آراء
أ.د. عبدالله حسين البار
يوم هتف الأستاذ علي أحمد باكثير ببيته الذائع المشهور
ولو ثقفت يوما حضرميا … لجاءك آية في النابغينا
كبّر الحضارم ملء أفواههم ولمّا يزالوا يكبرون لذك البيت الذي يشهد لأوائلهم ولأواخرهم بالتميز في الحياة ثقافة ونبوغا. لكنهم – وفيهم العلماء باللغة – لم ينتبهوا إلى ما في التركيب اللغوي للبيت من عدول عن مقصود الشاعر, وخروج من سياق إلى سياق.
فالشاعر صاغ بيته في (أسلوب الشرط الامتناعي) مستعملا الأداة (لو), وهي أداة شرط غير جازمة تفيد معنى امتناع الامتناع كما يقول أصحاب العربية. وهم يقصدون (بامتناع الامتناع) امتناع حدوث جواب الشرط لامتناع تحقق فعل الشرط.
وفي بيت باكثير جملة جواب الشرط هي قوله: (لجاءك آية في النابغين). وأما جملة فعل الشرط فهي قوله: (ثقفت يوما حضرميا). وباستعمال الأداة (لو) امتنع وجود الجواب لامتناع وجود الشرط. فامتنع حدوث آية النبوغ لعدم وقوع فعل التثقيف, وخرج البيت من سياق المدح المرتجى إلى سياق الهجاء. وهو مالم يقصده الشاعر, ولكن اللغة تنزاح بالشعر عن مقاصده حين لا ينتبه الشاعر لقوانينها الصارمة.
هل يعني هذا أنّ (حضرموت) لم تعرف ثقافة, ولم تشهد مثقفين على توالي أدوارها التاريخية؟
إنّ الإجابة عن سؤال كهذا السؤال لا تكون بإيجاب مطلق ولا بسلب قاطع, وإنما هي متراوحة بين بين.
ففي كتب من سلفوا من علماء حضرموت – وهم مثقفوها في أدوار تاريخها – من شكا من جهل أهل الجهة واستعصائهم على الثقافة ونفورهم من الإقبال على العلم والمعرفة كما نجد في كتاب (مقال الناصحين بحفظ شعائر الدين) للشيخ محمد بن عمر باجمال (905هـ – 964 هـ), حيث يقول: ” وقد عمّت البلوى في جهة حضرموت بعموم الجهل في أهلها, وبالجهل تفسد الأعمال والأحوال, وتخرب البلاد والعباد, وتشيع الفاحشة والفساد. فالجهال أشبه بالشياطين في أقوالهم وأفعالهم, وأقرب إلى البهائم في طباعهم وحظوظهم” ص 167.
صورة معتمة للحال الثقافي في حضرموت يومذاك – أجواء القرن العاشر الهجري – ناهيك بالإيماء إلى خفوت الازدهار العلمي في ذلك العصر في عموم حضرموت. والعلة في ذلك الحالة التي كانت عليها تلك الجهة وأهلها كما نعتها الحبيب علي بن حسن العطاس في كتابه (الرياض المونقة بالألفاظ المتفرقة في المعاني المتطرقة), حيث قال:” إنّ مثل غالب أهل حضرموت, التي هي من الساحل إلى مأرب, ومن عين بامعبد إلى سيحوت كمثل العنكبوت اتخذت بيتا, وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت, قد شغلهم القوت عن عالم الملك والملكوت, وعمتهم الغفلة باللهو عن اللاهوت, والسهو عن الناسوت. فأعمالهم أعمال من يزعم أنّه لا يموت, وطبائعهم طبائع الخيلاء والتكبر والحسد والحقد والجبروت ممزوجة بالبراء – كذا- والباروت.
” والحاصل أنّ حضرموت مركز برهوت, وفيها كم من برهوت, خاصة في الوديان والجيلان والسيطان بين القبائل والبدوان, يعتكر بينهم الشيطان. فإن سألت عن وصفهم المنعوت فهم لا يرفقون ولا يشفقون, ولا ينفقون ولا يتقون, وهم للموسر يحسدون, وللمعسر لا يرفدون, فإنا لله راجعون, وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” أ.هـ
حال من الاجتماع البشري لا يجود بواقع علمي ولا ثقافي مزدهر وصور من الخلال النفسية يتمثلها سلوك إنساني غير مهذب بعلم ولا ثقافة. وهي صورة منبثقة من واقع ملموس ومعيش وليست نتاج مخيال تجاوز الواقع إلى أخيلة لا وجود لها في ذلك المجتمع وفي أحوال إنسانه يومذاك.
تلك صورة سلبية عن حال الثقافة ومنتجيها في القرنين العاشر والاثني عشر الهجريين. ومما لا شكّ فيه أنّ لها أشباه ونظائر في ما تقدم من الزمان وما تأخر. لكنها صورة تقابلها صورة أخرى تضادها في مدلول الهيئة وناتج التشكيل, وهي التي يمثلها القائلون باتسام (حضرموت) بالثقافة والعلم, ويزدهون بما اشتملت عليه مدنها البارزة من عهود موغلة في التاريخ, حتى قال قائل منهم:” إنه كان في بلد (تريم) نحو ثلاثمئة مفتيا, وفي (شبام) نحو مئتين مفتيا وفي الهجرين قريب ذلك”. أ.هـ.
والفتيا لا تكون إلا لمن تبحر في علوم الشريعة فقها وحديثا وتفسيرا وأصولا ناهيك بعلوم العربية, وخصّ النحو منها بمقام.
وسوى هذا علوم أخرى كالتصوف والتاريخ وعلوم الفلك والكيمياء والطب, في القرنين السابع والثامن الهجريين كما أنبأ عن ذلك صاحب كتاب (الحياة العلمية في حضرموت). وقد فصّل إجمال هذا القول وأسهب. والسؤال الذي نطرحه هنا الآن هو: هل شكلت هذه الحركة العلمية في حضرموت مجتمعا تهذب سلوكه وتنوع اهتمامه الثقافي وتعدد منجزه الإبداعي ليشمل فنون العمارة والآداب وعلوم الألحان وما إلى ذلك. وأنضجت من سلوك أهل الجهة فتهذبت طرائقهم في العيش بما يتلاءم مع ذلك النهوض العلمي الذي تجلى في ذينك القرنين وما امتد بعدهما من أدوار التاريخ؟
هذا السؤال يفضي بنا إلى الوقوف على مدلول لفظة (الثقافة) كما عرفها علماء الانثربولوجيا ومن لفّ لهم من الباحثين.
في تعريف الثقافة
يذهب الناقد البريطاني تيري ايغلتون إلى أنّ (كلمة ثقافة هي واحدة من بين الكلمات التي يكتنفها التعقيد, لأنّ مفهوم الثقافة عام وعائم, ومتعذر على التعريف المانع الجامع). ومن هنا (افتقرت الدراسات الثقافية إلى مجال بحثي واضح ومحدود) مما (يبعث الدهشة) في أذهان من يتلقون مثل تلك الدراسات. والعلة في هذا الحال أنّ (نقطة انطلاقاتها – الدراسات الثقافية – رحبة وواسعة جدا, كما أنّها تستخدم جميع المفاهيم الغامضة التي تتضمنها الثقافة بوصفها شاملة لكافة الممارسات ودراستها).
لكنّ هذا الوصف لم يكن بمانع من الوقوع على تعريفات لمفردة الثقافة تتعالى بها من حدها المعجمي إلى فضاء المصطلح. ولعلّ عالم الانثربولوجيا تايلور هو أول من عرف الثقافة تعريفا شاملا, وشايعه في ذلك من تلوه في الزمان إذ قال 🙁 إن الثقافة هي ذلك المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفنون والأخلاق والتقاليد والقوانين وجميع المقومات والعادات الأخرى التي اكتسبها الانسان باعتباره عضوا في المجتمع). أ.هـ.
ومن مفردات هذا المركب تنبع الثقافة الوطنية التي تمنح المجتمع هويته وتسمه بخصائص ومميزات في الحياتين المادية والمعنوية. وتعريف تايلر المعروض سلفا هو الذي مضت عليه معاجم علمية, واعتمدته منظمات دولية, فجاء تعريف الثقافة في مؤتمر منظمة اليونسكو المنعقد في المكسيك عام 1982م (بمعناه الواسع يمكن أن ينظر إليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها, وهي تشكل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق السياسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات).
” والوعي العميق بهذا التعريف هو الذي يأذن بالانفتاح على مفهوم (المثاقفة) من حيث إن الثقافة لا تزدهر في إطار الانغلاق.
مكوّنات الثقافة الحضرمية
تنقسم مكوّنات الثقافة في حضرموت إلى قسمين:
مكوّنات الثقافة الرسمية ولغتها العربية الفصحى. وتشمل على:
الثقافة الدينية, وهي الأبرز في مكوّنات الثقافة في حضرموت, وتشتمل على مجالات شتى, منها (الفقه) وقد اتسع التأليف فيه حتى شمل متونا كبرى مستلهمة من كتب الفقه (الشافعي) تحديدا كونه المذهب المعتمد لدى الحضارمة من عهود سحيقة في التاريخ. وعلى الرغم من اتكائهم في معرفة المذهب على مصادره الكبرى كالمنهاج للننوي ومن اشبهه من شراح المذهب والمؤلفين في تفصيلاته فقد ساهم الحضارمة بمجهود بارز في الكتابة عن ذلك المذهب, وكرروا كثيرا من الأقوال التي سلفت, فلم يأتوا بجديد فيه إلا في بعض الشروح المتسعة لبعض الرسائل المختصرة كما في كتاب (الأنوار اللامعة والتتمات الواسعة للرسالة الجامعة والتذكرة النافعة) للشيخ عبدالله بن أحمد باسودان. وعلى الرغم من كون متن الرسالة مختصرا من كتب الإمام الغزالي, والشرح مشوب بكثير من معطياتها فإنك لا تعدم فيها اثارة من إبداع في التأليف. وقلّ – إن لم نقل ندر – أن تجد مثل ذلك في سواها من كتب الفقه, فهي تكرار لما سلف, ونهل مما هو موجود أصلا. ومن هنا جاء القول بأثر الفقه وكتبه في صبغ الثقافة الحضرمية بالتقليد, فهو رافد أساسي من روافد العقل الذي طمح الى تجديد بتحرره من عقال يقيد حركته فكبت به خيول التجديد فاستحال تقليدا, ووسائل تعليمية تغني واحدة منها عن عشرات من امثالها.
لكن ثقافة الظاهر كما دل عليها شيوع علم الفقه في حضرموت لم يكن بمانع من بزوغ ثقافة الباطن كما جلاها شيوع علم التصوف فيها. على أن العلة التي أحالت علوم الفقه إلى رسائل يكرر بعضها بعضا كانت سببا في استحالة ثقافة (التصوف) إلى طقوس ومراسيم هي في الأصل عادات اجتماعية لكنها غدت عند أهل حضرموت في مرتبة المعطى الديني الذي يتجاوز التاريخ ليتصل بالوحي. فانطفأت اشراقات التفكير الصوفي كما تجلى في بدائع مبدعة لشعراء ومفكرين صعدوا به إلى مراق عليا, وجعلوه دليلا على علاقة حميمة بين الانسان وخالقه, وتعبيرا عميقا لصلة القرب من الذات المحمدية فأصبح في ثقافة الحضارمة زيارات لقبور أولياء صالحين, أو توسلات متوارثة مكرورة أو وعظا وإرشادا يتسع له شعر منظوم كما في قول القائل:
الزم باب ربك واترك كل دون …. واسأله السلامة من دار الفتون
لا يضيق صدرك فالحادث يهون … الله المقدر والعالم شؤون
لا يكثر همك ما قدر يكون
لو ولم وكيف قول ذي الحمق … يعترض على الله الذي خلق
وقضى وقدر كل شيء بحق … يا قلبي تنبه واترك الظنون
إلى آخره.
وكثير من امثاله مما جرى على السنة الشعراء أو الخطباء والواعظين. أما أن تلقى ابداعا شعريا أو نثريا يشف عن تجربة في الوجود تكابد في البعد قلقا واضطرابا فتبحث عن خلاصها في صور الحياة المعيشة فلا تلقاه حتى تصل الى مبتغاها في اخر المطاف بالاتحاد بالله كما في رباعيات الخيام. أو تجربة الذات الأخرى الملتزمة بآفاق الإسلام لكنها تصدم بعجزها عن التعبير عن ما يخالجها من فكر وإحساس فتبحث حائرة عن سبيل لإعلان صوتها حتى تجده فتجهر بدعوتها في الالتزام بالدين والالتحام بقضاياه المستلهمة من كيانه الوجودي لتخرج العصر من دائرة الغفلة الى دائرة الصحوة واليقين. فمثل هذه التجارب المبدعة لا تكاد تجد لها حضورا في النتاج الثقافي في حضرموت, مما وسم الثقافة فيها في اطار التقليد والوقوع في أسر (ليس في الإمكان ابدع مما كان) مع أن للعبارة تأويلا أعمق وإشارة الى صور من التجديد لا تحد, ولكنهم لم يدركوها ومن هنا شاع فيهم سلوك (قع جويد), وهذه أعلى صور الاستاتيكية ظهورا.
ومن عجب أن مجالي الفقه والتصوف وقد كثر التأليف فيهما من قبل صارا ملخصات مختصرات تمنح صورة معرفية نمطية متمثلة في أدعية مهتدين سلفوا وتقدموا في الزمان, أو استحالا من مكتوب مقروء الى شفاهي مسموع فقل الاقبال على المجاهدة في طلب العلم وممارسة العبادة مكتفين باللباس الدال على هيئة أصحاب العلم دون محتوى. بل ونأوا عن المرجعية التي شكلت هويتهم الثقافية ذات زمن, واعني بذلك كتب الامام الغزالي حتى انحصر الاهتمام بها على قلة من الحضارمة.
ومع ان علوم الحديث والتفسير والعقائد وما اشبهها من مكملات الثقافة الدينية فإن اشتغال أهل حضرموت بها منعدم مكتفين في ذلك بما يجدونه في متونها الكبرى كالبخاري وبعض شروحه وتفسير البغوي وبعض من أمثاله وما وقف عليه القارئون في كتب الغزالي في مجالات معرفية متنوعة اما أن يكون لهم تآليف مذكورة في تلك المجالات فهذا من النادر. حقا وجد فيهم من درس علم الحديث لكنه لم يؤلف فيه عظيما, ومن تحدث في تفسير آيات متفرقات من القرآن أو بعض سورة وأثر عنهم بعض صفحات مكتوبة في تفسيرها لكنها لم تشمل القران كاملا لتصبح مجلدات متعددات الأجزاء كما صنعوا في كتب الفقه او كتب التصوف, فظل التفسير لديهم خطرات عابرة وليس علمًا راسخا. واكتفوا بتفسير البغوي مرجعا معتمدا لديهم وفضلوه على سواه كما ارتضوا بكتب الغزالي مرجعية لكثير من تصوراتهم في الفقه والتصوف والعقيدة. ومن هنا غلب على ثقافة أهل حضرموت النقل فأسلسوا له قيادهم وانصبغت به تفصيلات حياتهم من بعد.
الثقافة الأدبية: والادب إما شعر وإما نثر.
وللشعر أنماط من القول, وللنثر أجناس متفرقات مختلفات في البنية والبناء. وقد شاع الشعر في أهل حضرموت كما ينبئ صاحب موسوعة (تاريخ الشعراء الحضرميين) وقد قدم مادة وافية عن الشعراء في حضرموت يفيد منها الراغبُ في دراسة ذلك الشعر وأبعاده الموضوعية والفنية, وسننال منه بغيتنا كما رسمنا في حديثنا هذا. وبمراجعة ما تيسر من قراءة أجزائه الخمسة في صفحات اشتات مجتمعات تبين أن الأشعار الكثيرة في ذلك السفر الكبير (لا تتعدى منطقة محدودة من توسّلٍ أو مدحِ أو نظمِ مسائلِ علمية), وتلك مقولات كبرى شملت أشعارهم منذ القرن السادس الهجري حتى آخر القرن الثالث العشر الهجري, ولعلّها كانت سائغة عن شعراء العربية في تلك العصور, لكن الذي يهمنا هنا هو النظر في سمة اللغة الشعرية كما تجلت في أشعار من جمع لهم السقاف من أشعار حيث عزت لهم دواوين أو مجموعات شعرية تدل القارئ على خصائص لغة أشعار شعرائها. وأول ما يلفت المتلقي في لغة هذه الاشعار اقترابها من لغة الابتهالات والأدعية فتتقاصر عن جلاء الشجن الصوفي واشراقاته.
وقفنا على باب الكريم بذنبنا … فيا رب اغفر ذنب من كان قد وقف
اتينا ذنوبا ضاق صدري بفعلها … وعفوَك يرجو كلُّ من جاء واعترف
ومالي سواكم يا رجا كلِّ مؤمنٍ … ويا دَرَكَ الملهوف من كثرة الكلف
أو تقف عند حد الوعظ والإرشاد حماية من تيه, ودعوة للاهتداء:
يا تائها في الغي من اعماكا … وبحب دار السوء من أغراكا
يا حائرا في مَهْمَهِ الغفلات, يا …. متجاهلا متثبطا بخطاكا
كم ذا تعامل بالقبيح لمن أتاح … لك الجميل ولم يزل يرعاكا
ولقد تتقاصر لغة الشعر عن هذا السمت لتغدو منظومات علمية في الفقه أو الطريقة أو بعض علوم العربية. وإن للتصوف، من حيث هو حالة ثقافية انزاح بها الحضارم إلى مقدس متصل بالوحي يدا في تقديس ما يقوله الشعراء فأحاطوه بهالة من الجلال ونزهوه عن النقد والدرس الأدبي لما فيه من أسرار وخفايا لا يدركها غير ذوي العقول الخاصة والفهم اللدني العظيم. ونحن نعلم أن الشعر كل شعر هو نتاج اللغة التي يشكل بها الشاعر عوالمه التخييلية ويجلو بها دلالته ومقاصده, ويخضع لقوانين اللغة وأعرافها, وهو ما أدركه بعض شعراء التصوف في حضرموت كالإمام الحداد مثلا. لكن في من اعتنى بشعره بتحقيق نصه من رام تنزيهه من كل عيب شعري كإقواء أو إيطاء أو خطأ نحوي أو عروضي أو ما أشبه هذا ودنا منه, ولم يدرك أن في بعض النص الذي عمل على تحقيقه أشعارا ظهرت فيها تلك العيوب, وأقر بها صاحبها. قال الامام الحداد في مقدمة ديوانه (الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم) في طبعته الأولى. وقد حذفت من الطبعات التالية على أهميتها، ما نَصُّهُ:(وإذا حصل التكلف في الشعر ذهب النور. وقد نظمنا بعض قصائدنا قبل أن نقرأ في النحو ولم نعربها بعد قراءتنا وقلنا ما قد مضى على الإخلاص لا يغير وقد طلب منا بعض الإخوان في أن يعرب ما ليس بمعرب فمنعناه من ذلك) وهذه كلمة شريفة لها دلالتها على ادراك الإمام الحداد حقيقة الشعر ومعرفة مضايقه والخبرة بطرائق سبكه وحبكه. وفيها ما يدل على أن تقديس مثل ذلك الشعر هو ديدن اللاحقين لأصحاب الشأن أنفسهم، وهذا أثر من آثار التصوف الغالب على أهل تلك الجهة.
وكما عرف أهل حضرموت الشعر وأسهموا فيه بنصيب كان لهم في النثر حظوظ من التجلّي. وإنما نقصد بالنثر هنا ما عرف في تاريخ الأدب بالنثر الفني, ومن هنا نستثني النثر العلمي الذي خُطَّت به كتب ومؤلفات في الفقه والتصوف والتاريخ وما الى ذلك من صور الكتابة والتأليف في سائر العلوم. وأول ما نقع عليه من صور ذلك المنثور أدعية توجه بها قائلوها إلى الله جلّ وعلا، كل على حسب حاله النفسي وشجنه الداخلي.
ولقد تفاوت أداؤها اللغوي بمقدار الحصيلة اللغوية التي امتلكها الداعي المبتهل, وعلى مقدار التزامه بالمأثور من الأدعية أو تفلته من رقها ليساح مع ما يَرِدُ على خاطره من رؤًى وأفكارٍ ومعانٍ تدل عليها ما يتخيره من ألفاظ. ولعل في الدعاء المنسوب للفقيه المقدم شاهدا على براعة استخدام اللغة وتوظيفها لجلاء ما يعتمل في نفس الداعي وإخلاصه في المناجاة قال:” بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم انقلنا والمسلمين من الشقاوة إلى السعادة, ومن النار إلى الجنة, ومن العذاب إلى الرحمة, ومن الذنوب إلى المغفرة, ومن الإساءة إلى الإحسان, ومن الخوف إلى الأمان, ومن الفقر إلى الغنى, ومن الذّل إلى العز, ومن الإهانة إلى الكرامة, ومن الضيق إلى السعة, ومن الشر إلى الخير, ومن العسر إلى اليسر, ومن الإدبار إلى الإقبال, ومن السقم إلى الصحة, ومن السخط إلى الرضا, ومن الغفلة إلى العبادة, ومن الفترة إلى الاجتهاد, ومن الخذلان إلى التوفيق, ومن البدعة إلى السنة, ومن الجور إلى العدل”.
هنا يتراءى التصوف لغةً صافيةً لا يشوبها اتّباع ولا يأسرها تقليد, لغةً حرّةً تناجي الذات بها مولاها العزيز الجليل المتعالي, وتسأله ما يشغلها من احتياج ترغب في الظفر به, ولم تقتصر على وجودها وحدها بل وشملت معها الآخرين من المسلمين(انقلنا والمسلمين), متخذة من تقابل الأضداد سبيلا لجلاء الفكرة وإنتاج المعنى. ثم ينتقل في السياق نفسه من درجة الطلب بما يقدر عليه الله سبحانه دون عبده الضعيف إلى الاستعانة به ليقوم العبد بما ينبغي عليه القيام به:” اللهم أعنّا على ديننا بالدنيا, وعلى جميع ذلك بلطفك المفضي إلى رضاك, المنهي إلى جنتك المصحوب ذلك بالنظر إلى وجهك الكريم”. وإنما يعزُّ على الذات البشرية فعل ذلك دون عون من ربِّ العالمين, ومن هنا جاء الدعاء بالفعل (أعنّا). ولم تزل الذات تسأل ربها بضمير المتكلمين لا بضمير المتكلم المفرد, لتشمل الآخرين في دعائها, ويتجاوز الأثر حدود الفرد إلى الجماعة. ومع ذلك فهي لا تجهل أن العلاقة في المناجاة فردية ذاتية كما قال الله على لسان يعقوب:” إنما اشكو بثي وحزني إلى الله”, فالتصوف علاقة بين مخلوق وخالقه, ومعبود وعابده, وإنسان وربِّه وليس نظام (القطيع) وكثرة الأتباع غير مظهرٍ خارجيٍّ لا ينجأ عن شجنٍ عميقٍ ووجدٍ صادقٍ. ومن هنا ندرك سرّ الفقرة الأخيرة من هذا الدعاء المميز:” إلهي أسألك تألهاً بك, واستغراقًا فيك, ولطفًا شاملاً من لدنك, ورزقًا واسعًا هنيئًا مريئًا، وسنًا طويلًا, وعملًا صالحًا في الإيمان واليقين, وملازمةً للحق والدين, وعزةً وشرفًا يبقى ويتأبد لا يشوبه تكبّرٌ ولا عتو ولا فسادٌ إنك سميعٌ قريبٌ”.
ولا يخفى ما في فقرات الدعاء من مقابلة ومزاوجة بين جملها مما اكسبها إيقاعا ملحوظا يتجاوز إيقاع التسجيع والتجنيس وما أشبههما, ولم تَخْلُ فقراتُ الدعاء من حركةٍ وتجددٍ في المعنى ومبناه.
وإن للمهتدين من الحضارمة أدعية أخرى غير هذا الدعاء المنسوب إلى الفقيه المقدم لكنها لا ترقى رقيه ولا تتصل بجوهر شخصيته, وإنما هي أدعية مأثورة يولّف بينها الداعي – التوليف غير التأليف – ثم يرددها مكرورةً في أوقاتٍ معلومةٍ تغدو مع الأيام وِرْدًا وراتبًا يشيع بين العامة فينهجون نهجه دون زيادة أو نقصان, ومن هنا خَفَتَ سَمْتُه البيانيّ, وصار علامة على حال من الاستاتيكية في الثقافة الحضرمية.
ومن المنثور المذكور في سير أعلام الثقافة الصوفية في حضرموت (مقاماتٌ) تشتمل على شيء من الوعظ, وتتضمن بعض رؤًى صوفيةٍ في أسلوب سردي. وقد أشار صاحب (تاريخ الشعراء الحضرميين) إلى شيء من ذلك عند ترجمة الحبيب أحمد بن محمد المحضار بقوله:” وله مقامات, في أحداها وصف الدنيا وصفًا دقيقًا”. وهو قولٌ ينطبق على رسالته الموسومة بـ (دروب الأخطار) شكلا ومضمونا. فهي ذات بناء سردي، وقد ادخلها السقاف من جهة التجنيس في المقامات، والمقامات شكل من السرديات ومن طرائق بناء السرد لا يجحدها إلا جاهل. لكن النظر في سرديات الحبيب أحمد كما تمثلها هذه الرسالة تختلف عن سرديات بديع الزمان الهمذاني في مقاماته. فبطل بديع الزمان محتال يتلقط رزقه بالحيلة والخداع فيكشفه راوي المقامة بعد تندر يضحك السامعين والقراء. أما بطل الحبيب أحمد في رسالته (دروب الأخطار) ففقير لكنه ذو قيم وخلق رفيع, وينشد الدنيا وخيراتها على ما سن الله للعبد من طلب الرزق وتحصيله. وفي مقامات بديع الزمان وسواه راو يروي ما يحدث لبطل المقامه, أما في رسالة الحبيب أحمد فالراوي هو البطل ولذلك تروا الحكاية بضمير المتكلم, بل ويضع اسمه الحقيقي علما على ذلك البطل فيمتزج السرد الموضوعي بالسيرة الذاتية. وهذه بعض مميزات خالف فيها عمل الحبيب أحمد صنيع بديع الزمان في مقاماته. ولكن وجود السجعات في اسلوبه الكتابي كان مدعاة لنسبتها الى فن المقامات وقد شاع فيها اسلوب السجع حتى استحال صناعة لغوية محضة ولا ندري اكان الحبيب احمد على دراية وعلم بما صنع حين تخالف مع بديع الزمان وتوافق في مضان من رسالته هذه أم لم يكن كذلك؟ لكن موحيات العمل تدفع الى استنباط ذلك وتشير الى وجوده, وهذه حسبنا منه وكفى.
ولكل عمل سردي بنيتان. بنية (الحكاية) وبنية (الخطاب). ولقد أجاد الحبيب أحمد فجلا بنية (الحكاية) جلاء محكم, فقدم الحدث وعرض الشخصيات فوصف المكان والزمان متنقلا بين عدد من البقاع مدن كانت أم غير مدن فمن المكلا الى الشحر الى بومباي الى شرق اسيا الى مصر الى تركيا ثم العودة الى واديه الحبيب الذي لا يرى له شبيه. وابرز الصراع بين الطالب والمطلوب, بين الراغب والمرغوب فيه, وجسد حظ البطل من الاصرار والقوة ثم الاستسلام والضعف والخنوع امام قسوة الحاجة الى المال الوفير, وبين الثمن الفادح الذي سيقدمه في سبيل الظفر بذلك المال المنشود, حتى اذا بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين رفض واباء أن يزداد سقوطا واضاعة لما يملك من قيم وخلق ورفض المال واستقوى على المرأة العابثة التي في يديها خزائن الارض وارادت اذلاله لرغبته في قليل من كثير معها. فإذا هو يشد على الرفض القاطع لطلبها, ويتخلص من نطالها وفيض كذبها على رغم اسلابها بعض ما يملك من عزيز الاخلاق والقيم, فيرفض اعطاءها الذرة الخامسة بل ويسترد منها درره الاربع التي اعطاها اياها من قبل, واثر العودة الى بلاده خالي الوفاض كما رحل من قبل لكنه كان سعيدا هانئا لانه استعاد درره الخمس وارعب المرأة الخائنة الغادرة, وتخلص من سحرها الذي جعلها تستلب منه اربع درر كاملة حتى فاء الحبيب الى رشده وحمد الله على سلامته من ذلك الشر.
وبهذه الخاتمة تتم الحكاية وتكتمل بنيتها. أما بنية (الخطاب) في هذه السردية فلا يخفى على القارئ بساطتها, لان صلة المؤلف بتقنيات السرد وطرائق تأليفه لمن تكن قوية وإن لم يخل السياق السردي من بعض تلك التقنيات وإن بدأ دون مستوى الابداع والتجلي الفني.
الرسالة صغيرة جدا, وتقرأ في جلسة واحدة لكنها ذات ابعاد دلالية متعددة ومتنوعة وفيها ما بيبين عن رغبة الحبيب احمد في تجاوز المألوف من طرائق الوعظ الى اجتراح طرائق جديدة فيها من التشويق والاثارة ما يفتح وعي الناس على ما ينبغي ان يكونوا عليه من مستوى رفيع من التمسك بالقيم والاخلاق.
تجدر الإشارة إلى أنّ وجود (مقامات) أخريات للحبيب أحمد المحضار أو لأمثاله من (صوفية حضرموت) موضوع يستحق البحث, لأنه من جهة يكسر ثبوت الكتابات ذات النكهة الدينية على هيئة النصائح الدينية أو عرض القضايا في صورة شروح متداولة فينتقل بها من تلك الدائرة الى دائرة السرد والمسامرة, وهو اسلوب يحدث اثره في القارئ والمستمع لأنه اسلوب فني, والفن عدوى كما قال توليستوي, ومن قبل أشار ارسطو إلى موضوع (التطهير) من خلال المسرح. ومن جهة ثانية فإن البحث عن هذه الصورة السردية يدل على تجاوز أدبي في تاريخ الأدب في حضرموت.
ومن طريف ما يؤثر عن الثقافة الحضرمية استخدام أصحابها للهجة المحكية في الكتابة العلمية على استحياء، فوردت مخطوطات في التأليف التاريخي مكتوبة بتلك اللهجات, وفي الكتابة الإنشائية الإبداعية كالشعر فوجدت دواوين اشتملت على نصوص منظومة بلهجة حضرمية محضة, وديوان بامخرمة دليل شاهد على ذلك ناهيك بقصائد من شعر ابي بكر بن عبدالله العيدروس الملقب (بالعدني) وهي قصائد ذات نفسٍ صوفيٍّ وأَرَجٍ عرفانيٍّ مما يشي بإبداع ملحوظ في إخضاع لغة العامة لتحتوي كثيرا من الأبعاد الرمزية في شعر التصوف وتوظيفها لتشيع دلالاتها بين العامة الذين جهلوا الفصحى وتنكبوا عنها. وتجد شيئا من ذلك في مثل قوله:
ذا نسيم القرب نسنس … وشفى سقم المحبين
لكن مثل هذا الصفاء الصوفي والإبداع الشعري تقاصر في أدوار تاريخهم اللاحقة فغدا ابتهالات واستغاثات وأدعية تخلو من الشعرية, كما في قول أحدهم:
يا إله السما سالك تجلي ذي الأكدار
يا خفي اللطائف بيدك النفع والضار
على أن من شعراء حضرموت القادرين على النظم بالعامية من انزاح عن ذلك البعد الصوفي في أشعارهم وأعادوا لغته إلى بعدها الحسي البشري, فصاروا يتغزلون في معشوق من لحم ودم بعد أن كان غزلهم في معشوق سامٍ. فإذا قال الإمام الحداد :
أنا مشغول بليلى عن جميع الناس جملة
فإذا قيل من ذا قل هو الصب الموله
جاء من يخرج عن هذه الرمزية الغزلية إلى غزل حسي لا يختلف عما يقوله شعراء الغزل, كما في قول قائل:
إنما البارحة قابلني…
وإن افتتحها بشيء من الابتهالات والاستغاثات والشكوى من الدنيا وأحوالها. وكثيرًا ما يلجأ إلى شيء من ذلك المزج حتى غدا ثيمةً مكرورةً في شعره.
وللحضارم إسهام ملحوظ في كثير من مجالات المعرفة الإنسانية تحكمه روح الثقافة التي تمثلوها على مدى قرون متطاولة في الزمان, وصبغت تفكيرهم بسماتها وشكلت سلوكهم بخصائصها. وهو ما سنجلوه حين نقف على معنى الهوية الثقافية وطبيعتها في أدوار التاريخ الحضرمي.
في سؤال الهوية وجوابه
ما الهوية؟ هي في (المعجم الفلسفي):”حقيقة الشيء من حيث تميزه عن غيره”.
وهي في (دليل مصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي):”الخصوصيات التي تميز فردا عن غيره أو جماعة عن غيرها, وتمثل انعكاسا لواقع ما ولتصورات معينة”. و” هي جوهر الشيء وحقيقته المركبة من العناصر المرجعية والمادية والذاتية التي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي”. وهناك من يرى الهوية “ظاهرة نفسية اجتماعية تقع عند نقطة التقاطع مع معرفة الذات من طرف الانسان نفسه ومن طرف الآخرين”. وهذا يدل على عدم انفصال الهوية عن الثقافة. ومن هنا كان حديث للمتحدثين عن الهوية الثقافية. ولعلها أولى بتركيز القول فيها من حديث الهوية من حيث هي وجود لشعب ما وماهية له في آن. فأنت لا تستطيع أن تتحدث عن هوية محددة للوجود الحضرمي لأنك ستغرق في هويات متباينة تباين البيئات التي سكنها الحضرمي, فسكان البوادي ذوو هوية غير سكان تريم وشبام, وهما مدينتا حضرموت كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان. وأنتجت كل تلك التجمعات البشرية سواء في البادية أو الحضر ثقافة خاصة بها في اطار هذا التباين, فمجتمع البوادي مجتمع قبلي أنتج ثقافة تلائم ذلك الوجود, فسادت ثقافة الحروب المتمثلة في إنتاج السلاح وتشكيله وصناعته, وفي الزوامل وأشعار الحماسة, وفي الأعراف والسوارح التي أقرها الوجود القبلي والتزم بها في حياته ليشكل نظاما اجتماعيا خاصا يباين سواه من أنظمة الحياة في المجتمع الحضرمي. ومجتمع تريم وشبام أنتج ثقافة ذات هوية دينية شاع فيها الالتزام بالشريعة الإسلامية ومكوناتها الفقهية, وسلك فيها أهلهما طرائق في السلوك مخصوصة, وانتظمت طوائف من أهلهما في صفوف العلم وسعوا إلى نشره بين البيئات المتضادة ومن هنا كان اتجاههم للسلام ملحا, وبعدهم عن لبس شكة السلاح منعدما. وقس على هاتين البيئتين المتباينتين سواهما من أمثالهما كمجتمعات الحموم في المشقاص ومجتمعات الحضر في الشحر والغيل.
ويتجلى لك ذلك في النظر إلى بعض العلامات التي دلت على وجود أولئك القوم في زمانهم الأول كالملابس مثلا, فزي البدوي من البساطة والفاعلية المحدودة في الستر والجمال بحيث لا يكاد يظهر جميلا ولا يستر عورة, أما زي الحضرمي من تريم وشبام ففيه من صفات التنوع والاسباغ والاناقة ما لا يحصى. ولقد أسهمت (المثاقفة) من خلال الهجرات المتوالية إلى شرق آسيا أو افريقيا في تجديد أزياء أهل تريم وشبام وما جاورهما من بلدان ذات سمة حضرية.
وحديث (الملابس) هذا ليس ببعيد عن حديثنا عن الشعر الذي أبدعه شعراء في تلك البيئات, فشعراء البادية نظموا بالعامية أشعارا في زوامل تشف عن فروسية وبسالة وتهديد للخصوم ودفاع عن الوجود, وشعراء من تريم وشبام صاغوا أشعارا ذات نكهة صوفية وابتهالات واستغاثات وقليل منها قيل في نصرة المجتمع من حاكم ظالم جائر.
وهذه الاشعار منظوم باللهجة العامية. وهي متخالفة على المستوى الصوتي والمستوى الدلالي, وما الى ذلك من اختلافات. وجميع ذلك يكشف عن هويات متعددة في المجتمع الحضرمي المتعدد البيئات المختلف المشارب والاهواء.
بيد أن النظر إلى ذلك المجتمع من زاوية الثقافة المكونة نجد أن له هوية موحدة تتلاءم وطبيعة منزعه التكويني الذي تشف عنه جبلته وفطرته. فهو مجتمع يغلب على أهله المنزع التديني, وتمسكه بأعراف تدينه ونظم أخلاقه ملحوظ فيه من زمن بعيد موغل في القدم, ومن هنا هيمنت (الثقافة الدينية) عليه, وغدت طابعه الذي لم ينفصل عنها خلال ثمانية قرون كاملة تمتد منذ القرن السادس الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري. ولقد صبغت هذه الثقافة الدينية المجتمع الحضرمي برؤية للعالم ظلت تتنامى حتى عمت كل صقع فيه, وهذه الرؤية تقوم على اتحاد بين (الذات) وفكرة (الإله الجلي) كما جسدتها علوم الشريعة من فقه وتفسير وحديث وعلوم أصول وتصوف وحررتها في عبادات وسلوك يباشره الحضرمي في حياته المعيشة. ومن هنا اختفى كل علم وضعي ابتكره البشر أو أعملوا فيه نظرهم العقلي كالفلسفة والمنطق وما اتصل بهما من علوم نظرية أو تطبيقية.
هيمنت إذًا الثقافة الدينية على المجتمع الحضرمي قرونًا عددًا, وصارت لها سلطةً وسيطرة على أفئدة أهلها تجلّت على صورتين أولاهما سيطرة الفقه وشرائع الإسلام التي عمت المجتمع وهيمنت عليه بقوة إقامة الحدود وتنفيذ قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولذلك حرص الحضارم على الالتزام بمنطوق النص وعدم مخالفته إلى سواه. وثانيتهما سطوة التصوف الذي أتاح للشيخ هيمنة على مريده بحيث لا يقوى على مخالفته أو مواجهته باعتراض. وهي بنية تلتحم في موازاة بنية تقابلها مع (البدوي القبيلي) الأبعد ما يكون عن ذلك النسيج فتتمّ الهيمنة عليه عن طريق السلوك الحسن والخلق القويم والقدوة المثلى. ومن هذا كله يتراءى لك المجتمع الحضرمي ملزوما بآداب السكون والقناعة والرضا بالموجود دون بحث عن منشود آخر يغير الحال الواقع إلى حال سواه. ومضى (المجتمع الحضرمي) على ذلك النسق ما يقرب من ثمانية عقود أو يزيد, بل لعله كلما أوغل في الزمن ازداد تسليما ورضا بما هو فيه, فانعدمت فيه الرغبة في تجديد الموجود ناهيك بالخروج عليه والنكوص عنه. ومن هنا تجلت خصائص تلك الهوية الثقافية التي هيمنت على المجتمع الحضرمي كما أنبأ عنها وجوده العريق في داخل حضرموت أو خارجها.
وأولى تلك الخصائص أنها ثقافة استاتيكية, تملّكها الجمود واستلان ملمسَه أصحابُها, فانعدم فيها التجدد والتنوع وظلت تدور في فضاء موروث لم تستطع منه فكاكا. ومع أنها بدأت صورة من صور تجديد الحياة في عقود القرنين السابع والثامن لكنها وقفت عند ذلك الحد منذ القرن العاشر, واستهوتها الخرافة, والوقوف على الميسّر من العلوم دون مقاربة لمتونها المكونة لعلم غزير وثقافة عميقة, وصار التمتع بحديث الكرامات مغنيا عن المجاهدة في بابي العلم والعبادة الحقة وهو مما أفرغ العلم من جوهره فغدا ملخصات, وفي مظان غدا مشافهةً عابرةً ومختصرةً. يتصل بهذا اعتمادهم على النقل دون العقل. سيقول قائل: ولكن اختيار المرء قطعة من عقله. وهذا صحيح, ولكننا نقصد هنا العقل المبدع المنتج, لذلك قل فيهم الاهتمام بالفلسفة والمنطق وما أشبههما من علوم تساعد على التفكير والتدبر والتأمل في مسائل المعرفة, واقتصر على كتب علماء الشاذلية يرددونها مثلما اقتصروا على كتب الإمام الغزالي عامة وعلى كتاب (الإحياء) خاصة يرددون فيه النظر ويتباهون بتكرار قراءته عشرات المرات بلغت عند أحدهم أربعين مرة. فوصمت بكونها ثقافة (المسموع) لا ثقافة المكتوب. فهم لا يزيدون على تكرار ما قيل دون إضافة إليه أو زيادة عليه. سيقول قائل: ولكنّ المُنْتَجَ المعرفيَّ لا يخفى على مُتتبّعٍ يقظٍ. وذلك حقّ. ولكنهُ مُنْتَجُ أفراد لمعوا في مرحلة وكانوا فيها حالات مفردة لا جمع لها. وقليل أثرها في الآخرين لانعدام التفاعل بين المفرد العلم وأفراد المجتمع الذي يحيط به. ولذلك شكا أولئك الأعلام من نفور الجماعة من مجالس العلم والإقبال عليه, وإن أشادوا بصلاحهم من حيث السلوك الحسن والاستقامة في الأخلاق (جاء في كتاب الامام الحداد سيرته ومنهجه): لو قَبٍل مني أهل هذا الزمان العلم بإنصاف.. لصنفت كتبًا كثيرة على معنى آية من كتاب الله، إنما ترد على قلبي علوم لا أجد من يعيها”. وهي ثقافة اجترار لا ثقافة ابداع. وأنت تلحظ ذلك في لغة الشعر الذي أنتجه شعراء ذلك الأوان, حيث غلب عليها التكرارُ، وترسُّمُ خطا من سبقهم من شعراء العربية واعتمادهم على ما تضمنته أشعار الأوائل من صورٍ ومعانٍ, وهذا عقم في القريحة لا ينبئ عن قدرة على الابتكار, وقد بلغ ذروته مع القرن التاسع عشر الميلادي ليختم بوفاة أكبرهم وأشعرهم وهو الشاعر أبو بكر بن شهاب (تاريخ 1341 هـ الموافق 1922/1923). ومن بعده نحت الثقافة الحضرمية منحًى آخر وأنتجت هوية ثقافية مغايرة ومقابلة لما عرف منها في عقودها المذكورة سلفا.
ومنذ أن انتصف القرن الرابع عشر الهجري, ووصل القرن العشرون إلى حافة العقد الرابع من عقوده العشرة ظهر جيل من المثقفين الحضارم اتصلوا بالثقافة العصرية كما عرفها زمانهم, وتفاوت حظهم في الأخذ بها حسب الأسباب التي هيأت لهم مثل ذلك الاتصال, وكانت الهجرة واحدة من تلك الأسباب, ووصول مؤلفات رادة الثقافة الحديثة في مصر وبلاد الشام والعراق وسيلتهم على التعرف على صور للثقافة غير صورتها كما عرفوها في بلادهم, فإذا هم يقرأون في علوم الاجتماع والتاريخ والأدب والسياسة مالم يكن مألوفا في ثقافة أسلافهم الحضارم. وعلى الرغم من كونهم درسوا على الأعلام البارزين الذيم يمثلون بقايا تلك الثقافة الذين هم سدنتها والمنافحون عنها فإن شباب الحضارم يومئذٍ قد انزاحوا عن ذلك وإن لم ينسلخوا منه تماما, فكانت تلك الثقافة الموروثة مكوناتٍ أولى لكيانهم الثقافي أضافوا إليه ثقافة مكتسبة هيأها لهم العصر الذي ظهروا فيه. ولقد تمثل ذلك أول ما تمثل في انسلاخ لغة الشعر عن تقليديتها التي ظهرت في شعر ابن شهاب ومن شايعه من الشعراء إلى لغة مضمخة بعبير الحياة, و في فضائها المتجدد المرائي والعميق الابعاد. فراد الشاعر صالح بن علي الحامد ذلك التيار التجديدي بامتياز, وقدّم صورًا شعريةً تنزاح عما ألف السابقون عليه من صور الشعر وموضوعاته. فلم تعد صورة المرأة في شعره نسخة من صورتها في أشعار الجاهليين ومن تلاهم من شعراء العربية الأوائل, ولكنها صورة مستلهمة من الواقع المعيش الذي عرفه الشاعر وتقرّى أبعاده بوعي وإدراك . وبدت الطبيعة تجليا في الشعر نابعا من مراءٍ متجددةٍ متنوعةٍ يعاينها المبدع ويلتقط صوره من واقع يمثلها لتغدو تجسيدا حيا في لغة الشعر. وقس على ذلك مختلف الموضوعات التي طرقها الشعراء كما جلتها الحياة المعيشة واقتضتها التجربة. وهذا استوجب ثقافة تتجاوز حدود المعرفة الموروثة والمنحصرة في اطر ضيقة تتكرر فيها المعلومات ولا تتجدد، ويعاد فيها صياغة المعلوم مما يفقد المنتج دهشة الجديد وبهاء المبتكر. وتماهى مع هذه الحركة التجديدية في لغة شعراء هذه المرحلة تصوراتٌ للفن ومعارف ذات تكوين فلسفي أنبأت عنها كتب العقاد وطه حسين والمازني ونعيمة وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل ومن ما ثلهم في الثقافة العربية الحديثة, وإذا جيل من المثقفين الحضارم يلتحمون بأبعاد تلك الثقافة العصرية ويترسمّون خطى أصحابها, فيشيع فيهم حال من الليبرالية والإصلاح المجتمعي مثلته كتابات الأساتذة محمد عبدالقادر بامطرف وسعيد باوزير وعلي عقيل ومحمد عبدالقادر بافقيه… الذين تنوعت مصادر معارفهم, وتلونت منتجاتهم الفكرية على حسب الثقافة والتجربة والاتجاه. فكان منهم المؤرخ المتجاوز نظام الحوليات في التأليف, والسياسي الداعي إلى الإصلاح الوطني في إطار الموجود دون تغيير أسسه السياسية, والسياسي الذي يتجاوز ذلك الإطار الضيق إلى أفقٍ قوميٍّ ينفتح على قضايا الأمة ويسعى لانفتاح حضرموت على ذلك الأفق ما استطاع إليه سبيلا. ناهيك بوجود قيادة سياسية ذات منزع تجديديٍّ مستنيرٍ مثله السلطان صالح بن غالب القعيطي الذي سعى إلى تجديد هندسة الحكم وربطه بنظم الإدارة الحديثة وتشكيل المؤسسات التي تهيء المجتمع لفكرة التطور من مدارس ومعاهد علمية وبعثات متوالية وإدارة مدنية وبنية أمنية منظمة تسهم في بناء مجتمع يتجاوز القبلية ومكوناتها العسكرية… إلى آخر ما هنالك من إصلاحات. وبدا أن المجتمع الحضرمي ينسلخ من ثقافة جامدة ليلتحم بثقافة متجددة متحولة مما اكسبه هوية ذات انتماء للعصر وتفاعل معه, والإسهام في تحريك صور الجمود التي كانت شائعة في حضرموت حقبا من الزمان. وهي ثقافةٌ مُنْتٍجَةٌ حرصت على عرض ما حصّلته من معارف ومعلومات عصرية على أهلها في كل وسيلة إعلامية متيسرة, وكان أقربها وصولا للقارئين يوم ذاك الصحف السيارة التي توالى ظهورها. ومنها ما أمكن نشره في كتب, فإذا هم يؤلفون عن تاريخ حضرموت على نحو غير ما ألفوا في كتب الحوليات, ومنهم من التقط صورا مختصرة عن أعلام حضرمية, ومنهم من وقف عند لحظات من تاريخ حضرموت, ومنهم من شمل مساحة واسعة من ذلك التاريخ. ولم ينأوا بأنفسهم عن ثقافة حضرموت الشعبية فجمعوا أشعارا صاغها أصحابها بالعامية الحضرمية ودرسوها, وأمثالا رددها عامة أهل حضرموت, فكانت جلاء لتجارب في الحياة ورؤى لها, ومنهم من اسهم في غير ذلك من الحديث عن أدب شعبي متعدد الاتجاهات. وكانت دواوين الشعر فصيحه وعاميه تنثال على الرغم من صعوبة النشر وشحة وسائل الطباعة. وكل ذلك أظهر انتماءً لعصر تتجدد رؤاه وتتعدد صوره الثقافية، وتبدو هويته عصرية تتجاوز ذلك الماضي وتتنكب عنه. لكنها لم تعمد إلى فحص تلك الثقافة والنظر إليها بعين ناقدة دارسة فثوت في زوايا غرف التاريخ كامنة لا هي التي تجددت واتخذت مسارا عصريا, وقد كان في الإمكان فعل ذلك كما جرى في بعض البلاد العربية والإسلامية, ولا هي التي اندثرت وغدت عاديّاتٍ غير صالحة للاستخدام الإنساني, فبقيت كامنة في مثواها لا حراك لها لكنها لم تمت، وإنْ رَفَضَ أن يكون لها وجودٌ فاعلٌ في المجتمع سوى كونها عادات موروثة محكومة بتطور المجتمع وإيغاله في الحداثة والنهوض الثقافي المستنير. ثم كر الزمن كرة فإذا المجتمع بكل طوائفه التقليدية والليبرالية تواجه نثرة إيديولوجية تسعى إلى اقتلاع أسس وجوده لتنحرف بها إلى دوائر أخرى لا وطنية ولا قومية ولا متوائمة مع التصورات العقلية التي قامت عليها قواعد المجتمع الحضرمي كاملا. فاستمسك الحضارمة جميعا بمنزعهم الأصل واعتصموا به وإن استسلموا لسياسة التيار الجديد الذي مثل هوية جديدة ذات أفق اجتماعي إنساني شامل تفاعلوا معه دون اندماج تام فيه إلا في أضيق السبل, ومن تلك السبل التفاعلُ الأدبيُّ، فاسهم أعلامهم من الرعيل الأول من جيل المستنيرين في مجالات إبداعية لم يكن لها حضور في الثقافة الحضرمية كالكتابة المسرحية والقصصية والنقدية, وذلك في إطار امتدادها الليبرالي الذي يتجاوز الثقافة السلفية التي شاعت في حضرموت في قرونها الأولى. ومن هنا قل الاهتمام بتجديد صور تلك الثقافة ومحاولة احيائها على نحو يغاير الأسس التي قامت عليها من قبل مما زادها تغريبا في المجتمع وعجزا عن التأثير فيه. على أن الحال لم يدم لهذا التيار طويلا فإذا مساراتُ السياسة تنحرف به عن خطه المرسوم ليصل إلى وضع آخر مختلف سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا, وإذا بالانغلاق الذي ساد عقودا ينفتح على صور ثقافية متعددة متخالفة أيديولوجيًّا وممارسةً دينيةً وآفاقًا معرفية متنوعة. وهنا وقفت حضرموت حائرةً، فالماضي ينبعث أمامها عملاقًا شرسًا يسعى لاستعادة مكانته في المجتمع، ودوره الذي كان له من قبل. يقابله تيار ظل كامنًا في الزوايا لكنه وجد سبيلا للتنفس واستنشاق هواء متجددٍ فجاس بين المساجد والملتقيات ليغدو ثقافة مقابلة لتلك الثقافة الموروثة, واشتد صراعٌ أنذر بانقسامٍ في المجتمع إن لم يكن الانقسام قد تم. وكلا الاتجاهين وجد اياديًا خفية تضخ في شرايينه دماء الحياة لتزيد حدة الشقاق ويلتهب الصراع. وتقاصر دور الليبراليين المنفتحين على ثقافة العصر فاكتفوا بالنظر منسحبين من دوائر الصراع وساحاته حتى غدا وجودهم مهدَّدًا بانعدام الفاعلية بل وصل الحال ببعضهم إلى الانكفاء على اختصاصهم العلمي الأكاديمي نأياً بنفسه عن الاشتعال في جحيم ذلك الصراع. وفي هذا الخضم انبثق السؤال:
إلى أيّ طريق تسير حضرموت؟
أ إلى طريق الانبعاث الديني المشتعل الصراع في دهاليزه ومقاصيره بين سلفية موروثة بلغت قمتها في القرن الثاني عشر الهجري، وغلب التصوف في بعديه (الشاذلي والغزالي), وبين سلفية بدأت مع أصحاب الحديث منذ القرن الثالث الهجري وما تلاه وظلت تتعاظم في اتجاهات شتى؟
أم إلى طريق يَتَنَقّى من كلتا السلفيتين خير ما فيهما دون أن يغرِّبَ نفسه عن العصر الذي يعيش فيه؟
أم يشق طريقه مسترشدا برؤى العصر وقيمه وأخلاقه ويبني مدنيته على النحو الذي يحقق فيه وجوده العصري, ويكون الدين جزءا من مكونات هويته لا أن يكون هو الهوية المعتمدة فيه؟
أترى الاختيار صعبا؟
ربما كان كذلك. لكنه ليس مستحيلا. وإن الإجابة عن سؤال الهوية هذا مركونٌ أمرُه إلى جهود عقول تتكاتف ليعمق جوابها ويحاط فيه بما لم يُحِطْ به صاحب هذه السطور. فحديث الهوية هنا حديث جماعة لا حديث فرد, ومآل مجتمع لا مآل شخصٍ لم تزل الحيرة تحاصره فلم يستطع الوصول إلى شاطئٍ آمنٍ في هذا المحيط المتلاطمة أمواجه.
المكلا في: 14/رمضان/1445هـ
الموافق: 20/مارس/2024م