استراتيجية المجلة

د. عبدالقادر علي باعيسى

سعت مجلة (حضرموت الثقافية) الصادرة عن مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر منذ تأسيسها إلى أن تكون مجلة مختلفة نوعيا عن غيرها من المجلات بغية التفاعل مع القراء بصورة مختلفة بما يثريهم ويثري المجلة في وقت معًا، فهي ليست مجلة التاريخ السياسي فحسب، وإنما مجلة التاريخ الثقافي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الفني، والتاريخ الصحفي.. وهي إلى ذلك مجلة تستوعب خطابات متعددة ذات طبيعة إبداعية وفنية ونقدية مما يعين على النظر في الوضع الثقافي العام لإنسان هذا البلد، والإنسان عمومًا، من زوايا مختلفة، ومحاولة تجاوز بعض المسلمات التقليدية أو إعادة النظر فيها بصيغة موضوعية بعيدًا عن الإساءة والمماحكة، فبمقدار ما يهمنا في هذه المجلة تناول التاريخ بوصفه أحداثا ووقائع متحركة في الزمن يهمنا تناول القضايا التي حركته من الداخل، والقضايا التي نتجت عنه.

 إننا غالبًا ما نتحدث عن فترة انقطاع كبيرة حدثت في تاريخ حضرموت تشمل الخمسة القرون الهجرية الأولى، وننسى أن هناك فترات انقطاع أخرى لا تتحدد بالضرورة بالمعنى الزمني وإنما بالانغلاق في الحراك المعرفي والنقدي الذي يناقش التاريخ مما يدخل أساسًا في تاريخ تكوين العقل لدينا الذي هو بحاجة إلى كثير من التأصيل والكشف بدليل ما نتج عنه من نشاط تجاري وديني واجتماعي وقضائي عرف به الحضارمة، فلا نستطيع أن نتحدث عن زمننا وحده منفصلًا عن الأزمان السابقة عليه، ولذا فمن المهم أن نبحث في أثر كل زمن سابق في تشكيلنا الآن سلبا وإيجابا، وإلا ما معنى الكتابة التاريخية إذن؟ هل معناها أن نعرف ما أنجزه الأقدمون من أسلافنا؟ هذا شيء مهم، لكن الأهم أن نعرف كيف يتحرك ذلك الإنجاز فينا؟ وكيف تشكل؟ وكيف نتشكل نحن به؟ وكيف يمكننا أن نصير مستقبلًا؟.

إن حركة التاريخ لا تنقل التجارب الزمنية إلينا بصورة آلية وإنما عبر تعقيدات دقيقة مر بها الواقع التاريخي نفسه لا يمكن إدراكها بكل تفاصيلها إلا إذا استطعنا الوصول إلى معرفة كل شيء حدث في التاريخ بدقائقه، وهذا محض المحال فواقع التجربة الحقيقية لما حدث لا تنقله كل الكتابات التاريخية، ذلك لأنه لا يمكن تدوين كل شيء في حركة المجتمع والأحداث والسياسة والبيئة، ولذا تضل عملية الكتابة والتحليل عملية مقاربة لا غير، وهذ الذي نقرؤه مكتوبًا من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي لا يعدو كونه سطورًا محدودة من آلاف السطور التي لم تكتب في ديمومة التاريخ، فلا تعني القراءة التاريخية مهما بلغت من الحصافة والسعة وصولها إلى نقطة الحقيقة التي لا مزيد عليها.

 فضلًا عن أن التاريخ نفسه لا يمضي على نسق واحد، فقد يكون في بعض مراحله منسجمًا مع نفسه وعمل التدوين التاريخي على تشويشه وإرباكه، وقد يكون التاريخ مرتبكًا وعمل التدوين التاريخي في نسقه العام أو الخاص على صناعة الانتظام فيه بصورة من الصور، مادامت الكتابة هي في الأساس عملية تركيب تتضمن الحذف والإضافة والتحوير والتدليس.. إلخ، وما زالت بنية الكتابة التاريخية المعروفة لدينا في حضرموت تدخل في تشكيلها النزعة الذاتية الشخصانية إلا ما ندر، ومن هذا المنطلق فهي بحاجة إلى كثير من التفكيك وإعادة القراءة مما يمنع تاريخنا أن يكون مغلقًا يمارس سلطة خفية علينا من حيث لا نشعر.

ومع أن مجلة (حضرموت الثقافية) لم تمثل إلى الآن الطموح الذي نرغب فيه، في ما تمت الإشارة إليه سلفا، فإنها قد فتحت الطريق إليه، ولو بصورة جزئية ومازال الطريق أمامنا طويلا.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر