رائدا الملاحة العربية في القرن التاسع عشر

سعيد بن سالم باطايع وعيسى بن عبدالوهاب القطامي

محمد علوي باهارون

للعرب تاريخ مجيد في مجال الملاحة البحرية والأسفار التجارية عبر البحار والمحيطات منذ زمن بعيد ، فقد ركبوا البحر غزاةً في سبيل الله ، ودعاةً إلى دينه ، وملاحين أكفاء ، وتُجَّارًا أوفياء ، وقد استطاعوا العبور في تلك الطرق البحرية، وتحدِّي مخاطرها، وتجاوز عقباتها بالاسترشاد بالنجوم والاستهداء بها.

وقد تناقل الربابنة العرب الخبرة والمعرفة الملاحية منذ فجر التاريخ، وعلَّمُوها أبناءهم وتلاميذهم من بعدهم , وهكذا كل جيل يعقبه جيل في تناقل المعارف البحرية حتى وصلت إلى عهد الربانين العظيمين الرائدين: الربَّان المعلم أحمد بن ماجد، والربَّان المعلم سليمان المهري في القرنين التاسع والعاشر الهجريين الخامس والسادس عشر الميلاديين، اللذَيْنِ أسسا لعلم الملاحة البحرية القواعد الأساسية، وألَّـفا فيه المؤلفات العلمية القيِّمة نظمًا ونثرًا، والتي لا يستغني عنها كلُّ مَنْ يريد التعرُّفَ على هذه الخدمة البحرية القديمة، بل إن الملاحة البحرية بغير الاستعانة والاسترشاد بمؤلفات ابن ماجد والمهري متعذِّرة جدًا على حدِّ قول الملاح التركي سيدي ريس بن حسين في كتابه “المحيط”.

الملاح باطايع:

في القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشـر الميلادي برز في حضرموت، وتحديدًا بميناء الحامي الملَّاحُ الفلكيُّ القديرُ الشيخُ سعيد بن سالم بن عبدالشيخ بن عوض باطايع، كان ميلادُه عامَ 1180هـ (1766م)، ووفاته عامَ 1273هـ (1856م)، ويُعَدُّ من النواخذة الممتازين على المستوى المحلي والعالمي، وقد تتلمذ على يديه جماعة من نواخذة حضرموت وغيرهم.

تعليمه ومشايخه:

بعد أن شبَّ عن الطوق، أدخله والده في إحدى كتاتيب الحامي؛ لقراءة القرآن الكريم، وتعلُّم القراءة والكتابة، ومبادئ العلوم الشرعية، وفي زاوية العلامة الحبيب محمد بن هارون جمل الليل بدأ الطفل باطايع يفتح صفحة جديدة في حياته العلمية؛ فقد بدأ في قراءة القرآن نظرًا وتجويدًا، ثم شرع في قراءة المتون الفقهية والعربية، كالرسالة الجامعة، وأبي شجاع في الفقه، والآجرومية في علم النحو، وبعد وفاة شيخه المذكور تتلمذ على ابنَيْهِ الفقيهين عبدالرحمن وعمر أبناء الحبيب محمد بن هارون، كما استفاد بإمام جامع الحامي وخطيبه السيد عبدالله بن إبراهيم مكنون، وكذلك الشيخ الفاضل عمر باحميد، الذي هو وغيره من العلماء الذين أشار اليهم في منظومتيه التوسلية.

وظل الشيخ باطايع متردِّدًا على المجالس الدينية والفقهية حتى بعد أن كبر؛ حيث نلاحظه بعد عودته من رحلته البحرية من أوائل الحاضرين في الدَّرْسِ الفقهيِّ الذي يقيمه العلامة القاضي أحمد بن محمد باهارون، وربما أشار على الشيخ باطايع بكتابة بعض العرائض والوثائق الشرعية كما يشهد بذلك خطُّه وشهادته على العشرات من وثائق البيع والشراء بالحامي، وعلى العموم فقد استفاد من أولئك المشايخ في العديد من العلوم كالفقه والفلك واللغة وغيرها .

حياته العملية والاجتماعية:

بعد أن أخذ حظَّه من التعليم اصطحبه والده معه في رحلاته الملاحية كما هو عادة أبناء الحامي إلى وقت قريب، وكان عمرُه آنذاك قد جاوز التاسعة تقريبًا، فسافر مع والده في رتبة صغيّر درك إلى شرق أفريقيا، وعُمَان، والبصرة، والهند، وغيرها ، وبدأ يتعلم على يد والده العلوم الملاحية والفلكية من معرفة النجوم في الديرة المعروفة في عصره بالحقة، والاسترشاد بالمعالم البرية والبحرية، وكان رحمه الله يتمتع بذكاء وفطنة قوية، كما يُذكَرُ عنه، حتى وصل إلى رتبة أن ينبه قائد السفينة (السكوني) إذا غفل عن السَّيْرِ في المجرى المعروف.

وهكذا استمر باطايع يتلقَّى علومه الملاحية مُضِيفًا لها فَيْضًا من التجارب والخبرة حتى أظهرتْهُ الأيامُ ملَّاحًا بارزًا من بين أقرانه يُشَارُ إليه بالبنان، ويُعْتَمَدُ على علومه وخبرته في هذا الشأن، وامتلك بعدها سفينةً شراعيَّةً، ظلَّ مُبْحِرًا بها بين موانئ المحيط الهندي ملَّاحًا ومُرشِدًا وتَاجِرًا، فرحل إلى الخليج العربي والهند وموانئ شرق أفريقيا واليمن وغيرها من الموانئ عقودًا من الزمن حتى قَعَدَ عن هذه الخدمة بعد عام 1264هـ .

كان الشيخ باطايع شخصية اجتماعية مرموقة من بين شخصيات الحامي، عُرِفَتْ بالعلم، والصَّلاحِ، والوَرَعِ، حتى وكَّله الأهالي على أموالهم، وجَعَلُوهُ وَصِيًّا ونَاظِرًا على أوقافهم، كما وكَّله بعضُهم لِيَحُجَّ عنه كما تُحَدِّثُـنَا عن ذلك إحدى الوثائق المؤرَّخة عام 1249هـ.

ومِمَّنْ وكَّله على أمواله وجعله وصيًّا على أوقافه المرأة المحسنة عائشة بنت محمد حبيشان، وهي جدَّتُه لأبيه؛ فقد جعلتْه ناظرًا على أوقافها المتعدِّدة لمساجد ساحل حضرموت في كُلٍّ من الحامي، والديس، وثوبان، وغيرها، وكان – رحمه الله – على جانبٍ من الوَرَع والاحتياط في ذلك، حتى أنه قام بإعطاء مسجد ثوبان حوضًا من النخيل مقابل سبعة مكاييل من التمر أوقفتْها عليه جدَّتُه المذكورة لفطور شهر رمضان.

وقد مارس الشيخ باطايع فنَّ الخطِّ وذلك فيما يبدو بعد تقاعده عن الخدمة البحرية والأسفار، وقد قام بكتابة العديد من المخطوطات الفقهية والفلكية واللغوية ، فمِمَّا وقفنا عليه في بقايا مكتبة صديقه السيد محمد بن عبدالله باهارون المتوفَّى سنة 1293هـ مخطوطتان في علم الفقه، الأولى (زيتونة الألقاح  في شرح منظومة ضوء المصباح في أحكام النكاح) للشيخ العلامة عبدالله بن أحمد باسودان المتوفَّى في الخريبة بدوعن سنة 1266هـ، والثانية (رسالة في علم الفرائض) للعلَّامة الشيخ عمر بن عبدالرحيم بارجاء الخطيب من علماء سيئون.

والجدير بالذكر أنَّ الملَّاح باطايع امتلك مكتبة علمية عظيمة ضمَّت العديد من المخطوطات الفقهية، واللغوية، والملاحية، والفلكية، كانت موجودةً إلى ستينيات القرن العشرين الميلادي ثم أتلفت بعد ذلك أيَّامَ الحزب الاشتراكي وصارتْ أثرًا بعد عين.

منظومتاه الملاحيتان:

ولمَّا كانت الطرق الملاحية بين حضـرموت وشرق أفريقيا ، وعمان واليمن من أشهر الطرق العالمية، ترتادُها السفنُ الشراعية مُحَمَّلةً بالبضائع للاتجار في موانئ اليمن وأفريقيا قام الملَّاح باطايع بوضع منظومتين علميتين؛ للاسترشاد بهما في تلك الطرق؛ لاتِّقاء مخاطرها وشعابها المرجانية، التي تغمرُها أمواجُ البحرِ والرؤوسُ البحرية الخطيرة، وقد نظم المنظومة الأولى سنة 1802م في وصف الطريق البحري من سيحوت إلى جزيرة زنجبار، يقول فيها بعد البداية الابتهالية:

سيحوت منها شمرنا بالعشي
والقبض في مطلع العقرب وفي
نجم الحمارين اقبض فيه يوم         أوضاح بعد الثلاثة في النجوم
 من بعد ما قد قضينا كل شي
من بعد ليله نوفي كل زام
وليلته بايبين لك رسوم
سهيل مطلع قبض به واستقام

ونظم المنظومة الثانية سنة 1805م في وصف الطريق البحري من مسقط إلى المخاء، يقول فيها بعد المطلع الاستهلالي الابتهالي:

من يوم نُولِم
قل للمقدَّم
من تحت صيرة
ربه خبيره

 وكل بحري تنسّم
برّح حبال الصرية
الفُلك قد جد سيره
ينظره بالعين العنية

وقد نظمهما باللهجة الحضـرمية العامية، وبالشعر المعروف في حضرموت بـ (الحميني)، وفي بعض المناطق كمصـر والعراق يسمى بـ (النبطي)، وهو على غير أوزان الشعر المعروفة، وتشتمل المنظومتان على العديد من الفوائد الملاحية والفلكية والتاريخية والسياسية واللغوية والعادات والتقاليد البحرية لربابنة جنوب الجزيرة العربية، وقد تحدَّثْنا عن جميع ذلك في دراسة خاصة بعنوان (الكشف عن جوانب من حياة الملاح باطايع) ([1]).

وقد وقفْنَا مُؤَخَّرًا على عدة مخطوطات للمرشدة الأولى، كُتِبَتْ في الأعوام التالية 1304هـ بقلم النوخذة أحمد عوض باعامر، و1340هـ بقلم النوخذة محمد بن عبدالرحمن باهارون، و1365هـ بقلم الكرَّاني أحمد علوي مكنون، و1383هـ بقلم النوخذة عوض مبارك بقرف. ومخطوطة واحدة للمرشدة الثانية كُتِبَتْ عامَ 1364هـ بقلم السيد أحمد علوي مكنون عن أصلٍ كُتِبَ عام 1281هـ.

وقد اشتهرت هاتان المنظومتان بين الربابنة والنواخيذ في حضرموت والمهرة وعمان والكويت مسترشدين بها في رحلاتهم التجارية بين عمان واليمن وشرق أفريقيا، وتداولتْها أيدي الباحثين اليمنيين والغربيين بالشرح والتحليل، وكان في طليعتهم الأستاذ المؤرخ محمد عبدالقادر بامطرف (ت1988م)، ويعود له الفضل بعد الله تعالى في إظهار الملَّاح باطايع ومنظومتيه، وجعلهما في متناول أيدي الباحثين بإصداره كتابَه القيِّم (الرفيق النافع على دروب منظومتي الملاح باطايع).

وتلاه الباحث البريطاني الدكتور روبرت سارجنت (ت 1992م)، الذي قام عام 1982م بإعداد دراسة مقارنة في منظومة الملاح باطايع من سيحوت إلى زنجبار بمساعدة الأستاذ بامطرف، والنوخذة عوض مبارك بقرف، الذي زوَّده بمخطوطةٍ من تلك المنظومة، وقدَّمها لجامعة كمبردج بلندن.

وجاء بعده الباحث الفرنسي ميشل نيتوه، الذي أعدَّ رسالة الدراسات المعمَّقة، ما فوق الماجستير عام 1995م، في جامعة إكس إن برفانس بفرنسا، بعنوان ( منظومتي الشعر الملاحية للربَّان اليمني سعيد سالم باطايع ).

ومنهم أستاذنا المؤرِّخ الشيخ عبدالرحمن بن عبدالكريم الملاحي في قراءته التاريخية (الطريق التجاري البحري بين مسقط والمخاء في مرشدة الربان باطايع)، التي قدَّمها في الندوة الدولية المسمَّاة بـ (التبادل الحضاري العماني اليمني) بجامعة السلطان قابوس –  مسقط في فبراير 2010م .

 ومن مؤلَّفات الملَّاح باطايع رسالة في علم الفلك، تحدَّث فيها عن منازل القمر الثمانية والعشرين، والبروج الاثني عشر، وقد تناول تلك المنازل بالوصف الدقيق، مع التمثيل والرسم والاستشهاد بالأبيات الشعرية، لم نجدْه في غيرها من كتب الفلك الحضرمية ،كـ (نَصْبِ الشَّرَكِ) للعمودي وغيره.

ولمَّا كان النواخذة الكويتيون يرتادون تلك الموانئ الشهيرة كمسقط والمخاء وسيحوت وزنجبار كطريقين تجاريين شهيرين فقد اطلعوا على تلك المنظومتين، وسمعوهما تتناقلانِ شِفَاهًا بين بحَّارة الحامي والشحر والمكلا والديس، الذين كثيرًا ما يسافرون معهم سنجار، ومن أولئك النواخذة الكويتيين المعاصرين لباطايع النوخذة الربَّان إبراهيم الغانم, والنوخذة أحمد بن ناصر الكويتي، وغيرهما، ثمَّ جاء  بعدهما تلميذهما الملاح الشهير النوخذة عيسى بن عبدالوهاب القطامي المتوفَّى سنة 1347هـ (1928م)؛ فقد عرف بواسطة مشايخه المتقدِّمين منظومتي باطايع، وسمعاهما تتناقلان بين النواخذة الحضارمة عندما كان يلتقي بهم في الموانئ البحرية، وقد حفظ نتفًا منها، كان يسترشد بها في رحلاته الملاحية والتجارية  إلى موانئ شرق أفريقيا وموانئ حضرموت واليمن.

ومما يؤكد ما ذكرْناه استشهادُ الملَّاح ابن قطامي ببعض رباعيات منظومة باطايع من مسقط إلى المخاء، عند تأليفه كتابَه الملاحي القيِّم (دليل المحتار في علم البحار)، وتلك الرباعية القائلة:

حكّـم قياسك           واحذر نعاسك  

 والباطلي تحت رأسك
عن بو الرصاص الغبية

وقد ذكرها في موضعين من كتابه، يستشهدُ بها على صدق مايقول، عند ذكره آلة الباطلي، التي يعرفُ من خلالها المسافة التي تقطعها السفينة وهي سائرة في عرض البحر، وللحذر من رأس أبو الرصاص، الذي تنتشر جذورُه تحت أمواج البحر، الذي وصفه باطايع بقوله: (أبو الرصاص الغبية)، أي: شعابه المرجانية الغائبة تحت الماء، فعندما تمشي السفينة بقربه ترتطم به وتتكسَّر ([2]).

النوخذة ابن قطامي:

هو النوخذة المعلِّم الشيخ عيسى بن عبدالوهاب بن عبد العزيز القطامي، الشهير بـ (ابن قطامي)، من أشهر ربابنة الكويت في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وأغزرهم علمًا بالملاحة البحرية وبفنونها، وأكثرهم نبوغًا وصِيْتًا.

ميلاده وتعليمه:

كان ميلاده بالكويت عام 1287هـ (1870م)، وتوفي والده وهو ابن سنةٍ، فربَّتْه أمه، وأدخلتْه الكتّاب، فتعلَّم القراءة والكتابة والحساب وختم القرآن الكريم وعمره تسع سنوات، ثم بعدها التحق بخدمة البحر كغيره من أبناء الكويت، واصطحبه معه خاله النوخذة ثنيَّان محمد الغانم ليعلِّمه فنونَ الملاحة البحرية وفنَّ الخط، وبعد سنتين ركبَ مع خاله النوخذة إبراهيم محمد الغانم في سفينته لمدَّة ثلاث سنوات، كان خلالها يتعلَّم فنون الملاحة من قراءةٍ للخرائط البحرية، وتعلُّمِ استخراج قياس العرض والطول  للموانئ حتى عرف  جميع ذلك وأتقنه.

رحلاته البحرية وقيادته للسفن:

بعد أن أتقن النوخذة ابن قطامي المعارف البحرية المتداولة بين ربابنة الكويت في ذلك العهد، طلبه النوخذة الكويتي أحمد بن ناصر؛ ليسافر معه كمعلِّم، يحدِّدُ له مواقع السفينة في وسط البحار، وكان عمرُه آنذاك أربعَ عشرةَ سنةً، ومكث معه سنتين، ثم تولَّى قيادة العديد من السفن لتجار الكويت، منها سفينة العبد الجليل من نوع البغلة، وسفينة لآل صادق، أبحر عليهما ملَّاحًا وتاجرًا إلى موانئ الهند وشرق أفريقيا وجنوب اليمن، جامعًا بين وظيفتي المعلِّم والربَّان، وكان يشتغل في أثناء ذلك بمطالعة كتب المتقدِّمين التي تبحث عن مجاري البحر وأحواله، ولِوَلَعِهِ بذلك، واستعداده الفطري، وتطبيق العلم بالعمل، تمكن أن يكون في الدرجة العالية بين الكويتيين في العلوم البحرية والفلكية، حتى كثر الطلب عليه في تأليف كتاب كمرشد بحري لنواخذة السفن.

وفي حدود عام 1912م امتلك سفينة هندية من نوع الكوتية، تولَّى قيادتها عام 1915م ابنُه النوخذة عبدالوهاب، ثم امتلك سفينةً أخرى من نوع البوم عرف باسم (الحصان).

مؤلفاته:

نظرًا لما عرفه من معارف بحرية وفلكية اكتظت بها ذاكرته ارتأى النوخذة ابن قطامي – بطلب وإلحاح – أن يضع بعض المؤلفات الإرشادية لإخوانه من نواخذة الخليج والجنوب العربي، توضِّح لهم  المجاريَ الرئيسةَ إلى الهند واليمن وشرق أفريقيا وكان من أبرزها:

  1. دليل المحتار في علم البحار، وقد أصبح مرجعًا مهمًّا ومرشدًا للعديد من نواخذة الخليج العربي وعمان وحضرموت، يسترشدون به في رحلاتهم التجارية إلى الهند وشرق أفريقيا واليمن، وصار موجودًا في صناديق العديد منهم.
  2. المختصر الخاص للمسافر والطواش والغواص، وقد ألَّـفه خدمة لحرفة الغوص على اللؤلؤ ورجالها.
  3. كتاب عن أوزان اللؤلؤ .
  4. عمان والجبل الأخضر، وبحث فيه الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لسلطنة عمان.
  5. كتاب اللهجات، وقد حاكى فيه جميع لهجات بلدان الخليج العربي واليمن والحجاز، مستشهدًا لها بأبيات من شعره .
  6. مجموعة قصائد شعرية شعبية في فنِّ الموَّال البحري الكويتي، تسمَّى (زهيريات)، أشار إلى بعضها في كتابه (دليل المحتار)، ومنها قوله:

لو علموني هلي في مصر أو بيروت

لابدع عجايب لكم تذكر بعد ما موت

لكن ويا للأسف كم واحد منعوت

يعرف من العلم أبوابه ولاينفع

ولافتح باب لأبناء الوطن ينفع

ولا تصدى يألف له كتب تنفع

هذا وعندي مثل هذا عساه يموت

وكان أيضا يجيد نظم قصائد التاريخ على الحروف الأبجدية  ومن ذلك مؤرخا بيت ابن خاله الفاضل محمد ثنيان الغانم:

خير ذكرى يا خليلي حزته       هو تشييدك كهف المعوزين

قال أرخ قلت خذ تاريخه         قف تجده مفتحا للوافدين

                                سنة  1332هـ                  592  529  211

انتقاله إلى عمان ووفاته بها:

في ظروف غامضة لم يشر إليها أحد من الباحثين الكويتيين الذين تحدَّثوا عنه، رحل النوخذة ابن قطامي عن مسقط رأسه الكويت إلى ميناء مسقط بسلطنة عمان عام 1346هـ (1927م)، لكنَّه لمْ يعشْ طويلًا في منفاه – على حد تعبير د. يعقوب الحجي – فقد توفي عام 1348هـ (1929م)، ودفن في مقبرة تحت جبال مسقط رحمه الله تعالى ([3]).

رحماني عيسى القطامي:

الشهير بين ملَّاحي الحامي بـ (رحماني ابن قطامي)، الذي ألَّفه العلَّامة الشاعر الربَّان عيسى بن عبدالوهاب بن عبدالعزيز القطامي سنة 1334هـ ، وقد تناقله الملاحون الحضارمة، واصطحبوه معهم في رحلاتهم الملاحية دليلًا ومرشدًا لسفنهم الشـراعية في أعالي البحار حتى صارتْ لا تذكر المرشدات البحرية أو الرحمانيات إلَّا وذُكِرَ على رأسها رحماني ابن قطامي، وعلى الرغم مِنْ أنَّهُ متأخرٌ في التأليف فإنَّه سارتْ به الرُّكبان، وانتشر في شتى الموانئ والبلدان؛ لسهولة عبارته وبساطة دلالته، حتى قال أحد شعراء الحامي، وهو الشاعر الشعبي عمر عوض باحسن الشهير بالعوش (ت 1974م) مفتخرًا بخبرته وخبرة قومه الملاحية:

دير حاكمة والعرف في الرأس

مانا معوّل على مجراك يا بن قطامي

ثنعشر سنة نصري بها من منيبار إلى

منمبي ولا رمي لها بلد عالمنتاخ

    أي أن عنده دير – جمع ديرة وهي البوصلة البحرية – محكمة والعرف، أي المعرفة البحرية في رأسه دون أن يرجع أو يعتمد على أي رحماني.

      ومع ذلك كُلِّه فإننا نرى كبار ملاحي وقباطنة الحامي يصطحبون معهم في صناديقهم الملاحية كتاب ابن قطامي، وكأنَّ لسان حالهم قائلٌ: مهما عرفْنا من العلوم البحرية وخبرناه من المعرفة الفلكية فإننا بحاجة إلى علوم الآخرين؛ لنستعين بها، وهكذا كل واحد يكمل الثاني، والكمال لله سبحانه وتعالى.

          لقد حل رحماني ابن قطامي عند ربابنة الحامي وغيرهم من ربابنة حضرموت في المكان الأسمى، فقد ارتشفوا من علمه متتلمِذِين على مؤلّفه في مجاريه البحرية، ومُعتَمِدِيْنَ عليه في رحلاتهم التجارية إلى موانئ الخليج، كمسقط، والبصـرة، وموانئ الهند كبومباي وكاليكوت ومنقرور، وموانئ شرق أفريقيا كزنجبار وممباسة، ولكنهم لم يأخذوا بقياس ابن قطامي لخطوط الطول والعرض وإنما يعتمدون فيه على قياساتهم ومدوَّناتهم الشخصية، فتجد كلَّ رُبَّانٍ منهم له قياساته الخاصة في معرفة ميل الشمس، واستخراج خطوط الطول والعرض لكل ميناء يقصدونه كما تبيِّنه لنا ما وقفْنا عليه من مخطوطاتٍ لدليلِ المحتار عند ربابنة الحامي، هذا بالنسبة للربابنة الذين لهم الخبرة في ذلك، أمَّا النواخذة فهم يعتمدون على قياسات ابن قطامي رحمه الله تعالى.

          وسبب انتشار كتاب ابن قطامي – دليل المحتار – بين ملاحي حضـرموت وذلك أن مؤلِّفه استقر بميناء مسقط عام 1926م، وكانت مسقط ملتقًى لملَّاحي حضـرموت مع غيرهم من ربابنة الخليج، ولا يكاد يخلو ميناؤها من السفن الحضـرمية – الحامية –  التي تتردَّد عليه بين الحين والآخر، وكانت تلك اللقاءات العلمية التي كانتْ تتمُّ في مكاتب الدلَّالين والوكلاء هي الوسيط في التعرُّف على المؤلِّف والمؤلَّف، واطلعوا على الكتاب وقاموا بنسخه .

          وقد وقفْتُ على نسختين مخطوطتَيْنِ من كتاب (دليل المحتار في علم البحار في ميناء الحامي)، فضلًا عن العشرات من النسخ المطبوعة في طبعتيها الأولى 1923م، والثانية 1950م.

المخطوطة الأولى: كتبها الربان أحمد عوض محمد عيديد (ت 1952م)، وذلك عندما ظهر الكتاب في بداية العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري، وهذه النسخة تكاد تكون كاملةً لولا أنها غيرُ مرتَّبة الأبواب.

          وقد أضاف إليه أخوه الربَّان محمد عوض عيديد (ت: 1938م) قياس المسافة بالأميال بين موانئ المحيط الهندي من عدن إلى البصرة، وكذلك خطوط الطول والعرض، ولم يَعْتَمِدَا فيها على قياسات ابن قطامي كما أسلفْنا ذكرَه، وإنما اعتمدا على حسابهم الشخصيِّ وملاحظاتهم اليومية.

          وغالبًا ما يسترشدون بكتاب ابن قطامي في مجاري موانئ الهند من بمبي إلى منيبار وكاليكوت ومنها إلى سورت وغيرها من الموانئ الهندية، ولهذا جاء الكتاب ناقصًا من بقية فصوله، كما توجد عليه القواعد الحسابية التي يذكرها ابن قطامي مع الإضافة عليها بعض الطرق المعروفة بينهم وذلك لاستخراج ميل الشمس والطول والعرض وغيرها.

 المخطوطة الثانية: قام بكتابتها الربَّان الفلكيُّ محمد بن عبدالله باعباد عام 1949م، وهي ملخَّصٌ لكتاب (دليل المحتار) باللهجة الحضـرمية، قسَّمه كالتالي: الباب الأول في صفة المناتخ ، والباب الثاني في صفة جبل المياني وخور ميان، والباب الثالث في صفة منقرور فتن والسفر إليها، والباب الرابع في صفة سورة ونتوخها والسفر إليها، والباب الخامس في صفة بنادر مليبار والسفر إليها.

          وقد لخَّص فيها المجاري البحرية للموانئ الآتية:

          من بروم إلى البصرة، ومن البصرة إلى سيحوت، ومن عدن إلى اليمن، ودخول السواحل وخروجها (سواحل شرق أفريقيا) من قصيعر إلى مازيوه ومن زنجبار إلى ضبة، ومن جزيرة كمران إلى جيزان.

          ولخَّص أيضًا في آخره القواعد الرياضية لاستخراج الطول والعرض، ومعرفة حساب الباطلي، وكيفية معرفة مواقع النجوم وغيرها من القواعد بأسلوب الربَّان الماهر والفلكي الحاذق، وأضاف لها الأمثلة التطبيقية ليسهل فهمها للربان ([4]).

          وقد وقفْتُ على نسختين من النسخ المطبوعة لكتاب دليل المحتار، وهي كالآتي:

النسخة الأولى: من الطبعة الأولى التي طبعها مؤلِّفها سنة 1342هـ (1923م) في مطبعة دار السلام ببغداد، وهي في حوزة النوخذة محمد بن عبدالرحمن بن محمد باهارون، وهي من أملاك النوخذة الكويتي المعلِّم عبدالله بن خليفة الحاج صادق،تملَّكها سنة 1344هـ (1926)، وقد كتب اسمَه في الصفحة الأولى باللغة الإنجليزية وفي الصفحة الأخيرة بالعربية، وكتب تحته (كويت) وسعرها 4 ربية، ويظهر أن النوخذة باهارون اشتراها منه، أو لعله أهداها له، والأول أقرب؛ لأنه لم يصرِّحْ بالإهداء على النسخة كما هو معروف. 

والنسخة الثانية: من الطبعة الثانية التي طبعت في مصـر سنة 1369م (1950م)، وعليها تملُّـك للنوخذة أحمد بن محمد بن عبدالله باعباد.

وقد أفردْنا الربَّان القطامي بدراسة خاصة تتحدَّث عن معارفه الملاحية وشهرته العلمية بين ربابنة حضرموت وجنوب الجزيرة العربية بعنوان: (الربّان الكويتي عيسى القطامي وأثره المعرفي في الملاحة العربية في المحيط الهندي) يسَّر الله إكمالها.


([1]) طبعت لأول مرة في مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت 2012م.

([2]) دليل المحتار في علم البحار ص 68 ، 88 ، الطبعة الأولى ، مطبعة دار السلام ، بغداد.

([3])  مرجع الترجمة: دليل المحتار في علم البحار ص 2-4 مطبعة دار السلام بغداد 1342هـ ، ونواخذة  السفر الشراعي في الكويت للدكتور يعقوب يوسف الحجي ص 42- 46، مركز البحوث والدراسات الكويتية 2005م.

([4]) باعباد ، تلخيص رحماني النوخذة ابن قطامي (تحت الإعداد والتحقيق).

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر