محمد بن ثعلب “رحمه الله” وعُمْرٌ في حمل الهم التربوي

عمر عوض باني

    حين قدر لنا أن نحظى برؤيته، والتعرف عليه كان ذاك في مستهل ستينيات القرن المنصرم في (المدرسة الوسطى) بالنقع، كان ضمن ثلة من المعلمين الشباب خريجي السودان وكلية عدن، الذين تعينوا بالمدارس الوسطى. كنا يومها في الصف الأول من المرحلة الوسطى قادمين من المرحلة الابتدائية.

     ازددنا قربًا من محمد بن ثعلب رحمه الله حين تعين أستاذًا لنا في الجغرافيا في الصف الرابع المتوسط بعد أن انتقلت وسطى النقع إلى مبناها الجديد في الشرج في الربوة التي تشرف على العيقة، والتي تشغلها اليوم مدرسة سمية ، وقد عرفت يومها بمدرسة الجذمان، حيث كان الموقع ، قبل ذلك مكانًا معزولًا لمرضى الجذام خارج المكلا ويوم كانت الشرج محدودة البنيان والسكان في الجهة الجنوبية البحرية وقبل أن يمتد العمران إلى الهضبة التي يقع عليها ذلك المكان، حيث نقلوا ،بعدها إلى مكانهم الحالي في المنطقة التي تلي الغويزي.

ابن ثعلب والجغرافيا:

يذكر صاحب هذه السطور كيف كان محمد بن ثعلب يجول بهم في مواضيع جغرافيا الصف الرابع المتوسط، باذلًا الجهد في ترسيخ المعلومات لهم، رابطًا بين بعض المعلومات، وما يمر بهم من بعض الأمور من خلال سماعهم للمذياع ومحطاته المختلفة، الذي كان حاضرًا في حياتهم حضور التلفاز والحاسوب في حياة أجيال اليوم.

كنا نعد حينها لإكمال المرحلة المتوسطة وحوز شهادتها، حسبما يقتضيه السلم التعليمي، يومها، الذي كان يقسم مراحل التعليم، قبل الجامعة إلى ” 4،4،4: ابتدائي، متوسط، ثانوي”. كانت حصص الجغرافيا، تلك، تأتي ضمن حصص آخر النهار، حيث كانت المعلومات التي تسري في أجواء الصف، حينها، تنساب إلى أذهاننا مع نسيم العيقة العليل، الذي يهب عبرها قادماً من البحر، وخاصة في أشهر آخر العام، التي تأتي على مشارف الصيف.

وأكملنا المرحلة المتوسطة:

وانقضى العام وأكملنا المرحلة المتوسطة لنواصل الدراسة الثانوية، وكان من حظ دفعتنا أن أعقب تخرجها زيارة قام بها وفد تربوي عالي المستوى من السلطنة إلى عدد من الدول العربية طلبًا للمنح والمعونات التربوية فكان من نصيب جل أفراد الدفعة الذهاب فيما حصل عليه وفد السلطنة من منح دراسية. وكان من حظ زملائنا الذين ابتعثوا للدراسة في العراق مزاملة الأستاذ ابن ثعلب، بعد أن كان أستاذًا لهم، فقد ابتعث لإكمال الدراسة الجامعية، وكنا ننظر بعين الغبطة لأولئك الزملاء الذين أضحى أستاذهم زميلًا لهم!. وكان أكثر من يتخرجون من الثانويات من الخارج، وعددهم كان، في ذلك الوقت، محدودًا، وكان أكثرهم يلتحقون بالتدريس في المدارس الوسطى ليلبوا حاجتها، حتى تتوافر الفرص الجامعية للذين يودون مواصلة دراستهم الجامعية، وكان ابن ثعلب واحدًا من هؤلاء.

التدرج في السياق الأكاديمي:

ويعود الأستاذ محمد بن ثعلب ليمضي سنين في التدريس الثانوي في مستهل السبعينيات ليأخذ ارتقاءه في المجال الأكاديمي، إذ كان من أوائل من اختيروا للتدريس في أول نواة للتدريس الجامعي بحضرموت بافتتاح فرع لكلية التربية بحضرموت في منتصف السبعينيات.

وليس مجالنا بالطبع أن نسجل سيرة ذاتية للأستاذ ابن ثعلب، وإنما لنبرز الحس التربوي للرجل حيث لم ينسه الارتقاء في النطاق الأكاديمي المجال التربوي للنشء الذي استهل به حياته العملية. وظل على علاقاته وصداقاته مع زملائه من المعلمين، وفي مقدمتهم الأستاذ الفاضل أحمد سعيد باحبارة. لقد كان الأستاذ محمد بن ثعلب وفيًا لمن عاشرهم وزاملهم خلال مدة التدريس العام قبل أن يرتقي في مجال التعليم الجامعي، مما يجعله أهلًا لأن نصفه بتحوير بيت شعر قيل في صفات الكرام:

إن الكرام إذا ما (أكدموا) ذكروا

من كان يألفهم في الزمان الأولِ(1)

ومـع حلـول التسعيـنيـات تهيأت أسباب:

ومع حلول تسعينيات القرن المنصرم استجدت أوضاع وتوافرت أسباب، وتهيأت ظروف واتت ابن ثعلب ليحقق آماله، وليفرغ قدرًا كبيرًا من همه في خدمة العمل التربوي ورعاية الأجيال الناشئة عبر كيانات ومشاريع.

كان يومها قد قدم من المهجر الأستاذ الفاضل عمر محمد بن سهيلان، والأستاذ ابن سهيلان هو أستاذ الأستاذ ابن ثعلب، حين كان الأستاذ محمد طالبًا في الخمسينيات بالمدرسة الوسطى بالغيل، كما كان زميلًا له، بعد ذلك، بالمدرسة الوسطى بالنقع، حين كان ابن سهيلان مديرًا لها. وابن سهيلان، وإن كان قد غادر البلد بشخصه مدة، إلا أنه ظل بروحه حاملًا لهم الشأن التربوي في البلد، ووفيًا له من خلال التواصل بزملاء المهنة ممن عايشهم وزاملهم من التربويين، أمثال الدكتور ابن ثعلب.

وتتكون جمعية ليرأسها ابن ثعلب:

ومع اجتماع شمل الاثنين، وإخوان لهم من التربويين السابقين، مع زملاء لهم في مجال العمل الصحي، ومن خلال التدارس لخدمة البلد في شأن مجالين هامين أساسيين من هموم المجتمع، هما التربية والصحة، اتفق على تكوين جمعية تحت مسمى (الجمعية المساندة للتربية والصحة) لتضم ثلة من المهتمين بشأن التربية والصحة ممن أمضوا زهرة أعمارهم عطاءً في هذين المجالين، وكانت برئاسة الدكتور ابن ثعلب.

وكان للجمعية عطاء مشكور:

ورغم أن الجمعية لم تعمر طويلًا بمقياس السنين والأعوام، إذ توقفت بعد حين، نتيجة لبعض الظروف، ألا أنها عمرت عطاءً، وكانت ظهرًا مساندًا للتربية والصحة بما قدمته من خدمـات وبمـا وفرتـه من إمكانيات، كانت تفتقر لها بعض المؤسسات، وبما تبنته من ندوات لمناقشة الواقع التربوي والصحي في بلادنا، وكيف يمكن الارتقاء بهما.

وتمضـي الأيـام ويظل الهـم في النفس قائمًا:

وتمضي الأيام، ورغم تقدم أستاذنا الفاضل – رحمه الله- في العمر، إلا أنه ظل يؤرقه أمر هؤلاء التربويين الذين أضحوا في مرحلة التقاعد، والذين أفنوا أعمارهم في تربية الأجيال، لماذا لا يضمهم كيان يلتقون تحت مظلته ليقدموا لمجتمعهم ما تختزنه عقولهم من عظيم التجارب وما تزخر به أذهانهم مما مر بها خلال سني أعمارهم من جميل الأفكار.

وظل أستاذنا الفاضل يتحرك بالفكرة ويدعو لها من خلال اللقاء نصف الشهري، الذي يحضره ثلة من التربويين، والذي ينعقد بمنزل صديقه وشريكه في حمل الهم التربوي الأستاذ الفاضل أحمد سعيد باحبارة – أطال الله في عمره – وكذا من خلال التواصل مع آخرين ممن لا يتمكنون من حضور اللقاء. وصاحب هذه السطور واحد ممن كان يعرض الأستاذ الفاضل عليه الفكرة حين يلتقيه ويزوره في مسجد الرحمة القريب من بيته بفوه، ولقد كنت أعجب من حماس الأستاذ وما يبذله من جهد، رغم تقدمه في السن وما كان يعانيه من ظروف صحية، وما كان لديه من مهام واهتمامات أكاديمية، أعجب من حماسه والحنين الذي يعتمل في نفسه لشريحة المعلمين وهمومهم، رغم أنه قد غادر، وظيفيًا، صفوفهم منذ زمن ليس بالقليل. ولم يهدأ للأستاذ -رحمه الله-بالٌ حتى تم إشهار هذا الكيان تحت مسمى (المنتدى التربوي) ليمثل المتقاعدين من التربويين والتربويات، ويحمل همهم، ويمكنهم من تقديم عطائهم وإثراء المجال التربوي بتجاربهم وخبراتهم.

ابن ثعلب ووقفة وفاء للعطاء السوداني:

لا يسع كل من عاش التعليم في حقبته الزاهية في عقود منتصف القرن المنصرم أجواءً ومنهاجًا وكادرًا تعليميًا، لا يسعه إلا أن يهتبل أية فرص لقول كلمة وفاء وعرفان لهذا العطاء ، ولذا عندما دعا الإخوة في (منتدى حضرموت الثقافي) برئاسة الدكتور عبدالله باحاج ومتابعة الشاب النشط، وليد بازياد، إلى ندوة عن ذلك العطاء، وطلب من الأستاذ ابن ثعلب المشاركة في هذه الندوة عن هذا العطاء استجاب مباشرة ، وكان مما شرف كاتب هذه السطور أن كان شريكًا للأستاذ في هذه الندوة مع أستاذين فاضلين آخرين ممن نهلوا من ذلك العطاء هما الأستاذ الدكتور سالم عوض رموضة خريج السودان والأستاذ عبدالقادر سعيد بصعر ، وكانت ندوة عكست وفاء وعرفانًا ممن نهلوا من ذلك العطاء وكان الأستاذ ابن ثعلب أكثر من نهلوا من ذلك فقد نهل منه تتلمذًا في وسطى الغيل وابتعاثـًا لدراسة الثانوية في السودان ، ومزاملةً للأساتذة السودانيين في الستينيات في المدرسة الوسطى بالمكلا.

رحم الله أستاذنا محمد بن ثعلب وأسكنه فسيح جناته وجازاه عن تلاميذه ومجتمعه خير الجزاء.

___________________

1- تحويراً لقول الشاعر:

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا

من كان يألفهم في المنزل الخشن

وأكدموا: أعني بها: صاروا أكاديميين.

د. محمد بن ثعلب (رحمه الله)

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر