليها الأبياتُ السالفُ ذِكْرها؛ لنتبيّن طبيعة السّياق، الذي وضعت فيه، ودلالة استخدامها على ذلك النحو.

والحقّ أنّ أفعال الأمر هنا وإن تشكّلت في بنية الأسلوب الإنشائيّ (الأمر) فإنّها انتظمت في سياق البثّ الوجدانيّ، فليس من غايتها طلب الفعل على وجه لاستعلاء والإلزام، ووجوب التنفيذ والتحقيق، ولكنّها تتغيّا الإفضاء بما في النفس من اشتهاءٍ ورغبةٍ في البوح. وفي هذا السياق انشطر البثّ إلى وحدتين دلاليّتين متراسلتين، قصدت إحداهما إلى الحديث عن المستقبل المأمول، الذي قد يكون وقد لا يكون، وهو ما دلّت عليه الأفعال (امنحيني طفولتي/ احمليني إلى حواري المكلا/ أرجعيني إلى عشايا دثينة/ تمشّي في دمائي…). في حين قصدت ثانيتهما إلى الحديث عن معاناة الذات في واقعٍ حاضرٍ مأزومٍ، تتلمّس السبيل إلى الخلاص منه من بعد ما أنشب فيها مخالبه، وهو ما تشير إليه الأفعال (ساعديني على تجاوز وضعي، وإنّما تُطلب المساعدة لتجاوز الوضع القائم بالفعل حين يسوء ظاهره، ويقبح مخبره/ برّدي هذه الهموم السّخينة، وإنّما يُنشد تبريد الحرارة حين يرتفع مؤشّرها إلى حدٍّ لا يطاق، ذاك في الحرارة الحسيّة، فما بالك والحرارة معنويّة تكوي الجوف نيرانها المحرقة/ جدّدي نكهة الزمان، وإنّما يُلِحُّ طلبُ تجديد الرائحة حين تزداد العفونة انتشارًا، وتستحيل الأطيابُ العطرة إلى روائحَ مستكرهةٍ). وهنا تتلاشى دلالة فعل الأمر على الاستعلاء والإلزام وإن احتفظت بصيغته اللغويّة الدّالّة على النسيج الآمر. وهي هنا لا تتجاوز أبرز صيغه، وهي صيغة (افعل) وما ماثلها من صوره المتنوّعة صرفيًّا مثل: (فاعِلْ)، و(فعِّلْ)، و(أفْعِلْ…). ولقد جاءت صيغة المضارع المقرون بلام الأمر في مظانّ محدودةٍ، وخلا متنُ القصائد من بقايا صيغ (الأمر) المذكورة في بلاغة اللسان.

والعلّة في قلّة استخدام هذا المكوّن الأسلوبيّ في شعر الشقّاع في هذه المرحلة من تاريخه الإبداعيّ هو انصرافه إلى موجعاته، وما أكثرَها! وانشغاله بتسلياته، وما أقلَّها! دون النظر في السياقات الاجتماعيّة على اختلاف صورها ففيها تتنوّع المعاني، وتتعدّد الدلالات، ويكون (للأمر) بكلّ صيغه حضوره البارز في متن النصوص. وحسبك ما تجده في شعر شوقي وأضرابه مثلًا على ذلك، وفيه دلالةٌ على الهُويّة الإبداعيّة لشعر الشقّاع، وهو ما لا يخطئ اللبيب إدراكه.

الاستفهام:

هو عند العرب بمعنى الاستخبار، والمقصود به “طلب خبر ما ليس عند المستخبر”. لكنّ ابن فارس في (الصّاحبيّ) يفرّق بين المصطلحين بـ”أنّ أولى الحالين استخبارًا؛ لأنّك تستخبر فتجاب بشيءٍ، فربّما فهمتَه، وربّما لم تفهمه، فإذا سألتَ ثانيةً فأنت مستفهمٌ”.

وهو يذهب إلى أنّ “جملة باب الاستخبار أن يكون ظاهره مطابقًا لباطنه”. وهنا يتّصل معناه بمفهوم التّداوليّ في البنية اللغويّة؛ حيث تبدأ العمليّة الكلاميّة بسؤالٍ يردّ عليه بجوابٍ، على نحوٍ ممّا ذكره جميلُ بن معمرٍ في حديثه عن أوّل ما قاد المودّة بينه وبين بثينة بوادي بغيضٍ حين قال:

فقلتُ لها قولًا فجاءت بمثله لكلّ سؤالٍ يا بثينَ جوابُ

فيكون الجوابُ مطابقًا للمقصود من السؤال. ولعلّه جرى مثل هذا الاستخدام التداوليّ للاستفهام في بعض شعر الشقّاع في هذه المرحلة. قال في قصيدةٍ حواريّةٍ:

– كيف جئتَ الآن؟

* من داخله. دائمًا يبقى جزيءٌ لا يضارْ

إنْ أكن اصفرّ يا جدب المنى

من هشيمي سوف يأتي الاخضرار.

– والغرام الحلو هل تتركه؟ بعدما درت بذيّاك المدار.

* لم أكن في الحبّ إلا هاويًا مثلما يرسم طفلٌ في جدار.

بيد أنّ هذا الاستخدام التداوليّ لبنية الاستفهام لا تصلح في الإبداع الشعريّ؛ من حيث هي مكوّنٌ أسلوبيٌّ، يقوم بوظيفةٍ في ثنايا الكلام. وفي شعر الشقّاع كما في سواه خروجٌ على ذلك النسق المحدود، فتنساح البنية اللغويّة بدلالتها وظيفةً وتشكّلًا ومعانيَ متنوّعةً.

ومن الحقّ أنّ القول بخروج بنية الاستفهام على معنى الاستخبار إلى سياقاتٍ دلاليّة متنوّعة هو من البداهة بمكانٍ، فلا يحوج إلى تبصّرٍ؛ لأنّه أظهر ما يكون. فالشقّاع حين يقول:

إنّي أفتّشُ عن معانٍ للغرام.. فما أضيف؟

يشي الاستفهام هنا بدلالة الحيرة. أمّا حين يقول:

أنت لم تقوَ على حزن الصِّبا من يقوّيك على حزن الكبار؟

تمنح البنية الاستفهاميّة دلالة التّعظيم. لكنّه حين يقول:

أيكون حظّك أن تموت وأنت ترجو وصلَها؟

تمنح البنية الاستفهاميّة دلالة الدعاء، في حين أنّها تنتج دلالة التقرير ودلالة الاستبعاد في قوله:

أولم تكن طفلا لديها؟ كيف تسلو طفلَها؟

بيد أنّ طرافة الاستخدام تأتي من جهة النظر في طرائق استخدام بعض أدوات الاستفهام في شعر الشقّاع وما اتسمت به من صور الانزياح بدلالتها عمّا أُثِرَ في بلاغة اللسان وأَلِفَه متلقّوها من زمنٍ بعيدٍ. فالإجماع كائنٌ على أنّ أداة الاستفهام (كيف)، إنّما تُستخدم للسؤال عن الحال، أو الهيئة، التي حدث بها الفعل المستفهم عنه، أو ما أشبه هذا وذاك. لكنّها في شعر الشقّاع تعدل عن هذه الدلالة لتمنح دلالةً سياقيّةً، هي إلى التعجّب أقرب منها إلى سواها. قال:

– وياسحرها: كيف في لحظةٍ منحتَ القصائدَ جسمًا وروحْ؟

– وكيف يكون قدّامي وممنوعًا من اللمسِ؟

– كيف انتهى حزني لديها وما زال على الأفقِ دخانٌ ثقيلْ؟

… إلى آخر ما هنالك من نظائره.

وصورةٌ من صوره الخروجُ بالأداة (هل)، و(الهمزة) عن دلالتيهما في أصل اللسان. فأهل اللغة يذهبون إلى أنّ (الهمزة) يُستفهم بها عن التصوّر والتصديق، أمّا (هل) فلطلب التصديق الإيجابيّ دون التصوّر ودون التصديق السلبيّ. ولقد جرى استخدامهما في شعر الشقّاع على تينك الدلالتين. قال:

ألن تستحرّي ولو مرّةً بنار الأناشيد؟ يا باردة.

هل أشبُّ الغرامَ كي تفهميني؟ أنتِ يا ربّةَ الجمال الحزينِ

… لكنّه في مظانّ يحلّ (الهمزة) في موضعٍ يقتضي استخدام الأداة (هل)، ويحلّ (هل) في موضعٍ يقتضي استخدام الأداة (الهمزة).

قال:

هل أنت حلمٌ؟ فكرةٌ؟ رغبةٌ؟ ألستَ شعرًا مزهرًا باللهيبْ؟

واستخدام (الهمزة) في هذا الموضع أولى من (هل). أتراه لهذا جاء في الكتاب الحكيم: {أأنت قلتَ للناس اتّخذوني وأمِّي إلهين من دون الله؟} (المائدة آية 116). ومثله: {أفمن حقّ عليه كلمة العذاب؟ أفأنت تنقذ من في النار؟} (الزمر آية 19)…؟

يقابل هذا الاستخدام استخدام (الهمزة) في موضع يستوجب استخدام (هل)، قال:

أتعدِّدين لي المناقبْ؟ إنّ الذي تعنين غائبْ

أأكفُّ النشيدَ؟ إنّي مغنٍّ يذبح القلبَ كي تعيش القصيدة.

وإنّما استوجب السياق استخدام (هل) دون (الهمزة)؛ لأنّ الغاية من السؤال طلب التصديق، لا طلب التصوّر، أو سواه ممّا أشبهه.

واللافت هنا – ونحن بصدد الحديث عن توظيف أداة الاستفهام في شعر الشقّاع – أنّه لا يكثر من الاستفهام بـ(ما)؛ لأنّه لا يستفهم عن الماهية، ولا من الاستفهام بـ(متى وأين وأيّان)؛ لأنّ انشغاله بعالمه الداخليّ صرفه عن الخارج زمانًا ومكانًا، ولكنّه يكثر من استخدام أداتي الاستفهام (الهمزة) و(هل). وهاك ما وجدناه من شواهد على استخدامه (الهمزة) في مظانّ من شعره:

أأبدأ هذا النشيدَ الغريرْ؟

أفي الوقتِ متّسعٌ كي أطيرْ؟

أأشكو سوايَ وأشكو الأنا؟ كلانا كُسرنا كلانا الكسير

أو تعجبين من انكساري في متاهات الغياهب؟

أو تسألين عن الهوى الناريّ عن عشب الغرائب؟

والاستفهام في شعر الشقّاع مشفوعٌ دائمًا بالخبر المؤكَّد، وذاك لأنّ يقينه بالماهيّات يفوق شكّه فيها. قال:

أتعدِّدين لي المناقب؟ إنّ الذي تعنين غائبْ

ولأنّ اليقين غالبٌ في شعره على الحيرة والشكّ، تلا الاستفهام إخبارٌ يقينيٌّ مؤكَّد، كما في قوله:

أأكفُّ النشيد؟ إنّي مغنٍّ يذبح القلبَ كي تعيش القصيدة

فأين الغرابةُ يا حلوتي؟ دروبُ الهوى دائمًا قاتمة

وهو يستفهم بـ(لماذا)، وهي في الأصل سؤالٌ عن العلّة، التي حدث بها ما حدث، لذلك يتلوها جوابٌ مبدوءٌ بـ(لأنّ)؛ لتوضيحها والبيان عنها، قال:

– لماذا الهزائم لا تنتهي؟

* لأنّ انطلاقاتنا دائمة

– لماذا أحبُّكِ رغم السنين؟

* لأنّ غرامي فتًى لا يهون

وهنا طريفتان: أولاهما تتعلّق بطبيعة الجملة الاستفهاميّة، فهي تبدو وكأنّها ترديدٌ لمقول الأخرى، واستفهامها عن علّة الأمر الكائن بينهما، وهو يكرّره في سياق النصّ؛ ليتمكّن من الجواب عنه. وثانيتهما أنّ الاستفهام بـ(لماذا) يجيء في البنية العميقة للجملة دون أن يتجلّى على بنيتها السطحيّة، وذلك في إطار مفهوم (الاحتباك). فهو حين يقول:

لأنّ خيالها ليلا يوافي أبيتُ على فراشٍ من قوافي.

إنّما يجيب عن سؤالٍ ثاوٍ في الأعماق، ولم يتجلَّ على سطحٍ، يدلّ على مضمونه ما جاء في الشطر الثاني من تعليلٍ.

وقد يجيء الاستفهام في شعره دون استخدام أداةٍ، وذلك عن طريق (التنغيم)، الذي تتحوّل به الجملة من الإخبار إلى الإنشاء، قال:

– يطولُ الطريقُ؟ ولكنّه أحبُّ المشاوير يا نور عيني

– الصحافاتُ سلوةٌ؟ فلأجرِّبْ كان لبنان جثّةً في جريدة

وكأنّ الأصل في الاستفهام هنا هو الإخبار، لكنّ الجملة تحوّلت بالتنغيم إلى الاستفهام.

وفي كلّ المظانّ التي استخدمت فيها البنية الاستفهاميّة يجيء المستفهم منه كائنًا حيًّا (إنسانًا)، حتّى وإن عمّاه، فإنّ في مبتدأ القصيدة ما يشير إليه. وأين هو من صنيع شوقي، أو أين صنيع شوقي منه حين قال في غاب بولون:

يا غاب بولونٍ ولي ذممٌ عليك ولي عهود

زمنٌ تقضّى للهوى ولنا بظلّك هل يعود؟

 وكأنّ الشقّاع ينتظر إجابةً من المستفهم عنه ما دام يستفهم من قادرٍ على الوعي بالسؤال والإجابة عنه، وهو ما لا نجده في بيتي شوقي السالفين. ومن بابه أن يكون المستفهم منه هو الذات المتكلمة في بنية التجريد.

أأشكو سواي وأشكو الأنا؟ … … … … …

وعلى ما في وجود الذات المتكلّمة من قلقٍ ومكابدة صراعٍ مكتومٍ، فإنّ الشاعر لم يعمد إلى (مسرحة) ذلك الصّراع، فعمد إلى الإخبار عنه، فقلّت فاعليّة الاستفهام في شعره ما خلا ما نجده في قصيدة “الغريب”.

 قوام القصيدة عشرة أبياتٍ ولا غير. اُستخدِمت البنية الاستفهاميّة فيها إحدى عشرة مرّةً، وهذا لا يعني أنّ في كلّ بيتٍ منها استفهامًا؛ لأنّ الإبداع وزّعها على نحوٍ يسهم في تكامل بنائه، واستقامة الكيان.

جاء البيتان الأولان إطارًا تمهيديًّا للحدث، الذي انتظم كيان القصيدة، وهو حالة الاستغراب، التي أحاطت المتكلّم عند رؤيته ذلك الوجه الحبيب المألوف. فصفة (الغريب) إذًا آتيةٌ من الغرابة وليست من الغربة، أو الاغتراب. ومن هنا انبثقت الدهشة، واستحثّت الذات السؤال عن هُويّة هذا الغريب. فتوالت الأسئلة لتكشف عن حيرة المتكلِّم من جهةٍ، ويقينه بهويّة الغريب وإن تجاهلها تجاهل العارف من جهةٍ أخرى، كما سينبئ تحليل البنية الاستفهاميّة فيها.

وهو يبدأ استخباره باستيقافه الغريبَ (قلتُ: اتّئدْ)؛ ليسترجع معه ماضيًا (غضًّا رطيبًا) وعاه المتكلّم، ويشتهي أن يعيه المخاطَب. جاء الأمر، لكنّ جوابه غير مذكورٍ، بيد أنّا ندرك تحقّقه من خلال انثيال الأسئلة، التي شفّت عن قلقٍ كامنٍ في النفس، أخذ يتجلّى من لحظة الرؤية حتّى انفجار الأسئلة: (هل أنت حلمٌ؟) (رغبةٌ؟) (فكرةٌ؟). هنا سؤالٌ عن هُويّة المخاطب المستفهم منه وهو الغريب، يسعى للتحقّق منها بالتصديق الإيجابيّ، لكن موجّهات السياق تصل بنا إلى الجحد، الذي ينكر تلك الهُويّة فلا يقيم لها شأنًا. لكنّ المتكلّم لا يكفّ عن المحاولة، فيعيد الكرّة ثانيةً: (هل أنت من أبطال فيدور؟) (أم جبران عن سلمى يناجي المغيب؟) أو (كأنّك الجعفيّ في زهوه…؟). وهنا تتشابه الحال بالحال السالفة، فيستحيل النصّ إلى وسائل لغويّة أخرى، يستفهم بها عن تلك الهُويّة؛ لتحدّدها بالتصديق الإيجابيّ:

(ألستَ شعرًا مزهرًا باللهيب؟)

(ألم تكن حبًّا به أصطلي؟)

(ألم تكن شخصًا قريبًا قريب؟)

(ألم تكن في حلقة الأصدقا صوتًا يدوّي بالكلام العجيب؟)

(ألم تكن يومًا صديقي؟).

والاستفهام بالهمزة عن نسبة الخبر إلى المبتدأ يشي بوعي المتكلّم بهُويّة الغريب، وإلا ما أدراه أنّه كان شعرًا مزهرًا باللهيب؟ وحبًّا به يصطلي في الزمان القديم؟ وشخصًا قريبًا إلى نفسه؟ وصوتًا يدوّي بالكلام العجيب؟ ناهيك بكونه صديقه الذي يؤثره دون سواه. كلّ هذا يفضي إلى القول إنّ المتكلّم أخرج الاستفهام هنا في بنية (تجاهل العارف) يريد منه توكيد وعيه بهُويّة ذلك الغريب، واستخدام الاستفهام منفيًّا يسهم في الحصول على جوابٍ، يلبّي رغبة المتكلّم في توكيد حقيقة المخاطَب المستفهم منه عن هُويّته.

وهو ينوّع في استخدام أدوات الاستفهام، فيستخدم (هل) في ثلاثة مواضع: (هل أنت حلمٌ؟)، (هل أنت من أبطال فيدور؟ أم جبران عن سلمى يناجي المغيب؟). ويستخدم (الهمزة) خمس مرّاتٍ: (ألم تكن شعرًا… ألم تكن حبًّا… ألم تكن شخصًا… ألم تكن…صوتًا… ألم تكن يومًا صديقي؟)

وتحوّلت الجملة من الإخبار إلى الاستفهام بالتنغيم في ثلاثة مواضع: (رغبةٌ؟ فكرةٌ؟ كأنّك الجعفيّ في زهوه…؟).

تناسل الأسئلة وتدافعها لا يمنح الآخر فرصةً للجواب، وحين أتاح المتكلّم له أن يجيب (ولّى.. وما من مجيب)، وهنا يعمد النصّ إلى تقنية سينمائيّة، تتمثّل في أسلوب قطع المشهد المرئيّ، والانتقال إلى سواه. لكنّه يبرز هنا الفعل بتشكيلٍ طباعيٍّ؛ حيث استخدم ثلاث نقط فاصلة بين ما تقدّم من قولٍ شعريّ وما تأخّر، لتتبأّر الذات المتكلّمة في المشهد في انكسارٍ وخنوعٍ ترجو متوسّلة (يا حسرة تسكنني هاجري)، وتتعلل بمستقبلٍ مغاير (اصنعيني قدرًا لا يخيب)؛ لتكشف لنا أنّها والغريبَ كائنٌ واحدٌ، وإذا هو هي كما يقولون.

عرفتُ والحسرةُ لا تنتهي أنّي أنا ذاك الأليف الغريب.

ومن هنا جاء القول من قبل بأنّ استخدام البنية الاستفهاميّة تمّ في إطار بنية (تجاهل العارف)، وهو يستخدمها في إطارين غير متماثلين، أولهما استعاريّ؛ حيث استخدم (الشعر المزهر باللهيب والحبّ الذي به يصطلي والصوت المدوّي…) مستعاراتٍ تشي بهُويّة الغريب الإبداعيّة والعاطفيّة وقوّته الحجاجيّة. وثانيهما إطار تداوليّ، لكنّه ينبئ عن ألفةٍ تحيط بذلك الغريب (شخصًا قريبًا قريب)، و(صديقي). وجميع ذلك لا يعيه غير من عرف (الآخر) معرفة وعيٍ، وأدرك طبيعته ظاهرًا وباطنًا.

وفي هذا كلِّه ما يدلّ على إسهام البنية الاستفهاميّة في بناء النصّ، وكمال كيانه ممّا أخرجه من دائرة الغنائيّة الخبريّة المحض إلى دائرة الغنائيّة الإنشائيّة أمرًا، واستفهامًا، ونداءً.

ومن تتمّة القول في الأساليب الإنشائيّة في شعر الشقّاع الإشارة إلى أنّه استخدم من صورها مظاهر أخرى كالتمنّي في قوله:

أيّها الشيء الجميل المشتهى ليت في بحرك تيّاري يجولْ

والنهي في قوله:

لا تفتحي الأبواب يا رجائي فهذه آخرة الدروبِ

إذا ما أتيتك ذات ذهولٍ فلا تحجبي الشمس عن ذكرياتي

أريدك فعلًا فلا تيأسي لنا هدف اللحظة الحاسمة

… لكنّها صورٌ نزرةُ الاستعمال، قليلة الحضور، فلم تتكاثر حتّى تغدو خصيصةً من خصائص الأسلوب في شعره.

(3- 3)

الابتداء والانتهاء في قصائده:

 “الشعر قفلٌ أوّله مفتاحه”، هكذا قال ابن رشيق في عمدته، وعلّل ذلك بأنّ “حسن الافتتاح داعية الانشراح ومطيّة النجاح”، ممّا اقتضى منه أن يلزم الشاعر به، فقال: “وينبغي للشاعر أن يجوّد ابتداء شعره فإنّه أوّل ما يقرع السمع، وبه يستدلّ على ما عنده من أوّل وهلةٍ”. وكما اعتنى بالحديث عن المبتدأ لم يخلُ كتابه من عنايةٍ بالمنتهى، فذهب إلى أنّ الانتهاء قفلٌ على الشعر مثلما أوّله مفتاحه. قال: “وإذا كان أوّل الشعر مفتاحًا له وجب أن يكون الآخر قفلًا عليه”.

وهذه صورةٌ من اهتمام علماء البلاغة بهذا المكوّن الشعريّ. وإذا كانوا قد حرصوا على التقعيد للشعراء والإبانة عمّا ينبغي لهم أن يصنعوه حتّى تبلغ قصائدهم ذروة الحسن فإن صنيعنا هنا استكشاف ما يميّز طرائق الشقّاع في ابتداء شعره وانتهائه عن سواه من الشعراء، فإنّ لكلِ شاعر طرائقه في استفتاح قصائد شعره واختتامها بما يميّزه من سواه.

والحقّ أنّ الشقّاع وإن امتاز من شعراء جيله في طرائق ابتداء القصيدة وانتهائها فإنّ صنيعه فيهما يشي بصلةٍ مّا بما في شعر شاعرين كبيرين من طرائق ابتداءٍ وانتهاءٍ في قصائدهما وهما نزار قبّاني من جهةٍ، وعبد الله البردّونيّ من جهةٍ أخرى، وهي صلةٌ تركت أثرًا ملحوظًا على طرائقه في طريقة ابتداء القصيدة وانتهائها.

وبعيدًا عن كون هذه الصلة ترسّمًا للخطى أو تناصّ مع التقنية فإنّ ممّا لا يستطاع تجاوزه أنّ لقصائد الشقّاع ابتداءاتٍ وانتهاءاتٍ تعدّ طرائقه في تشكيلها خصيصةً من خصائص أسلوب شعره تميّزه من شعر سواه.

فهو يستفتح شعره بالتشبيه:

كما تومض الأنجم الساهدة أناديك لكن بلا فائدة

ويستفتحه بالتعليل:

لأنّ خيالها ليلا يوافي أبيت على فراشٍ من قوافي

ويستفتحه بالتحيّة:

صباحَ الخير يا غيري الذي سمّيته نفسي

مساءَ الخير ياشهدي ويا ترنيمةَ الوردِ

ويستفتحه بمتعلّق الفعل الذي لا يظهر في البيت الأوّل فيتضمّن البيت الثاني لظهور الفعل في أوّله:

لحبيبٍ مثل وجه الصبح أبلج لغرامٍ أحزن القلب وأبهج

أجمع الآن لظى تجربتي كي أصوغ الحبّ أسلوبًا ومنهج

ويستفتحه بحرف العطف (الواو) ثم يتبعه بفعلٍ مضارعٍ متلوٍّ باستفهام:

وتسألني من أنا؟ فاطمة أنا …

ويستفتحه بمكوّناتٍ من الإنشاء أمرًا ونهيًا واستفهامًا ونداءً. فمن الأمر:

دعيني لشحذ المعاني دعيني لهذا الغناء الذي يحتويني

ومن النهي الذي يتلوه نداء ثم أمر:

لا تقابلني بقلبٍ منفتح أيّها الوقت أرحني واسترح

ومن الاستفهام الذي يتلوه نداء ثم أمر:

أيّ شيءٍ لديك غير الأماني يا حنان اذهبي دعيني أعاني

ومن النداء الذي يتلوه أمر:

أيّها النائم في حضن الجبل أعط للنائي عناوين الأمل.

وهنا تختلط مكوّنات الإنشاء أمرًا ونهيًا واستفهامًا ونداءً كما اجتمعت في أشباه لها من مثل قوله:

هل أشبّ الغرام كي تفهميني أنتِ يا ربّة الجمال الحزينِ؟

وقوله:

ساعديني على النوى يا أمينة قلق اليوم فوق ما تعهدينه

واجتماعها في بيتٍ من الشعر يمنحه حركةً تشي بقلقٍ داخليّ، ولا تُخليه من نغم مرتفعٍ لا يخفى على أذن واعية.

واللافت على قصيدة الشقّاع أنّها تأبّت في ابتداءاتها على تقعيد علماء البلاغة للابتداء حين عيّنوا (حقيقة هذا النوع أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من هذا الكلام)، وإنّما تحقّق لها ذلك من جهة كون بنيتها الدلالية تتكوّن من خلال العلاقات التي تنشأ بين الدوالّ وليس من نظم معنًى مقصود أو فكرة مبتغاة، ومن هنا لم يعد للحديث عن مناسبة النصّ مقام، ولم يعد كافيًا الوقوف على مطلع القصيدة لتدرك مقصودها. فهي إبحار في بواطن الذات، أو تحليق في عوالم اللغة لتشكيل صورة العالم على نحو غير الذي ألف. بل إنّ الوقوف على المطلع أو البيت المبدوءة به القصيدة قد يفضي إلى غير ما قصد إليه النصّ حين يقتصر المتلقّي عليه. وخذ على ذلك مثلا قول الشقّاع من قصيدةٍ:

لو يقول الليل شيئًا لو يقولْ آه كم أشتاق للفظ البتولْ

هنا تتمنّى الذات المتكلّمة أن يصلها من الليل قولٌ يبهج، أو يبعث الأمل في أعماقها فيُخليها من اليأس، أو يجعلها تحيط علمًا بالمجهول فتعي أبعاده…إلى آخر ما هنالك من ذلك. وهي تكشف عن حنين طاغٍ – يدلّك عليه استخدام اسم الفعل آه وهو للتوجّع، وكم التي للتكثير – للفظ النقيّ من شوائب الزيف والتدليس والكذب. لكن هل في هذا ما يشي بما سيتلوه من دلالات تتشكّل من خلال علاقات الدوالّ بعضها ببعض؟

هل فيه ما يبين عن (معنى مقصود)؟ أو أنّ فيه دلالةً تتنامى مع حركة النصّ؟

لقد بُنيت القصيدة في إطار ثلاث دوائر تتنوّع اتّساعًا وعمقًا. فالدائرة الأولى هي دائرة الذات، وفيها يعرض المتكلّم الذات حائرةً في تناقضاتها، ومنهكة من قلقها، ومستغرقة في أمانيها، لتتكشّف أمامها خيبة تقود أحلامها وأشواقها إلى واقعٍ شائهٍ وذميمٍ. فتفرّ منه إلى واقعٍ أوسع يتمثّل في دائرة الانتماء القوميّ فإذا بصور التردي تشمل واقعه وقد غدا (المعراج – وهو الصعود إلى السماوات العلى – غوصًا في الوحول) فلم يبق لها إلا ما يمكن أن يكون خلاصًا، وهو دائرة الانتماء إلى الوطن ففيه الوجود الحرّ والخلود الدائم والهوى غير المنقطع:

لي بلادٌ جرحها من لهبٍ وخلاياها ملايين الفصولْ

تتلقاني بعمرٍ خالدٍ أتلقّاها بعمرٍ لا يطولْ

غير أنّي في هواها سائرٌ وسأفنى بين سيري والوصولْ

فهل كشفت البدايات عن هذه النهايات؟ هل في مطلع القصيدة ما يشي بما تناسل في جنباتها من دلالات متنوّعة؟ وإنّما جاء الأمر على هذه الصورة بسببٍ من انزياح قصيدة الشقّاع عن تقعيد البلاغيّين الأوائل ليصنع نصّه بلاغته كما شاء وشاء له العصر وقوانين الإبداع فيه.

 وفي شعر الشقّاع تتخذ الابتداءات صورًا متقابلة، فتارةً يتماهى الابتداء مع العنوان فتكون مداخل القصيدة واضحة المعنى، مدركة الدلالة كما في قصيدته (العائد)، وهو يفتتحها بقوله:

يعود بأقماره الساهدة يهزّ مدينته الراقدة

يرتّل مأساته في الظلام ويطلق أشواقه العائدة

وهنا يأتلف المتلقّي مع منطوق النصّ دون أن يعيا بإدراك مقصده والوعي بمغزاه.

وتارةً ينفصل الابتداء عن العنوان، ويوغل الابتداء في حالٍ من اللبس، ومن انفتاح الدلالة من حيث صلاحه ليكون تعبيرًا عن أشتاتٍ من الحالات النفسيّة والفكريّة كما في قصيدته (شيءٌ لا يرى)، وهو يفتتحها بقوله:

كان المساء على الرصيف مبعثرا والذكريات كواكبًا أو أبحرا

فهذا مطلعٌ لا يمسّ جوهر التجربة في النصّ وإنّما هو إطارٌ زمانيّ ومكانيّ يصلح لأن يشتمل على مواقف متنوّعة من الوطن والأمة أو استبطان الذات والكشف عن موجعاتها وتسلياتها.

والشقّاع يوائم بين الصورتين في ابتداءات قصائده، ولعلّ لطبيعة التجربة، وإحاطة المبدع بها، وتمكّنه من تشكيل أبعادها، يدًا في تخيّر هذه الطريقة في الابتداء أو تلك.

ومثل الحديث عن الابتداء في شعر الشقّاع هناك حديثٌ عن الانتهاء فيه.

والانتهاءات في قصائده متنوّعة، فمنها ما يجيء متناميًا عضويًا من ثنايا القصيدة، ومتّحدًا مع ما سلف من أبياتها كما نجد في قصيدته (النّائي). حيث يختتمها بقوله:

وأبثُّ في قلب الجميع محبّةً خضراء للأحباب والأعداءِ

وذلك بعد أن جلا صورةً إنسانيّةً للذات المتكلّمة التي تشعر بالانتماء للآخرين حتّى كأنّ كلّ الورى أشلاؤها:

وأحسُّ أنّي في الجسوم ممزّقٌ فكأنّما كلّ الورى أشلائي

ومن هنا كان حنينٌ في الأعماق إلى طاقةٍ تمتلكها هذه الذات لتتمكّن من تحقيق كلّ الرغبات والأمنيات:

أبدًا أحنّ إلى اكتمالٍ نافذٍ ليسير هذا الكون تحت حذائي

فتكون كلّ رغائبي قد حُقّقت ويكون حبّ الناس من إيحائي

ثمّ تختم القصيدة بالبيت المذكور أعلاه، وكأنّه منبثقٌ من ثنايا تلك الأبيات التي سبقته في الموضع في القصيدة.

ومنها ما يجيء في صورة (بيت القصيد) أو (البيت الذروة) الذي لا ينفصل عن الجزئيّات المكوّنة لكيان القصيدة كما نجد في قصيدته (المحبوبة) حيث تتجلّى صورة المحبوبة حسًّا ومعنًى وقدرةً على التغيير وإبداع الأحلام وتخطّي تفاهات العصر إلى شوامخ التاريخ، وتجاوز حدود المكان للانسراح في فضاءاته الشاسعة، ثمّ من ثنايا هذا كلّه تنبثق الذات المتكلّمة لتؤكّد وجودها أمام شموخ المحبوبة وسموّ مقامها لكن على نحو لا يأذن بالتقليل من شأن صورة المحبوبة أو وضعها مع الذات في مقام التقابل الضدّيّ، وهنا تسعف الصورة المكثّفة في تحقيق المبتغى، وبها تختتم القصيدة في بيت جامع دال هو قوله:

“عنتر” يشعل حربًا كي يلاقي وجه “عبلة”

وإن عبلة لتستحقّ، وإنّ عنترة لجديرٌ.

ومنها ما يجيء في (بنية الاقتضاب). وهنا تختتم القصيدة ببيتٍ مقتضبٍ يتجلّى وحيدًا منفردًا عن بقيّة أبياتها. ولذلك يلجأ الشاعر إلى وضع ثلاث نجماتٍ قبله ليؤكّد عزله عن الأبيات التي سبقته، ويكون جامعًا في دلالته، محكمًا في نسيجه، أدنى ما يكون صلةً ببيت القصيد الذي أشرنا إلي بعض صوره فيما سلف.

ومن القصائد التي خُتِمَتْ ببيتٍ مقتضبٍ قصيدةُ (غير الزمان). وفيها تصوير لتفلّبات الزمان بين المتضادّات.

قديمٌ فرّ وولّى مهزومًا يعود منتصرًا ويهيمن على الحاضر المعيش.

تافهٌ محتقرٌ مزدرى يغدو الظافر المتحكّم في مجريات الأمور.

والمدينة تتغيّر ألوانها، ويغدو اللهو فلسفة الجدّ، وتستحيل الحياة موتًا لعدم الاستطاعة على فعل شيءٍ.

صورٌ تتوالى، والقصيدة غير قابلةٍ لانتهاءٍ، ولا بدَّ لها من ذلك. فعمد الإبداع إلى وضع ثلاث نجماتٍ لا للانتقال إلى بُعدٍ جديدٍ من أبعاد القصيدة، ولكن ليختمها ببيتٍ جامعٍ دالّ هو قوله:

بلدٌ جاء من دماء الضّحايا ثمّ أغفى على نهود الغواني

ليظلّ رنينه متواصلا في أذن سامعه الواعية.

وقريبٌ من ذلك صنيعه في قصيدة (اللحن الأخير)، حيث تناجي الذات المتكلّمة في النصّ أخرى، وتبين لها عمّا اعتراها من تغيّر في الحال غدت به غير من كانت، وتحوّلت بها علاقاتها بالمكان والإنسان، واستحال كلّ شيءٍ إلى ضدّه ونقيضه.

الصّداقات عداءٌ كامنٌ والهوى يأخذ شكلا مستديرا

والمسرّاتُ خطًى عابرةٌ لحستها بعدنا أمواجُ صيرا

إنّني أصبحتُ شخصًا آخرًا قد تغيّرتُ تغيّرت كثبرا.

وهو قولٌ مجملٌ قابلٌ لتفصيلات كثيرةٍ، لكنّ النصّ يُقْتَضَبُ، وتظهر النجمات الثلاث ليجيء بعدها قوله مختتمًا به النصّ في بنية الاقتضاب:

هاتفٌ بالباب يستعجلني فدعيني أعزف اللحن الأخيرا.

وهو بيت القصيد. ولعلّ هذا البيت وأمثاله علّة إنشاء القصيدة وسببه، فمنه ينطلق القول، وإليه يساق الحديث.

ومع ذلك فإنّ اختتام القصيدة ببيتٍ مقتضبٍ في شعر الشقّاع يكون جامعًا للدلالة، محكمًا في نسيجه تقنيةٌ اقتنصها من طرائق شاعرين كبيرين في العصر الحديث هما (نزار قباني) من سورية، و(عبد الله البردّونيّ) من اليمن. وللقارئ أن يتأمّل في قصائد نزار (غرناطة/ إلى تلميذة/ بيروت والحبّ والمطر…)، وقصائد البردّونيّ (زمان بلا نوعيّة/ بين جدارين/ ساعة نقاش مع طالبة العنوان…). وليس في صنيع الشقّاع ما يضير، فلكم يقع الحافر على الحافر لا في المعاني كما كانوا يقولون، ولكنّها كائنةٌ أيضًا في استخدام التقنية وتوظيفها في النصّ.

التحجيل:

 وهو ذو صلةٍ باختتام القصيدة من حيث وروده في نهايات أبياتها. والمقصود به تذييل أواخر القصيدة ببيتٍ محلّى بحكمةٍ تبدو تلخيصًا للتجربة كلّها. والحكمة في الشعر بنية فكريّة تسمح بخلق تكامل في القصيدة بين اندفاق البثّ الوجدانيّ والتّأمّل العقليّ فيها بما يزيد خطابها عمقًا وشفافية وتخييلا متنوّعًا متلوّنًا.

وقد عرفه حازم القرطاجنّيّ وأشار إليه في (المنهاج)، وأدرك بعض شعراء الحداثة شأنه فوظّفه في شعره وحسبك بمحمود درويش مثلا. وظهر في شعر الشقّاع فجاء في مختتم قصائد من قصائده كما في قوله من قصيدة (خطوات مرثيّة):

وحبيبة وعدت ولكنّ الهوى ولّى وإحباطي كعادته مقيمْ

قتل الزمان بقلب خلٍّ خلَّه فحبيبتي ثكلى وشاعرها يتيمْ

ومنه قوله في خاتمة قصيدة (شيءٌ لا يُرى):

قد يكشف المجهول عن أسراره لكن يظلّ هناك شيءٌ لا يرى

وليس ببعيدٍ عنه قوله في قصيدة (وجد):

فإن منعت أو استعصت قليلا فبعض الشّعر يحسن بالزحافِ

وجميعها منبثق من ثنايا التجربة وملتحم بنسيج النصّ. وليس الوقوف على هذا ونظائره إلا رغبة في توكيد منزع الشقّاع في تجويد لغة شعره وإحكام بنائه بنيةً ونسيجًا، رؤيةً وأداءً.

وإنّ من الممكن الوقوف هنا والاكتفاء بما تقدّم لولا أنّ في النفس رغبةً للحديث عن مستويين من مستويات الكلام، أوّلهما:

في إيقاع عَروض النصّ:

أدري أنّ مِنَ الكاتبين مَنْ يخصّ مصطلح الإيقاع بما تعارف عليه دارسو الشعر ونقّاده ب(الموسيقا الدّاخليّة) بكلّ صورها، لينأوا بالوزن العَروضيّ عن ذلك المصطلح بحجّة أنّه (موسيقا خارجيّة)، وليس هذا بصوابٍ. فليس في القصيدة ما هو (خارجٌ عنها)، وإنّما كلّ شيءٍ داخلٌ فيها حتّى الوزن العروضيّ.

سيقول قائلٌ: ولكن الأوزان وصلتنا جاهزةً، وما على الشّاعر إلا تخيّر ما شاء منها لينظم ما يروم.

وذلك حقٌّ، لكنّه يحتاج إلى قليلٍ من التشذيب والتهذيب. فكون الوزن سابقًا على كون القصيدة فأمرٌ واقعٌ، وقولٌ صحيحٌ. ولكنّ الشّاعر لا يستعمله كما وصل إليه، وإنّما هو يمزجه بتراكيب بنيته اللغويّة التي يشكّل منها كيان القصيدة فيعيد تشكيل الوزن كما يعيد تشكيل البنية البيانيّة وتراكيب الكلام خبرًا وإنشاءً. فسبق الوزن في الوجود لا يعني أنّه قالبٌ يستخدمه الشّاعر كما هو، وإنّما هو يعيد صياغته على أنحاءٍ تشي بتفاعله مع مكوّناته ليتلاءم مع مقاصده من الكلام. ولهذا قلنا بالتمييز بين (عَروض اللسان) و(عَروض النصّ).

ولقد حرّرنا فيما سلف هذه المسألة في الفقرة الثانية من هذه البوّابة فلينظر في مظانّه، فهي ممّا لا يشغلنا هنا، وإن ما يشغلنا هو كيفيّة انتظام الإيقاع العَروضيّ في شعر الشقّاع وما تميّز به من سواه، وتجلّيات بصمته الأسلوبيّة في قصائد هذه المرحلة من تاريخه الإبداعيّ.

نظم الشقّاع القصيدة في بحر واحد وقافية واحدةٍ، فلم يؤثر عنه مسمّطة ولا موشّحة، ولا صاغ القصيدة في نظام (الدو – بيت) في شكله المتطوّر عند جماعة الرومنسيّين، فاقتصر على بناء القصيدة كما عرفتها الأجيال منذ الجاهليّة حتّى يوم الناس هذا. وهو ما يضع المتلقّي في إطار أفق انتظارٍ يألف المبدَع الآتي فلا ينزلق إلى خيبة توقّع للمنتظر المألوف. فهو حين يقول:

لأنّ خيالها ليلا يوافي أبيتُ على فراشٍ من قوافي

يدرك المتلقّي أنّ القصيدة من بحرٍ، ولها قافيةٌ وحرفُ رويٍّ واحدٍ، فذاك ممّا ألفه في أشباهها من قصائد وصلته عبر أدوار تاريخ الإبداع الشعريّ عند العرب. وقل مثل هذا وسواه في كلّ قصائده. لكنّ المضيّ في قراءة القصيدة – أيًّا كان عصرها – تثير في النفس أسئلةً:

هل نظم الشّاعر الجاهليّ قصيدته على النحو الذي قعّد له العَروضيّون، أبياتٌ متوالية يتكوّن كلّ بيتٍ منها من شطرين صدرٍ وعجز، وللصدر حشوٌ وعَروض، وللعجز حشوٌ وضربٌ؟

أو أنّه ندّ عن ذلك إلى سواه ولم يقف على سرّه أهل العَروض؟

أَوَلَمْ يكن الشّعر إنشادًا قبل أن يكون قراءةَ مكتوبٍ ومدوّنٍ؟

أَوَلَيْسَ لهذا الإنشاد أثرٌ في صياغة البيت؟

أَنَحْسبُ أنْ الشّنفرى حين أنشد قوله:

ولي دونكم أهلون سِيدٌ عملّسٌ وأرقطُ زُهلولٌ وعرفاء جيألُ

هم الأهلُ لا مستودع السرّ ذائعٌ لديهم ولا الجاني بما جرّ يُخذل

أنشده على هذا النحو المكتوب؟

أو أنّه أنشده على نحوٍ من هذا الفضاء الطباعيّ:

ولي دونكم أهلون:

سِيدٌ عملّسٌ

وأرقطُ زُهلولٌ

وعرفاءُ جيألُ

هم الأهلُ

لا مستودع السّرِّ ذائعٌ لديهم

ولا الجاني بما جرَّ يُخذلُ؟

وهذا هو (التشعيب) كما ذكر علماء البديعيّات. وهم يعنون به اتّصال معنى الكلام في البيت الشعريّ دون خضوعٍ لسلطة الوزن فينتقل جزء من أوّل الشطر الثاني إلى الشطر الأوّل منه، وذلك لتستقيم الدلالة وإن اختلّ وزنه عند إنشاده. وهو يمنح النصّ طلاوة إيقاعيّة، ويشكّله وفق المعنى الذي يقصد إليه الشاعر فينساق وراء دلالة الجملة ولا غير. وهو تشكيلٌ يقرب ممّا يصنعه شعراء التفعيلة حين يستخدمون (شكل الجملة الشعريّة) عند صياغتهم لقصيدة التفعيلة.

وفي التشعيب يتلاشى من أبيات القصيدة توازيها على المستوى الرأسيّ، وتقابلها على المستوى الأفقيّ فيتشظّى الوزن محتكمًا إلى المعنى المقصود والدلالة المنشودة.

وقد نهج الشقّاع في شعره ذلك النهج، فتشكّلت أبيات قصائده على هيئات متنوّعة وإن انتظمها بحر واحد. فهو يقول من بحر الرمل:

هذه الأشجار في تجربتي

نشوتي الأولى

وأسراري الحميمة

وعليَّ الآن أن أسألها

ألقًا

يمضي مع الشمس القديمة

ربّما

ذات مساءٍ

جئتُ من طهرها العاتي

إلى الدور الأثيمة

كم تفجّرتُ على أغصانها

بطلا يبدأ مشوار الهزيمة

لفضاءٍ دمويٍّ

أنتمي

جثّتي للمنتهى

أحلى وليمة…

هنا لا تنتظم القصيدة في نظام الشطرين، ولكنّها تتوزّع على الأسطر وفق المعنى الذي يقصده والذي يتحكّم فيه الإنشاد وإلقاء النصّ. فيعيد الملفوظ شفاهيًّا هندسة المدوّن كتابيًّا وإن انتظم النصّ فيه أوّل مرّة.

وهذا استخدامٌ للبحر يختلف عن استخدامه في قوله من قصيدة (موّال بحريّ):

هل أعيد الفصلَ من أوّله؟

بدأ السأْم ضئيلا وتدرّجْ

أكتب اليوم انحداري

قلقًا

هذه عشرون عامًا

تتدحرجْ

قلقي أجملُ طيرٍ

في دمي

بالقوافي البكر

والرؤيا

تزوّجْ.

وفي هذا ما ينفي مسألتين:

– نمطيّة إيقاع الوزن في قصيدة البحر.

– السيمتريّة التي وُصِمَت بها أبيات تلك القصيدة.

وقريبٌ منه قوله من بحر الخفيف:

إنّه الحزن

حيث أصبح

أمسى

أبحر الحزن في فؤادي

وأرسى

كلّ حلمٍ رسمتُه

صار وهمًا

كلّ سعدٍ رجوتُه

صار نحسا

كلّما أطلع الهوى شمسَ أنثى في سماء الفؤاد

أطفأ شمسا

فالغرام القديم

حلوٌ وقاسٍ

والغرام الجديد

أحلى

وأقسى

وهنا تتحوّل الموازنة التي نجدها في البيت الثاني إلى تشريعٍ نبع من الالتزام بتقفية في ثنايا البيت (رسمته / رجوته)، وفيها ما يزيد الإيقاع جلاءً في النفس على الرغم من همسه وخفوت نغمته.

ولعلّ هذا التشعيب يتجلّى بصورةٍ واضحةٍ في قوله من البحر الكامل:

وحبيبة وعدت

ولكنّ الهوى ولّى

وإحباطي كعادته قديمْ

قتل الزمان بقلبِ كلٍّ خلَّه

فحبيبتي ثكلى

وشاعرها يتيمْ

وهنا يميل فضاء المكتوب مع ميلان الشاعر في قوله عند الإنشاد:

وإحباطي كعادته قديم.

يتراسل مع هذا الاستخدام تطابق تفعيلات البحر مع مفردات النصّ، وهنا تتراسل الوحدة الوزنيّة مع اللغة، فتستقلّ المفردة بالتفعيلة دون أن تشركها فيها مفردةٌ أخرى. ومن ذلك ما يجيء في موضع القافية حيث جاءت مفردات متراسلة مع تفعيلات بحرها كما في قوله:

أحسّ أنّي في الجسوم ممزّقٌ فكأنّما كلّ الورى أشلائي

فتكون كلّ رغائبي قد حقّقت ويكون حبّ الناس من إيحائي

يعود الأمس منهمرًا كأشعارٍ نواسيّة

ويزرعني هوى حقّات أو نجوى قلنسيّة

له لفظٌ مسيحيٌّ وأفكارٌ مجوسيّة

أمتصّ غربة عالم متوجّعٍ وأذوق خيبة عالمٍ متوتّرِ

شكّلتني مدينتي ذات حلمٍ شفقً أزرقًا هوًى أرجواني

تارةً أشرب كوبي باسمًا وعلى صدري حمامٌ منشرحْ

 ومرارًا من طريقي صائحًا أذبح الصمت بصوتٍ منذبحْ

أقبلت تجربتي عاصفةً تلك أيّامي غبارٌ مكتسحْ

ولن يخطئ المتلقّي ما تنضح به قوافي الأبيات الثلاثة الأولى من قصيدته (عند المحطّة) من تطابق بين الوحدة الوزنيّة والمفردات الموضوعة في موضع القافية. وهي:

صباح تفتّح فيه الشجون فعند المحطّة وجهٌ حنونْ

أحبّ الحبيبات يومي شذًا وخطوي غناءٌ ودربي غصونْ

محطّتها وحدها لم تخن وكلّ المحطّات صارت تخونْ

ولقد يجيء التطابق بين الوحدة الوزنيّة واللغة في حشو الأبيات ممّا يحدث خرقًا للمألوف من استخدام البحر حيث الأصل أن تتوزّع تفعيلاته وتتشظّى مكوّناته وفق تركيب الكلام ومفرداته، فتتقاطع المفردات والتفعيلات معًا. قال:

حريقٌ/ إزائي/ حريقٌ/ معي تمرّ الحرائق بيني وبيني

فهذا/ غباري/ وهذا/ دمي وهذا/ بريقي/ وهذا/ رنيني

أيا حضرميّةُ همّي بعيد/ٌ بعيدٌ/ وخطوي/ قصير/ٌ قصيرْ

أأشكو سواي و اشكو الأنا كلانا كسرنا كلانا الكسيرْ

مختالةٌ كمنارة المحضار تشهر أصلها

 شناعاتٌ مواظبةٌ على تأليفها الأشنع

 يتمطّى كالأفاعي في الضحى وله في الليل صيحات المغولْ

… إلى ما هنالك من ذلك.

ولقد رأيتُ الشقّاع لا يوالي بين حرفي المدّ (الواو والياء) في قوافيه المردوفة بواحدٍ منهما على الرغم من إجازة أهل العَروض ذلك، والتزام أكثر الشعراء به ما خلا أقلّهم كابن الروميّ وأبي العلاء في الأوّلين، وعبد الله البردّونيّ في الآخرين. ومضى الشقّاع في طريقهم مخالفًا ما أجازه عَروض اللسان للشعراء.

فإذا جاء (الواو) ردفًا في قافية البيت التزم به ولم يوالِ بينه وبين (الياء)، ويفعل مثل ذلك لو جاء (الياء) ردفًا لقافية القصيدة. يستوي في ذلك أن تكون القافية مطلقة أو مقيّدةً.

وهو يكثر من استخدام (الياء) ردفًا بقوافي قصائده – بلغ عدد القصائد المردوفة بالياء اثنتي عشرة بنسبة 71% في حين بلغ عدد القصائد المردوفة بالواو خمسًا ولا غير بنسبة 29% – ولعلّ لملاءمة (الياء) – وهو صوتٌ حادّ – لموقف الحزن والانكسار والأسى التي تجلّت في لغة أشعاره صلةً بذلك الميل إلى استخدام الياء ردفًا دون الواو.

ولقد جاءت قوافيه مطلقة في بعض المظانّ، واستخدم مجرى الضمّة لحرف رويّ قصيدةٍ واحدةٍ لم يتكرّر وهي قصيدة (هواها). لكنّه استخدم الفتحة مجرى لرويّ سبع قصائد هي: (إنّه الحزن/ شيءٌ لا يرى/ نهار/ حضرميّة/ المحبوبة/ اللحن الأخير/ المساء). لكنّه استخدم الكسرة مجرى لرويّ اثنتي عشرة قصيدةً هي: (النائي/ وجد/ أن تذكري/ غير الزمان/ التفّاحة/ طقوس النار والأحجار/ نوّار وأحجار الصِّبا/ ليس حنيني/ الهروب/ سمرقنديّة/ حصار/ الانهمار الذي سوف يأتي). وهو استخدامٌ لا يبعد عن استخدامه الياء ردفًا لقوافي قصائده كما سلف، وليس تعليله هنا ببعيدٍ عن تعليله هناك.

على أنّ له في استخدامه القوافي المقيّدة المجرّدة من الردف والتّأسيس طرائق تشكيلٍ يوحّد نغمها لا على مستوى الرويّ وحسب ولكن على مستوى التوجيه، وهو حركة ما قبل الرويّ المقيّد. فإذا كان شعراء العربيّة يوالون بين حركات الإعراب الثلاث فتحة وكسرة وضمّة في التوجيه. فهو يلتزم إحداها من أوّل بيتٍ في القصيدة حتّى منتهاها. وذاك صنيع ابن الروميّ وأبي العلاء والبردّونيّ وعلى خطاهم مضى. فإذا قال:

أيُّها النائم في حضن الجبَلْ أعطِ للنائي عناوين الأمَلْ

وجاءت الفتحة توجيهًا للقافية سارت بقية قوافي الأبيات على ذلك النسيج فلا تخرج عليه.

وإذا قال:

استبدّت هندُ يا قلب اتّئدْ بُدِّل العجز بعجزٍ مستبِّدْ

وجاءت الكسرة توجيهًا للقافية سارت عليه البقيّة الباقية من قوافي القصيدة ولم تندّ عنه قطّ.

وهو يلتزم ذلك في (الإشباع)، وهو حركة الدخيل في القوافي المؤسّسة كما في قوله:

أتعدِّدين لي المناقبْ إنّ الذي تعنين غائب

وهنا يلتزم الكسرة (إشباعًا) لحرف الدخيل الواقع بين ألف المدّ وحرف الرويّ المقيّد من أوّل القصيدة حتّى آخرها.

أو تعجبين من انكساري في متاهات الغياهب؟

أو تسألين عن الهوى النَّاري .. عن عشب الغرائب؟

اليوم : تمجيد الحصى.. اليوم : تأليه الطحالب

للموت لون ناصع .. للعصر رائحة الجوارب

لكنّك لا تعدم أن تجده يقع في الحذو في بعض القوافي المطلقة فتتخالف حركة ما قبل الردف في صوتين متباعدين كالفتحة والكسرة في قوله:

حريق إزائي.. حريق معي تمرّ الحرائق بيني .. وبيني

وحذو القافية محلّى بالكسرة. ومثله:

يطول الطريق؟ .. ولكنه أحبّ المشاوير .. يا نور عيني!

ولا يخلي الشقّاع قوافيه من إعناتٍ، وهو لزوم ما لا يلزم. وقد جاء في قصائده متفرّقًا في بعض المظانّ، وعلى صورتين: صورةٌ تتصل بالصيغة الصرفيّة، حيث يلتزم صيغةً صرفيّةً واحدةً في موضع القافية كما في قوله:

نادى العبير، فسرت خلف ندائه لكن بابكِ والطريق تنكّرا

فتفرَّق الأمل الجميل شراذماً عبر الشوارع والعذاب تجمهرا

كنتِ البلاد إذا البلاد تأنقت كنتِ الزمان إذا الزمان تعطّرا

عيناكِ حدثتا حديثاً صافياً لكن شيئاً في القرار تعكّرا

وانظر إلى (تنكّرا/ تعطّرا/ تعكّرا) تلقها على بنيةٍ صرفيّةٍ واحدة.

وقد يوالي بين عدد من الأصوات التي تسبق حرف الرويّ كالتزام الهاء والجيم في قوله:

لحبيبٍ مثل وجه الصبح، أبلجْ لغرام أحزن القلب .. وأبهج

أجمع الآن لظى تجربتي كي أصوغ الحب أسلوباً. ومنهج

والتزام الراء والجيم في قوله:

ناره يمتشق الموج بها صمته أنشودة السِّيف المضرَّج

فاضت الأسرار من نظرته فحكاياه شموس تتبرَّج

وقد تجيء قوافي القصيدة كلّها ملتزمة ما لا يلزم كما في قصيدته (انهمار):

يعود الأمس منهمراً كأشعارٍ نواسيَّة

يؤرقني.. وقد كانت طيوف الأمس منسيّة

فيطرق كل أبوابي وأحزاني النحاسية

ويزرعني هوى “حقات” أو نجوى “قلنسية”

يعود الأمس .. جنّياً يداعب نهد إنسية

لقد اضنى مسافاتي لأن خطاه “عنسيّة”

لأنّ جذور أمسي – يا حنيني – غير أمسية

له نطقٌ مسيحيٌ وأفكار مجوسيَّة

فكل خصاله شجنٌ وكل رؤاه حسيَّة

وهو يستخدم القوافي موصولة بالهاء في مظانّ فيجيء مجرى حرف الرويّ منصوبًا في الأغلب:

وجهها – كان – مظلَّة وسحاباتٍ مطلَّة

لم تلقَ يوماً مثلَها فاحفظ ” للبنى ” فضلَها

أحمل الورد للذي صرت عيده ودع الحزن للقلوب الوحيدة

لكنّه يستبدل بالهاء وصلا التاء المربوطة التي تستحيل هاءً حين تُسكّن. لكنّ الفرق بين استخدام الهاء وصلا والتاء المربوطة وصلا يكمن في التحرّر من عنت النحو حيث لا مهرب من الالتزام بحركة المجرى وفق الإسناد اللغويّ إذا جاء الهاء وصلا. أمّا عند استخدام التاء المربوطة وصلا فحسبه الفتحة التي في أصل الحرف السابق لهذه التاء، ولتأتِ القافية من بعد مرفوعةً أو منصوبةً أو مجرورةً سيّان، فالعبرة بالسكون التي عليها ولا غير. وانظر مثلا في قصيدته “العائد” تجد القوافي فيها هي (الساهدة / الراقدة / العائدة / الخالدة / الواقدة / السائدة / الشاردة / الباردة / المائدة / بائدة / الجاحدة / واحدة / هامدة). وجميع هذه الدوال المستخدمة في موضع القافية صفاتٌ لموصوفاتٍ تقدّمتها. وجميعها اتخذت الحركة الإعرابيّة التي منحها إيّاها الإسناد اللغويّ، فالقوافي (العائدة،الراقدة، الباردة) جاءت منصوبةً لأنّ موصوفها منصوبٌ، والقوافي (الساهدة، الخالدة، الواقدة) جاءت مجرورةً لأنّ موصوفها مجرورٌ، والقافيتان (بائدة، هامدة) جاءتا مرفوعتين لأنّ موصوفيهما مرفوعان. بيد أنّ الحرف الذي يسبق التاء المربوطة وهو الدال فيها جميعًا قد علته حركة الفتح فاتخذه الإبداع رويًّا مكتفيًا به عن استخدام الدال في لفظةٍ أخرى واجبة النصب على المفعوليّة أو سواها ليستقيم له نسق الكلام من جهة الصنعة النحويّة فاكتفى بتسكين التاء المربوطة التي استحالت هاءً وصارت وصلا للقافية، وجاء الدال وهو حرف الرويّ منصوبًا كما يشتهي. وهذا استخدامٌ لم يصادفه قارئٌ في تاريخ الشّعريّة العربيّة، فعدا عنه علماء العَروض والقافية ولم يشيروا إليه.

التصريع:

يذكر الطرابلسيّ نقلا عن جمال الدين بن الشيخ أنّ “من المستحسن إن لم يُقَلْ من المشروط في نظم الشعر عند العرب أن يصرّع الطالع حتّى يدلَّ آخر الصدر على آخر العجز تنبيهًا على القافية التي ستجري وتلتزم”. وقصائد الشقّاع تلتزم التصريع في مطالعها حتّى وإن كانت القصيدة نتفةً لا تتجاوز أبياتها الثلاثة عددًا. لكنّ أربع قصائد فقط هي التي جاءت غير مصرّعةٍ، وهي: (انهمار/ حصار/ على الرمل/ الأشجار). وليس لخلوّ هذه القصائد الأربع من التصريع صلةٌ بسطحيّة التجربة وبساطتها فهي لا تخلو من عمقٍ في الرؤية واتساع في الموقف، كما أنّ تحلية القصائد بالتصريع لا يمنحها مثل ذلك العمق والاتساع ولا يسمها بهما. ولكن من المؤكّد أنّ للتصريع يدًا في تطرية إيقاع القصيدة من جهةٍ، وفيه ما ينبئ عن اتّباعيّةٍ لاستخدامٍ قديمٍ للقصيدة الموزونة بالبحر والقافية، في حين نبا عن ذلك الاستخدام بعض شعراء الحداثة الرومنسيّة الذين كتبوا القصيدة موزونة ببحر وقافية وحسبك بأبي القاسم الشّابيّ مثلا، فقد قلّ حرصه عليه، وتدّنت المبالاة به في شعره فخلت منه عيون قصائده، وخذ على ذلك شواهدَ من مطالع قصائده:

عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديدِ

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ

أيّها الشعب ليتني كنتُ حطّابًا فأهوي على الجذوع بفأسي

ألا أيّها الظالمُ المستبدّ حبيب الظلام عدوّ الحياة

… إلى آخر ما هنالك من ذلك.

لكنّك لن تعدم وجود التصريع في شعر نزار والبردّونيّ وبهما اقتدى. على أنّ نزوعَ الشقّاع إلى استخدام التصريع في مطالع قصائده صورةٌ من صور الأصالة التي تزاحمها في شعره صورة المعاصرة في اللغة وطرائق التخييل.

***

 وعَروضُ القصيدة في شعر الشقّاع صافٍ استخدامه، سليمةٌ من العيوب طرائقُ تشكيله ممّا يشي بحسٍّ واعٍ بأبعاده، لكنّه لم يخلُ في بعض المظانّ من أثرٍ نزاريٍّ في استخدامه بعض التفعيلات انزاح بها عن نسيج إيقاعها عن المألوف المرغوب في أمثالها. ومن ذلك استخدام التفعيلة الثانية في بحر السريع مخبونةً (متفعلن)، فيخبو إيقاعها. وقد حرص شعراء العربيّة على استخدامها صحيحةً (مستفعلن)، أو مطويّةً (مستعلن)، ليتمدّد بها إيقاع البيت. وأستطرد قليلا لأشير إلى أنّ استخدام هذا البحر في شعر البردّونيّ لم يجر بهذه التفعيلة إلا صحيحةً أو مطويّةً، قال:

للموت أيدٍ من شفار المُدى وقامةٌ قشيّةُ الأعمدة

يا كأسُ لا أسوى جناك ابعدي إنّي كما تحكين وغدٌ عنيدْ

أريد ماذا يا زمانًا بلا نوعيّةٍ لم يدر ماذا يريد؟

يا كلّ آتٍ ما أتى مرّةً خذني وأرضعني جديد الوثوب

واختر طريقًا ما رآه الذي عن كلّ مدعوٍّ وداعٍ ينوب

في القلب شيءٌ ما له سابقٌ وفيه أخفى من نوايا الغيوب

إلى آخره.

أمّا في شعر الشقّاع فتغدو التفعيلة الثانية من بحر السريع في حشو الصدر (متفعلن) كاستخدامها في شعر نزارٍ. قال:

في ضحكها أمومةٌ واشتهاءْ … … …

قلتُ لها وسحرها لم يزل كالمطر الحاني يزيل الجفافْ

يتصل بهذا قصر الممدود في عَروض البيت كما في البيت الأوّل من البيتين أعلاه. ومثله:

ألم تكن في حلقة الأصدقاءْ … … …

لحبيبي أبتدي هذا الغناءْ ثمّ أنهيه لعصرٍ يتهدّجْ

وقريبٌ منه تسكين المتحرّك كما في قوله:

أهابها وهي اقترابٌ قصيّْ وأشتهيها وهي بعدٌ قريب

سلحف الخوف البراق العربيّْ وغدا المعراج غوصًا في الوحول.

***

وبقولٍ مجملٍ استخدم الشقّاع عددًا من البحور وهي:

اسم البحرعدد مرّات تكراره
المتقارب14
الرمل9
الكامل9
الخفيف8
الوافر7
السريع4
الرجز التام1
البسيط1
الإجمالي53

ونستطيع استخلاص ما يأتي من مطابقة هذا الجدول بمتن النصوص موضوع البحث:

– استخدم الشقّاع من الأوزان ما جرى استخدامه بحرًا وقافيةً عند شعراء الحداثة منذ الرومنسيّين حتّى نزار والبردّونيّ، ونأى عن استخدام البحور التي أكثر من استخدامها شعراء الاجترار كالباروديّ في مصر وابن شهاب الحضرميّ.

– جاء استخدامه لتفعيلات البحور صافيًا وسليمًا ما خلا ما بدا في بعض قصائده المنظومة على بحر السريع.

– التزم الشقّاع في استخدامه للبحور بما تجلّى في متن الشعريّة العربيّة وما رصدته كتب العَروض، ولكنّه أضاف إلى بنية بعض البحور ما لم يجر لها في تلك الكتب ذكرٌ مثل استخدامه لبحر الكامل مذيّلا في قصيدة (خطوات مرثيّة).

– ظهر شغف الشقّاع ببعض البحور دون بعضٍ، فالخفيف جاء تامًّا ومجزوءًا، وجاء الكامل والوافر مثله، وأمّا المتقارب فقد بلغ الذروة في الاستخدام الوزنيّ يليه الرمل في ذلك الاستخدام.

هذا على مستوى البنية الوزنيّة، أمّا على مستوى تشكيل القافية فإنّ الشقّاع استخدم من القوافي الخمس ثلاثًا هي المتدارك والمتواتر والمترادف. وتنوّعت حركاتها على حسب ما قد سلف ذكره أعلاه.

ذاك واحدٌ من مستويي الكلام في شعره، والثاني يتصل ب:

مرئيّات البيان في قصائده:

والمقصود بها بنى الصورة البيانيّة من تشبيهٍ واستعارةٍ وكنايةٍ، وما ينشأ بين عناصرها من علاقاتٍ. وإنْ كان هذا لا يعني أن ليس في شعر الشقّاع سواها من أنواع التصوير، فهناك الصورة الحرّة، ولها بناها من لوحةٍ ولقطةٍ ومشهدٍ، وهناك الصورة السرديّة والصورة الحواريّة وما إلى ذلك، لكنّنا اقتصرنا هنا على الصورة البيانيّة لنتبيّن طرائقه في تشكيلها ومدى ائتلافه واختلافه في ذلك مع شعراء العربيّة في قديم الزمان وحديثه.

يستخدم الشقّاع التشبيه في شعره، ولا يزاحمه على ذلك الاستخدام إلا استعماله الاستعارة في مظانّ منه. ولا غرابة في هذا، فقد قيل: إنّه من قال: إنّ أكثر كلام العرب تشبيه ما خرج عن الصّواب كما أنبأ المبرّد في (كامله)، وكلاهما، التشبيه والاستعارة، ينتجان علاقة تشابهٍ كما ذكر جاكوبسون في حديثه عن قانون التماثل في الشعريّة، وإن لم نر رأيه، ولم نقتبس من ناره، لكنّنا سنفيد من كلّ ذلك لتبيان طرائق الشقّاع في تشكيل بنيى الصورة التشبيهيّة والصورة الاستعاريّة، وما مسّهما من انزياحٍ عن المألوف والمعتمد في تاريخ الشعريّة العربيّة، ومن ذلك مثلا انتفاء التّطابق بين (المشبّه) و(المشبّه به)، و(المستعار) و(المستعار منه) حتّى لتبدو صعبةً على مَنْ ألف طرائق شعراء العرب القدامى ألفةُ مثل هذه الطريقة في استخدامهما. وهو إنّما ينزع منزع الحداثيّين من شعراء العربيّة في عصرها الحديث منذ الرومنسيّين ومن تلاهم من الشعراء.

فأنت كي تدرك عمق التحوّل الذي أجراه الشقّاع في طريقة استخدام هذين المكوّنين الأسلوبيّين قف على قول امرئ القيس مثلا:

مِكرٍّ مِفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا كجلمودِ صخرٍ حطّه السيل من علِ

تجد أنّ الوعي بنقطة التلاقي بين (المشبّه) و(المشبّه به) حاضرٌ في ذهن المبدع في لحظة الإبداع فوعاها القارئ باستحضارها في لحظة التلقّي، على الرغم من عدم تجلّيها على مستوى المقولة اللغويّة. وهذا على خلاف ما صنعه الشّابّيّ في قوله:

عذبةٌ أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديدِ

حيث اتخذ من (العذوبة)، وهي من باب المذوقات، نقطة التقاءٍ بين (المشبّه) و(المشبّه به). ولا علاقة بين المشبّه وكلّ تلك المشبّهات به على الرغم من حرص المبدع على تقديم الصفة الجامعة بينها. فالطفولة مرحلةٌ من العمر، والأحلام رؤيا منامٍ، واللحن من المسموعات، والصباح من المنظورات. ولكنّ الاستخدام الحداثيّ للغة شكّل مكوّناتها في النصّ متداخلةً ومتراسلةً حتّى أصبح المسموع مذوقًا، والمُبْصَر يًتذوّق طعمه بالفم. فبهتت علاقة التشابه وإن دلّت عليها مكوّنات البنية. وإنّما صار ذلك كذلك لانتفاء التطابق بين (المشبّه) و(المشبّه به)، ممّا أوغل بالتشبيه في دائرة الاتساع المجازيّ، وهذا على غير ما قال به علماء البلاعة والعارفون بأسرارها من قبل.

ولم يكن صنيع الشقّاع في استخدامه بنية الصورة التشبيهيّة في شعره ببعيدٍ عن صنيع الشّابّيّ وأضرابه من شعراء الحداثة العربيّة، فهو قريبٌ من قريب. قال:

كما تومض الأنجمُ الساهدة أناديك .. لكن بلا فائدة

هنا تتجلّى انزياحاتٌ على بنية الصورة، منها انزياحٌ في ترتيب عناصرها من حيث إنّ الابتداء بالمشبّه أمرٌ لازمٌ في عرف المتحدّثين عن تلك البنية وسبقه على المشبّه به بلا خلاف، ويستثنون من هذا مجيء المشبّه متّصلا بالأداة (كأنّ)، ويسبق – في هذا الاستخدام – المشبّه به ولا ريب. لكنّك في البيت أعلاه لا تجد مشبّهًا وإنّما تجد أداةً (كما) وجملة فعليّة (تومض الأنجم الساهدة) تقوم مقام المشبّه به، ثمّ تجيء جملة فعليّة أخرى هي (أناديك) لعلّها تكون في مقام المشبّه. وإنْ هي كانت كذلك فقد انزاحت عن موقعها متأخّرةً. واستخدامُ الجملة الفعليّة في مقام المشبّه والمشبّه به انزياحٌ عن المعهود في أمثاله من حيث كان الاسم هو الأصل في التشبيه ينبئك عنه حرصهم على نقطة الالتقاء والاشتراك في الصفة. أضف إلى ذلك انتفاء التطابق بين المشبّه (وهو هنا من المسموعات) والمشبّه به (وهو هنا من المبصرات) ممّا يوغل بالبنية في دائرة المجاز الشّعريّ.

وليس ببعيدٍ منه قوله في أخرى:

سمرقنديّةٌ جاءت بكلّ عذوبةٍ عندي

زحام الشّارع العدنيّ أطلعها بلا وعدِ

كلؤلؤةٍ رماها البحر بين الجزر والمدِّ

هنا يغدو الشارع بحرًا، وزحامه أمواجًا تتلاطم، والمرأة السمرقنديّة لؤلؤةً يظفر بها المتكلّم في النصّ. ولا علاقة هنا بين المشبّهات والمشبّهات بها حتّى وإن جاءت جميعها من عالم الجماد ما خلا المرأة السمرقنديّة، فإنّ الصلة بينها لا تخلو من مباعدةٍ ومخالفة.

وانتفاء التطابق في بنية الصورة التشبيهيّة في شعر الشقّاع لا يقف عند حدّ العلاقة بين المشبّه والمشبّه به وإنّما يتجاوزها إلى منطقة إنشاء الصورة وتأليفها والجمع بينها وبين مستويات أخرى من التجسيد المرئيّ في القصيدة، كأن ينبثق التشبيه من ثنايا صورة استعاريّة فتتوالد تلك من هذه. قال:

تثب الأشواقُ في أوردتي كجيادٍ عادياتٍ في السهول

هنا تتجلّى الاستعارة إيحائيّةً تشخيصيّةً وفق التصنيف الدلاليّ من حيث اقتران الفعل (تثب) بالاسم المجرّد (الأشواق). وإنّما ازدوجت صفتها بسبب من ازدواج النظرة إلى طبيعة الفعل، فإذا نسبته إلى الحيوان وجعلته بعض صفاته فالصورةُ إيحائيّةٌ، أمّا إذا نسبته إلى إنسان فالصورةُ تشخيصيّةٌ، وفي كلتا الحالتين مجلى للاستعارة في إطار علاقة التماهي. تتولّد منها صورةٌ استعاريّةٌ أخرى في إطار علاقة التماثل، وهي التي نجدها في قوله: (في أوردتي)، حيث تتماثل الأوردة في نسيج القول مع السّاحات والسّهوب، وفيها من التّشخيص ما لا يخفى على ناظرٍ متأمّلٍ. وتمضي الصورة دون توقّف لتتناسل منها بنية تشبيهيّة تتداخل مع بنية الصورة الحرّة في إطار اللقطة، وأعني قوله: (كجيادٍ عادياتٍ في السهول)، حيث تتحوّل الاستعارة في الشطر الأوّل إلى مشبّه، تتلوه أداةٌ هي (الكاف)، وهي تمحض الكلام للمشابهة بين عنصري الصورة، ثم يجيء المشبّه به (جياد عاديات في السهول). وهو تركيب يجلو صورة حرّة في إطار اللقطة حيث يبصر المرءُ حركةَ الجياد وهي تتراكض في السهول، وتعدو متواثبةً دون أن يسمع صوتًا، وكأنّ اللغة هنا استحالت آلةَ تصويرٍ سينمائيٍّ يجلو الصور، ويجسّد المرائي.

تشكيل الصورة على ذلك النحو ينبئ عن خصوبةٍ في الخيال، وقدرةٍ على التصوير والتشكيل اللغويّ للمرائي المنظورة.

قريبٌ منه ما نجده في قوله:

أهمي كدمع الليلة المتحدّرِ وأجفُّ وحدي كالصباح الأصفرِ

هنا تتجسّد الذات في بنية الاستعارة على هيئة سحابة ممتلئة بالماء مرّت عليها الرياح فأمطرت وهمت.

تتولّد منها صورة تشبيهيّة (كدمع الليلة المتحدّر)، ويغدو المطر دمعًا للسحاب المتحدّر في ليلةٍ مّا.

ولاقتضاء التشبيه إلى مشبّهٍ فقد تحوّلت الاستعارة إلى ذلك العنصر، فتناسلت صورةٌ من صورةٍ.

وهنا يهتزّ التطابق بين الدالّ والمدلول، من حيث اكتساب دالّ الإنسان هويّة الجماد، واكتساب الجماد هويّة الإنسان بعد أن أصبحت الليلة إنسانًا يبكي ويسيل الدمع. ويتوازى مع هذا جفاف الذات (أجفّ وحدي) وقد غدت ترابًا مبلّلا بالماء طلعت عليه الشمس فجفّ. وظهر الصباح مصفرًّا كأنّه جسد مريضٍ ناحلٍ مهزولٍ تعلوه صفرةُ المرض. وهكذا تتراءى الأشياء والأحياء على غير هيئتها في أصل اللغة وواقع الحال ممّا يدخلها في دائرة الاتساع المجازيّ، ولا يُخْلي الصورة من مفارقةٍ ظاهرة.

ومن بابه قوله:

أجوب المكلا بهذا الغناء كراعٍ يغازل بنت الأميرْ

حيث تتعالى المكلا معزّزةً ممنّعةً لا تُرام مقاصيرها إلى مقام بنت الأمير التي لا يُستطاع الوصول إليها، وتبدو الذات في عجزها عن نيل المبتغى والظفر به في مقام الراعي الذي يشتهي ما لن يكون.

تتناسل من هذا التشكيل التشبيهيّ صورةٌ كنائيّةٌ تمنح علاقة لزوم، من حيث دلالة الصورة على معنى الجلال والمنعة التي اتّسمت به تلك المدينة.

ومن مثل هذا التوالد في الصور قوله:

قلق الشيء الذي أرقبه مطرٌ دامٍ صحارى وخيول

يتمطّى كالأفاعي في الضّحى وله في الليل صيحات المغول.

وهنا تتعدّد علاقات بنى مرئيّات البيان لتنوّع عناصرها المكوّنة.

فالقلق وهو مجرّد يقترن بجامدٍ (مطرٌ دامٍ وصحارى) فينتج علاقة تماثل في إطار بنية الاستعارة، لكنّ ظهورَ علاقةِ اقترانٍ أخرى يشير إليها دالّ (خيول) يُدْخِلُ الصّورة في دائرة الإيحاء وإن لم ينفصل عن بنية الاستعارة.

تتناسل من هذه المستعارات (مطر دامٍ وصحارى وخيول) صورٌ كنائيّةٌ من حيث النظر إليها على أنّها دوالّ تنتج مدلولاتٍ لازمة هي (العقم والجفاف وعطاء كالعدم) على توالي المستعارات. ثمّ يتجسّم المجرّد (القلق) في البيت الثاني فيغدو جَمَلا يتمطّى في بنية الاستعارة التي تمنح علاقة تماهٍ بين عنصريها الأساسيّين. ليستحيل بالتشبيه إلى أفاعٍ في إطار بنية التشبيه من حيث استطاع (الكاف) أن يمنح الصورة علاقة مشابهة تنتج مدلولاتٍ تُدْخِلُ الصورةَ في إطار الكناية، ففي تمطّي الأفاعي بطءُ الحركة ولينُها، وفي صيحات المغول ضجّةٌ واندفاعٌ فتتولّد من تقابلهما مفارقة ظاهرة.

وفي استخدام الشقّاع لبنية الصورة الاستعاريّة يتجلّى خَرْقٌ للمألوف وتجاوزٌ للمعهود من نسيج الكلام. قال:

هل أشبُ الغرام كي تفهميني؟ أنت يا ربّة الجمال الحزينِ

الأصل في الشّبوب أن يكون للنار لأن فيه إشعالها، لكنّ اقتران الغرام – وهو مجرّدٌ- بالفعل شبّ – وهو للجماد – أدخل الاستعارة في دائرة التجسيم من جهة، وانزاح بالاستخدام اللغويّ إلى دائرة الاتساع المجازيّ من حيث انتفاء المطابقة بين الدالّ والمدلول. وهو لا يخلو من تناسل صورةٍ كنائيّةٍ، حيث في الاستخبار عن الحاجة إلى شبوب الغرام دلالةٌ على برودته وانطفاء لهبه. أمّا وصف الجمال بالحزن فقريبٌ من قريب.

يتماثل هذا مع نزوع الشقّاع في تشبيهاته إلى توظيف بنيتها لإنتاج المعنى وتوليد الدلالة. فهو لا يقصد إلى التطابق بين المتشابهات وإنّما إلى ما ينتجه التشبيه من دلالة العبث واللاجدوى في قوله:

لم أكن في الحبّ إلا هاويًا مثلما يرسم طفلٌ في جدار

وإلى ما ينتجه التشبيه من دلالة الحنان والارتواء في قوله:

قلتُ لها وسحرها لم يزل كالمطر الحاني يزيل الجفافْ

وإلى ما ينتجه التشبيه من دلالة الانطلاق والتحرّر من القيود في قوله:

… … … … … … … ذوائبها كالحصان الجموحْ

… إلى آخر ما هنالك من ذلك. وفي جميعها ما يدلّ على أنّ الشقّاع قد اتخذ من تلك المرئيّات أداته لتحويل المعنى الإشاريّ إلى معنى إيحائيّ يحقّق لقصيدته مستوًى عاليًا من التّخييل، ويضمّخ لغته بعبير الشعرية وأريجها الفواح.

خاتمة:

أخلصُ من هذا إلى أنّ لقصائد الشقّاع في هذه المرحلة من تاريخه الإبداعيّ وهجًا على شواطئ اللغة يسمها بأسلوبيّةٍ هي أسلوبيّتها الخاصّة المميّزة من سواها رؤيةً وأداءً، موقفًا ونسيجًا.

وهي على تمسّكها بالبنية الوزنيّة في إطار البحر الواحد والقافية الواحدة لم تنحصر لغتها في أسر القديم الموروث بل انطلقت في فضاء الحديث المبتدع عن وعيٍ بالإبداع مفهومًا وشرطًا، وهو ما سيتجلّى في قصائده في العقد التّاسع من القرن العشرين على أبهى صور التجلّي وأظهرها إشراقًا، وهو موضوع البوّابة الثانية من هذه البوّابات إلى مدائن التخييل.


([1]) حقّات وقلنسيّة اسما منطقتين الأولى في عدن، والثانية في سقطرى.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر