التحصينات العسكرية في هضبة ووادي حضرموت

عمارة القرف والطين "دراسة مقارنة"

أحمد صالح الرباكي

مقدَّم إلى ندوة المظاهر الحضارية العسكرية التقليدية في حضرموت – شبام 2018م

مدخل :

تعتبر ديمومة الوجود من أهم المسائل المعنية في حياة البشرية، وفي صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، استخدم عناصر في تأمين نفسه تارة وفي نزع نصرٍ ولو مؤقتًا تارة أخرى، وبقيتْ حكايات في ذاكرة التاريخ، وشواهد مادية كالحصون والقلاع التي شيَّدها لتكون شاهدًا أمثل على قصة هذا الصراع الوجودي بين بني الإنسان، فبدأت حكاية بناء الحصون لتأمين أهمِّ ضرورة من ضرورات حياته على هذه الأرض، وهي الأمن والأمان؛ لينعم في ظلِّها بنعمة الاستقرار والرخاء. وقد بدأت عمليات البناء هذه مع بدايات تحضُّره واستقراره على الأرض التي استوطنها، وقد عرفت الحضارات الإنسانية القديمة الحصون والقلاع، وهناك العديد من الآثار والأوابد الدَّالَّة على ذلك العطاء الإنساني، فقد عرفها العرب قبل الإسلام كما عرفها غيرُهم من الأمم القديمة.

بتقادم السنين تولَّدت الأفكار، وتطوَّرت الأدوات، وقدَّم الإنسان نماذج رائعة من التحصينات، ولعلَّ الإنسان في حضرموت كان جزءًا مُهِمًّا من هذا العمل الإنساني، فقدَّم للبشرية حصونًا وقلاعًا هي في ذاتها أعمالًا فنيَّة قدَّمها مصمِّمُو التحصينات جنبًا إلى جنب مع البنَّائين والحِرْفيِّين، فتركُوا لنا مُدُنًا ومصانع وقلاعًا وحصونًا لا يرجع فقط إلى إقامتها كتحصينات وإنَّما هي تحصينات ذات فخامة كاملة السِّمات (في التصميم والإنشاء على السواء)، مُعْتَمِدِيْنَ على طُوبِ الطِّين والقرف، فضلًا عن قابليتهم على خلق تفصيلات مغايرة في الاتجاه والشكل.

تنقسم حضرموت جغرافيًّا إلى ساحلٍ ووادٍ، وصحراءَ وهضبة، وفي كلِّ نوعٍ تختلف المساكن من حيث طرق البناء وموادُّه، باختلاف الظروف الجغرافية (وادي – هضبة)، وسعة المساحات المتوفِّرة، والظروف المناخية، ونمط الحياة الاقتصادية (بدو – حضر).

اختار الباحث نموذجين للدراسة؛ أحدُهما من وادي حضرموت، المعروف والمشهور بنمطه المعماري الطيني، والآخر من هضبة حضرموت؛ حيث الأرضُ البِكْرُ للدراسات المتعمِّقة، مع تميُّزها بنمطٍ معماريٍّ، مُغَايِرٍ عن العمارة الطينية ألَاْ وهي عِمَارَةُ القرف.

يمكن تلخيص أسباب اختيار هذين النمطين من العمارة الحضرمية في الأسباب الآتية:

1- يعتبر الحصنان من الحصون المميزة المحافظة على طابعها المعماري داخليًّا وخارجيًّا.

2- حاجة المجتمع والمدنية للحفاظ على هذه المباني الأثرية والتاريخية.

3- تعتبر عمارة الطين والقرف في منطقة وادي وهضبة حضرموت إرْثًا تقليديًّا يجب الحفاظ عليه.

4- الاستخدام المتواصل للموادِّ المحليَّة التقليديَّة يَدُلُّ على قابليَّة استمرار البناء على الطابع المحليِّ وكيفية التعامل مع هذه المواد.

5- المحافظة على المباني الجيدة، وصيانتها بصورة مستمرَّة.

ولهذا يجب على الباحثين أنْ يعمِّقوا دراستهم وأبحاثهم على هذا النمط من العمارة الحضرمية، وهي عمارة القرف السائد في هضبة حضرموت. ولعلَّ أوَّل مَنْ أشار إلى أهمية ذلك المِعْمَاريَّةُ الدكتوره سلمى سمر الدملوجي في كثير من مؤلَّفاتها ومقالاتها، وكانَ آخرها كتابها الموسوم بـ(عمارة البيئة – الطين – الحجر – القرف 2011م)، والهضبة الحضرمية، وهي إقليم الهضبة الشرقية لليمن، وتعرف باسم الجول – وجمعها جيلان لدى سكان حضرموت – ، ويبلغ ارتفاعها ما بين 1500متر إلى 2000متر، وتزيد عنها في بعض الكتل الجبلية، وأمطارها قليلة، وتختلف من عام لآخر[1]، وهي كتلة بذاتها تفصلها عن الهضبة الغربية من اليمن رملة السبعتين، وتربط بينهما سلسلة جبال الكور، وتتألف الهضبة الشرقية – هضبة حضرموت – من هضبتين: هضبة شمالية، وهضبة جنوبية، وبينهما ثنيَّة مقعَّرة، يجري فيها وادي حضرموت من الغرب إلى الشرق[2].

فالهضبة الحضرمية الشمالية وهي أقل انكسارًا ووعورةً من الهضبة الجنوبية؛ تبدأ من رملة السبعتين غربًا حتى ظفار شرقًا ، وهو أكثر امتدادًا من الجول الجنوبي لحضرموت، ويُقدَّرُ امتدادُه بحوالي 500 ميل، وتنحدرُ من الجول الشمالي أودية تتَّجهُ شمالًا نحو الصحراء، مثل وادي رماه، ووادي حبروت، و أودية أخرى تتجه إلى وادي حضرموت جنوبًا، مثل وادي هينن، ووادي سر، ووادي الذهب ، وغيرها. وتوجد على سطح هذا الجول مساحة من الأرض الزراعية، تتخلَّلها مجاري السيول الهابطة إلى أسفل الجول، ولهذا السبب نجد كثيرًا من قبائل البدو الحضرمية تتخذها موطنًا لها، وتسمِّيها ريدة وجمعها (رِيَد) (بكسر الراء وفتح الياء التحتية المثناة بعدها دال) [3]

أمَّا الهضبة الجنوبية الحضرمية – منطقة الدراسة – فقد وردت في نقوش المسند بلفظة (س و ط) (نقش النصر ( RES 3945/13 )، وهي تسميةٌ تدلُّ على منطقة الجول الجنوبي لحضرموت[4]، ولا تزال هذه الكلمة متداولةً لدى سكان حضرموت. ويمتدُّ الجول الجنوبي من الطرف الجنوبي الشرقي لهضبة اليمن الشرقية في الغرب حتى رأس فرتك وخليج القمر شرقًا، بمسافة تقدَّر بأكثر من 250 ميلاً ، يحدُّها من الشمال وادي حضرموت، والأودية والمرتفعات الساحلية من الجنوب، ويبلغ متوسط ارتفاعاته في الغرب حوالي1230 مترًا، ويصل في الشرق حوالي 615 مترًا، وتتخلَّلها الكتل الجبلية، التي تكون أكثر ارتفاعًا منها، مثل كور سيبان [5]، وعلى مرتفع الجول تقع قرى وأراض واسعة، تمتدُّ من أعلى وادي حجر في الجنوب، شاملةً قرى لبنة بارشيد، ثم تتَّجه نحو أراضي الجول شمالًا؛ لتضمَّ منطقة ريدة الدَّيِن بأجمعها، وأرض الخامعة والقثم وغيرها[6].

وتأتي أهمية الموقع الجغرافي للجول الجنوبي في أنَّه يمثِّل حدًّا طبيعيًّا فاصلًا، يقسِّم أراضي حضرموت إلى منطقتين: وَادٍ، وساحل. ومن أجل تسهيل عملية التبادل التجاري سخَّر ملوكُ حضرموت إمكاناتِهم، وبذلُوا جهودًا جبَّارةً في شقِّ العديد من الطرق التجاريَّة المارَّة بالجول الجنوبي من ميناء قنا إلى العاصمة شبوة ومختلف المناطق الحضرمية، لذا كان للجول أهمية خاصة جدًّا عندهم، فعَمِلُوا على تحسين طُرُقِهِ وحمايتِها من خطر الهجمات المعادية؛ ولهذا الغرض شُيِّدَ سُوْرٌ دِفَاعِيٌّ عند نقطة التقاء الطرق التجاريَّة المارَّة بوادي حجر، وكان هذا السورُ بمنزلة صِمَامِ أمَانِ السَّوْط[7] .

المبحث الأول:

تطور البناء في هضبة ووادي حضرموت

أولًا: عمارة القرف (هضبة حضرموت):

الهضبة الحضرمية أو ما تعرف باسم الجول عبارة عن سهول صخرية، ترتفعُ إلى ما يقارب ألفَ مترٍ عن سطح البحر، وتتميَّزُ بفقدانها التَّامِّ لمصادر المياه، وتعتمدُ إمكانيَّةُ العيش فيها على قُدرة سُكّانِها على تجميع مياه الأمطار الموسميَّة وتخزينها لأطولَ فترةٍ زمنيَّةٍ مُمْكِنَةٍ؛ حيثُ يتمُّ تجميعُها عن طريق توجيهها إلى أحواض مفتوحة “الكريف ج- كرفان”، وأخرى صغيرة حُفِرَتْ تحتَ سطحِ الأرض “حسو – احساء” [8].

ومثلُ أيِّ مكانٍ في الأرض فإنَّ الظروفَ البيئيَّةَ، والعواملَ الطبيعيَّةَ تؤثِّرُ تأثيرًا مباشرًا على طبيعة المباني والمنشآت السكنية، وتُحدِّدُ الموادَّ المستعملةَ في عمليَّةِ البناء، ولِذَا فإنَّ مساكن الهضبة الحضرمية تختلفُ اختلافًا كبيرًا عن تلك العمارة الموجودة في وادي حضرموت وفُـرُوْعِهِ المعروفة بالعمارة الطينية. وتتميَّزُ الهضبة الحضرمية بقلَّة سُكَّانِها، وسعةِ المساحات؛ بسبب فقدانِ مصادرِ مياهٍ دائمةٍ [9].

وتقع منطقة الدراسة في الهضبة الجنوبية بين وَادِيَيْ عمد ودوعن، وتسمَّى بريدة الدّيِن، أو الضليعة. والريدة مصطلحٌ جغرافيٌّ، وتُنْسَبُ إلى قبيلة الدّيِن، والنسبة إليها الدَّيني. والضليعة هو الاسمُ الرَّسْمِيُّ لها كمديريَّةٍ من مديريات محافظة حضرموت، نسبةً إلى شكل العروق الأرضية، التي تظهرُ على السطح، وتُعْرَفُ بالأضلاع، وتُقَسَّم مدينة الضليعة إلى عدة أضلاع.

بُنِيَتِ القلاع المحصَّنة المستقلة نظرًا للظروف السياسية والاجتماعية القائمة في السنوات الماضية. وتتركَّز المباني السكنية للقرية حول هذه التحصينات، وهي مَبَانٍ صغيرةٌ ذَاتُ طابقٍ واحدٍ أو طابقَيْنِ، بها أفْنِيَةٌ متواضعة، ويُعَدُّ الحصنُ رمزًا للقبيلة، ومصدرَ فخرٍ لها، وتشاركُ جميعُ أُسَرُ القبيلةِ الواحدةِ في بناء الحِصْنِ بِمَالِهَا، وجُهْدِ رِجَالِهَا، والحِصْنُ يُعَدُّ أيضًا مكانًا لحفظ احتياطيِّ موادِّ المعيشة من الحبوب وغيرها، وأدوات العمل[10].

وتتميَّزُ الحصونُ بأنظمتها الدفاعيَّة في شَكْلِهَا من خلال الأسوار العالية، والفتحات الضيِّقة، والأركان المُدَوَّرَةِ، وغُرَفِهَا الصغيرة. أوْ في وظيفتها. فإلى جانب الحماية تُعَدُّ أيضًا مكانًا لحفظِ احتياطيِّ موادِّ المعيشة من الحبوب لأعوامٍ طويلة. وتُستَخْدَمُ أربعةُ طوابقَ من الحصن لحفظ المُؤَنِ، والطوابقُ التي تَلِيْهَا للسَّكَنِ، وتتميَّزُ بمخطَّطاتها الكبيرة، التي قد يصلُ طُولُ واجهاتِها إلى 10 أمتار.

وتتميَّزُ مباني الهضبة الحضرمية بنمطٍ معماريٍّ فريدٍ. فالمادَّة الأساسية التي تُبْنَى بها منازلُ مديرية الضليعة هي (القرف) – بفتح القاف والراء – ، وهي صفائح حجريَّةٌ كِلْسِيَّةٌ شِبْهُ صلبة، بُنِّيَّةُ اللَّوْنِ غالبًا، وذَاتُ ألوانٍ متعدِّدة، تُسْتَخْرَجُ مِنْ أمَاكِنَ عِدَّةٍ في المنطقة، وتُرَصُّ فوقَ بعضِها البعض بخليطٍ طِيْنِيٍّ مَاسِكٍ، يَتِمُّ خَلْطُهُ بـ (الذياد والتبل)، وهما مِنْ مُخَلَّفَاتِ المحاصيلِ الزراعيَّةِ، مثل حبوب الطهف، والقمح؛ لتعطي متانةً، وقُوَّةً للمبنى. وأمَّا السُّقُوفُ فَتُبْنَى من مادَّة (الصروف)، وهي مادَّةُ جِيْرِيَّةٍ متحجِّرةٍ، تُسْتَخْرَجُ من الجبالِ، تُشْبِهُ ألواحَ الخشبِ. ومازالَ السُّكَّانُ مُحَافِظِيْنَ على البناء بهذا النَّمَطِ ذَاتِـهِ[11].

تتكوَّنُ حُصُونُ الهضبةِ غَالِبًا في مخطَّطها العامِّ من مَبَانٍ مُرَبَّعَةِ الشَّكْلِ، أطْوَالُ أضْلَاعِهَا تتراوح مِنْ 5 إلى 9 أمتار، وارتفاعها من 10 إلى 25 مترًا، ويُسْتَخْدَمُ عادةً الجُزْءُ الأسفلُ من الحصن – الذي قد يتجاوز الأربعة الأدوار – مكانًا لخزن الحبوب، والطعام، والمواشي، والطوابق العلوية للسَّكَنِ المؤقَّتِ أثناءَ المعاركِ القبلية. وقُبَّةٍ مربَّعةِ الشَّكْلِ (بِعَرْضِ مِتْرَيْنِ، وطُوْلِ ثلاثة أمتار تقريبًا) في سطح الحصن.

مِئَاتُ الحُصُونِ والمباني القديمة، التي يتجاوز عُمْرُ بعضها أكثرَ من 500 سنة، وهي منتشرةٌ في قُرَى ريدة الدّين، وقدْ باتَتْ مُهَدَّدَةً بالسُّقوطِ والانهيارِ؛ فقدْ هجرَها أهلُها إلى بيوتٍ أكثرَ أرْيَحِيَّةً، وأهمل ذكرَها مسؤولو الآثار وحماية المباني التاريخية؛ فقدْ تداعتْ جُدْرَانُهَا، وسقطتْ أسْقُفُهَا، وعبثتْ عواملُ التَّعْرِيَةِ بِمَا بَقِي. هذه المباني المنتشرة في كل البقاع تطالبُ وهي في رمقها الأخير مَنْ يُحَافِظُ عليها بالاهتمامِ بها؛ بوَصْفِهَا كنزًا قوميًّا، وصفحاتٍ مِنْ تاريخٍ مَجِيْدٍ.

ثانيًا: عمارة الطين (وادي حضرموت):

يمكنُ تحديدُ ثلاثِ مراحلَ لتطوُّرِ فنِّ البناء في حضرموت بشكلٍ عامّ، وهي المرحلة القديمة، ومرحلة العصور المتوسطة، والعصور الحديثة المتأخِّرة. ولقد كان من خصائص البناء في كلِّ الأوقات، وعلى امتداد ثلاثة آلاف سنةٍ لبناء المساكن (العامة) استخدامُ اللَّبِنِ كمادَّةٍ للبِنَاءِ، الذيْ يتميَّزُ بسهولة تجهيزه، وقُـوَّتِه الكافية، وهو متميِّزٌ بعَكْسِهِ البُرُوْدَةَ والحرارةَ، مع أخْذِ الاعتبار للمناخ الحارِّ للمنطقة. والمستوطناتُ السكنيَّةُ عادةً ما تَمْتَدُّ في وسط الوادي، وتُحَاطُ بها الأراضي الزراعية وقَنَوَاتُ الرّيّ. وتتوزَّعُ في المستوطنة المجموعاتُ الرئيسةُ: المعابدُ، ومساكن الأعيان، وعامَّة الناس[12].

أمَّا الحصون والقلاع فتُبنَى على الصُّخُورِ المرتفعة؛ للحيلولة دُونَ ظُهُورِ الاعتداء المفاجئ، ويبلغُ ارتفاعُ بعضِها ثلاثةَ طوابقَ. وأمَّا البرج فللمراقبة في الأعلى، وتُبْنَى به (المشاويف)، وأمَّا المَدْخَلُ فيَرْتَفِعُ إلى حوالي (2- 3 م ) عن سطح الأرض في بعض الحصون، وغالبُ هذه القلاع مُكَوَّنٌ مِنْ أبعادٍ كبيرة (7×7 م )، وهي تقومُ بوظيفتَيْنِ مزدوجتين: دفاعيَّةٍ، وسكنيَّةٍ. وعلى الرغمِ مِنْ أنَّ كثيرًا من هذه المباني خاليةٌ من الزِّينةِ المعماريَّةِ فإنَّها تمتلك قيمةً معماريَّةً مطلقةً، وفنًّا معماريًّا خاصًّا بها.[13]

وتختلف نوعيَّة البناء في الماضي بحسبِ نوعيَّة المبنى المُرَادِ بِنَاؤُهُ، وأغلب المباني تتألف من الآتي:

1) قاعدة حجرية مرتفعة.

2) طبقات عليا مُؤَلَّفةٌ من هيكلٍ خشبيٍّ، ومَحْشُوَّةٌ باللَّبِنِ النيئ مثلما في (ريبون، وجوجة، والغرف، وسُونة، ومشغة، وهجرة، ومكينون).

أمَّا الحجر فهو مادَّةٌ أكثرُ كلفةً من غيرها، ويقتصر وجودُه على القواعد، وعلى جدران المقدَّسات (موضع تمثال الإله) في المعابد. وفي القرن الرابع والثالث قبل الميلاد تقريبًا ظهرتْ في حضرموت البنايات الضخمة، المبنيَّة على أسس وأرصفة حجرية؛ فقد كان الحجر يُقْطَعُ قِطَعًا، بعضُها كبيرةٌ اسْتُخدِمَتْ في البنايات الكبيرة والمهمَّة، وبعضُها الآخر قطعٌ صغيرةٌ لبُيُوتِ العامَّة، ولتثبيتِ الأحجارِ، ولَصْقِهَا، بعضها فوق بعض، كما اسْتُخْدِمَ الجصُّ والملاطُ الكِلْسِيُّ [14].

وقد لاحظ الآثاريُّون أن حضرموت تحتوي على فنٍّ معماريٍّ، يستعملُ الحجرَ والخشبَ واللَّبِنَ النَّيْئَ والنُّقُوشَ ومواد أخرى متميِّزة. وهذا يؤكِّد أن هناك حِرْفِيِّيْنَ يُحْسِنُونَ نَحْتَ الحجرِ، ويستعملون الخشبَ في البناء، ويعرفون اللَّبِنَ النَّيْئَ منذُ أمَدٍ بعيدٍ. وكذلك المشاكل المتأتِّية من ارتفاع الأبنية، ولذا هي نادرةٌ. المباني جميعُها مبنيَّةٌ من الحجارة في حضرموت، كحصن العرّ، كما نَرَاهَا أيضًا في حصن باهزيل بوادي بن علي، وبعض الأبنية بوادي عِدِمْ وغير ذلك [15].

لقد فرضت البيئةُ على المعماريِّ استخدامَ موادّ معينةٍ في عمليَّةِ البناء، و تكسية الجُدْرَانِ، خاصَّةً الموادّ المتوفِّرة في البيئة المحيطة، مثل: اللَّبِن، والآجر، والنُّوْرَة، وغيرها، وكما هو معلوم أن المباني الحجرية قليلة بحضرموت، ولا يُستَعْمَلُ الحجرُ إلَّا في أساسات البيوت نظرًا لكلفتها العالية، والى عدم مواءمتها للبيئة والمناخ السائد في المنطقة، فوادي حضرموت يمتدُّ نحوَ 150 كم في اتجاه (شرقي غربي)، ويتراوح ارتفاعه ما بين (500- 650م) عن سطح البحر.

أمَّا المناخ فهو جافٌّ صيفًا يميلُ إلى البرودة شتاءً، وتبرزُ سماتُ المَنَاخِ القَارِّيْ من خلال المدى الحراريِّ اليوميِّ والسنويِّ؛ إذْ يصل أعلى متوسِّطٍ لدرجة الحرارة صيفًا إلى نحو (35)، ولا يزيد متوسطها على شتاءًا.

وأمَّا الأمطار فهي شحيحة، والرُّطوبة النسبية منخفضةٌ ما بينَ (40%-65%)، والرياح شمالية، وشمالية شرقية شتاءًا، وجنوبية غربية صيفًا، وبهذا الموجز المناخي نرى الوادي يقع في بيئة شبه صحراوية [16].

المبحث الثاني: التحصينات العسكرية في هضبة ووادي حضرموت “نماذج دراسية”

أولًا: حصن بامسدوس:

يعد حصن بامسدوس من المباني الدفاعية والتحصينات العسكرية المهمَّة في هضبة حضرموت الجنوبية؛ إذْ يعود تاريخ إنشائه الى القرن العاشر الهجري، وهو عبارة عن “مصنعة”، تتكوَّن من حصنٍ، وأسوارٍ ملتصقةٍ به، بها قلاعٌ مُدَوَّرَةٌ في الزوايا، وساحةٍ صغيرةٍ يبلغُ عرضُها من 4 – 5 أمتار، تقع بين الأسوار، تُطِلُّ على غرفةٍ مستطيلةٍ متعامدةٍ على السُّورِ، تُسْتَخْدَمُ كمَخَازِنَ لحفظ المُؤَن، وسلالمَ داخليَّةٍ مفتوحةٍ تصلُ بين الساحة الداخلية والأسوار، وكذا ممرَّاتٍ تربطُ الحِصْنَ بالساحات العلوية للأسوار[17].

وتتميَّزُ حصونُ “ريدة الدين” عن حصون الهضبة الحضرمية بمخطَّطاتها الكبيرة، فطُولُ الواجهات 8 – 9 أمتار، وسلالمُها الأرضية يبلغُ طولُها 4 – 5 أمتار أمكنَ من صعود حيوانات النقل كالحمير الى الأعلى وهي محمَّلة، ويتميَّز “حصن بامسدوس – مادة البحث” بأنَّ أماكنَ خَزْنِ المُؤَن والحبوب تحتلُّ الجُزْءَ الأكبرَ من مساحة الحصون كغالب حصون الضليعة، ونجدُها في حصن بامسدوس قدْ شغرتْ أربعة أدوارٍ، وخُصِّص الدور الخامس والأخير للسُّكْنَى [18].

يكادُ حصنُ بامسدوس أنْ يكونَ الحصنَ الوحيدَ في منطقة الهضبة الجنوبية، الذي يتميَّزُ بوجود قلاعٍ دائريَّةٍ في أركانه الثلاثة (معاصير)، حتى أُطْلِقَ عليه اسْمُ (حصن المعصورة).

ثانيًا: حصن غرامة (الدكين):

يعتبر حصن الدكين من أبرز المعالم الأثرية في مدينة تريم، يقع هذا المبنى على قارة بمنطقة دمُّون، وبالتحديد من الجهة الشرقية لها؛ حيث يقعُ غالبُها في قمم الجبال التي تقع على حدود الديار بين القرى والقبائل، وغالبًا ما يكون هناك حصون متقابلة لكلا الطرفين، وتسمَّى هذه المنطقة التي يقعُ فيها الحصن منطقة الحرجة بدمُّون .

يطلُّ الحصن على الوادي الذي يحتوي على بحر من النخيل، ويُحَاطُ به سُوْرٌ بارتفاعِ ثلاثة أمتار من أجل خروج السَّاكنين من الحصن بأمان إلى مَلَاحِقِهِ، ويتكوَّن المبنى من ثلاثة طوابق، ومُلْحَقٍ (سطح)، وبسبب القِدَمِ والأمطار انهارتْ جُدرَانُه؛ وذلك بسبب الإهمال.

أُنْشِئَ هذا الحصن في عهد إمارة ابن غرامة اليافعي في عهد إمارات العشائر اليافعيَّة؛ حيث استقرَّ الأميرُ سالم بن أحمد بن غرامة، وكان يسيطرُ على المنطقة الواقعُ فيها حصنُ الدكين ضمنَ الحاميات والإمارات اليافعية بتريم، غيرَ أنَّ الأمير عبدالله بن عوض بن غرامة بعد أنِ احتدمَ الخلاف بينه وبين عمِّه الشيخ سالم نقلَ مَقَرَّهُ إلى حافة السوق وبنى له حِصْنًا آخر هناك، وانفصل بالحُكْمِ عنْ عمِّه في الرُّبْعِ الأوَّلِ من القرن الثالث عشر الهجري [19].

المبحث الثالث

دراسة مقارنة

الرقموجه المقارنةحصن بامسدوسحصن بن غرامة
 الموقعيتوسط المباني السكنية في أرض منبسطة السطح، في منطقة ريدة الدين – الضليعة (هضبة حضرموت الجنوبية)بني على قارة جبلية فاردة بعيدًا عن المباني السكنية مُطِلًّا على مزارع النخيل في ضاحية دمُّون في الجانب الشرقي الشمالي من مدينة تريم (وادي حضرموت)
 التسميةنسبةً لقبيلة بامسدوس إحدى فروع قبيلة الديننسبة لآل غرامة إحدى فخائذ قبيلة البعسي اليافعية وإحدى العشائر الحاكمة في تريم حتى سنة 1264هـ
 تاريخ الإنشاءسنة 970هـ مثلما هو مكتوب على بوابة الحصنلا يعرف تاريخه بالتحديد ولكن على الأرجح انشاءه في فترة حكم العشائر اليافعية في القرن الحادي عشر الهجري
 المساحةتتميز حصون “ريدة الدين” عن حصون الهضبة الحضرمية بمخططاتها الكبيرة، فطول الواجهات 8 – 9 أمتار، وسلالمها الأرضية يبلغ طولها من 4 – 5 أمتاريبلغ طول الواجهة الجنوبية 16.5م من طرفها الشرقي حتى بداية البرج الغربي، وتشمل هذه الواجهة على البوابة الرئيسة وطول ضلع الواجهة الغربية 19.5م من طرفها الجنوبي حتى بداية البرج الشمالي من الحصن أمَّا طول ضلع الواجهة الشمالية فـ 5 – 16م من طرفها الغربي حتى طرف الجهة الشرقية
 مناخ المنطقةمعتدل إلى حار نسبيًّا صيفًا، وبارد شتاءً نظرًا لموقعها في الهضبة الحضرمية ضمن مناطق الهضاب الداخلية المغلقة عن المنافذ البحريةجاف صيفًا يميل إلى البرودة شتاءً، وتبرز سمات المناخ القاري من خلال المدى الحراري اليومي والسنوي؛ إذ يصل إلى أعلى متوسط لدرجة الحرارة صيفًا إلى نحو (35)0 ولا تزيد متوسطها عن (17)0 شتاءً.
 التخطيط العاميتميز بكبر حجمه مقارنة ببقية حصون الهضبة، وصُمِّمَ في جميع مستوياته كحصن يوفِّر الأمان، ماعدا المياه فلا تُوجَدُ بئرٌ داخلَ الحصن. ومصنعة بامسدوس تتكوَّن مِنْ حصنٍ وأسوارٍ ملتصقة به، بها قلاعٌ مدوَّرة في الزوايا، وساحة صغيرة يبلغ عرضها من 4 – 5 أمتار تقع بين الأسوار، تطلُّ على غرفة مستطيلة متعامدة على السُّور تستخدم كمخازن لحفظ المُؤَن، وسلالم داخلية مفتوحة تصل بين الساحة الداخلية والأسوار، وكذا ممرَّات تربط الحصن بالساحات العلوية للأسوار ويتميز بأن أماكن خزن المُؤَن والحبوب تحتل الجزء الأكبر من مساحة الحصن قد شغرت أربعة أدوار، وخُصِّص الدور الخامس والأخير للسُّكْنَىيتميز بالنوعية العالية والفخامة للمساحات الداخلية المصمَّمة لتُلَائِمَ معايير الفخامة جنبًا إلى جنب مع المتطلبات المناخية البيئية، والعلاقة بين المساحة الداخلية والخارجية، التي جرى الحفاظ عليها بعناية. يأخذ توجُّهًا عامًّا في المساكن التقليدية في وادي حضرموت من حيث الاتجاهات، وتوزيع الأدوار، فيأخذ التوجُّه الجنوبي بشكلٍ عامٍّ، بينما في الواجهة الشمالية تكونُ المرافقُ الخِدْمِيَّةُ من حمَّاماتٍ وغيرها، والطابق الأوَّل يُخصَّصُ في الغالب كمستودعاتٍ ومخازنَ وأماكنَ للحيوانات، أمَّا الطابق الأوَّل فللضيوف، والطابق الثالث للنساء والمعيشة وهكذا .
 مادة البناءالقرف (مادة رئيسة) حجر – طين – خشب (مواد فرعية)الطين (مادة رئيسة) حجر – نورة – خشب (مواد فرعية)
 الطرازمتميِّزٌ وظيفيًّا وشكلًا، وفيه بعض التداخل للفنِّ المعماريِّ اليمني القديم والفنون الإسلامية، ويغلب عليه الطابع التحصينيُّ العسكري.متميِّزٌ وظيفيًّا وشكلًا، وفيه بعض التداخل للفنِّ المعماريِّ اليمني القديم والفنون الإسلامية، ويغلب عليه الطابع التحصينيُّ العسكري.
 الزخارفيفتقد تمامًا للزخارف، ماعدا الإطار الخشبيَّ للأبواب الرئيسة، وعلى ركائز الغرف الداخلية والعوارض القصيرة.به إطارات بسيطة من الطين حول النوافذ، وتتركَّز الزخارف أيضًا في النوافذ والأبواب، ونجد قلَّة الزخارف وبساطتها إنْ وُجِدَتْ خاصَّة على الواجهات الخارجية نظرًا لطبيعة المبنى كحصن ومسكن في الوقت ذاته. كما أنَّ الحصن يتميز بوجود مصطبات صنع القهوة في أكثر من غرفة غنِيَّةٍ بالزخارف الطينية الهندسية والنباتية.
 اللونتُسْتَمَدُّ الألوان الخارجية للمبنى من الخصائص التشييدية لمادَّة البناء ووظائفها في المبنى فاللَّون البُنِّيُّ يكادُ أنْ يكونَ اللَّونَ الواحدَ يغلبُ على المبنى، وهو لونُ مادَّةِ البناء الرئيسة مادة القرفتُستَمَدُّ الألوان الخارجية للمبنى من الخصائص التشييدية لمادة البناء ووظائفها في المبنى، فاللون الطيني للحصن والزخارف الخاصة بالنوافذ والأبواب واللون الأبيض لنهايات الكتل وحول النوافذ كإطار خارجيٍّ يخلق نوعًا من التبايُنِ ما بين الفاتح والغامق هذا التباين يُنْتِجُ تأثيرًا بصريًّا يشعُّ بالحيوية ويساعدُ على إظهار الصور المرئيَّة بوضوحٍ وتُعْطِي تعبيرًا معماريًّا حقيقيًّا فريدًا من نوعه
 الساس أو الأساسإن المرحلة الأولى في البناء هي بناء الأساسات التي يقوم عليها ، وقد تم استخدام الحصى المتوفِّر بكثرة في الوديان والجبال القريبة من المنطقة ومن هناك تحمل إلى موقع البناء ، ثم يُشذَّب ويُهَنْدَم حسب الحاجة وإن كانت أقلَّ تشذيبًا وتهذيبًا من التي في حصن ابن غرامةإن المرحلة الأولى في البناء هي بناء الأساسات التي يقوم عليها ، وقد تم استخدام الحصى المتوفِّر بكثرة في الوديان والجبال القريبة من المنطقة ومن هناك تحمل إلى موقع البناء ، ثم يشذب ويهندم حسب الحاجة ، وتُطْلَى الأُسُسُ بخليطٍ من النُّورة والرَّمْل للحماية من الرطوبة وتأثير المياه الجوفية .
 البئرلا يوجد بئر بداخل الحصن، وإنما يوجد نَقَبُ ماءٍ إلى جواره خارجًا، تحوَّل إلى كريف أوالحيلة، أي: خزان أرضي.إنَّ المنطقة جميعَها تعتمد على مياه الآبار الجوفية، فكان لحصن ابن غرامة بئرٌ دائريَّةٌ داخلَ سُوْرِ الحِصْنِ فلا يتأثر بالحصار الطويل
 الأبراج  يكادُ حصن بامسدوس أنْ يكونَ الحصنَ الوحيدَ في منطقة الهضبة الجنوبية الذي يتميَّز بوُجُودِ قِلَاعٍ دائريَّةٍ في أركانه الثلاثة (معاصير)، حتى أُطْلِقَ عليه اسمُ حصنِ المعصورةتمثِّلُ الأبراج أو المعاصير العنصرَ الأساسَ للدفاع عن الحصن، وتأخذ شكل شبهٍ دائريٍّ لكي يتسنَّى للمرابطين فيها كشفُ كلِّ ما يحيط بالمبنى، ويبلغ طول قطر البرج 3.4م، ويبلغ طولُ محيط البرج من الخارج 10.21م، ويحتوي البرج على ثلاثة طوابق: منها طابقان مسقوفان، وطابق مكشوف، وقد أصابها التَّلَفُ في بعض الأجزاء، ويحتوي كُلُّ برجٍ على عددٍ من المزاغل
 الأدواريتألف الحصن من خمسة أدوار، ويتميز “حصن بامسدوس – مادة البحث” بأنَّ أماكن خزن المُؤَن والحبوب تحتلُّ الجزء الأكبر من مساحة الحصن كغالب حصون الضليعة، ونجدها في حصن بامسدوس قد شغرتْ أربعة أدوارٍ، وخُصِّصَ الدَّوْرُ الخامس والأخير للسُّكْنَىيتألف الحصن من أربعة أدوار، الدور الأول (الأرضي): اتسم بالمرونة والبساطة في التصميم؛ حيث إنَّه اتخذ الشكل المستطيل كوحدة أساسية؛ حيث يوجد في الدور الأرضي العديد من الفراغات كمخازن الطعام والأسلحة، وإنشاءً بُنِي الحصن على الأسلوب الإنشائي المُتَّبع في حضرموت – الجدران الحاملة – ، وهو الأسلوب المُعْتَمَدُ للأبنية التاريخية على مرِّ التاريخ، والدور الأرضي يتميز بكبر حيطانه الخارجية لتحقيق الوظيفة الدفاعية، وبه المدخل الرئيس. الدور الثاني: يوجد به العديد من الفراغات، كغرف النوم، وغرفة الحكم، واستقبال الضيوف، وغرفة المبرز، أو البرزة، وتستخدم لغرض تشاور المتحاكمين فيما بينهم بصفة خاصة بعيدًا عن لجنة الصلح والطرف الآخر المتحاكم، وتحتوي جدرانها على معاليق خشبية (رفق) لغرض تعليق سلاح الضيوف، تطل العديد منها على ممرَّاتٍ داخلية، وعلى فَـنَاءٍ مَكْشُوْفٍ (مَنْوَر).   الدور الثالث: وتسمَّى غرف هذا الدور بالمراويح، (مفردها مرواح)، ومسقطها مكرّر للدور الثاني   الدور الرابع: يضمُّ الدور الأسطح (الرُّيُوم، مفردها ريم)، وهي عبارة عن مساحات على السطح مفتوحة مخصصة للإقامة فيها في فصل الصيف في الفترة المسائية، وتوجد بها فتحات ضيقة على الجدران بحيث لا تسمح للمباني المجاورة بالرؤية نحو داخل الرُيُوم
 المدخلللحصن مدخلان: الأول خارجيٌّ، يؤدِّي الى الساحة، ومدخلٌ آخَرُ، يؤدِّي إلى الدور الثاني من الحصن.للحصن مدخلان: الأول خارجيّ، يؤدِّي الى الساحة الخارجية، وهو غيرُ موجودٍ حاليًّا، والآخر يؤدِّي إلى الحصن مباشرة، يتوسَّط الواجهة الجنوبية
 الواجهاتتتشابه كلُّ الواجهات لهذا الحصن التي تتميَّز بالبساطة، ولا يوجد بها سوى النوافذ المستطيلة الشكل، المصنوعة من الخشب والباب كذلك، وأهمُّ ما يُمَيِّزُ الواجهة انتشار المزاغل، وهي من العناصر المعمارية العسكرية .تتميز الواجهة الأمامية لهذا الحصن بالبساطة، واستخدمت بعض التشكيلات البسيطة فقد كانت النوافذ المستطيلة الشكل مصنوعة من الخشب والباب كذلك، وأهمُّ ما يميِّزُ الواجهة انتشار المزاغل، وهي من العناصر المعمارية العسكرية .
 المزاغلوتسمَّى مشاويف، جمع مشواف، وهي فتحات مثلثة الشكل على جميع واجهات الحصن، وتكون مائلة من الداخل إلى الخارج؛ لكي لا يرى الواقفُ خارجَ الحصنِ مَنْ بداخله، والهدف منها مراقبة الأعداء، والحماية بتصويب البندقية من خلالها – التي تسمح بإطلاق النيران الجبهوية الأمامية والجانبية والكشف عن العدو.وتسمَّى مشاويف، جمع مشواف، وهي فتحات مثلثة الشكل على جميع واجهات الحصن، وتكون مائلة من الداخل إلى الخارج؛ لكي لا يرى الواقف خارج الحصن من بداخله ، والهدف منها مراقبة الأعداء، والحماية بتصويب البندقية من خلالها – التي تسمح بإطلاق النيران الجبهوية الأمامية والجانبية والكشف عن العدو.
 ملاحق داخل الحصنيفتقر الحصن إلى وجود ساحة داخلية أو فناء وحمامات وأماكن تصريف المياه ومصطبات صنع القهوة وممرَّات داخلية ودخلات كثيرة مصمتة ومفتوحة ماعدا غرفة بها مصطبة تشبه السرير يقال انها لعلاج الجرحىيوجد بالحصن ساحة داخلية أو فناء وحمامات وأماكن تصريف المياه ومصطبات صنع القهوة وممرات داخلية وسلالم ودخلات كثيرة مصمتة ومفتوحة
 الأسوار وساحة الحصنبه ساحة صغيرة يبلغ عرضها من 4-5 أمتار، تقع بين الأسوار، تطل على غرف مستطيلة متعامدة على السوربه ساحة كبيرة على طول الواجهة الجنوبية؛ حيث يبلغ طولها 16.5م من طرفها الشرقي حتى بداية البرج الغربي، تضمُّ بئرًا وغرفًا للحرس ومطبخًا.
 الأبواب والنوافذوتقسم الأبواب إلى: أبواب خارجية ، وأبواب داخلية. الأبواب الخارجية: يقع في الواجهة الغربية للحصن، وتصنع الأبواب من شجر العِلْب، وتتميَّز بشكلٍ عامٍّ بفخامتها وسُمْكِهَا، وتحتوي على قليد وقالوده ــ الإقليد هو المفتاح ، وأما القفل فهي قالودة. الأبواب الداخلية: بسيطة جدًّا مقارنة بالخارجية، وتشمل أبواب الغرف ،والمخازن، والمطبخ.وتقسم الأبواب إلى: أبواب خارجية ، وأبواب داخلية. الأبواب الخارجية: يقع في الواجهة الجنوبية للحصن، تصنع الأبواب من شجر العلب، وتتميز بشكل عام بفخامتها وسمكها إلى جانب الزخارف الهندسية والخط العربي البديع، وتحتوي على قليد وقالوده ــ الاقليد هو المفتاح ، وأما القفل فهي قالودة . الأبواب الداخلية: لا تختلف كثيرًا عن الأبواب الخارجية باستثناء أبعادها، وتشمل أبواب الغرف، والمخازن، والمطبخ، والحمامات.
 النوافذنوافذه الخشبية صغيرة، وظيفتها التهوية، والإضاءة، والرؤية من الداخل. وموقعها عادة يراعي الجوانب الأمنية كمبنى يتوسط مباني المنطقة، وتتألف من ألواح خشبية بسيطة من غير زخرفة تساعد على التقليل من أشعة الشمس وتنظيم حركة مرور الهواء داخل المبنى، وتصنع النوافذ من شجر العلب. وبعض الفتحات من غير نوافذ خشبيةالوظيفة الرئيسة للنوافذ الخشبية في العمارة الطينية في وادي حضرموت تكمن في التهوية، والإضاءة، والرؤية من الداخل. وموقعها عادة يراعي الجوانب الاجتماعية في عدم الرؤية أو الكشف على الجيران، وتوزع النوافذ على الواجهات الرئيسة المطلَّة على الشارع والمساحات الداخلية، وتتألف من مشبكات ذات نقشٍ هندسيٍّ بديعٍ، وزخرفةٍ تساعد على التقليل من أشعة الشمس، وتنظيم حركة مرور الهواء داخل المبنى، وتصنع النوافذ من شجر العلب.
 الفتحات (الكوات – العكر)أغلب فتحات المبنى من الكوات، أو العكر الضيقة جدًّافي الطابق الأرضي للحصن انعدمت الفتحات – ماعدا البوابات- وانتشرت الكوات، أو العكر الضيقة جدًّا مقارنة بتلك التي في الطوابق العليا؛ بحيث يستحيل القفز منها إلى داخل الحصن، إلى جانب أنها عامل مساعد في الحفاظ على الحرارة الداخلية المناسبة من غير تأثرها بارتفاع درجات الحرارة الخارجية.
 المعاصيرمفردها معصورة، وهي الزاوية الدائرية للحصن أو الأبراج الدائرية، وبالحصن ثلاثة معاصير، تأخذ الشكل الدائري، وتعتبر داعماتٍ لأركان الحصن، والغرض من شكلها الدائري ليتسنى للمرابط فيها كشف كل ما يحيط بالحصن؛ حيث تحتوي كل معصورة على عدد من المشاويف، يصل عددها (4ــ7) مشاويف – إلي جانب صورتها الجمالية للبناء التي تعطي للحصن هيبة أكثر من تلك الحصون التي بلا معاصير، وهي أيضًا عنصرٌ مكمِّل للأساسات تعطي البناء قوَّةً وأكثر تماسكًا بوجودها في الأركان الأربعة للمبنى، إلى جانب هذا كله كموقع للمرابطة للحراس تعطي أكبر مساحة للناظر إلى الخارج في جميع الاتجاهات .مفردها معصورة، وهي الزاوية الدائرية للحصن أو الأبراج الدائرية، وبالحصن أربعة معاصير، تأخذ الشكل الدائري، وتعتبر داعمات لأركان الحصن الأربعة، يصل قطر كل معصورة من 3.4م، ويبلغ طول محيط البرج من الخارج 10.21م، والغرض من شكلها الدائري ليتسنى للمرابط فيها كشف كل ما يحيط بالحصن، حيث تحتوي كل معصورة على عدد من المشاويف، يصل عددها (4ــ7) مشاويف – إلى جانب صورتها الجمالية للبناء التي تعطي للحصن هيبة أكثر من تلك الحصون التي بلا معاصير، وهي أيضًا عنصرٌ مكمِّل للأساسات تعطي البناء قوَّةً وأكثر تماسكًا بوجودها في الأركان الأربعة للمبنى، إلى جانب هذا كله كموقع للمرابطة للحراس تعطي أكبر مساحة للناظر إلى الخارج في جميع الاتجاهات .  
 السطحيتميز سطح حصن بامسدوس بزيادة إلى الخارج، يُبنَى على دعائم خشبية تمتدُّ من سطح جدران الطابق الأخير، ولذلك توضع في محيط الدعائم التي تقع تحت الحواجز أعمدة طويلة، وتعطي شكلًا جماليًّا، وتكون أساسًا لبناء السقاطات، ويتميز أيضًا السطح بوجود القُـبَّة، وهي غرفة مربَّعة الشكل، تتوسَّط سطح الحصن، ويحاط السطح بجدار بارتفاع مترٍ تقريبًا، تتخلَّله السقاطات أو النتوءات الخارجية، وهي فتحات إلى الأسفل نحو البوابة مباشرة وفي كل جهات المبنى، وسقاطة أخرى للحمام [20]أو الرُّيُوم مفردها الرّيم، وهي المساحات المخصَّصة للإقامة فيها في ليالي الصيف الحارَّة على ضوء القمر ونسمات الهواء الطبيعية؛ حيث يتميَّز السطح المطلي بالنورة ذات الانعكاسة العالية بقابلية عالية على الإشعاع الحراري؛ حيث يتم التخلص من الحرارة الفائضة عن طريق حركة تيارات الهواء؛ ففي ساعات الليل المتأخرة يبرد الهواء الملامس للسطوح الباردة المكشوفة للسماء الصافية، فيثقل وينساب إلى الأزقة والباحات، ويستقرُّ فيها طوال النهار التالي، وبذلك تتحول إلى خزانات باردة، تزوِّد البيوت وخاصة الطبقات السفلى بنسمات باردة، تنساب إلى داخلها، فتَطْرُدُ الهواء الساخن إلى أعلى بعملية التصعيد من خلال الكوات أو العكر.
 الشرفاتلا توجد شرفات ولا مسنَّنات رمحية في نهايات المبنى.الشرفة نهاية الشيء أو حافَّته، وقد استخدمت للدلالة على ما يوضع على أعالي القصور، وأسوار المدن، وواجهات المساجد، ونحوها من العمائر الإسلامية، وهي تبنى من الآجر متقاربة في أعلى السور أو الجدران؛ ليحتمي وراءها المدافعون، ويشرفوا على المهاجمين ويطلقوا عليهم السهام[21] وتكون على شكل مسنَّنات رمحيَّة.  
 العروسيمتدُّ السُّلَّم الداخليُّ في حصن بامسدوس على هيكلٍ، يستندُ على دعامة مركزية، تُسمَّى العروس، تمرُّ عبر طوابق البناية جميعها إلى ساحات السطوح العلوية المكشوفة.من أنواع الأعمدة في العمارة الحضرمية، وسُمِّي بالعروس؛ باعتباره دعامة المبنى الأساسية، ويبنى من المَدَرِ على شكلِ مُربَّعٍ أو مستطيل، يترواح (1م – 1.5م) على طول ارتفاع المبنى بجانب السلم الذي يؤدِّي إلى الأدوار العليا.
 الاسقف تشيد من أخشاب الأثل المنتشرة بكثرة في المنطقة المحيطة، أو السدر، وجذوع النخيل، تُرَصُّ عموديًّا، يوضع عليها حصيرٌ من سعف النخيل، يُضَافُ إليه ألوان زاهية، تُعطِي مشهدًا جذَّابًا خاصة في الممرَّات الرئيسة والغرف فقط، أما بقية الأسقف فمن أشجار الأراك وغيره، فوقها طبقة سميكة من الطين.  
 الفنون الكتابيةتحتفظ بوَّابة حصن بامسدوس بكتابات على بوابته الرئيسة وتاريخ انشائها سنة 980هـ .تحمل أغلب حصون وادي حضرموت على بواباته الرئيسة زخارف كتابية، بصياغة أبيات شعرية، أو كتابة آيات قرآنية، وهي تؤرِّخُ لتأسيسَ، أو التجديدَ، أو الترميمَ، أو إضافة، وغيره، تكون غالبًا دالَّـةً على سنة العمل بطريقة حساب الجمل؛ ليوافق التاريخ المراد تسجيله بالحفر على الخشب[22]، ولم نتأكَّدْ من نوع الكتابة؛ بسبب فقدان البوابة الرئيسة للحصن.  

مخططات وصور حصن بامسدوس:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

1- باراس : سالم محمد ، حصون نوح وسيبان ولبنة والحيسر تحت المجهر، مجلة حضرموت الثقافية ، مركز حضرموت للدراسات والأبحاث والتوثيق والنشر، المكلا، العدد 4، يونيو 2017م

2- بارباع : مرعي ، منطقة الكسر في وادي حضرموت ، دار جامعة عدن ، عدن ، ط1 ، 2014م

3- بلفقية ، عبدروس علوي : جغرافية الجمهورية اليمنية ،منشورات جامعة عدن ،1997م

4- حبتور ، ناصر صالح : توحيد اليمن قديماً بين ذكر إل وكرب إل، سبأ العدد (12) جامعة عدن، 2003 م

5- الرباكي : احمد صالح ، حصن العر في النقوش والمدونات التاريخية ، مركز النور للدراسات والأبحاث، تريم، ط1، 2010م

6- السقاف :محمد احمد ، المواءمة البيئية في العمارة الطينية بوادي حضرموت، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للعمارة الطينية،مركز العمارة الطينية بجامعة حضرموت ، سيؤن ط1، 2000م.

7- العيدروس : حسين ابوبكر، مسجد المحضار ، تريم للدراسات والنشر، تريم، ط1

8- كوجين : يوري، العمارة الطينية الحضرمية التقليدية ، مركز حضرموت للدراسات والأبحاث ، المكلا ، ط1، 2016م

9- كوجين : يوري ، الفن المعماري بحضرموت ،نتائج أعمال البعثة اليمنية السوفيتية العلمية المشتركة لعام 1985م ،المركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف (مسحوب بالا ستنسل)

10- الموسطي : طارق واخرون، الموسوعة اليافعية .يافع حضرموت، دار الوفاق للدراسات والنشر، عدن، ط1، 2015م، م 8، ج12


[1]– بلفقيه ، عبدروس علوي : جغرافية الجمهورية اليمنية ،منشورات جامعة عدن ،1997م، ص 92.

[2] بارباع : مرعي ، منطقة الكسر في وادي حضرموت ، دار جامعة عدن ، عدن ، ط1 ، 2014م ،ص 29

[3] -نفسه، ص 57

[4] – حبتور ، ناصر صالح : توحيد اليمن قديماً بين ذكر إل وكرب إل،سبأ العدد (12) جامعة عدن، 2003 م. ص18-19

[5] – بلفقيه ، عيدروس علوي : جغرافية الجمهورية اليمنية ص 56.

[6] – بارباع : مرجع سابق، ص 31

[7] – نفسه : ص33

[8] كوجين : يوري، العمارة الطينية الحضرمية التقليدية ، مركز حضرموت للدراسات والأبحاث ، المكلا ، ط1، 2016م ،ص 197

[9] نفسه ص 231 ، 236

[10] نفسه ص 197 – 199

[11] باراس : سالم محمد ، حصون نوح وسيبان ولبنة والحيسر تحت المجهر، مجلة حضرموت الثقافية ، مركز حضرموت للدراسات والأبحاث والتوثيق والنشر، المكلا، العدد 4، يونيو 2017م ، ص 26 . وكوجين : مرجع سابق ص 201

[12] كوجين: يوري ،الفن المعماري بحضرموت ،نتائج أعمال البعثة اليمنية السوفيتية العلمية المشتركة لعام 1985م، المركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف (مسحوب بالا ستنسل )ص 89، 90

[13] نفسه ص 96- 97

[14] الرباكي : احمد صالح ، حصن العر في النقوش والمدونات التاريخية ، بحث قيد النشر ، 2007م ، ص 48

[15] نفسه ص 49.

[16] السقاف: محمد أحمد ، المواءمة البيئية في العمارة الطينية بوادي حضرموت، أبحاث المؤتمر العلمي الأول للعمارة الطينية، مركز العمارة الطينية بجامعة حضرموت، سيئون ط1، 2000م. ص 37-41 .

[17] كوجين: العمارة …، مرجع سابق، ص 203 – 204.

[18] كوجين العمارة …، مرجع سابق، ص ص 203

[19] الموسطي : طارق وآخرون، الموسوعة اليافعية .يافع حضرموت، دار الوفاق للدراسات والنشر، عدن، ط1، 2015م، م 8، ج12، ص 141.

[20] كوجين ص 201

[21] العيدروس : حسين ابوبكر، مسجد المحضار ، تريم للدراسات والنشر، تريم، ط1، ، ص 122

[22] العيدروس : مسجد المحضار ، مصدر سابق ، ص 181- 182

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر