مقابلة مع روبرت بيرترام سيرجانت

د. أبوبكر محسن الحامد

أجرى المقابلة: د. أبوبكر محسن الحامد

ولد روبرت بيرترام سيرجانت (23 مارس 1915- 29 أبريل 1993م) في مدينة أدنبرة ، اسكتلندة، ومات في دنهيد، قرب سانت الدروز في أسكتلندة. تلقَّى تحصيله العلمي الجامعي في موطنه أسكتلنده، ثم التحق بكلية تريتيتي في كميبجردج؛ حيث أكمل فيها درجة الماجستير عام 1935م، ثم درجة الدكتوراه عام 1939م، وكان موضوع أطروحة الدكتوراه عن تاريخ المصنوعات النسيجية في العالم الإسلامي، عمل سيرجانت أستاذ كرسي للأدب العربي في جامعة لندن، مركز الدراسات الشرقية والأفريقية (1955- 1964م)، ومحاضرًا في التاريخ الإسلامي في جامعة كبمبردج، ثم أستاذ كرسي للأدب العربي بها عام 1970م خلفًا للمستشرق المشهور آرثر آربري (العمري، حسين، مجلة اليمن، ربيع ثاني 1426هـ، 227- 229). ولعل أهم أعمال سيرجانت هي:

1- صنعاء المدينة العربية الإسلامية، لندن، 1983م.

2- الصيد في جنوب الجزيرة العربية، 1976م.

3- نثر وشعر من حضرموت، لندن، 1951م.

4- التقاليد وحكم الشريعة في مجتمعات جنوب الجزيرة العربية، لندن، 1991م.

(انظر (اليمن) مجلة جامعة عدن، العدد (الواحد والعشرون)، ربيع ثاني 1426هـ، مايو 2005م).

 في عام 1940م توجه سيرجانت إلى عدن لأداء الخدمة العسكرية في جيش المستعمرات البريطاني، وبعد عام عاد إلى لندن، وتزوج عام 1941م من الطبيبة ماريان، وفي عام 1947م سافر سيرجانت وعائلته (زوجته وطفلاهما بيتر وباي) إلى اليمن، عدن فحضرموت، ليعمل باحثًا (زميلًا) في الجيش البريطاني، قسم البحوث الخاصة بالمستعمرات، مهمته “دراسة العمق الحضاري لحضرموت من خلال دراسة اللغة، وتوفير معلومات وبيانات موضوعية عن هذا العمق، وليس الاعتماد على انطباعات ذاتية عن المنطقة” (سيرجانت، نثر وشعر من حضرموت)، وبدأ ذلك من خلال جمعه للشعر العامِّيِّ في مدينة تريم خاصة، وجمع مادَّة ثقافية لمتحف الآثار والسلالات في جامعة كيمبردج، ومن هنا، من جمع الشعر العامِّيِّ في حضرموت منذ 1947م، بدأ اهتمامه بتراث اليمن، ومؤرِّخيها. وقد كان النسَّاخ عبدالله رحيّم بافضل المصدر الأول للشعر العامي الذي جمعه سيرجانت، فقد وجد لدى رحيّم حوالي ألفَيْ نصٍّ بين شعر ونثر، كما وجد في (كتاب الوقائع)، وفي الأسطوانات الغنائية القديمة بعض النصوص التي يحتاج إليها.

   وصل سيرجانت المكلا، ثم تريم، وقضى حوالي سبعة شهور هو وزوجته متنقِّـلًا بين تريم وضواحيها، وعينات، وقَـسَـم، وقبر هود، وبين سيئون وضواحيها، وشبام وضواحيها، وزار منطقة الواحدي، وبالحاف، وعزَّان، وحبَّان، وبير علي، وميفعة، وبروم.

   وفي مطلع عام 1948م زار مولى مطر، والخريبة، والنجدين، ووادي دوعن، والمشهد، وحريضة، وهينن، والقطن. كما زار المناطق الساحلية: الحامي، والشحر، وغيل باوزير. وخلال رحلاته هذه كان يَلْقَى حُسْنَ استقبالٍ وعونًا من زعماء وعلماء ومثقفي حضرموت آنذاك، وتجدُرُ الإشارة إلى هذه الأسماء على سبيل المثال: أبوبكر، وعمر، وعبدالرحمن الكاف، والسلطان صالح بالمكلا، والسلطان علي بن صلاح بالقطن، وعلي باصُرَّة بدوعن، ومحمد بن عقيل بقيدون، وعبدالرحمن وعلي العطاس بحريضة وشبام، وصالح علي الحامد، وعبدالرحمن بن عبيداللاه السقاف بسيئون، وعبدالله الناخبي، وعلي بن ربيعة في شبام، ومصطفى بن سميط، وعلي بن سميط، وأسرة آل بن شهاب في تريم، وعمر بن سهل نائب (والي الدولة الكثيرية) في مدينة تريم، ومنصب المشهد محمد خروسي، وعلي بن عقيل بن يحيى، ومحمد بن هاشم، وفي منطقة الواحدي لقي سيرجانت حُسْنَ استقبالٍ من السلطان ناصر، ومنصب صعيد، والممثِّـل السياسي مصطفى رفعت، وفي عدن من محمد عبده غانم، وكثير غيرهم (سيرجانت، نثر وشعر من حضرموت، لندن، 1951م).

    وقد زار سيرجانت اليمن في عام 1967م فلقي حفاوة من اليمنيين، فقد نزل ضيفًا على أحمد النعمان، وكانت له علاقةُ صداقةٍ مع أحمد الشامي، وحسين العمري، وإسماعيل الأكوع، وزارها مرة أخرى في عام 1975م، وتمَّ له تنظيمُ برنامجٍ علميٍّ، شارك فيه المؤرخ اليمني حسين العمري. كما زارها أيضًا قبل وفاته بعام واحد، فلقيَ حُسْنَ استقبالٍ من مؤرِّخي اليمن ومُفَكِّريها وقادتها، وحلَّ ضيفًا على جامعة عدن مشاركًا في (ندوة التراث المنعقدة فبراير 1992م)، وكان قد قابل قبل ذلك نائب رئيس مجلس الرئاسة وغيره من المسؤولين اليمنيين، وخلال مرافقتي له في ندوة التراث انتهزْتُ هذه الفرصة، وأجْرَيْتُ معه (بالعربية طورًا وبالإنجليزية تارة) المقابلة الآتية:

• سيرجانت، من هو علميًا؟

– أكملت الجامعة البكالاريوس في أسكتلندة، ثم درجة الماجستير عام 1935م، أمَّا الدكتوراه ففي جامعة كيمبردج عام 1939م، وكتبت أطروحتي حول المنسوجات الإسلامية (لعله يقصد منذ ظهور الإسلام) حتى آخر العصر العباسي، طُبِعَت الأطروحة في أمريكا منذ عهد بعيد، وطُبِعَت مرَّةً أخرى في بيروت.

   بعد تخرُّجي بدأ اتصالي بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن، وأعطوني دعمًا ماليًا للذهاب إلى عدن لتعلُّم لغة التخاطب، ولكي أبدأ البحث في اللهجات العامية. وقد قُمْتُ بهذا الواجب، وحين دخلتْ إيطاليا في الحرب العالمية الثانية دعاني إنجرامز وقال لي: “هلْ تحبُّ أنْ تتطوَّع في حرس الحكومة؟”، فتحوَّلْتُ ضابطًا في الحرس، وقُمْنَا بدوريات على طول السواحل حول عدن إلى حوالى بئر سقية، وهي منطقة لا تبعد كثيرًا عن جزيرة ميون، وبقيْتُ سنة أعمل في الحرس، وبعد سقوط الجيش الطلياني رجعْتُ إلى المعهد بلندن حسب الاتفاقية بيني وبين المعهد، وتزوَّجْتُ يومذاك عام 1941م، وكان من المفروض أن التحق بوظيفة حكومية، فانضمَمْتُ إلى هيئة الإذاعة البريطانية، وترأَّسْتُ قسمَ المُسْتَمِعِ العربيِّ.

   بعد الحرب رجعْتُ إلى المعهد نفسه، ثم عُيِّنْتُ عام 1954م بروفيسورًا في المعهد، وهو تابع لجامعة لندن، وترأَّسْتُ قسم اللغة العربية. وفي عام 1953م جرتْ زيارتي للمرَّة الثانية إلى اليمن مصطحبًا زوجتي، وكانت زوجتي مشرفةً على النساء والأطفال طِبِّـيًّا لمُدَّة ستَّةِ أشهر في تريم، ثم لمدة سنة ونصف في المكلا. وعُدْتُ مرَّة أخرى إلى الخليج وعدن وحضرموت عام 1964م، وحين عدت إلى إنجلترة تركْتُ المعهد، وانضمَمْتُ إلى جامعة كيمبردج، قسم اللغة العربية، وقد آثَرْتُ ذلك لأن ظروف جامعة كيمبردج كانت أفضلَ للبحث. في عام 1972م عُيِّنْتُ أستاذ كرسي في جامعة كيمبردج للغة العربية، وبَقِيْتُ فيها إلى سنة 1982م، بعدها أُحِلْتُ إلى التقاعد، وأنا الآن متقاعد.

• ارتبط جزءٌ من نشاطك العلمي باليمن؟

 – في كيمبردج أُتِيْحَتْ لي فُرَصٌ عِدَّةٌ لزيارة اليمن لَمْ تُـتَـحْ لِيْ من قبل، وبدأنا في تأليف كتاب (صنعاء) حوالي عام 1976م، ولكنَّه لمْ يظهرْ إلا عام 1983م، في هذا الكتاب معلومات من الجغرافيا، والتاريخ، والنقوش، والعمارة اليمنية بشكل عام، وعن بعض اليهود الموجودين في صنعاء. وأعددْنا معرضًا عن أسواق مدينة صنعاء في المتحف البريطاني في القسم الأثنولوجي، وقد ظهر الكتاب بعد المعرض بعدة أيام، وكان المفروض أنْ يتزامن ظُهُوْرُهُ مع فترة المعرض، شارك معنا البروفسور ليو كوك وهو مهندس معماري، كُنَّا حوالي ستة، وزرْنا صنعاء لهذا الغرض. بدأنا معرض صنعاء في المتحف البريطاني، وكان المقرَّر لهذا المعرض أنْ يمتدَّ لمدة ستة شهور، ولكنْ لعدم وجود معرض آخر يحلُّ محلَّه جرى تمديد الفترة من ستة شهور إلى سنتين.

• والآن ماذا يشغلكم؟

– أقوم الآن بترجمة كتاب (البخلاء) للجاحظ إلى اللغة الإنجليزية، وأعملُ له حواشي وشروحًا؛ لأنه صعب على الإنجليز، وكتاب الجاحظ هذا فيه وصفٌ كاملٌ للعربيِّ العاديِّ، الذي تُقَابِلُهُ يوميًّا في المجالس والأسواق، وهو أحْسَنُ كتابٍ يَصِفُ الحياةَ العربيَّةَ العاديَّة. وما أزال أنْشُرُ من حين لآخر مقالات علمية في المجلات المتخصصة. وكنت قد كتبت بحثًا عن (دستور المدينة في عهد الرسول)، وأنا عضو في الأكاديمية البريطانية، لندن، وفي المجمع اللغوي بمصر، القاهرة.

• إذَنْ اهتماماتُك ليستْ تاريخيَّةً في الأساس؟

 – الواقع إنِّي أستاذ لغة عربية ولسْتُ مؤرِّخًا، وكانت اهتماماتي الأولى تنصبُّ حول التاريخ الاجتماعي Social Histoy فاتَّجهْتُ في البداية إلى كتابة بحوث حول (الحويف) كما هو الواقع في تريم، والترتيب الاجتماعي، والسَّادَةِ؛ لما لهم من نفوذٍ في حضرموت الداخل، وعن العُرْفِ القَـبَليِّ وهو من اهتماماتي البارزة، وقد اشتريْتُ مخطوطةً تهاميَّةً وجدْتُها لدى بعض مشايخ تريم، وحصلْتُ على مخطوطات أخرى في (الطاغوت)، و(المتعة)، وهو عُرْفٌ قَـبَلِيٌ؛ لتنظيم أمور السِّلْمِ فيما بين القبائل كالدِّيَةِ، وتعذيبِ المُجْرِم.  وقُمْتُ بجمع بعض القصائد اليمنية تحت عنوان (نثر وشعر من حضرموت). وقد كنت أقوم بتدريس سيرة والمفضليات وغيرها بطلاب جامعة لندن ثم كمبردج وأرى أن بيئة الإسلام في سيرة أبن هشام تشبه بيئة اليمن، وأستطيع القول إن ما يجري في حضرموت يساعد على تقبل ما يورده ابن هشام في سيرته عن البيئة الإسلامية أيام الرسول.

• هل ترى أن هناك ثغرات في دراسة تاريخ اليمن؟

 – بالطبعِ كانتْ هناك ثغرات كثيرة لدراسة التاريخ الحديث، بدأْتُ منذ عهد قريب بمناهج بحث سليمة، وأثناء بحوثي وجدْتُ أنَّ عدَدًا كبيرًا من الوثائق التاريخية تمثِّلُ مصادر يمنية لتكوين تاريخ شامل جديد، يغطِّي كُلَّ نواحي الحياة الاجتماعية. وأذكر أني قدَّمْتُ ورقةً بحثٍ أثناء وجودي في المملكة العربية السعودية حول الوثائق العرفية وأهمية جمعها وتصحيحها وتوفيرها للمؤرِّخين والباحثين ولابد من جمع هذه الوثائق والمعاهدات. وهذه الأيام يقوم بعض المهتمِّين بجمعها، أمثال جعفر السقاف وغيره؛ ليستخرجوا منها معلومات عن الجوانب الاجتماعية، وهي تمثل جزءًا من التراث، بل هي مخطوطات تاريخية، على الرغم مِنْ كونها معاهداتٍ عرفيَّةً فإنَّنا نجد فيها – مثلًا – شيئًا عن تقسيم المياه في وادي زبيد للجبرتي. وكان الناس يعتمدون على هذا التقسيم إلى وقت قريب جداً بل حتى اليوم. ومثل هذه الأحكام والوثائق مهمة جدًّا لتكوين تاريخ شامل كما ذكرت.

• لغتك العربية جميلة ومفهومة تمام!

– أيُّ باحث أو مهتمٍّ بالتاريخ لابد له من إتقان اللغة العربية، وكذا الاهتمام باللغة الدارجة؛ لأنها تراثٌ لكنَّ الفصحى طبعًا هي من لوازم البحث.

• ماذا عن اهتماماتك الأدبية؟

– اهتمامي بالحركة الأدبية قليل، وأهتَمُّ بقراءة الأبحاث عن اليمن والعصور القديمة. وكنْتُ أقرَأُ لأحمد شوقي، وأرَى أنَّ الشِّعرَ العربيَّ الحديثَ المرسلَ متأثِّرٌ بالشِّعرِ الأوربيِّ، وأنَا أفضِّلُ العَمُودِيَّ الفصيحَ.

 وقرأْتُ (أولاد حارتنا) في نصِّها العربيِّ. وقَدْ لفتَتْ نظري المعلَّقَاتُ وقصائدُ جَرِيرٍ والفَرَزْدَقِ، وشِعرُ الصُّوفِيَّةِ، وأعمالٌ تاريخيَّةٌ أخرى، مثل: تاريخ الطبريِّ، وأعمال السُّيُوطِيِّ، وتاريخُ المَمَالِيـك، وكُنْتُ أقُومُ بتدريس أعْمَالِ ابْنِ خَلْدُون في الجامعة.

• والشِّعْـر؟

 – الشِّعْرُ العربيُّ شِعْرٌ جَيِّدٌ، ولكنْ ليس من السَّهْلِ على أجنبيٍّ أنْ يميزَ بينَ الشِّعْرِ الجَيِّدِ والشعرِ غَيْرِ الجيِّدِ.

• كيف وجدتم هذه الندوة (ندوة التراث في جامعة عدن)؟

 – الواقع أنِّي استمعت إلى عدد كثير من المحاضرات، وإلى الآن لمْ تُكَوَّنْ بَعْدُ فكرةٌ عامَّةٌ عَنِ النَّدْوَةِ، ولكنِّي أنْوِي مُرَاجَعَةَ هذهِ المُحَاضَرَاتِ مَرَّةً أخرى، وعندما أعُودُ إلى بريطانيا وأتامَّلُ معانيها وأبعادَها، وأختزن كثيرًا من الآراء المزدحمة مِنْ كَثْرَةِ ما سَمِعْتُ، وآمُلُ أنْ أكُوِّنَ فِكْرَةً واضحةً فيما بَعْدُ. وعلى كُلِّ حَالٍ كَانَتِ النَّدوَةُ فِكْرَةً جَيِّدَةً. والمشاركون كَانُوْا مِنَ الجَادِّيْنَ، قدَّمُوا آراء جيِّدة.

 • انطباعك عن مدينة عدن؟

 – عدن تبدَّلتْ كثيرًا، وقدْ صَارَتْ لها عماراتٌ كُثُرٌ، ونتمنَّى لها مستقبلًا ممتازًا.

 ودَّعْتُ سيرجانت وكانَ فَرِحًا لإجراء المقابلة وكأنَّهُ يستعيدُ حِيْنَها أجْمَلَ ذِكْرَيَاتِ عُمرِهِ، وحدَّثَنِي عنْ بعضِ الشَّخْصِيَّاتِ التي تعرَّفَها، كالشاعر صالح الحامد، والكاتب علي عقيل بن يحيى وغيرهم، ويومها (1992م) كُنْتُ أفَكِّرُ للتسجيلِ لدراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية، فكتبَ لي توصيةً ممتازةً بهذا الصَّدَدِ، كما أعطاني إذْنًا بترجمة أعماله شريطة الاتصال بالناشر وتنسيق ذلك معه، وطلب منِّي اصطحابَه في صباح الغد إلى بعض المكتبات للاطلاع وشراء الجديد من الكتب اليمنية، وأذْكُرُ أنَّهُ اشترى مجموعةً من الكتب من مكتبة عبادي بالشارع الطويل بكريتر.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر