زَع دُم حَا

د. سعيد سالم الجريري

هذه الثلاث من لغة تفهمها الحمير، لكن لا دراية لي ما إذا كانت تعلم أن كلاً من هذه الثلاث اسم فعل أمر له دلالته الخاصة وإن يكن التجاور الأمري يضفي عليها إيقاعًا حميرياً جميلاً.

عندما كنا صغاراً كانت لكل منا علاقات دافئة بحيوانات أليفة تجمعنا بها ألفة وجودية خاصة، فلنا ذكريات لا تُنسى مع الكلاب، والقطط، والحمير ذكورًا وإناثًا، كذكريات أخرى مع الحمام والماعز والتيوس والضأن والكباش، حين كان مجتمعنـا القـروي الزراعـي الجميل في قلب الطبيعة البكر، حيـث عيـون الميـاه، والمـزارع، والعطاء المتبادل بين الإنسان والأرض، والإنسان والإنسان.

ولم تكن حمير ذاك الزمان مهزولة، بل لعلها كانت آخر الحمير (المحترمة) إن جاز الوصف، فهي مهيبة كأنها أحصنة. لمَ لا وهي عنصر أساس في تكوين البيئة الزراعية، ولها وظائف جليلة، تمنحها مكانة، وكان الصبي منا أو الفتى إذ يمتطي حماره يداخله إحساس من يمتطي فرس امرئ القيس:

مكرٍّ، مفرٍّ، مقبلٍ، مدبرٍ معاً

كجلمود صخر حطه السيلُ من علِ

وكانت لنا مواقف طريفة، وأحداث مؤسفة أيضًا، خاصة عندما (يعنطز) الحمار، أو ينطلق إذ ترخي له العنان، أو تزجره بواحدة من الثلاث الأمريات، فتراه (يوكّب) مثل فرس أصيل،

(يزل الغلام الخف عن صهواته) ، فإن كنت حديث عهد بامتطائه أزلّكَ عن صهوته، لتهوي على الأرض، لكنك تعدو خلفه حتى تكبح جماحه، قبل أن تلتفت إلى (دُحس) في الركبة، أو (رضّة) في الكتف أو الكرسوع. وإن أنسَ لا أنسى (شنقلة) تاريخية أوقعتني أرضاً مع (الشنايل) في إحدى المرات عندما كنت ذاهباً لجلب الماء على ظهر الحمار من (جابية بكريت)، إذ دخل الحمار في لحظة ولهٍ عاطفي مع أتانٍ فارهة أنيقة، كانت في الطريق الموازي، ولأني لم أكن على علم بلغة الغزل الحميري، وعلى عجلة من أمري فقد همزته قائلاً: زع دُم، فامتعض قليلاً ونهق، فشددت عليه قائلاً: زع دُم، فما كان منه إلا أن رفع رجليه الخلفيتين بعنطزة غرامية، أقرّه عليها الآن، فأوقعني أرضًا أبحث عني بين الشنايل، لا أدري أأضحك أم أجري خلفه، لأجلب الماء، فهناك من يستعجلني في البيت!

وللحمير مراصين (ج. مرصان) هي عالمها الذي تمارس فيها حرية مقيدة، ففي الحبل سعة تتيح للحمار حركة في المكان، حيث يعتلف، وحيث يرى حركة الأشياء والأحياء من حوله، وكم يكسر حاجز الصمت صوت حمار ينهق، وقد شده منظر ما، أو عابر له في نفسه محفزات وجدانية. وكم يعجبك تنغيم الحمير نهيقها على مقامات أكاد أقول إن لها سلماً موسيقيًا خاصاً لا يعلمه إلا الراسخون في علمها العجيب.

الحديث عن حمير الذاكرة ذو شجون، لكني أكتفي ههنا بالقول: كم كانت الحمير حميراً حقيقية رائعة، قبل أن يستعار اسمها لأفراد من الإنس، شوهوا تاريخ الحمير المجيد.

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر