ترجمة
أ.د. مسعود سعيد عمشوش
مملوءٌ بكمّ كبير من الصور المثيرة، أمضيت جزءًا من الليل في الاستماع للراوي الحبشي وهو يتابع قصته. وأترجم هنا بأمانة، وبقدر ما تسمح به ذاكرتي ما قاله: “رأيت للمرة الأخيرة الكوخ الدائري، وأمي التي كانت تسحق الحبوب على الحجر المسطح… وشاهدت نار الأغصان الشائكة، تلمع وتضيء بطون الأبقار، بينما تنضج البودينا على النار. فبعد انتهاء موسم الأمطار قرر والدي أن يأخذني معه إلى أنكوبر مع حمارنا المحمل بقربتين من الزبدة؛ كان ذلك كل دخل السنة؛ وكان من المقرر استخدام ثمنه لشراء الأقمشة القطنية لكسوتنا.
وكنت سعيدًا عندما غادرت؛ لأنني لم أكن أعلم أنني سأترك الحفا إلى الأبد. واستمرَّت الرحلة لأكثر من شهر، كنا نسير لفترة طويلة: مررنا بالجبال والأنهار. وبما أن حمارنا كان مصابًا بالفعل على ظهره، فقد حمل والدي نصف حمولته للتخفيف عنه. ثم وصلنا بلاد شوا، فوق تلك الهضاب العالية حيث الليالي باردة.
وفي صباح أحد الأيام، حين كنا نتدفأ في الشمس قبل استئناف رحلتنا، وصلت مجموعة من عبيد شانكالا، محمَّلة بجميع أمتعة زعيمها الحبشي الكبير. وكان عبيد ذلك الحبشي، والزعيم نفسه يعتقدون أن لهم الحق في فعل أي شيء، ونحن لا نجرؤ على الشكوى؛ لأن ذلك يكلف الفقراء المستعبدين غاليًا. وأرادوا أن يأخذوا حميرنا لتحمل أثقالهم. إنه كذلك، للأسف! الاستعباد. جميع الشعوب التي خضعت للغزو، مثلنا، تخضع للسُّخرة إذا طلب منها قائد حبشي ذلك. ومع ذلك، فإن هذا الرئيس الذي مرّ ليس من مقاطعتنا، ومن الناحية القانونية، لا ينبغي أن يسألنا أي شيء. ولكنْ أين العدالة للضعفاء! أراد والدي أن يرفض تسليم حماره الذي كان مصابًا، فانقضَّ عليه العبيد، وحين كان يدافع عن نفسه قام الأحباش بطعنه بجنبية، ورأيته يتدحرج بعيدًا، وقد تحطَّم رأسه بضربة من مؤخرة بندقيته.
ثم تم أخذي بعيدًا، وأجبروني على قيادة حمارنا المسكين، محمَّلًا بحمولة ثقيلة. كان بإمكاني أن أهرب، لكنْ إلى أين أذهب في هذا البلد المجهول بعد وفاة والدي؟ وبعد ذلك تمنَّيتُ فقط أن يتم إراحة حماري عندما أصل إلى وجهتي.
وفي اليوم الثاني أصبح الحيوان المسكين مُنهكًا، وتُرِك على حافة المسار، حيث ستأكله الضباع هذه الليلة؛ لأن هذه هي الطريقة التي يجب أن تنتهي بها الحيوانات، التي لم تعد لديها القوة للعمل.
وكان عليّ أن أسير بين العبيد الآخرين وأتبع الزعيم. ولم أتعرض لسوء المعاملة. وبعد عدة أيام وصلنا إلى منزل سيدي الجديد. وبما أنني كنت أتناول الطعام دائمًا في منزل ذلك الزعيم، فقد قرَّرتُ أن أستسلم لمصيري. واعتدت على حياتي الجديدة، التي لم تختلف كثيرًا عن تلك التي عشتُها في البلد الذي وُلِدتُ فيه…
ومرَّت السنوات رتيبة. لقد أصبحت شابًّا قادرًا على حمل الخشب. وكان السيد الذي وضعه القدر معه عبدًا حبشيًّا كبيرًا في السن، وكان أطفاله الصغار يعيشون معي كما لو كنت أخًا لهم. وذات يوم اتصل بي سيدي، وكان بجانبه رجل ليس من البلاد. وكان بغلُه ينتظر عند الباب، ويحمل أكياس الهواء الكبيرة، المعلقة على جانبي السَّرْج. وتحدث معي سيدي بلطف بهذه الكلمات:
“لقد بعت بندقية لهذا الرجل الذي هو صديقي، لكن ليس لديه الآن المال ليدفعه لي. وآمرك أن تتبعه حاملًا البندقية التي بعتُها له؛ وعندما يعطيك المائة ثالار فإنك سترجع بها. وفي هذه الأثناء كُنْ خادمًا له كما لو كان سيِّدَك.
وغادرتُ وأنا سعيدٌ برؤية بلدان جديدة. ومررنا بطرق شديدة الانحدار، وكان عليّ أن أركض باستمرار للحاق بالبغل الذي كان سريعًا. وكان سيدي، أثناء مروره عبر القرى، يضع لي دائمًا براعم ساخنة مع اللبن الرائب ويعطيني كل ما أستطيع تناوله. في هذه الظروف، يمكنك الركض طوال اليوم وليس لديك الحق في تقديم أي شكوى.
وبعد عدة أيام وصلنا إلى بلدة صغيرة، مبنيَّة بالكامل من الطين، وبيوتها مربَّعة، وذات أسطح مستوية. وكانت جاثمة مثل عُشِّ النَّسْر على قمة جبل، ومحاطًة بالصخور الشديدة. وصعدْنا إلى هناك عن طريق درجٍ محفور في الحجر. وكانت النساء اللاتي مررْنا بهن يرتدين فساتين بنية فضفاضة للغاية؛ كانت بشرتُهن فاتحة اللون، ووجوههن محاطة بشعر كبير منتفخ، مثبت بشبكة دقيقة جدًا. كنا مع عائلة أرجوبا؛ هذه كانت بلد سيدي.
وأُعجِبتُ بهذه البيوت الحجرية، التي كان بداخلها على جدرانها المطلية بالبياض الزخارف، وجميع أنواع الأواني الخزفية والخشبية، التي لم أكن أعلم باستخدامها. لقد جاءت عائلة أرجوبا إلى هنا من بلاد بعيدة جدًا في شمال الحبشة، ولم يحافظ على لغة أجدادهم إلا كبار السن والسَّحَرة. ومنهم مَنْ ذهب بعيدًا جدًّا ووصل إلى بلاد جالا، وعادةً يعيشون في عشائر صغيرة، متجمِّعة في قرى محصنة، مثل تلك التي كنا فيها، وتقع دائمًا على قمم التلال. وهناك يجمعون العبيد فينتظرون إلى حين شحنهم بالقوافل إلى البحر عبر صحاري الدناكالة، التي يعرفون جميع القبائل فيها.
وفي ذلك الوقت، لم أكن أعرف كل هذا، وكنت بسذاجتي لا أزال أنتظر المائة ثالار لأوصلها إلى سيدي الحبشي. ولم أجرؤ على سؤال الرجل الذي أحضرني، لأنه بدا وكأنه زعيم هذه القرية؛ إذ قبَّـل الجميعُ يدَه، وأطلقوا عليه اسم الشيخ عمر.
وبعد وصولي ببضعة أيام، وحين كان جميع الرجال قد ذهبوا للعمل في السهل، تم إحضاري مع يوسف الصغير (هذا هو اسم الطفل الذي أخذناه ذات ليلة من قرية العروسي) إلى منزل منعزل وسط حي مدمر. وفي غرفة مظلمة للغاية، بلا نوافذ، كان هناك رجل عجوز يجلس أمام كومة من أوراق القات، كان يدقها بكانون الهاون الخشبية؛ لأنه لم يعد لديه أسنان. وكان هناك رجال آخرون يجلسون في الجزء الخلفي من الكوة، وكان أحدُهم رجلًا عجوًزا؛ لكننا نكاد نستطيع رؤيتهم بسبب ضوء النهار القليل، المسموح به عبر الباب المنخفض.
ثمّ جعلونا، أنا ويوسف، عُرَاةً تمامًا، وأجبرونا على الاقتراب من الرجل العجوز الذي قام بفحصنا وهو يتلو مسبحته. وتحدث بلغة العرقوبة مع الشيخ عمر، ثم تحدث معي بلغة بلدي، وسألني إذا كنت أعرف النساء. كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري في ذلك الوقت، ولم أكن قد بلغت سن البلوغ، ولكن أثناء نومي بين العبيد في منزل سيدي الحبشي الأول، علمتني نساء الشانكالا الألعاب التي يتم لعبها في الليل. لذا، على سبيل التفاخر، أجبت: “نعم” بنبرة واثقة. وتحسَّس الساحر العجوز، -لأنه كان واحدًا منهم-، جسمي بدقة ليرى ما إذا كنت لا أكذب. ثم نطق ببضع كلمات، بنبرة مستاءة، وتم إعادتي إلى المنزل في الفور.
لقد عدتُ وحيدًا ومضطربًا بعض الشيء من هذا الاستجواب، الذي لم أفهم غرضه. وفي اليوم التالي، لم أر يوسف الصغير، وعندما سألت النساء عما حدث له، أخبرنني أنه مريض. ومنذ ذلك المساء، عوملت بقسوة أكبر، وتمَّ إرسالي للقيام بالعمل الصعب، المتمثلِ في جمع الأخشاب مع العبيد الآخرين من جميع الأجناس. كان هناك خمسة عشر أو عشرون منهم لا أعرفهم، وكان المسلحون يتبعوننا دائمًا عندما نخرج من القرية.
وأدركت بعد ذلك أن قصة البندقية والثالارات لم تكن سوى خدعة لإبعادي. وكررت في نفسي جملة الحبشي العجوز الغامضة: سوف تعود عندما يعطيك مائة ثالار، وللأسف! لقد أصبحت الآن على يقين تام أنه لن يعطيني إياها أبدًا، وبدا لي وضعي حزينًا جدًا؛ لأنني أصبحتُ عبدًا مثل كل هؤلاء الشنكالا بوجوه المتوحشين!…
وأخبرني هؤلاء الرفاق أننا سنغادر قريبًا إلى بلد آخر، بعيدًا جدًا، على الجانب الآخر من نهر كبير، من المياه المالحة، واسع جدًا، بحيث لا تستطيع الطيور الموجودة على أحد الجانبين أن تعشش على الجانب الآخر.
وبدأت أتوقف عن التفكير في رفيقي الصغير يوسف، فقد مرت عدَّةُ أقمار دون أن أسمع عنه، ولم يستطع أحد أن يجيب عن أسئلتي.
وفي أحد الأيام، أثناء عودتي من العمل في بساتين قهوة السيد، فوجئت بيوسف جالسًا على جلد ثور في مكان الشرف في منزلنا. لقد شعرتُ بسعادة غامرة، وتفاجأتُ بمدى زيادة وزنه. وكم أصبحت بشرتُه فاتحة. فسألته ماذا حدث له خلال هذه الأشهر الثلاثة. فأجاب بأنه كان مريضًا، لكنْ كلامه كان محرجا للغاية لدرجة أنني فهمت أنه يخفي شيئًا عني. وبعد الضغط عليه بالأسئلة، انفجر في البكاء، واعترف لي بأنه قد تم إخصاؤه في اليوم التالي الذي تركته فيه مع الساحر القديم.
وأراني ما حدث له: لا شيء أكثر من ذلك. لقد أصبح مثل المرأة. ورأيتُ ندبة وردية على شكل نصف قمر… وبقيت متحجّرًا، وشعرت بقشعريرة وأنا أفكر فيما لو أنني لو اعترفت بأنني كنت عذراء.. لا شك في أنني سأكون مثله الآن.
– وهل كان مؤلمًا؟ سألته.
– لا، لأنني لم أكن أعرف ما الذي حدث لي. لقد سكروني أولًا بشرابٍ مُرٍّ، ثم بدُخَانِ عُشبَة. وعندما استيقظت كنت أشعر بألم في أسفل بطني وفخذي، وكأنني تعرضت للضرب. لكن يدي وقدمي كانت مقيدات، وكانت هناك امرأة تقف بالقرب مني، منعتني من رفع رأسي لأرى المكان الذي جعلني أتألم. وجاء الرجل العجوز، وأعطاني الأعشاب المطحونة حيث كنت أتألم.
وكنت عطشانًا، وصرخت لأطلب شيئًا لأشربه، لكنهم لم يعطوني أيَّ شيء. عندما أردتُ التبوُّل لم أستطع، ومع ذلك كنتُ أتحمل التعذيبَ، وكأن معدتي ستنفجر. لذا، بعد التبوّل، ذهبتِ المرأة التي بقيتْ بجواري دائمًا لإحضار الساحر. في تلك اللحظة أدركتُ ما حدث لي. أزالَ وتدًا خشبيًا، وتمكَّنتُ في الفور من قضاء حاجتي. لقد فهمتُ ما حدث لي. لقد أزال خصيتي.
وبعد ذلك الوقت، تم إطعامي بالعسل واللحم النيئ، الذي كان يُفرَض عليّ. ولمدة شهر، بقيتْ ركبتاي مقيدتين لمنعي من المشي. لا أستطع التبوُّل إلا مرة واحدة في اليوم، بسبب هذا القرص المغطى بالزبدة، والذي كان يُترك دائمًا في مكانه حتى تُفك ساقاي لتغيير الأعشاب، وفي كل مرة كنتُ أضع هذا الوتد الخشبي الرهيب بعد ذلك في الزبدة الساخنة. وهذا ما جعلني أعاني أكثر في الأيام الأولى.
والآن شُفِيتُ ولمْ أعُدْ أفكر في أي شيء. كل ما أفعله الذهاب دائمًا إلى السرير والنوم. وعلمت لاحقًا أن هذه الأمور تتم بشكل شائع، وتتم تحت حراسة. لا أحد يحضر. وينام المريض بعد ذلك لمدة يومين بفعل النباتات المخدّرة. ولو استيقظ قبل ذلك سيموت في غضون ثلاثة أيام.
وكان والد يوسف قد باع ابنه وهو يعلم جيدًا ما سيفعلون بنا. وكان عليه أن يفعل ذلك؛ ولهذا السبب حصل على مبلغ كبير من المال.
وغادرنا بعد فترة وجيزة مع قافلة يقودها الدناكلة، الذين قادونا عبر سهول عواشة المعشبة، ومستنقعات أوسا، ثم في جبال مابلا شديدة الانحدار، وأخيرًا وصلنا، منهكين من التعب، إلى قرية على حافة البحر أراها لأول مرة. كانت تلك هي تاجورة. وبقينا في المعسكر لعدة أسابيع في واحة نخيل التمر، تحتها، حرارة شديدة، لكننا كنا مغدقين بالحليب واللحم والزبدة؛ لتجعلنا نستعيد قوتنا.
وأخيرًا، في إحدى الليالي، تم نقلنا إلى شاطئ صغير منعزل، يقع بين منحدرين، حيث كان ينتظرنا قاربان صغيران، يقودهما عربٌ، ذوو بشرة فاتحة اللون. وبعد يومين من العبور، وصلنا إلى الأرض العربية، التي ستكون وطننا الجديد إلى الأبد، وهناك تابع الجميع مصيرهم مع سيدهم الجديد.
بالنسبة لي أخذني نوخذة عربي يقود سامبوكا كبيرًا من المكلا. وكان طاقمه يضم خمسين فردًا، جميعهم من العبيد السودانيين، وتعلَّمْتُ معهم الغوص والبحارة والتجارة.
*المصدر:
-Henri de Monfreid, Aventure en Mer Rouge, 225-232
تأليف هنري دي موفريد*
ترجمة مسعود عمشوش