بيان هام صادر عن الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمن المحتل حضرموت “حول استيلاء” السلطة على ما كانت تسمى بالدولة الكثيرية
أضواء
أ.د. عبد الله سعيد بن جسار الجعيدي
نص الوثيقة:
بيان هام صادر عن الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمن المحتل حضرموت
“حول استيلاء” السلطة على ما كانت تسمى بالدولة الكثيرية
يا جماهيرنا الكادحة…
يا طلائع أمتنا العربية الثائرة …
باسمكم.. وباسم ثورة الرابع عشر من أكتوبر الظافرة، بقيادة الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل.. نعلن سقوط ما كانت تسمى ((بالدولة الكثيرية)) في يد ثوار الجبهة القومية المغاوير، واستيلاء الجبهة القومية عسكريًا واقتصاديًا وإداريًا على ما كان يسمى ((بالقطاع الكثيري في حضرموت)).
يا شعبنا المناضل العظيم في كل شبر من أرض الجنوب الثائر.. إن المكاسب والانتصارات التي تحققها الجبهة القومية، لتدل على مدى قوة هذا التنظيم الثوري عسكريًا وبشريًا، ومدى ارتباطه العضوي بمجاميع الشعب الثائرة، ذات المصلحة الحقيقية في التغيير الثوري. إن استيلاء الجبهة القومية على حضرموت بشقَّيْها يأتي ليؤكد وحدة التراب، ووحدة الشعب، ووحدة المصير، في الجنوب اليمني المحتل.. ويحطم كل هواجس وأوهام الاستعمار الإنجليزي السلاطيني في فصل الولايات الشرقية عن الولايات الغربية.
لقد تحركت البارحة جحافل الجيش الشعبي للجبهة القومية؛ لتحتل تاربة والحوطة، وتحاصر تريم وسيئون، وترغم (الحكومة الكثيرية سابقًا) لتسليم السلطة للجبهة القومية.. وأمام ذلك الزحف الثوري المكثف والمنظم لم يستطع المسؤولون فيما كانت تسمى (بالكثيرية) إلا التسليم، وهكذا أشرق صباح هذا اليوم على الداخل، وأعلام الجبهة القومية ترفرف على سيئون وتريم، مُعلِنَةً زوال الحكم السلاطيني الرجعي الوراثي، وحلول حكم الشعب بقيادة الجبهة القومية الغراء..
إن الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل لم تحقق هذه الانتصارات إلا بعد أن قدمت قوافل من الشهداء، الذين ضحَّوا ليهبوا لنا الحياة الحرة الكريمة.. إن الحرية التي تبنيها جماجم الشهداء هيهات أن تضيع أو تسرق، إن الجبهة القومية التي تحملت مسؤولية التحرير السياسي والاجتماعي في هذا الظرف الحاسم من تاريخ أمتنا العربية، لقادرة على أداء تلك المسؤولية بكل أمانة ورجولة.. وهي قادرة أيضًا على التصدي لكل محاولات التخريب الاستعمارية الرجعية وإفشالها.
وإن التفاف الجماهير الكادحة حول الجبهة القومية ليصفع كل تشكيك في الجبهة القومية وثوريتها وجماهيريتها.
يا شعبنا العظيم …
إن المعركة لم تنته بعد، إنها بالكاد بدأت.. وإن الأهداف العظيمة التي نحارب من أجلها لا تتلخص في الاستقلال السياسي ووحدة أراضي الجنوب، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة فحسب.. إنها معركة سياسة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.. وهي معركة طويلة ومتجددة، تطالبنا باستمرار بالمزيد من النضال اليومي الدائب الصامد الصامت.. وإن قوى الشعب بمختلف فئاته مطالبة بالالتفاف حول الجبهة القومية، والالتحام بثورة الرابع عشر من أكتوبر، التي أتت لتحرر الإنسان العربي في الجنوب اليمني المحتل سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا.. إنها معركة المصير العربي الواحد، التي يجب أن تراهن قوى الثورة العربية بكل إمكانياتها البشرية والعسكرية على كسبها..
يا طلائع جيشنا الشعبي المغاوير..
يا جماهير شعبنا البطل
إن الاستقلال السياسي التي تسعى الجبهة القومية إلى تحقيقه بالعنف الثوري ليس إلا البداية، والوسيلة التي ستمكن جماهير شعبنا الكادحة من القضاء على جميع معالم التخلف، التي فرض على شعبنا لسنين طويلة.. والمرحلة القادمة مرحلة البناء والتعمير.. مرحلة التشييد والتغيير ستكون أصعب بكثير، وستتطلب مزيدًا من الالتفاف الجماهير حول الجبهة القومية، التي ستقود معركة البناء والتصنيع، تمامًا كما قادت معركة التحرير بالاعتماد على الجماهير المسحوقة.
عاشت الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل..
وعاش المناضلون الشرفاء..
تاريخ 28 جماد ثان 1387هـ
موافق 2 أكتوبر 1967مـ
التعليق:
لهذه الوثيقة (البيان) أهمية تاريخية خاصة؛ لأنها أول وثيقة صادرة، تمثل سلطة اللجان الشعبية للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل في مناطق السلطنة الكثيرية (القطاع الكثيري في حضرموت)، وهي لاحقة لوثيقة الاستلام والتسليم التي وقعت بينهما، وهذه الوثيقة مؤرخة في اليوم نفسه الذي سقطت فيه السلطنة الكثيرية (2 أكتوبر 1967م)، أي بعد مرور أسبوعين من تسلُّم الجبهة القومية للحكم في مناطق السلطنة القعيطية في (17 سبتمبر 1967م)، وبهذا تحولت قيادة الجبهة القومية من حركة ثرية تحريرية إلى سلطة أمر واقع في كل أرجاء حضرموت.
وقد حصل مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر على نسخة أصلية من هذه الوثيقة مع وثائق أخرى من الأستاذ مبارك عامر بن حاجب السعدي، ونجدها هنا فرصة لدعوة الأهالي ممن لديهم وثائق تاريخية أن يقدموها للجهات الرسمية والمراكز المتخصصة؛ لغرض دراستها، وتسليط الأضواء التاريخية عليها. ومما جعلنا نطمئن على أصالة الوثيقة وسلامتها بوضعها تحت مجهر النقد التاريخي الظاهري والباطني الذي يقوم على فحص نوع الورق وطريقة الطباعة ومقاربة الأسلوب الخطابي فيها مع الألفاظ والجمل في بيانات سابقة مشابهة للجبهة القومية.
إنَّ نص البيان هو إعلان عام لسقوط السلطنة الكثيرية بيد ثوار الجبهة القومية، موجَّه بشكل مباشر إلى “جماهيرنا الكادحة” و”طلائع أمتنا العربية الثائرة” و”الشعب المناضل العظيم” و”طلائع جيشنا الشعبي المغاوير” و”جماهير شعبنا البطل”، وهو موجَّهٌ أيضًا بصورة غير مباشرة للمعارضين الافتراضيين للعهد الجديد، لهذا حرص النص على استخدام ألفاظ إيحائية، وضعت في النص بين قوسين من قبيل (ما كانت تسمى بالدولة الكثيرية) (الحكومة الكثيرية سابقًا)، وهي إشارة لا تخفى على اللبيب، أو على مَنْ له سمع وهو شهيد بأن شمس السلطنة الكثيرية غابت وصارت من الماضي، وأنَّ شمس عهد جديد قد أشرقت رغم أن المسافة الزمنية بين لحظة توقيع تسلُّم السلطة وكتابة البيان وإعلانه لا تتعدى الساعات المعدودة.
حفل البيان بمفردات العصر القومي الناصري، المفرطة في الحماسة الثورية، من ذلك: “يحطم كل هاجس وأوهام الاستعمار الإنجليزي السلاطيني” “إن الحرية التي تبنيها جماجم الشهداء هيهات أن تضيع أو تُسرَق” “إنها معركة المصير العربي الواحد التي يجب أن تراهن قوى الثورة العربية.. على كسبها”، وإذا اتسق هذا الخطاب مع سياق عصره فإنه حمل شحنة ملتهبة تجاوزت الواقع المحلي، ولهذا فعلى الرغم من أن (سقوط) السلطنة الكثيرية كان سلميًّا، ولم تُرَقْ فيه قطرة دم واحدة فإنه أقحم في النص لفظة (العنف الثوري)، كما أن الروح الجامحة في تصوير سقوط البلدات كأنها (زحف ثوري كبير)، ولدت ممارسات لاحقة شديدة العنف والشطط ما كانت ضرورية، ولا يبررها مقاربات التجاوزات (الثورية) عند الشعوب الأخرى.
ويبدو أن الحاضنة الشعبية للجبهة القومية (في القطاع الكثيري من حضرموت) لم تكن بحجم التأييد في القطاع القعيطي، لهذا تضمن البيان مفردات بدلالات مواربة، مثل (الزحف الثوري)؛ لتتوارى خلفها جماعات قبلية محدودة (ثورية) من خارج الحاضنة الشنفرية للسلطنة الكثيرية، ومِمَّا يَسَّر السقوط السلمي للسلطنة الكثيرية هو إجبار سلطانها الأخير (حسين بن علي) على العودة مع سلاطين المحمية الشرقية إلى المملكة العربية السعودية في السفينة نفسها التي أقلَّتْهم من ميناء مدينة جدة في قصة تاريخية معروفة، وربما أنَّ هذه اللحظة هي لحظة السقوط الفعلية للسلطنة الكثيرية، وهذا يدفعنا إلى مقاربة تتعلق بالمصير المشترك لحضرموت؛ بوصفها هوية ثقافية، وكتلة جغرافية واحدة لا انفصام لها، وأن في إدراك ذلك تكمن قوتها ومنعتها وإرادتها الحرة.