عائدة

مسعود علي الغتنيني

يتذكرها سكان القرية، ويتذكرون تندُّرَهم على نحافتها اللافتة، فكانوا يتهامسون بلمزها في مجالسهم المكتظة كلما رأوها تذرع طرقات القرية ذهابًا وإيابًا.. اعتادت السكن في بيت جدتها في أقصى القرية بسبب تقتير أهلها عليها، وعلى أخواتها اللائي يضج بهن ذلك البيت الضيق، فليس هناك متسع أو طعام يكفي الجميع، فالأوضاع التي يمر بها بلدها الممزق قد وصلت حدًّا لا يطاق. فضّلت العيش عند جدتها تخدمها وترعاها وتجد عندها ما لا تجده في بيتهم، وخالها يرسل لها مصروفًا شهريًا مع مصروف جدتها نظير رعايتها واهتمامها بها.. بقيت على هذه الحال أعوامًا.. حتى أتى ذلك اليوم الذي سمعت فيه أباها يعرض على أختها الكبرى رجلًا قادمًا من إحدى دول الجوار يبحث لنفسه عن عروس، وكانت أختها ترفض بشدة رغم إصرار والدها وإلحاحه عليها.. وقفت برهة تستمع لذلك الجدل وصوت أبيها الصاخب يرتفع مختلطًا بعويل أختها المتوسِّل حتى كاد يتنبه له جيرانهم المتحفِّزون.

تغلبت على خجلها، واقتربت منهم، حاولت تهدئة والدها إلا أنه كان في أقصى درجات الغضب، اقتربت منه أكثر حتى أمسكت بيده المرتعشة، وهي تقول:

– أنا على استعداد للزواج منه إن هي رفضت!!

– أنا لا أريدكِ أنتِ، بل أريدها هي، أو واحدة من الأخريات، فأنت قد كفانا خالك مؤنتك!!

قالت لا شعوريًا:

– أنت ما زلت ملزمًا بي، وما يجود به عليَّ خالي ليس لك علاقة به.

استشاط والدها غضبًا، وكاد أن يفتك بها لولا تدخل والدتها التي منعته من الاقتراب منها، ولم تزل به حتى غادر البيت مزمجرًا:

– عليكن حسم أمركن، واحدة منكن لا بدَّ أن تتزوج هذا الرجل.

عاد والدها في المساء متجهِّمًا.. حاول إقناع الأخريات فلم يستجبن له، ولم يكن أمامه إلا هي.
وافقت على مضض.. ولم تمض سوى أيام قليلة حتى زفت بزفاف رمزي وخلال ساعات معدودة وجدت نفسها خلف الحدود.

بدأت الحياة تدب في جسدها المهدود، فقد رأت عالمًا لم تتخيله حتى في أقصى أحلامها الجامحة.. فها هي في فيلا فخمة، مصمَّمة على أحدث طراز، تزينها الزخارف والمنمنمات الجميلة، والفسيفساء الزاهية، يحيط بها سور جميل، وتكسوها خضرة نضرة، وأشجار بديعة، ومسبح فسيح، ويقوم على خدمتها طاقم من الخدم، وعلى سيارتها سائق خاص، وأسواق، ومولات، وشاليهات، ومتنزهات…

ولكن! كان هناك شيء مفقود!! حاولت في البداية أن تتجاهله، وسعتْ جاهدة للتغلب عليه، لكنها لم تستطع، فقد كان الأمر أكبر منها.. أخذت تسأل نفسها كيف ستواجه زوجها وهل سيتقبل ذلك؟ ماذا سيقول لها؟ وماذا ستكون ردة فعله؟

أخذت الأسئلة تتزاحم على مخيلتها المجهدة.. ولم تَدْرِ ماذا تصنع. تذكرت ذلك اليوم البعيد الذي واجهت فيه والدها الغاضب.. أعطاها هذا الموقف شجاعة كافية لتواجه زوجها مثلما واجهتْ والدها. أخبرت زوجها أنها لا تستطع العيش معه، وأن هذه الفيلا وهذا البلد لم يعودا يتسعان لها، ولا تستطيع التحمل أكثر، وأنها تريد المغادرة..!

نزل الأمر كالصاعقة على مسامعه الواهنة، وجنَّ جنونه.. فأخذ يضربها بقسوة بالغة حتى سالت الدماء قانية

من فمها:

-كيف لا تستطيعين العيش هنا؟! ألا تتذكرين كيف كنت تعيشين في بيت أبيك الخاوي؟ هذه الحياة المترفة تحلم بها كل بنات قريتك البائسة، أخبريني لماذا لا تستطيعين العيش هنا؟ هل لديك شيء تُخْفِيْنَهُ عني هيا تكلمي تكلمي؟

أجابت باكية وهي تمسح الدم النازف والدمع المتساقط:

– لو كنت أخفي شيئًا لما قَبِلْتُ بِكَ.. ألا تعلم أني قبلت بك من بين كل أخواتي.. أنا لا أستطيع العيش هنا لأسبابي الخاصة، إنها أسباب تخصُّني وحدي، لا تجبرني على البقاء! حتى لا تجدني يومًا معلَّقة على إحدى شجيراتك الأثيرة.. دعني أعود إلى بلدي لا أريد منك شيئًا.

– لن تغادري أي مكان وسوف تبقين هنا إلى الأبد.

قال كلمته الأخيرة وهو يغادر الفيلا المضطربة، ويغلق الباب خلفه بعنف حتى سُمع صريره من على بُعد أمتار.
   بقيت أكثر من شهر حبيسة غرفتها الموحشة لا تغادرها مطلقًا. ولم يَعُدْ هو يزورها أو يسأل عنها حتى نما خبُرها إلى أحد أقاربها فتدخل في الأمر وضغط على زوجها ببعض أقاربه للسماح لها بزيارة أهلها والمكوث عندهم مدة فربما غيَّرتْ رأيها.. وافق زوجها على رحيلها بعد إلحاح شديد.

تغيَّر كل شيء فيها، اكتست نضارة طاغية، وبدت عليها آثار النعمة، فاكتنزت أردافها، وامتلأ جسمها، ولم تعد تلك الفتاة التي يتندَّرُ بها الجميع.. بل فتاة أخرى فاتنة عادتْ لتذرع شوارع قريتهم المنهكة من جديد!

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر