إبداع
د. أحمد محمد الجذع
في ضياء العصر الخافت، كان هواء الرواق المظلم مكتظًا بوميض الإبر، كتحرك الحشرات الفضية، المتجمهرة في الضوء. كانت أفواه النساء الثلاث ترتعش فوق عملهن. تحركت أجسادهن للوراء، ثم تميل للأمام بحركة غير محسوسة، بحيث تمايلت الكراسي الهزازة وهمهمت. نظرت كل امرأة إلى يديها، وكأنها وجدت قلبها يخفق هناك فجأة.
-“كم الساعة؟” سألت إحداهن.
-“الخامسة إلَّا عشر دقائق”.
-“بعد برهة قصيرة، انهضي واشرعي في تقشير البازلاء تحضيرًا للعشاء”.
-“ولكن…” قالت إحداهن.
“آه، نعم، يا لحماقتي…” صمتت المرأة الأولى، ووضعت تطريزها وإبرتها، ونظرت من خلال باب الرواق المفتوح إلى داخل المنزل الهادئ والدافئ، وإلى المطبخ الصامت. وهناك على الطاولة، حيث بدا الأمر وكأنه يرمز إلى الحياة المنزلية أكثر من أي شيء رأته في حياتها، تكدست أكوام البازلاء المغسولة حديثًا في أغمادها البديعة والمرنة، تنتظر أصابعها لإخراجها إلى العالم.
– “اذهبي وقشِّريها إذا كان ذلك سيجعلك تشعرين بالرضا”، قالت المرأة الثانية.
– “لا، لن أفعل، ببساطة لن أفعل”. قالت الأولى.
تنهدت المرأة الثالثة وهي تعمل على أرقى قطعة تطريز وأكثرها دقة على الإطلاق، إذ قامت بتطريز وردة، وورقة، وزهرة أقحوان على بساط أخضر. كانت إبرة التطريز تظهر وتختفي، بوخزات بارعة، حيث تدس الإبرة بسرعة وتعيدها في رحلات لا تحصى. كانت تلقي نظراتها السوداء السريعة على كل حركة، زهرة، رجل، طريق، شمس، منزل؛ كان المشهد ينمو تحت يدها، جمال مصغر ومثالي في كل تفاصيله الخيطية.
– “يبدو في أوقات كهذه أنكِ دائمًا ما تلجئين إلى يديك،” قالت إحداهن. وأومأت الأخريان برأسيهما بما يكفي لتحريك الكراسي الهزازة مرة أخرى.
– “أؤمن بأن أرواحنا تسكن في أيدينا؛ لأننا نفعل كل شيء للعالم بأيدينا. أحيانًا، أعتقد أننا لا نستخدم أيدينا بما يكفي، ومن المؤكد أننا لا نستخدم عقولنا كما ينبغي”. قالت السيدة الأولى. حدَّقْـنَ جميعًا باهتمام أكبر فيما تفعله أيديهنّ، وقالت السيدة الثالثة: “نعم، عندما تنظرين إلى عمرك كله، يبدو أنك لا تتذكرين الوجوه بقدر ما تتذكرين الأيدي وما صنعت”.
ذهبنَ يستعدنَ ذكرياتهن عن الأغطية التي رفعنها، والأبواب التي فتحنها وأغلقنها، والزهور التي قطفنها، ووجبات العشاء التي أعددنها، كل ذلك بأصابع بطيئة أو سريعة، حسب طبيعتهن أو عادتهن. عند تذكر الماضي، ترى مجموعة من الأيدي، كحلم ساحر، تفتح الأبواب على مصراعيها، وتُدير الصنابير، وتستخدم المكانس، وتصفع الأطفال. كان رفرفة الأيدي القرنفلية هو الصوت الوحيد، أما الباقي فكان حلمًا بلا أصوات.
– “لا عشاء لنعده الليلة، ولا لليلة الغد، ولا الليلة التي تليها”. قالت السيدة الثالثة.
– “ولا نوافذ لنفتحها أو نغلقها”.
– “ولا فحم لنحمله إلى فرن القبو في الشتاء المقبل”.
– “ولا صحف لنقصَّ منها وصفات الطبخ”.
فجأة بكينَ، وتدحرجت الدموع بهدوء على وجوههن، وسقطت على القماش، الذي تتمايل فوقه أصابعهن.
وأخيرًا قالت السيدة الأولى، وهي تضع ظهر إبهامها على كل جفن سفلي: “هذا لن يفيد بشيء”، ونظرت إلى إبهامها فوجدته مبتلًّا.
صرخت السيدة الثانية بانفعال: “الآن انظُرنَ ماذا فعلتُ أنا!”. وقفت الأخريان وألقيتا نظرة. رفعت السيدة الثانية تطريزها، لقد كان المشهد كاملًا، كانت الشمس الصفراء المُطرَّزة تشرق على الحقل الأخضر المُطرَّز، والطريق البُنّي المُطرَّز ينعطف باتجاه منزل مُطرّز ورديّ اللون. باستثناء وجه الرجل الواقف على الطريق فقد كان مشوَّهًا.
– “الآن سيتعيَّن عليّ أن أنقض، عمليًا، نقشة التطريز بأكملها؛ لإصلاحها بشكل صحيح”. قالت السيدة الثانية.
– “يا للخجل”، قالتا وهما تحدّقان باهتمام في المشهد الذي به شائبة.
شرعت السيدة الثانية في نتف الخيوط بمقصها الصغير البارع البراق. خرج النقش خيطًا خيطًا. سحبت وجذبت بعنف نوعًا ما، لقد اختفى وجه الرجل. وواصلت انتزاع الخيوط.
– “ماذا تفعلين؟” سألت المرأة الأخرى.
انحنتا ورأتا ما فعلته.
لقد اختفى الرجل من الطريق، لقد أزالته بالكامل.
لم يقلن شيئًا سوى أنهن عُدنَ إلى مهامهن.
– “ما الوقت الآن؟” سألت إحداهن.
– “الساعة الخامسة إلا خمس دقائق”.
– “هل من المفترض أن يحدث ذلك عند الساعة الخامسة؟”
– “نعم.”
– “وهم غير متأكدين حقًا مما سيفعله بأي شيء، عندما يحدث ذلك”.
– “لا، ليسوا متأكدين”.
– “لماذا لم نوقفهم قبل أن يصل هذا الأمر إلى هذا الحد، وهذا الحجم”.
– “لقد أصبح ضعف ما كان عليه من قبل، لا، بل عشرات المرات، وربما ألف مرة”.
– “هذا ليس مثل الأول، أو العشرات التي تليه. هذا مختلف. لا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يفعله عندما يأتي”.
انتظرْنَ على الرواق في رائحة الورد والعشب المقصوص.
– “ما الوقت الآن؟”
– “الخامسة إلَّا دقيقة”.
ومضت الإبر بنيران فضية، سبحْنَ كسرب من الأسماك المعدنية في الهواء الصيفي المظلم.
بعيدًا يُسمع صوت البعوض، ثم رجفة تشبه قرع الطبول. حنت السيدات الثلاث رؤوسهن منصتاتٍ.
– “لن نسمع شيئًا، أليس كذلك؟”
“يقولون: لا”.
– “ربما نكون مغفَّلات، لربما نستمر بعد الخامسة في تقشير البازلاء، وفتح الأبواب، وتحريك الحساء، وغسل الأطباق، وتحضير وجبات العشاء، وتقشير البرتقال…”
– “أوه، كم سنضحك عندما نفكر أننا كنا خائفات من تجربة قديمة!” ابتسمن لحظة بعضُهن لبعضٍ.
– “إنها الخامسة الآن”.
صمتنَ عند هذه الكلمات، انشغلْنَ جميعًا. تحركت أصابعهن بسرعة. كانت وجوههنّ مُنكّسة على الحركات التي يقمن بها. كنّ يصنعنَ أنماطًا محمومة. صنعن أزهار الليلج، والعشب، والأشجار، والمنزل، والأنهار على القماش المطرز. لم يقلنَ شيئًا، ولكن بإمكانك سماع أنفاسهن في الهواء الصامت للرواق.
مضت ثلاثون ثانية.
أخيرًا تنهَّدت المرأة الثانية، وبدأت تسترخي، وقالت: “أعتقد أنني سأقوم فقط بتقشير تلك البازلاء للعشاء، أنا”.
لم يكن لديها الوقت حتى لرفع رأسها. في مكان ما، على طرف رؤيتها، شاهدت العالم يتلألأ ويشتعل بلهيب. أرخت رأسها؛ لأنها كانت تعلم ما هو عليه. لم ترفع عينيها، وكذلك الأخريان، وفي اللحظة الأخيرة كانت أصابعهن ترتجف؛ لم يلتفتْنَ حولهن ليريْنَ ما يحدث للبلد، أو المدينة، أو هذا المنزل، أو حتى هذا الرواق. كنّ يحدِّقْـنَ فقط في التصميم الذي بين أيديهن المرتعشة.
راقبت المرأة الثانية زهرة مطرَّزة تختفي. حاولت أن تعيد تطريزها، لكنها اختفت، ثم اختفى الطريق، وأوراق العشب. لقد شاهدت حريقًا في حركة بطيئة، يلتهم المنزل المطرَّز، ويزيل قرميده، وينزع كل ورقة مخيطة من الشجرة الخضراء الصغيرة في الإطار، ورأت الشمس نفسها تتفكَّك في التصميم. ثم اشتعلت النار في نقطة الإبرة المتحركة، في حين كانت لا تزال تُومض؛ راقبت النار تأتي على أصابعها وذراعيها وجسدها، وتحل خيوط وجودها المتعبة بحرص بحيث كانت تستطيع رؤيتها بكل جمالها الشيطاني، وتنتزع النقش من القماش الذي في متناول يدها، ما كان يفعله بالمرأتين الأُخريَيْنِ أو الأثاث، أو شجرة الدردار في الفناء، لم تدرِ به أبدًا؛ لأنه الآن، نعم الآن، بدأ ينتزع التطريز الأبيض من لحمها، والخيط الوردي خدَّيْها، وفي النهاية وجد قلبها، وردة حمراء لينة مُطرزة، فأحرق أوراقها المُطرَّزة الجديدة، واحدة تلو الأخرى…
ترجمة/ د. أحمد محمد الجذع