وظيفة الشعر التاريخية

منير بن سالم بازهير

    فن الترجمة كمسار من مسارات علم التاريخ يدخل في تكوينه عدد من المكونات الأساسية ، المتصلة ببلورة شخصية العلم المترجم له .

     ومن هذه المكوِّنات الشعر ، سواءً كان المترجم له من الشعراء أو لا .

     فمما يضيف من إضافات مميزة على فن الترجمة ، كتابة ما قيل في المترجم له من قصائد شعرية ، لشعراء زمانه ، لنتبين مكانة المترجم له في أعين شعراء الزمان، وروَّاد الأدب ، ووجهاء البيان والبلاغة .

     فمن اللازم إذن على المعتني بفن التراجم ، قراءة الدوواين الشعرية المزامنة لمن يترجم له ، وأن يسطر في ترجمته ما قيل في المترجم من مدح أو رثاء أو غير ذلك … ويزداد هذا الأمر نفعًا حينما يكون الشاعر من أهل العلم والصدق والورع والإنصاف … فإنه سيبرز في قصائده ، حقائق عديدة تتصل بذات المترجم له ، في قالب شاعري متوهِّج ، يكسب الترجمة لونًا خاصًّا من الفيض ، يجذبُ العاطفة ويسمو بالوجدان …

 كما أن الحذر من مجازفات الشعراء ومبالغاتهم وأوديتهم ، يجب أن يكون حاضرًا في مخيِّلة كاتب التراجم !!

     ومن الشخصيات المترجم لها شخصيات لها في الشعر باع واسع ، وذائقة فريدة، حتى كتبت له الدوواين ، وأقيمت حول شاعريته دراسات أدبية وذوقية .. فيكون من النقص فيمن يتولى الترجمة لهم عدم الحديث عنها في فصل من فصول دراسته.

     كما أنه يجب لفت النظر إلى قضية مهمَّة تتصل بعلاقة الدوواين الشعرية بفن التراجم .. تكمن اللفتة في أن بعض الدوواين الشعرية تصاحبها معلومات تاريخية نثرية ، فإن الكثير من الشعراء وهم من أهل العلم الواسع أيضًا ، يصدر قصيدته بالمناسبة التي قيلت فيها ، ويستطرد في إيراد معلومات مهمة يذكر فيها شخصيات وتواريخ وحوادث ، وتفاصيل مهمة كثيرة ، كما تجد ذلك في كثير من الدوواين ومن أشهرها ديوان العلامة الأديب المسند عبدالرحمن بن مصطفى العيدروس المتوفَّى في 1192هجرية المسمَّى بـ (تنميق الأسفار)، والآخر المسمى بـ (تنميق السفر)، فقد ضمَّنهما بالإضافة إلى المنتوج الشعري ، مقطوعات تاريخية مهمة ، تتصل بمؤلفاته، ورحلاته، وجزئيات حياته وشيوخه وإجازاته.

     بل إنَّنا نجد في الدوواين منظومات إسناديَّة، تحوي ذكر طرق التلقِّي والصلة بالشيوخ، كما عند العيدروس السابق ذكره. وقد تفطن لذلك الأهدل في (النفس اليمانيّ) فضمَّن قصيدة نظم السند عند ترجمته للوجيه العيدروس .

     وكما في ديوان العلامة علي بن حسن العطاس؛ حيث ضمَّنه منظومة كاملة ذكر فيها مشيخته، ومنظومة كاملة لخَّص فيها مسالك السيرة وأدوار التاريخ.

     وبالجملة فدوواين الشعر يذكر فيها الشعراء قصائد رثاء تختم بذكر تاريخ الوفاة بطريقة الجمل، كما تتضمن قصائد تتصل بتشييد مسجدٍ أو مدرسةٍ أو قصرٍ أوحصنٍ، وأخرى بتوصيف ظاهرة اجتماعية ، أو حادثة تاريخية تتصل بالحرب أو بالسلم ، أو بمنجزات إنسانية أخرى .

     ومن هذه الزواية بات النظر في دوواين الشعراء مفيدًا في فن الترجمة والدراسات التاريخية بل والإنسانية.

     وهذا مسلك كتاب (السير والتاريخ على ممرِّ الزمان)، بل حتى الأوائل منهم، فنجد ابن هشام يذكر طبيعة القتال في الغزوات ضمن قوالب الشعر، ويذكر نقباء بيعة العقبة الثانية ضمن القالب نفسه وهكذا.

     وقد رأيت العديد من التواريخ الحضرمية وُفِّـقَـتْ لهذا المزج، كتاريخ ابن هاشم للدولة الكثيرية ، واستشهاده بأبيات بامخرمة في تفاصيل بعض الجوانب السياسية ، وكذا بأبيات لغيره من الشعراء كمقاطع من الشعر الحميني العلامة الصوفي سعد السويني.

     نعم ابن عبيدالله السقاف في الإدام استخدم هذا المسلك، ولكن لم يقتصر على الجوانب التاريخية البحتة ، وإنما لطبيعته الأدبية المتَّقدة ، نثر أبياتًا تجلِّي منقبة، أو تشابه موقفًا ، أو تؤصِّل خُلُقًا ، أو تحذِّر من منقصة ، أو تبكِّتُ إنسانًا أو جماعة على موقف ما ، إلى غير ذلك من المقاصد مما لا يصب في أصل المادة التاريخية ، لكنه يكشف عن مواهب الكاتب وحضور الذائقة الأدبية في كل تصرفاته؛ لأنها صارت قطعة من شخصيته ، ومتنفَّسًا من متنفَّساته.

     ومن الإنصاف أن نقول إنَّ ابن عبيدالله السقاف من أعظم من ربط بين الشعر والتاريخ في إدامه على نحو فريد، فتجده يذكر تميُّزَ الحضارم في صناعة البُرُودِ ويذكر الشعر المؤكِّد لذلك.

     أو تميُّز نوقهم وجودتها فيذكر ما يتصل بذلك من أقوال الشعراء ، أو أن موقع حضرموت موقعٌ قصيّ فصار مضربًا للأمثال في البُعْـدِ ، فيقول قال الشمردل :

بلغن أقصى الرمل من يبرينا   **  وحضرموت وبلغن الصينا

     إلى غير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة في الإدام ، وساعده على ذلك اتساع عارضته الشعرية ومخزونة الأدبي بشكل يصعب أن نجد له مثيلًا في عصرنا.

     وأخيرا .. هناك تاريخ كتب بلغة الشعر هو جدير بالمتابعة والاقتناص والتضمين داخل الدرس التاريخي ، كما أنَّ هناك نُـتَـفًا منثورة تصاحب دوواين الشعراء ترتبط بالبحث التاريخي بزواياه الكثيرة.

     واتجاهات التاريخ في الشعر كثيرة، فالشعر متنفَّسٌ يكشف عن واقعٍ عايشه الشاعر ، وتاريخٍ تغلغل بكيانه ، وتقلباتٍ اصطلتْ بها نفسُه وصُقِـلَـتْ من خلالها ذاته.

ومن هنا نخلص إلى ضرورة النظر فيما لدينا من ثروة شعرية لسلِّ ما بها من مادة التاريخ .. هذا وبالله التوفيق.

كتب يوم / الأربعاء / 22صفر 1440 هجري . 31 اكتوبر 2018م .

تواصل معنا

مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر، عمارة باشريف، بجانب مسجد الغالبي، حي الشهيد خالد، المكلا، الجمهورية اليمنية

الفترة الصباحية: (٩:٠٠ - ١:٠٠ ظهرا)

الفترة المسائية (٤:٣٠ - ٨:٣٠ مساء)

جميع الحقوق محفوظة لمركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر