يا الكوس يا المعربيَّة

في رحلة من السواحل الإفريقية

خالد سالم الغتنيني

  إنّ ما دفعني لاختيار هذا العنوان وهو (يا الكوس يا المعربية) أنه مطلع إحدى القصائد التي كثيرًا ما نسمعها، وخاصة في فصل الخريف، عندما تهب رياح الشمال الموسمية، (الكوس) كما يطلق عليها المشقاصيون، ولا أخفيك أيها القارئ بأنني وقعت في أسر هذه القصيدة، ويعود ذلك إلى ما اختزلته من معاني معبرة عن واقع مرير، رغم بساطة مفرداتها، ودفعني شديد إعجابي بها للبحث عن قصتها وعن قائلها، وهو عمرو خميس بن حمد بن عمرين الغتنيني، ولد عام 1925م تقريبًا. عاش طفولته إلى أن بلغ مبلغ الشباب بمسقط رأسه منطقة (سرار) من قرى مديرية الريدة وقصيعر، تزوج في أوائل عقده الثالث، وبعد ارتزاقه بمولوده البكر وفي عام 1951م سافر إلى كينيا وتحديدًا مدينة ممباسا، ولعل صعوبة الحياة، وتردي المعيشة في ذلك الوقت هو ما دفع بعمرو خميس للهجرة، كيف لا؟! وهو القائل في إحدى قصائده:

النوب ما شد لا حصّل مجاني خضاب

  وصل عمرو خميس إلى بر العجم، وقد كانت الأعمال الشائعة التي يزاولها المهاجرون المشقاصيون في إفريقيا لا تخرج عن: بيع الفحم، أو حراسة المحال التجارية، أو الاصطياد، والأخير كان من نصيب عمرو خميس، فكان يذهب في الصباح الباكر بصحبة رفيقيه في العمل، وهما: غيثان بن غروب المشتهر (غبوس)، والبرك بن عوض السباعي إلى البحر في قاربهم المنيباري -وتنحت هذه القوارب من جذع كبير من شجرة الساج الصلب، الذي يجلب من منيبار في الهند- لاصطياد (غدف) الأسماك الصغيرة، من أنواع الساردين، مثل: (المنتوج) (المِنْتُوي) و(الشوظي) و(العرعره)، ويباع إنتاج ذلك اليوم طازجًا، وبعد مرور العام ونصف العام على اغترابه بدأ يراوده الحنين، فنظم بيتين من الشعر، يقول فيهما:

نا عا المليمه ظوانا بو علي ع يلهب

يومه طرش قد وصلنا بالخبر يلتهب

  و(المليمه) كلمة إفريقية تعني المرتفع، أو العقبة المرتفعة، و(بو علي) اسم يطلقه المشقاصيون على ريح الزيب عند اشتداده، وبما أن السواعي المشقاصية تجري بريح الزيب إلى السواحل الإفريقية، هذه الريح كان لها تأثير على هؤلاء المهاجرين؛ حيث إنهم عند هبوبها يشمون فيها وطنهم، ويزداد شوقهم وحنينهم إليه، وكان شاعرنا قد تأثر أشد التأثر بنسمات هذه الريح فالتهبت مشاعره، ليقضي ما بقي من اغترابه، وقد بلغ به الشوق والحنين للأهل والأوطان في قلبه مبلغه، وهو يعد الأيام بلياليها منتظرًا موسم السفر، ولا شك أنها تمر عليه ببطء حتى وصول الموسم لعام 1953م، عندما أعلن النوخذه محمد بن مقارز بن عقيد المهري للركَّاب موعد المغادرة، وقد كان عمرو خميس أحد الركاب، يا ترى كيف كان شعوره عند سماعه نبأ ذلك الخبر؟! لا شك أن الفرحة قد ملأت قلبه، لعل رجليه لا تكاد تلامس الأرض، وهو يتسوق في أسواق ممباسا؛ لشراء الهدايا، والتي لا تزيد في مجملها على شوّال (جونيه) من حبات الطعام، وزيت السمسم، وجوز الهند (الكزّاب)، والمشنقو (البرتقال) فقد أحضر أغراضه رغم بساطتها، ورفعها إلى سطح الساعية، ومن ثم وضعها في أحد خنونها، وفي اليوم المحدَّد وبعد غروب الشمس أبحرت ساعية باكريت من ميناء (كلنديني) متجهة إلى (بر عرب)، وتحديدًا صوب ميناء قصيعر، وعلى متنها عمرو خميس. لا شك إنه حينذاك تذكر ذلك اليوم في ميناء قصيعر، عندما كان متجهًا إلى تلك السواحل (كينيا)، واليوم هو متجه إلى ذلك الميناء؛ حيث تتراءى له معالم وطنه الحبيب في مخيلته، وربما تزاحمت في مخيلته الكثير من الذكريات، وتذكر يوم أن وصل مسافرًا لميناء كلنديني، واليوم يغادره مسافرًا إلى أرض الوطن، وهو ينظر إلى تلك المدينة التي عاش فيها قرابة العامين، وهي تتوارى عن ناظريه شيئًا فشيئًا، حتى اختفت أضواؤها خلف ذلك المحيط، وأمضوا تلك الليلة بأكملها، وقد قطعوا عشرات الأميال، وفي صباح اليوم الثاني حدث ما لم يكن في الحسبان، هذا ما جرت به المقادير؛ حيث تسبب ضغط (السن تيوب) بكسر (الرول)، فانفصلت الريشة عن المكينة، و(السن تيوب) هو قطعة من الحديد دائرية الشكل، تتثبت فيه الريشة، ويقوم بتدويرها، هذا أدى إلى توقف الساعية عن السير، وبدأت المياه تتسرب إلى داخلها، وقد كان اشتداد رياح الشمال الموسمية (الكوس)، وهيجان البحر سببًا في إفشال كل المحاولات، التي قام بها البحارة؛ لسد تدفق المياه، وحينها بدأ يختل اتزان الساعية وكادت تغرق، وعندها أمر النوخذه بـ(نفل الحمول) أي رميه في البحر، ذهب الجميع لرمي تلك الأغراض، ولربما وقع شيء من أغراض عمرو خميس في يده ورمى به في البحر من غير تردد؛ لأن حياتهم أهم وأغلى من تلك الهدايا، والوصول إلى الأهل سالمين أعظم هدية بحد ذاتها، ولكن ما زال الخطر يحدق بهم، وكيف يزول والرياح تعصف لتثير جنون ذلك البحر الهائج، والذي بدوره لا يبخل عليهم بشطحاته، ولا يكاد يتوانى عن التلاعب بهم يمنة ويسرة بين أمواجه، حتى بدأ يدب اليأس في نفوسهم، وأيقنوا أنه لا مجال للنجاة.

  ولكن مشيئة الله فوق كل شيء، ففي الظهيرة لمح أحدهم صاريًا بعيدًا، فنادى الجميع بصوتٍ عالٍ مشيرًا إليه، فالتفت كل من كان على متن الساعية ينظرون إلى ذلك الجسم الصغير، وهو يكبر كلما اقترب منهم، ويكبر معه الأمل والنجاة بعد فقدانها، حتى أقبل عليهم؛ إذ بها (الغنجه)، وهي ساعية يقال إن مالكها (ابن اللسد المهري)، وأهل البحر لا يتوانون عن مساعدة بعضهم، فاقتربت أكثر فأكثر حتى أصبحت المسافة بين الساعيتين لا تتعدى بضعة أمتار، فرموا لهم الحبال فالتقفها أحد البحارة، وذهب بها يتأرجح على سطح الساعية، حتى وصل صدرها، فربط الحبال في مكان من الساعية، يسمى (القلم)، ومن ثم في (المنجلي)، ورفع يده معلنًا انتهاءه، فانطلقت الغنجه متجهة إلى أقرب مرفأ بحري، تجر خلفها ساعية باكريت؛ حيث وصلت مقديشو، ووطأتها أقدام عمرو خميس فأنشد قائلًا:

يا الكوس يا المعربيّة زعّليتي عرب

زعـليتي قلوب الناس ونتي مـهـب

ما جعلت لي قوت باذوقه ولا با شرب

  لقد استطاع عمرو خميس من خلال حسه الشعري أن يرسم تلك المعاناة في أقسى صورها وأصعبها ومنتهاها وهو الإحساس بالهلاك، ولا غرابة في ذلك فهو من بيت عمرين، وقد عرف أفراد من هذه الأسرة بتألقهم في الشعر رغم قلة أشعارهم، كما إن قصائدهم قليلة من حيث الأبيات، ولكن كبيرة من حيث المعنى، تخط بماء الذهب، وتنقش في صميم الحجر؛ لتتناقلها الأجيال، وقد برز من هذه الأسرة غيوث بن عمرين صاحب الأبيات الشهيرة:

اليوم ما بْعَدش يا لامو ومَقْرَب سرار

ومَقْرب بنات العسل لي تحت نخل القصار

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر