د.عبدالقادر علي باعيسى
يهاجر الحضرمي طويلاً، ويظل يحلم بالعودة إلى حضرموت، مجرد حنين أزلي، أشبه بحلم العودة إلى رحم الأم، ويجد سعادته في التعبير عن بره بأمه من خلال اهتمامه بإخوته عن طريق تقديم المساعدات الاجتماعية لهم ودعم الجمعيات الخيرية، ويزكي هذه القيمة الاجتماعية فيه تدينه بوصفه المجال الحيوي الذي يعطيه الإحساس بالطمأنينة من حيث إنه لم يتنكر لأهله (ذوي القربى).
وعندما يستعيد الحضرمي إحساسه الفطري ببلاده في مهجره كأنما هو يستعيد هويته، فالهوية عنده -وقد طوحت به الأسفار بعيدا- ليست منفصلة عن فطرة الحنين إلى الأم- الرحم ـ الحضن، ولعله عندما يرسل أبناءه أطفالا دون العاشرة إلى حضرموت ولسنوات معدودة ينطلق لا شعوريا من هذه الفكرة، فكرة العودة إلى حضن الأم.
إنه يعيش عالما حلميا يتراءى له جميلا هو حضرموت، رغم أنه يعرف (يقرأ ويسمع) كل تفاصيلها المأساوية وعلى مدى قرون، ومع هذا يظل يحلم بالعودة إليها، وإن عاد يعود وقد استنفد شبابه ليستمتع في حضنها بالتنعم ببعض ما جمعه في أسفاره، فمعنى الهوية هنا غير منفصل لديه عن الإحساس بوجوده الطفولي الأول.
والحضرمي في العالم الواسع المتنوع، عالم المهاجر، يعيش عالما آخر حيوياً حقيقياً يتخطى به هذا الوجود العاطفي إلى وجود آخر، فمجال تحقيق الثروة وإثبات الذات والنجاح هو ثمرة علاقات أخرى تفاعلية تجارية وحياتية، شعارها الجد والحزم ومنطقية التعامل، ولعله بذلك يشعر بشيء من التوازن بين أن يكون له وطن يعيش فيه واقعياً، ووطن يحن إليه عاطفياً.