لهجة حضرموت (4)

محمد عوض محروس

المشترك بين لهجة حضرموت والمتبقي من اللغات العربية الجنوبية القديمة

المهرية والشحرية والسقطرية:

    يتحدث الناس في محافظتي المهرة وجزيرة سقطرى اليمنيتين ومحافظة ظفار العمانية بما بقي من اللغات العربية الجنوبية القديمة، التي اصطلح على تسميتها باللهجات المهرية والسقطرية والشحرية أو الجبَّالية كما يطلق عليها أيضًا نسبة إلى سكان جبال ظفار، وهذه المناطق التي ما زال أهلها يتخاطبون ويصوغون إبداعاتهم بها إلى جانب اللغة العربية الفصحى كانت في الماضي ضمن أراضي مملكة حضرموت القديمة، حيث يقول علي سعيد باكريت: »كانت المهرة في تاريخها القديم جزءًا من مملكة حضرموت التي امتدت نفوذها إلى مساحة واسعة من بير علي غربًا وحتى ظفار شرقًا.. وجزيرة سقطرى خضعت أيضًا لملك بلاد اللبان كما جاء في الكتابات التاريخية القديمة«([1])، وظلت تلك المناطق ضمن حضرموت خلال العصور الوسيطة، حتى استعان آل عفرار المهرة بالبرتغاليين لمواجهة الدولة الكثيرية الأولى في القرن السادس عشر الميلادي([2])، وبقيت ظفار هي الأخرى ضمن حضرموت اسميًا عندما عمَّت الفوضى القبلية كل أنحاء حضرموت بضعف الدولة الكثيرية الأولى، ثم سقوطها في عام 1838م، وهو الأمر الذي أدى في الأخير إلى دخول عسكر السلطان تركي بن سعيد بن سلطان آل سعيد إلى ظفار في عام 1879م، ويعني ذلك أن حضرموت والمهرة وظفار وجزيرة سقطرى شكلت خلال العصور القديمة والوسيطة وحدة سياسية متكاملة.

      وبالإضافة إلى وحدتها السياسية شكلت حضرموت مع المهرة وظفار وجزيرة سقطرى منطقة اقتصادية واحدة، اشتهرت طوال تاريخها القديم بإنتاج وتصدير أهم وأغلى المنتجات الزراعية في ذلك الزمان، حيث تحدث علي سعيد باكريت عن »المهرة باعتبارها أحد أجزاء هذه المملكة، مثَّلتْ مع ظفار منطقة الثروة الاقتصادية لحضرموت، ففي أرض المهرة وظفار وجدت أشجار اللبان التي كانت أهم سلعة تجارية في ذلك الزمان«([3]). كما تحدث صاحب كتاب (الطواف حول البحر الإرتيري) عن وجود أشجار اللبان في جزيرة سقطرى، وعن نقل اللبان إلى ميناء قنا من داخل حضرموت وسواحلها([4]).

     لقد كان المهرة والشحرى والسقطريون شركاء مع الحضارم في البناء الحضاري القديم الذي شهدته حضرموت في العصور القديمة، الأمر الذي يؤكد أن المهرة قدماء في أرضهم، ولا يوجد من ينازعهم عليها، أو يدعي ملكيتها، ولا يوجد من يطالبهم باستعادة الأرض التي قدموا إليها كما يقول بعض كُتَّابهم بأنهم نزحوا إليها من مأرب بعد تهدم السد في أواخر القرن السادس الميلادي([5])، ويعد عالم اللغات اليهودي إسرائيل ولفنستون في كتابه (تاريخ اللغات السامية) والعالم الألماني نولدكه في كتاب (اللغات السامية) أن اللغة المهرية يرجع عهدها إلى ألف سنة قبل الميلاد، بينما يرى علي بن محسن آل حفيظ »أن عمر المهرية أطول وأكبر من فترة الألف سنة قبل الميلاد«([6]).

   وتحدث علي بن محسن آل حفيظ عن الصلات الوثيقة بين اللغات المهرية والشحرية والعربية الفصحى، ولكنه لم يكن موفقًا في قوله: »إن اللهجة الشحرية هي الامتداد الطبيعي للهجة المهرية الحديثة إن لم يكن كلامهما مشتقًا من مصدر واحد هو اللهجة الحميرية القديمة«([7])؛ حيث ابتعد كثيرًا عن حقائق الجغرافيا والتاريخ الفعلي وليس الوهمي؛ نظرًا لتباعد ديار حمير عن المهرة وظفار، ونظرًا لتأخر ظهور حمير زمنيًا عن تكوُّن لغتي المهرة والشحرى، حيث تكون التحالف الحميري الذي يزعم البعض انتساب المهرة إليه في مدة قريبة من ميلاد المسيح، وحمير ليست قبيلة واحدة، فقد وردت في النقوش كتحالف قبلي ((أشعب حميرم) (Ja 576) أي شعوب حمير))([8])، وظهرت دولة حمير للوجود سنة 115 قبل الميلاد، بينما اللغتان المهرية والشحرية قديمتان قدم وجود المهرة والشحرى في أرضهم، ولا يوجد أي أثر للغة المهرية بين تحالف حمير.

  وبالنسبة للغة السقطرية هناك استنتاج لعضو البعثة اليمنية السوفييتية العالم الكسندر سيدوف يقول فيه إنه: »من المحتمل أن هذه القبائل الناطقة بالسقطرية قد تواجدت في الجزيرة في الألف الثاني – الأول قبل الميلاد نازحة من المناطق الساحلية لجنوب الجزيرة العربية، والتي كانت تتبع بصورة مباشرة لمنطقة حضرموت«([9]).ويرى المستشرق الإنجليزي بنت Thoder Bent »أن الأحوال اللغوية في جزيرة سقطرى تدل على وجود صلات وثيقة باللغة المهرية« منذ »الزمن الذي وضع فيه كتاب الرحلة، وهو الزمن الذي كانت فيه تبعية جزيرة سقطرى لمملكة حضرموت«([10]). وكما هو معروف فإن كتاب (الرحلة) أي (الطواف حول البحر الإرتيري) وضع بعد زيارة مؤلفه المجهول لسواحل بلاد العرب الجنوبية في القرن الأول للميلاد كما يرجح أغلب الباحثين، والتواصل بين سكان الجزيرة وسكان سواحل حضرموت والمهرة وظفار لم يتوقف منذ القدم، إلا أن الهجرات الأكبر والأوسع من المهرة إلى جزيرة سقطرى تمت في القرن السادس عشر الميلادي في أثناء مقاومة الغزو البرتغالي للجزيرة([11])، وهذا يعني أنها تمت بعد تكون اللغة السقطرية بوقت طويل.

  وظلت لغة حضرموت حية على ألسن الناطقين بها لمدة طويلة من الزمن، وقد وجدت آلاف النقوش التي كتبت بها داخل حضرموت وخارجها، إلى أن أصبحت اللغة السبئية هي اللغة الرسمية في حضرموت ابتداءً من القرن الرابع الميلادي، وذلك بعد احتلال جيش أعراب مملكة حمير([12])، وبدأت اللغة العربية الفصحى تأخذ مكانها على ألسن الحضارم، خاصة في المناطق الغربية، فيما بين مدينة شبوة عاصمة حضرموت القديمة في الشمال وميناء قنا على بحر العرب في الجنوب، وفي منطقة الكسر والمناطق المجاورة لها في غرب وادي حضرموت، حيث فرضت القبائل الناطقة بالسبئية لغتها كلغة رسمية، وتعاملت قبائل كندة ومذحج وغيرها من القبائل التي قدمت من نواحي عسير ووسط الجزيرة العربية باللغة العربية الفصحى في كل معاملاتها وعلاقاتها في حضرموت، واحتفظ الناس في بقية مناطق المملكة (المنكوبة) حضرموت، بلغتهم القديمة التي اندمجت مع مرور الأيام والسنين مع اللغة العربية الفصحى، وكان من نتيجة ذلك الاندماج اللهجة المحلية التي يتحدث بها اليوم أهل حضرموت، بينما ظل الآخرون في بعض مناطق المملكة، المهرة والشحرى وغيرهم من سكان ظفار والسقطريون محتفظين بلغاتهم القديمة إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله في قادم الأيام.

  واللهجة الدارجة في حضرموت اليوم ليست بعيدة عن اللغات المهرية والسقطرية والشحرية (الجبَّالية)، فهناك كثير من المشترك الذي يجمع بينها، وقد تحدث علي بن محسن آل حفيظ عن التأثير المتبادل بين اللغتين المهرية والشحرية ولهجة حضرموت بقوله: »من المنطق السليم ربط المنطقة الساحلية الممتدة من المكلا إلى منطقة (الجازر) و(رأس الحد) و(جزيرة مصيرة) باسم بلاد مهرة في فترة من الفترات التاريخية.. ولا يقلل من هذا الاستنتاج عدم تداول اللهجة المهرية أو الشحرية في بعض هذه المناطق، علمًا بأن الآثار اللفظية لهذه اللهجات موجودة اليوم على ألسنة الناس«([13])، كما تحدث عن لغة المهرة في المناطق الواقعة بين جبل فرتك وقرية العيص في غرب محافظة المهرة بقوله: »المهرة يعتبرون لغة هذه المناطق أصوب وأثبت من مهرية بقية المناطق، غير أننا نظن خلاف ذلك، حيث إن لغة هذه المناطق أكثر عرضة للاحتكاك بلغات أخرى.. وذلك لقرب الأقسام الجنوبية والغربية من محافظة المهرة من ساحل حضرموت ومنطقة المشقاص بالذات، إن لهجة المهرة في هذه المناطق على صلة قوية بلغة سكان منطقة المشقاص -تمتد من مدينة الديس شرق مدينة الشحر إلى قرية حساي الواقعة غرب بلدة العيس- ولهجة سكان هذه المناطق لهجة عربية ظنية، والبعض يسميها كثيرية، وعلى العموم هي لهجة حضرمية«([14]).

  كما تحدث آل حفيظ عن تأثير اللغتين المهرية والشحرية ولهجة حضرموت في اللغة السقطرية بقوله: »إن اللهجة السقطرية مكونة في غالب مفرداتها اللفظية من اللهجة الشحرية، تليها اللهجة المهرية في المرتبة الثانية، ثم اللهجة الحضرمية (عربية) ولا سيما لهجة المكلا والشحر. وإذا ما حاولنا قياس اللهجة السقطرية إلى أي من اللهجات الأخرى تعود قرابتها، قلنا إنها إلى الشحرية أقرب من المهرية والحضرمية«([15]).

   ويرى علي بن محسن آل حفيظ أن مقولة أبي عمرو بن العلاء الشهيرة »(ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا) لا تخرج عن كونها إشارة إثبات ودلالة وضوح على الإقرار بتعدد الألسن واللهجات بين العرب، ليس هذا فحسب بل إن التعدد في اللهجات والتباين في اللهجة الواحدة لحادث اليوم كما نلمسه من واقع الحال في البلاد العربية مثلًا من الاختلاف والتمايز في لهجات المناطق والمدن في الإقليم الواحد«، وهناك من قال بخلاف ذلك، »ولعل الهمداني من الذين يفترض فيهم المعرفة الكاملة -من كُتَّاب عصره- بلغة مهرة وخصائصها ومنحدرها.. إلا أن الأمر بخلاف هذا لدى الهمداني، حيث الذي دونه عن (لغات) مهرة لا يتعدى الجاهل بالشيء، قال في (صفة جزيرة العرب): وأهل الشحر والأسعاء ليسوا بفصحاء مهرة غتم يشاكلون العجم.. وهذا يدلل على جهل الهمداني بلسان مهرة.. ويبدو جهل الهمداني بأرض مهرة واضحًا وجليًا.. فيبدو من حديثه العابر أنه لم ير هذه المنطقة ولم يعاشر أهلها، وإنما أخذ معلوماته عن (مهرة) من الرواة، وهذا أحد المآخذ على الهمداني، ومن الجلي جدًّا أن رواة الهمداني عن مهرة ولهجاتهم من ذلك الصنف الجاهل الأُمِّي أو المتعمِّد الإساءة للمهرة«([16])، وهنا يبرز التناقض واضحًا بين ما رواه الهمداني عن أنساب المهرة، وما كتبه عنهم وعن لغتهم.

   وحديث علي بن محسن آل حفيظ عن جهل الهمداني ببلاد العرب ولغاتهم ليس جديدًا، فقد سبقه الشيخ حمد الجاسر في ترجمته للهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) بالحديث عن جهل الهمداني ببلاد نجد ومنازل القبائل في الجزيرة العربية([17])،وقال عنه إنه: »كان مشهورًا بالكذب في الأنساب مع معرفته بها«[18])، كما تحدث محمد عبدالقادر بامطرف في ملاحظاته على ما كتبه الهمداني عن جغرافية حضرموت عن جهل الهمداني بحضرموت وأهلها([19]).

  على الرغم من ذلك فإن اللغات الحضرمية والمهرية والشحرية (الجبَّالية) والسقطرية هي لغات عربية جنوبية قديمة، وهي إذن عربية في أصلها ومنشأها، والناطقون بها عرب، وهناك كثير من المشترك بينها وبين اللغة العربية الفصحى، وكلها ما عدا اللغة الحضرمية ما زالت حية على ألسن الناطقين بها، وهي تنفي عن نفسها كل التهم والأوصاف السيئة التي وصفها الجاهلون بها، ليس هذا فحسب، بل إن اللغات المهرية والشحرية والسقطرية أصبحت اليوم موضوعة للبحث والدراسة والتعلم في بعض البلدان العربية والأوروبية؛ حيث اهتمت بها مراكز الأبحاث، وفتحت مراكز خاصة لدراستها وتعلمها.

  وعن الامتداد الجغرافي للغة المهرية يقول علي بن محسن آل حفيظ: »مما يلفت النظر كبر المساحة الجغرافية للهجة المهرية أكثر من غيرها.. فهي موجودة في كافة بلاد المهرة المعروفة اليوم -مدنًا وبادية-.. وهي لغة الأغلبية، والكل يتكلمها ويتفاعل معها، فضلًا عن كونها أكثر اتساعًا من حيث الامتداد الجغرافي لمتكلميها، فقد تعدت منطقة المهرة إلى بعض جبال ظفار وبعض بواديها، حيث توجد بعض الامتدادات القبلية المتحدثة بالمهرية أصلًا، ليس هذا فحسب بل إن لهجتي الحراسيس والبطاحرة هي امتداد للهجة المهرية مع اختلاف لفظي طفيف«([20])، وهذا ما دعاه للقول: »ولعل هذه إحدى الظواهر التي جعلتنا نعتقد بأن اللهجة الشحرية ما هي إلا امتداد للهجة المهرية أيضًا«([21]).

  وهناك كثير من المشترك اللفظي بين اللغة المهرية واللهجة الدارجة في حضرموت اليوم، وبينها وبين اللغتين الشحرية (الجبَّالية) والسقطرية، وقد تحدث علي بن محسن آل حفيظ عن ذلك بإسهاب في كتابه (من لهجات مهرة وآدابها)، ويتأكد ذلك من خلال ما يتردد يوميًا على ألسن الناس في حضرموت والمهرة وظفار وجزيرة سقطرى من الألفاظ العربية الجنوبية المشتركة. ومن المشترك بين لهجة حضرموت واللغة المهرية الألفاظ الآتية:

اللفظ في لهجة حضرموتاللفظ في اللغة المهرية ([22])اللفظ أو معناه في الفصحى
بعيربعيرجمل
بختبختحظ
بخَصبخاصوجع
خسخسرديء، عدد فردي
زفنزفنرقص
سعيفسعيفمرافق، صديق
شُخُبشخوفالقليل من اللبن
فشِلفشِلعمل، شغل
فقحفقحنصف
كلانكلونعريس
لخملخيمسمك القرش
مطراقمطراقزقاق، شارع ضيق
هدَفهدفقصد للضيف القادم، والهادف هو الضيف وهو المولود الجديد
نتخ، نتَّخنتخللقارب أو السفينة القادمة من أعماق البحر
هرجهرجتكلم

   وفي المهرية يُمثل حرفا (التاء والدال) أحرف المضارعة، وهي تسبق الفعل كقولهم:

 د كوتب: أنا أكتب.

تكوتب: أنت تكتب.

د كوتب: هو يكتب للغائب.

سه تكوتب: هي تكتب.

د نكوتب: نحن نكتب.

  وهي على صيغة (د فوعل / تفوعل / د نفوعل) بإضافة أحرف المضارعة المهرية (الدال والتاء) التي تسبق الفعل([23]). وصيغة الفعل المضارع في المهرية هذه ترد أيضًا في لهجة حضرموت، عند أهل المعراب في غرب حضرموت كصيغة مبالغة للفعل المضارع، ولكنها ترد دون أحرف المضارعة المهرية (الدال والتاء)، وهي كقولهم:

هو يكوتب، هي تكوتب، نحن نكوتب.

هو يضوحك، هي تضوحك، نحن نضوحك.

هو يزوفن، هي تزوفن، نحن نزوفن.

  وهناك صيغة مبالغة أخرى للفعلين الماضي والمضارع عند أهل المشقاص في شرق حضرموت، وفي مناطق أُخرى من حضرموت كوادي دوعن، وهي مثل:

الفعل الماضيصيغة المبالغة للفعل الماضيصيغة المبالغة للفعل المضارع
فَعَلَفعوَليفعول
كَتَبَكتوَبيكتوب
ضَحَكَضحوَكيضحوك
بَكَىبكوَىيبكوي
شَرَبَشروَبيشروب
زَفَنَزفوَنيزفون
دَهَرَدهوَريدهور

    واللغة الشحرية (الجبَّالية) هي لغة أهل »المنطقة الجنوبية من سلطنة عمان، وتمتد جغرافية هذه اللهجة من بلدة ضلكوت الساحلية غربًا إلى منطقة حاسك وجزر الحلانيات (كوريا موريا) شرقًا، أما شمالًا فإلى أطراف مقشن والشصر وحبروت على حواف بادية الإقليم، وبصورة عامة فإن مجال اللهجة الشحرية يشمل كل رقعة ظفار مدنًا وسهولًا وجبالًا وبادية«([24]).

  وتغلب الفصحى على لسان سكان المدن خاصة صلالة عاصمة إقليم ظفار، وقد نُسبت الشحرية إلى قبائل الشحرى سكان ظفار القدماء، ويقول علي بن محسن آل حفيظ أن: »جبال ظفار هي مرتع الشحرية، لقد عرفت هذه الجبال لدى بعض الكتاب القدماء بجبال (شحير) وربما نسبت إلى اللهجة أو نسبت اللهجة إليها.. وقال بعضهم إنها لغة (الحَكلي) أو لغة (أحكلي) التسمية الحقيقية والمحلية لقبائل القرا«([25])، ويطلق عليها الآن الجبَّالية نسبة إلى متحدثيها سكان جبال ظفار الذين لا يتحدثون إلا هذه اللغة وسط تلك الجبال.

  وتشترك اللغة الشحرية (الجبَّالية) في كثير من المفردات والمصطلحات مع لهجة حضرموت منها:

اللفظ في لهجة حضرموتاللفظ في اللغة الشحرية (الجبَّالية)([26])اللفظ أو معناه في اللغة الفصحى
جلزجلزتالأرض الخالية من البلل التي يستطيع الناس السير عليها عند نزول المطر
خيصةخيصتخليج صغير
زهدزهادخمن، عرف
سلبسلابسلاح
شُحُفشحفجزء صغير مسنن من الخشب أو من لحاء الشجر
طُلُقطلقحرٌ طليق
طُهُمطهماختفى ولم يعد له أثر
عُرِيعِريقِط
غلَبغلبرفض
فرفرطار (للطائر أو ما شابه)
قليد / اقليدقلدمفتاح خشبي
مُيمِجملأ الفم من الماء
موفرمفرالطبقة الواحدة من البناء بارتفاع خمس مدرات من اللبن النيء أو فصلين من الحجر

  وبيئة اللغة السقطرية هي أرخبيل سقطرى، ومن المشترك اللفظي بين لهجة حضرموت واللغة السقطرية التالي:

اللفظ في لهجة حضرموتاللفظ في اللهجة السقطرية([27])اللفظ أو معناه في الفصحى
بعيربيعر وتُجمع على أبعرجمل
جَحيجاحي / جيحيالحجي في حضرموت هو الأرض المسطحة المرتفعة عن مجاري المياه، وهي المقد والجول والسوط، أما في السقطرية فالجاحي أو الجيحي هي الأرض التي مر بها السيل  
اللفظ في لهجة حضرموتاللفظ في اللهجة السقطريةاللفظ أو معناه في الفصحى
حُصحَصحصحصأحجار صغيرة جدًا تحملها الرياح تحفي عين الإنسان، وتعيب التمر الذي تعرض للرياح
خطخطرسالة
زملزمالوهو الشوار الذي يوضع على ظهر الحمار أو البعير كالبردعة والحقيبة وغيرها
شُخُبشخف / شخافالقليل من اللبن
صُفُرصُفُرنحاس
غُبَةغُبةأعماق البحر، وهي أيضًا عقدة في حبل
غدفغدفاصطاد اسماك العيد (الساردين) أو غيرها من الأسماك الصغيرة بشبك المغوير
قرحقرحانفجر
كبسكبسردم
كراءكراءأجرة البيت أو المحل أو النقل
لحلوحتعبير عن صلة القرابة أي النسب الأكثر قربًا، كأن تقول هذا ابن عمي لح.
مجمرمجمارةمقطرة أي مبخرة كبيرة
نُخرَةنخررأنف

  ووفقًا لما قاله عالم الآثار والنقوش الكسندر سيدوف وعلي بن محسن آل حفيظ فإن اللغة السقطرية قديمة، وهي لغة القبائل والجماعات التي انتقلت إلى الجزيرة قادمة من سواحل حضرموت في حدود الألف الثاني -الأول قبل الميلاد، كما إن المشترك اللفظي للغات العربية الجنوبية القديمة، الحضرمية، والمهرية، والشحرية، والسقطرية واللهجة السائدة اليوم على ألسن الناس في حضرموت يؤكد الأصل والجذر الواحد لكل اللغات واللهجات القديمة في مساحة مملكة حضرموت القديمة.

  وهناك ثلاث لهجات أخرى مازالت سائدة على ألسن الناس في شرق محافظة المهرة في الجمهورية اليمنية، وفي شرق محافظة ظفار في سلطنة عمان هي:

  1. لهجة ال (حكيليوت) وهي لهجة مهرية كانت تُنسَب لقبائل القرا،وقد انقرضت هذه اللهجة من ألسن القرا،وبقية سائرة على ألسن أهل حوف في شرق محافظة المهرة،وهي تعرف اليوم بال (هيبيوت)([28]).
  2. لهجة قبيلة البطاحرة التي تعيش في المنطقة الممتدة ما بين جبل سمحان في الغرب وجزيرة مصيرة في الشرق في سلطنة عمان، وهذه اللهجة خليط من الشحرية والمهرية، وربما هي إلى الشحرية أقرب من المهرية نظرًا لقربها من ساحل منطقة الجازر وجبال ظفار مرتع الشحرية([29]).
  3. لهجة قبيلة الحراسيس في شرق ظفار، وهذه القبيلة تسكن نفس المنطقة التي تسكنها قبائل البطاحرة، ولهجتها »مهرية في معظم مفرداتها يداخلها شيء من التأثير من ألفاظ الشحرية والفصيحة معًا، مما جعلها تكتسب بعض الخصائص البيئية، إلا أنها تبقى في الجوهر مهرية صرفة«([30]).

   لقد تحدث كثير من الكتاب الذين كتبوا عن اللغات العربية الجنوبية القديمة المتبقية في البلاد العربية الجنوبية -المهرية والشحرية والسقطرية- كلهجات بما فيهم بعض الناطقين بها، أما في هذا البحث فقد تم الحديث عنها كلغات قائمة بذاتها نظرًا لبقائها حية على ألسن المتحدثين بها بعد اندثار اللغات العربية الجنوبية القديمة الأخرى في المنطقة، كما إن الحديث عن اللهجات التي تفرعت عنها يؤكد وجهة النظر هذه بأنها لغات قديمة أصيلة، وليست لهجات متفرعة عن لغات أخرى.

المراجع:

  1. الأنبالي أحمد بن سعيد بن خميس، تاريخ جزيرة سقطرى، مطبعة الصحابة العين – الإمارات العربية المتحدة، 2007م.
  2. آل حفيظ علي بن محسن، من لهجات مهرة وآدابها، مطابع النهضة، مسقط – عمان.
  3. باكريت علي سعيد، المهرة الأرض والإنسان، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 1999م.
  4. بامطرف محمد عبدالقادر، ملاحظات على ما أورده الهمداني عن جغرافية حضرموت في كتبه (صفة جزيرة العرب) والجزأين الأول والثاني من كتاب الإكليل، دار الهمداني للطباعة والنشر، عدن، 1984م.
  5. بن قطن أبو عمر عبدالعزيز سليمان الدهري، اللهجة السقطرية وما ورد منها في اللغة العربية، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الأمانة العامة صنعاء – مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء – دار حضرموت للدراسات والنشر، المكلا، 2004م.
  6. الجرو أسمهان سعيد (د)، موجز التاريخ السياسي القديم لجنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن القديم)، 1996م.
  7. سيدوف الكسندر، التنقيبات الأثرية في جزيرة سقطرى حضرموت القديمة والمعاصرة، الأبحاث الميدانية للبعثة اليمنية السوفييتية لعام 1987م، ج2، المركز اليمني للآثار والأبحاث الثقافية، سيئون، حضرموت.
  8. شهاب حسن صالح، أضواء على تاريخ اليمن البحري، دار العودة، بيروت، 1981م.
  9. فرانتسوزوف سرجيس (د)، تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده، تقديم وتعريب د. عبدالعزيز جعفر بن عقيل، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، صنعاء، 2004م.

10- القميري سالم لحيمر محمد، المهرة القبيلة واللغة، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2003م.

11- المسهلي محمد بن مسلم بن طفل، مفردات من اللهجة الشحرية، 1997م.

12- الهمداني الحسن بن أحمد، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع، دار الآداب، بيروت – لبنان، 1983م.


[1] – المهرة الأرض والإنسان، ص15.

[2] – المصدر السابق، ص20.

[3] – المصدر السابق، ص15.

[4] – حسن صالح شهاب، أضواء على تاريخ اليمن البحري، ص132, محمد عبدالقادر بافقيه، تاريخ اليمن القديم، ص183.

[5] – سالم لحيمد محمد القمبري، المهرة القبيلة واللغة، ص9.

[6] – من لهجات مهرة وآدابها، ص55.

[7] – المصدر السابق، ص20.

[8] – د. أسمهان سعيد الجرو، موجز التاريخ السياسي القديم لجنوب شبه الجزيرة العربية، ص207.

[9] – التنقيبات الأثرية في جزيرة سقطرى الأبحاث الميدانية للبعثة اليمنية السوفييتية لعام 1987م، ج2، ص204.

[10] – علي بن محسن آل حفيظ، مصدر سابق، ص97.

[11] – المصدر السابق، ص88.

[12] – د. سرجيس فرانتسوزوف، تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده، ص124، هامش رقم 15.

[13] – مصدر سابق، ص22.

[14] – المصدر السابق، ص121.

[15] – المصدر السابق، ص123.

[16] – المصدر السابق، ص100.

[17] – الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، ص14.

[18] – المصدر السابق، ص16.

[19] – ملاحظات على ما كتبه الهمداني عن جغرافية حضرموت، ص10- 25.

[20] – من لهجات مهرة وآدابها، ص56.

[21] – المصدر السابق، ص57.

[22] – ينظر: سالم لحيمر محمد القميري، المهرة القبيلة واللغة.

[23] – علي بن محسن آل حفيظ، مصدر سابق، ص58.

[24] – المصدر السابق، ص5.

[25] – المصدر السابق، ص5.

[26] – ينظر: الشيخ محمد بن مسلم بن طفل المسهلي، مفردات من اللهجة الشحرية.

[27] – ينظر: أحمد بن سعيد بن خميس الأنبالي، تاريخ جزيرة سقطرى، أبو عمر عبدالعزيز سليمان الدهري بن قطن، اللهجة السقطرية وما ورد منها في اللغة العربية.

[28] – علي بن محسن آل حفيظ، مصدر سابق، ص13، سالم لحيمر محمد القميري، القبيلة واللغة، ص202.

[29] – علي بن محسن آل حفيظ، المصدر السابق، ص22.

[30] – المصدر السابق، ص22.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر