أضواء
د. محمد علوي بن يحيى

كتابنا لهذا العدد كتابٌ تاريخيٌّ موسوم بـ(جواهر تاريخ الأحقاف)، لمؤلِّفه العلَّامة الفقيه (محمد بن علي بن عَوض)، المعروف بـ(ابن شَمْلَة با حَنَّان)، الذي يتَّصل نسبه بالصحابي الشهير الأشعث بن قَيس الكِندي، (رضي الله عنه).
وُلِد مؤلِّف الكتاب في مدينة (تريم)، بمحافظة (حضرموت) اليمنية، عام (1312ه)، وحينما وصل إلى سن البلوغ، التحق بطلب العلم، في رباط (تريم)، الذي كان يُشرِف على نظارته العلَّامة المربِّي السيِّد (عبد الله بن عمر الشاطري)، ثم تنقَّل في طلبه للعلم بين قُرى وادي حضرموت ومُدُنِه، متتَلمِذًا على أكابر علماء عصره.
ثم انتقل – بعد إتمام سنِّ الطلَب – إلى مرحلة التعليم، فانتفع بعلمه المئاتُ من أهل بلدتِه (تريم)، ثم سافر إلى بلدة (دَوعَن)، ومكث فيها معلِّمًا ومؤلِّفًا، حتى وافاه الأجل عام (1383ه)، مخلِّفًا عددًا من المؤلَّفات النافعة، أبرزها: (التحفة السَنِيَّة شرح المختصَر اللطيف) في الفقه، و(قُرَّة الطَرف في تعليم قواعد التهَجِّي ورسم الحَرف)، و(الدُرُّ الثَمِين في أصول الدِين وتعليم التلاميذ ما يجب على المسلمين)، و(تاريخ الأحقاف)، وهو كتابه الجامع المسمَّى (القول الشاف في تاريخ الأحقاف)، في تسعة أجزاء، مع مقدِّمة وسَمَها بـ(الإتحاف)، ومنه انتَخَب هذا الكتاب، الذي عليه مدار حديثنا، في هذه الحلقة.
ولكتابه (جواهر تاريخ الأحقاف) طبعتان: أولاهما- بمطبعة (الفُجالة) بمصر، عام (1963م)، والأخرى- بمطبعة (دار المنهاج للنشر والتوزيع)، بجُدَّة/ المملكة العربية السعودية، وهي الطبعة الأولى، الصادرة في عام (1420ه)، الموافق (2008م)، وتضُم (560) صفحة.
ويؤرِّخ هذا الكتاب تاريخ حضرموت السياسي، من عهد البِعثة النبويَّة، حتى عام (1378ه). وقد التزم فيه المؤلِّف التنويه بأبرز الأحداث التي وقعَتْ في كل قَرنٍ هجري، ثم يختم كل قَرن بذِكر شيء من تاريخها العلمي، كذكر أبرز العلماء الذين اشتُهروا فيه، وسنوات وفياتهم. وقد استعان بعدد من المصادر والمراجع: التاريخية، والتفسيرية، والحديثية، المتعلقة بهذا المجال.
وعلى الرُغم من أنَّ هناك الكثير من المؤرِّخين، قد خصَّ إقليم حضرموت بالذِكر المستفيض: إمَّا في مؤلفات مستقلة، وإمَّا في فصول مضمَّنة، في مؤلَّفات تاريخية- فقد انماز مؤرِّخ هذا الكتاب، الذي استغرق في جمع مادَّته الأصلية، ثم تهذيبها في هذه الجواهر، ما يناهز الثلاثين عامًا – بمميزات قد لا توجد في غيره، يُورِدُها ناشرُ الكتاب، في مقدِّمة الطبعة الأولى منه، بقوله:
“… والمؤلِّف – في كل هذه المراحل – يمتاز بدقَّة النَقل، وتمحيص الرواية، وعُمق الفَهم، وغزارة المادة، وسِعَة الاطِّلاع، إلى مَقْدِرَةٍ فَذَّةٍ، في تحقيق الغامض، والتأليف بين المتناقض، والإنصاف الذي يعصِمُه من التحيُّز إلى فئة؛ وبهذا جاء الكتاب ذخيرةً في التاريخ الحضرمي، وأنساب الحضارم”. [ص: 17].
أمَّا المقصود بجهة (الأحقاف) – المذكورة في عنوان كتابه – فقد ذكر المؤلِّف اختلاف العلماء في تحديده، بقوله:
“… وقد ذكَره اللهُ (جَلَّ ذِكرُه) في التنزيل؛ قال تعالى: (واذكُرْ أخَا عاد إذْ أنذَرَ قَومَهُ بالأحْقاف) الآية، قال العلماء: الأحْقاف: جمع حِقْف، من احْقَوقَفَ الشيءُ: إذا اعوَجَّ. ونخلُص فيه، من تفسير العلماء، ثلاثة أقوال: فقال بعضهم: إنَّه الرَمل المُعْوَجُّ، وقال فريق: إنَّه الجَبل، وآخرون: إنَّه الوادِي الشهير بـ(وادِي حضرموت). كلٌّ محتمَلٌ؛ لأنَّ (عاد) الأولى سكنَتْها جميعًا، وأحسن الاحتمالات، والصواب: الثاني والثالث…” [ص: 31].
مختارات من نصوصه:
من المراحل التاريخية، التي أرَّخ لها (با حَنَّان)، نقتطف بعضًا منها:
يقول في مبحث (هجرة الإمام أبي السادة الأشراف أحمد بن عيسى الشهير بالمهاجِر): “هاجر من (البَصرة) إلى (حضرموت)، ونزل – أولًا – بالجبل، من وادي (دَوعن)، ثم انتقل منها إلى (الهَجرَين)، قال في (المشرَع الرَوِي): ومن أسباب ارتحالِه: ضَعف مُلك بَني العبّاس، ودخول النَقص في الدُنيا والدِين، وغلَبة أهل البِدَع، وظهور طائفة الزِنج، وظهور القرامِطَة، وهجومهم على البصرة، سنة (307)، وحصول حوادث أخرى، من القوارِع الإلهيَّة، كهَبُوب العواصف، ومطر الأحجار، وكثرة العِلَل والأمراض، فذكَر (الشِلِّي) من أسباب ارتحاله النَقص في الدُنيا والدِين، والأحداث السياسية، والقوارع والآفات السماوية…” [ص:351- 352].
ويقول في مبحث (دولة الأقْيَال من كِندة وآل جَميل الحارثيِّين الكِندِيين): “كانت دولة آل أقيال لها حظُّها الأسمَى، في المجد، مُنذُ أمَدٍ بعيد؛ فهم يُنسَبون إلى أقيال (كِندة)، وأمَّا (آل جَميل) فهم يُنسَبون إلى جَمِيلِ بْنِ فاضل الحارِثيِّ الكِندِيِّ… وكانت دولتُهم – أولًا – تابعةً، بالحِلف والموالاة، لدولة (آل راشد) من كِندَة، منذُ قيامِها، حتى إذا استدارَ الزمانُ، وقَضَى مُدبِّــرُ الأكوان، على دولة آل راشد بالضَعْفِ، وبَدا داءُ الانحلال فيها، ووَسمَها بِمَـيْسَم (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَن تشاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تشاءُ وتُعِزُّ مَنْ تشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تشاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (وتِلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاسِ)- كان أوَّلُ مُبرِزٍ للمُلك، من آل أقْيال السلطان (عبد الرحمن بن راشد بن أقْيال الكِندِيّ)…
وفي سنة (622)، كانت (شِبامُ) تابعةً لـ(بَني حَرام)، وفيها (جَميل بن فاضل الحارثي الكندي)، و(مسعود بن يَماني)، وكانا على وِفَاقٍ، فخالفَ جَميل على مسعود بن يماني، وانتفضَ عليه أهلُ (شِبام) في ربيع الأول العام المذكور، فأجْلَى ابنُ يماني جَميلًا عن (شِبام)، ونَكَّل بأهلِ (شِبام)…”. [ص: 421- 422].
ويقول في تاريخ ظهور التُنبَاك (التِبْغ)، وبِدعةُ قَنْصِ الوُعُولِ ونحوها؛ بِبُندُقِ الرَّصَاصِ، في حضرموت: “وفي سنة (1012) ظهر بحضرموتَ شُربُ التَتَن (التُنْباك)، وقد أرَّخُوا ظهورَهُ بتاريخ مناسبٍ لحاله، وهي كلمة (بَغْي). وفي ذلك العصر كانت بِدعةُ القَنِيص، على الكيفيَّة المعهودة، وكأنَّه لم ينتَظِمْ أمرُ القَنِيصِ على ما عُهِد، حتَّى ظهرَ بُندُقُ الرَّصَاصِ؛ يدلُّنا على ذلك أمران:
الأول- أنَّ أوَّلَ مَنْ تكلَّم في رمي الصيد، ببندق الرصاص هو الشيخ (ابنُ حَجَر)، وهو من أهل القَرن العاشر، وقد تقدَّم أنَّ أوَّل مَنْ أتى به إلى حضرموت التُرك، حين استنصرَ بهم (أبو طُوَيرِق).
الثاني- ما ذكره العلَّامة الشيخ (محمد بن عوض با فَضْل)، في مناقب المشايخ (آل با جابر)؛ أنَّ الشيخ (أحمد بن علي) – وكان من أهل القرن العاشر- أخذَتْه جَذبَةٌ إلهيَّةٌ، فهامَ في الجبال وخالَط الوُحُوشَ والسِباع، نحو ثلاثةَ عشرَ عامًا، فلمْ يرجعْ إلى أهلِه، إلَّا بعد أنْ وجَدَه أهلُ القَنِيص، إلى آخر القضيَّة، التي ذكرتُها في ترجمته في (تاريخ الأحقاف)…” [ص: 498].
ويقول – في سَرد تواريخ وفاة عدد من مشاهير القَرن (الحادي عشر)، من العُلماء والصُلحاء:
“ومن المشاهير في ذلك العصر: الشيخ الورِع الزاهد (عبد الجامع بن أبي بكر با رَجاء الحضرمي)، تُوُفِّي بمكَّةَ ودُفِن بالشَبِيكَة، سنة (1082). وفي سنة (1075) توفِّي الشيخ الفقيه المتفنِّن (أحمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد جَلاخ با قشير). وفي سنة (1085) توفِّي السيِّد الفاضل الأديب (أبوبكر بن سالم أحمد بن شَيخان) توفِّي بمكَّةَ ودُفِن بالمُعَلَّاة. وفي سنة (1087) توفِّي السيِّد الورِع الزاهد العابد (أبوبكر بن سعيد بن أبي بكر بن عبد الرحمن الجَفري). وفي سنة (1091) توفِّي الشيخ العلَّامة (أحمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله با عَنتَر السَيْوني). وفي سنة (1094) توفِّي الشيخ الإمام العالم الربَّاني (علي بن عبد الله با راس الكِندي).
ومن مشاهير ذلك العصر، السيِّد الخاشِع المُنِيب المُخبِت الخائِف، (شَيخان بن حسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم).وفي سنة (1093) توفِّي السيِّد العلَّامة المتفنِّن (محمد بن أبي بكر بن أحمد المعروف بالشِلِّي)، صاحب التآليف، ومنها (المَشرَع الرَوِي)” [ص: 505].

