تحري رؤية الهلال في وادي دوعن

صالح باحيدرة

إن البحث عن هذا الجانب التراثي هو الأمر الذي يشدَّني بقوة لمعرفة كيفية إثبات أول أيام شهر رمضان، وكذا أول أيام العيد من شهر شوال، وكذلك إثبات شهر ذي الحجة.

والمعروف قدسية هذه الأشهر، وما أوجب الله على المسلم من القيام بالواجبات المكلَّف بها ، قال تعالى في محكم كتابه: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] سورة البقرة 185.

كما قال تعالى أيضًا [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] سورة البقرة 189.

كما ورد ذكر تحري رؤية الهلال في السنة النبوية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين أو فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين) راوه البخاري ومسلم.

وفي وادي العباد وادي دوعن كما يقال له سالفًا نجد أن الإنسان حريص كل الحرص على الامتثال لأداء تلك الواجبات الدينية لكسب الأجر من الله سبحانه وتعالى، وفي تلك الفترة الزمنية القديمة كان الإنسان في دوعن بسيطًا لا يمتلك الوسائل المتطورة لرؤية الهلال بوضوح ويسر بل كان جُلُّ اعتماده على العين المجرَّدة لرؤية الهلال، وهي مهمة صعبة تختص وتوكل إلى ناس مشهود لهم بالعدل والاستقامة إلى جانب قوة النظر وحدَّته، كل هذه المميزات جعلت منهم أهلًا لهذه المهمة التي تجعل على عاتقهم مسؤولية كبيرة لأداء تلك الفرائض، فكان لا بد أن تكون هناك لجان مكونة من عدة أشخاص، يكلفون بهذه المهمة، ولهذا فقد اندفعت وبقوة لطرح أسئلتي على من عاش في تلك الفترة الزمنية لملء ما تحويه أسئلتي وأوراقي الفارغة بأجوبتهم الخصبة والغنية عن تحري رؤية الهلال، فبحثت هنا وهناك حتى أتعرف وأعرف ذلك الموروث الديني.

مناطق دوعن وتحري الهلال

الهجرين وتحري رؤية الهلال:

ومن مناطق دوعن التي كانت بمثابة القلعة التي تصدر فرائض الأشهر، مدينة الهجرين، أو كما يحلو للبعض تسميتها بـ (أم الهجر)، والتي كانت توجد بها سلطة إبَّان الدولة القعيطية يمثلها مسؤول يسمى القائم، وهو حاكم ذو صلاحيات عسكرية ومدنية مطلقة، ونجد الطبيعة الجغرافية لمدينة الهجرين قد ساعدت المتحرين للهلال وذلك بسبب ارتفاعها عن البحر؛ حيث يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر أكثر من ثمان مائة متر، وفي مدينة الهجرين أماكن عديدة يمكن منها تحري رؤية الهلال؛ حيث اشتهرت كمواقع لرؤية الهلال، ومنها موقع بجانب بئر يسمى بئر السوير، وسقيفة آل حمد بامحمد، ومسجد الشيخ طاهر، وجامع الهجرين وأماكن أخرى يمكن تحري رؤية الهلال منها، وأما عن الأشخاص المتحرين لرؤية الهلال فهم من العامة، وبعضهم مشايخ من المنطقة؛ حيث يتصفون بأنهم أهل ثقة ومصداقية، تساعدهم خبراتهم عبر السنين في التقلبات الجوية للمناخ، وكل ما يرتبط بالزراعة، فمجملهم يعملون بحرفة الزراعة ومرتبطون بالأرض وعلاقة القمر والنجوم بزراعتهم ومواسم الزراعة والحصاد، وبعضها عادات وتقاليد وبعضها الآخر له ارتباط ديني لمعرفة أوقات الصلاة كالمؤذنين في المساجد وتتبع القمر لشهر رمضان يبدأ مع بداية شهر شعبان، وهم يحرصون كل الحرص على متابعة غروب القمر كل ليلة. والعجيب أنه يقام في ليلة النصف من شعبان احتفال في جامع الهجرين، وفي باقي جوامع مناطق وادي دوعن، وتعرف بالشعبانية إلى يومنا حتى يسهل عليهم متابعة رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين من شهر شعبان.

 ومن المتحرين لرؤية لهلال في مدينة الهجرين أحمد بامحمد بادحمان ومحمد بن مغيث، ومحمد سالم بافلح، وغيرهم لا يسعنا ذكرهم.

 أمَّا بالنسبة لتغطية الخبر في المناطق الوادي فيختلف إخبار القرى من قرية لأخرى بحسب قربها وبعدها من الهجرين، فنجد إخبار مناطق أعالي الوادي كان يتـم على حصـان يتـم الاستفادة منه في نقل الخبر، فيتم إرسال مخبر به، وهناك في مناطق أعالي دوعن يوجد أشخاص موكلون بهذا الأمر وبالتنسيق مع ممثّلي السلطة بتناقله من قرية إلى أخرى، وأما بالنسبه للمناطق المجاورة لمدينة الهجرين يتم إخبارهم بإثبات رؤية الهلال من خلال إطلاق النار من منطقة إلى أخرى؛ حيث إنَّه إذا سمعت منطقة معينة إطلاق النار فمنطقة أخرى يتم إطلاق النار منها وهكـذا بالنسبـة للمناطـق الأخـرى ويساعدهم في ذلك أن الناس بالأساس مهيئون لتتبع إطلاق النار في أي قرية، ولم يكن على الهجرين إبلاغ مناطق دوعن فقط بل يخبر سكان وادي العين وحورة وغيرها، فبالنسبة لوادي العين يكون نقل الخبر عبر عقبة في ضواحي مدينة الهجرين تعرف بعقبة عروم، أو عقبة القو لينطلق شخص أو شخصان إلى وادي العين مجتازين الهضاب ما بين الواديين في مسافة مختصرة لا تتجاوز ساعتين أو أقل.

مناطق أعالي الوادي وتحرِّي الهلال:

أمَّا في مناطق أعالي وادي دوعن وأقصد بها مناطق وادي دوعن ليمن مثل رباط باعشن والخريبة وقويرة المحضار وما جاورها فنجد لكل منطقة متحرين، ومنها قرية رباط باعشن فكان على رأس اللجنة عبود بن سالم بامحيمود؛ حيث كان يتحرى رؤية الهلال ومن معه من مناطق عالية من عقبة الصدع أعالي منطقة سيدة، وهناك موقع آخر لتحري الهلال في شعب باجسير في وادي منوة، وبعد رؤيتهم الهلال ينطلقون مباشرة إلى منطقة الخريبة، التي يوجد بها القاضي الشيخ عمر أبو بكر باحويرث، ومقرُّه في أحد مساجدها يدعى مسجد باقيطمة، ثم يسألهم القاضي عدة أسئلة عن الهلال، ومن هذه الأسئلة كيفية رؤية الهلال هل نجديّ أو بحري، ثم يلزمهم بالقسم (اليمين) ونجد نفس الشيء في منطقة الخريبة فهناك توجد بها لجنة تحري رؤية الهلال مكونة من ثلاثة أشخاص، هم الشيخ محمد بن سهل العمودي، وعبود بن أبي بكر باعلي، و عوض محمد بن جويهر، يتحرون الهلال من أعالي عقبة الخريبة القبلية، وفي حالة رؤية الهلال يتجهون مباشرة صوب القاضي الشيخ عمر أبو بكر باحويرث حتى يتم استجوابهم وبعد إثبات رؤية لهلال يرسل القاضي الشيخ عمر أبو بكر باحويرث مرسولًا إلى القائم بأعمال السلطة القعيطية باصرة في المصنعة بعورة، وبعد ذلك يقوم القائم بالسلطة بأمر إطلاق النار بالمدفع الموجود آنذاك في منطقة باجساس مقابل منطقة الخريبة من جهة الشرق.

وهو نفس الحال في منطقة قويرة المحضار، فقاضيها الحبيب مصطفى المحضار، يقوم بتكليف عدة أشخاص منهم سعيد بن محمد باخضر، وعبيد بن سالم بادحيدوح، ويتجهون إلى أعالي شعب صغير يسمى الهرامة لتحري رؤية الهلال. وكذا مناطق عديدة في وادي دوعن لها نفس الحال في تكوين لجان لتحري رؤية الهلال، لا يسعنا ذكرها.

وأمَّا بالنسبة للأجر لمن يتحرون رؤية الهلال فلا يذكر أنَّ أجرًا يدفع لمن يقوم بذلك، أو حتى لمن يقوم بالإبلاغ عن إثبات رؤية الهلال، لأنه يتم بدافع الحصول على الأجر من الله تعالى، وإن وجد هناك أجر فربما ليس بشكل أساسي أو لم يأخذ الطابع الرسمي.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر