مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

مناطق حضرموت غير المكتشفة للكاتب والمبشر والرحالة الأميركي صمويل مارينوس زويمر

ترجمة

د. عبدالله الفلق

من كتاب جنوب الجزيرة العربية: مهد الإسلام صـ.72-77

“وهم يمخرون عباب البحر

 بأقصى رأس الرجاء الصالح بعد أن يمروا على موزمبيق

تهب على البحارة نسائم شمالية شرقية

من الشاطئ العطري محملة بعطور سبئية

 من البقعة المباركة في الأرض العربية”- ميلتون

أقل ما يجب علينا أن نلقي نظرةً على الإقليم المجهول تقريبًا، والذي يسمى حضرموت[1]، وهو شريط من الأراضي الممتدَّة بين الصحراء العظمى والبحر، من عدن شرقًا حتى عمان. تكاد معرفتنا تكون داخل هذا الإقليم مجهولة تمامًا، إلى أنْ سَلَّط عليه الضوء الرحالة المغامر أيه. فون ريد في عام 1843. فالساحل معروف نسبيًا، في الأقل مدينتا المكلا والشحر، حيث ترتفع الأرض على الساحل بسلسلة من المدرجات حتى جبل الحمراء (5284 قدم)، الذي يرتبط في الشمال الشرقي مع جبل داهور، الذي يزيد ارتفاعه على 8000 قدم.

أبحر أدولف فون ريد من عدن إلى المكلا، ومن ثم نفذ إلى الداخل حتى وادي دوعن، أكثر المناطق خصوبة في جنوب الجزيرة العربية، حيث يجري هذا الوادي شمالًا عبر أرض بني عيسى، ويحدُّه غربًا بلاد الحسن، وتحدُّه شرقًا بلاد الحموم. ولكن ما مدى امتداد هذا الإقليم شمالًا؟ وما إذا كانت الصحراء الرملية المعروفة بالأحقاف (الرمال السريعة) تبدأ فعليًا من وادي رخية، وهو فرع من وادي دوعن، فهذه مواقع لم يسلط عليها الضوء فون ريد وما تزال غامضة. في عام 1870، قام اليهودي الفرنسي جوزيف هالفي بمحاولة جريئة لاختراق حضرموت من اليمن. منذ ذلك الحين، لم نعرف الكثير عن حضرموت حتى عام 1893 عندما زار ثيودور بينت (Theodore Bent) وزوجته مدينة شبام، مقرَّ إقامة أقوى سلاطين حضرموت، وفي عام 1897، قاما برحلة ثانية إلى المنطقة نفسها، والتي كلفت السيد بينت صحته وأفنت حياته. نقتبس بعض فقرات من وصف هذه الرحلات التي تبين بوضوح الطابع المثير للاهتمام لهذا البلد الذي يكاد يكون مجهولًا[2].

“مباشرة خلف المكلا، ترتفع جبال قاحلة قاتمة، ذات لون أحمر، والمدينة ملتصقة بهذه الخلفية الداكنة. على الشاطئ، كما لو كانتْ فنارًا، تنتصب مئذنة المسجد البيضاء، وجدرانها، وقممها مغطاة بأسراب كثيفة من طيور البحر والحمام؛ وليس بعيدًا من ذلك، يقع القصر الكبير الذي يقطنه السلطان، حيث يذكِّرنا بالمطحنة المكسوة بالجير الأبيض حاجزٌ شبكيٌّ شبيهُ الدانتيل؛ الأبيض والأحمر والبني هي الألوان السائدة في المدينة، وفي الميناء، تتمايل السفن الشراعيَّةُ العربيَّةُ الجميلةُ هنا وهناك في مياه البحر المتحركة، مشكلًا مشهدًا فاتنًا ونادرًا”.

“اسميًا، يحكم المكلا سلطانٌ من عائلة القعيطي، وكانت ارتباطهم بالهند جعلهم أشبه بالإنجليز بشكل كبير في تعاطفهم، حيث المظهر العام لجلالة السلطان عند ارتداء سترته المخمليَّة، والخنجر المرصع بالجواهر، أشبه بالهنود أكثر من أنَّه عربي. في الواقع، الأشخاص الأكثر تأثيرًا في مدينة المكلا هم البارسيون الجشعون من بومباي، وتعتبر المدينة بشكل أساسي إحدى المراكز التجارية، حيث تنتشر مجموعة من اللهجات الهندية بنفس القدر إلى جانب اللغة العربية تقريبًا. ترتبت إقامتنا فيما يُسمَّى بقصر قريب جدًا من السوق، حيث كانت تفوح منه روائح غامضة وكان مليئًا بالذباب؛ لذلك عملْنا على إتمام تحضيراتنا وإنهاء إقامتنا في هذا المكان الملتهب وغير المواتي بأقصر وقت ممكن…

“تاركين وراءنا هذه القرى، صعدْنا بسرعة أعلى وأعلى، حتى وصلنا عند ارتفاع يزيد على 5000 قدم، فوجدنا أنفسنا على هضبة واسعة، تمتد بكل اتجاه قدر ما يمكن للعين رؤيته تفصل حضرموت عن الساحل. هذه هي “القمَّة العالية”، التي ذكرها أكبر المؤرخين الرومان بلينيوس؛ توجد هنا المنطقة الشاسعة، حيث ازدهرت أشجار اللبان وأشجار المر، حيث لا يزال الكثير من أشجار المر، ولا يزال يستخرج بسبب مادَّته العطرية؛ ولكن أشجار اللبان، رأينا فقط عينة واحد على الهضبة؛ لأن ثروة هذا البلد قد اختفت بشكل مستمر على مر العصور، ولكن بعيدًا في الشرق في بلاد المهرة لاتزال أعداد كثيرة توجد من أشجار اللبان هناك، على ما أعرف.

“بالقرب من الهجرين، لا تزال هناك عدد من آثار العصور القديمة عندما ازدهرت تجارة اللبان، وعندما كانت مدينة دوعن، والتي لا يزال اسمها محفوظًا في وادي دوعن، مركزًا تجاريًا كبيرًا لهذه التجارة. تمتد مساحات شاسعة من الأطلال على طول الوادي هنا، تعود إلى القرون التي تسبق بداية عصرنا، تطل رؤوسُ هذه الأطلال فوق الرمال، التي تغطيها وتغزو وتسحق المجد السابق لهذه المنطقة. تمتلئ الأرض بقطع النقوش الحميرية والفخار المكسّرة والمتناثرة وغيرها من الدلائل على كنز وفير لعمال الحفريَّات، ولكن عداء قبيلة آل نهد منعنا من زيارة هذه الأطلال سوى زيارة عابرة، وحتى للوصول فقط كان علينا أن ندفع لشيخ هذه المنطقة تسعة عشر دولارًا؛ وكانت تحيته مشؤمة، وهو يتمتم بغضب قائلًا: “سلام على جميع المؤمنين بأن محمدًا هو النبي الحقيقي”.

“في منطقة عِسب، لم يسمحوا لنا أنْ نُملِـئَ أوانينا من بئرهم، ولا أن نتناول طعامنا في ظل مسجدهم. حتى نساء هذه القرية جرأْنَ على إهانتنا، إذ كُنَّ يختلسْنَ النظر إلى خيمتنا ليلًا، ويتعثَّرْنَ على الأشخاص بطريقة تزيد مشقة الساكنين المرهقين فيها.

“انتهت مشاكلنا في هذا الشأن لحسن الحظ في حورة، حيث توجد قلعة ضخمة، تابعة لعائلة القعيطي، تملأ قرية متواضعة محاطة ببساتين النخيل. بدون صور لتدعم كلامي، لا أكاد أستطيع وصف روعة هذه القلاع في حضرموت. تتألف القلعة في حورة من سبعة طوابق، مبنية على مساحة فدانٍ كاملٍ من الأرض، تحت منحدر صخري خنفسي الشكل، وبها أسوار بها فتحات دفاعية وأبراج تُشبِهُ بشكل لافت قلعة هولي روود (Holyrood)، غير أنَّ هولي روود مبنية من الحجر، في حين أنَّ القلعة في حورة مبنية من الطوب المجفَّف بالشمس باستثناء الطابق الأول، ولو كانت حورة تقع في مكان هولي روود أو في أي بلد آخر غير الجزيرة العربية الجافة والقاحلة، لاختفت منذ زمن بعيد…

“أحد أبرز ملامح هذه القصور العربية هو نحت الخشب. تُزين الأبواب بعناية فائقة، وبزخارف دقيقة، ونصوص من القرآن محفور على العتبة. الأقفال والمفاتيح مصنوعة من الخشب، وتشكّل دراسةً لفنِّ النحت، تمامًا كذلك الخزائن والمحاريب والأعمدة والنوافذ، التي تُزيَّنُ بأعمال نحتٍ معقَّدةٍ بدلاً من الزجاج. توجد غُرَف السكن في الطوابق العليا، في حين يُستخدَم الطابق الأرضي حصرًيا للتجارة، والطابق الأول للخدم”.

بالنسبة للمدينة الرئيسة في داخل حضرموت، يكتب السيد بينت كما يأتي:

“ثم أرسلنا بعد ذلك للإقامة خمسة أيام إضافية في عاصمته بمدينة شبام، التي تبعد 12 ميلًا عن القطن، وهي إحدى المدن الرئيسة في وادي حضرموت. شبام مبنيَّة على أرض مرتفعة في أضيق مكان في الوادي، بحيث لا يمكن لأحد أن يمر بينها وبين المنحدر الصخري للوادي بعيدًا عن مدى إطلاق النار من الأسوار. تكوّنت هذه الأرض المرتفعة، بدون شك، عبر أجيال متعددة من المدن المبنية من الطوب المجفَّف بأشعة الشمس، فهي المكان الاستراتيجي الأفضل في المنطقة المحيطة. يخبرنا الكُتّاب العرب الأوائل أن سكان هذه المنطقة من الحميريين، جاءوا هنا في بداية عصرنا عندما تخلوا عن عاصمتهم في سابوتا أو شبوة، في أعلى الوادي، ولكننا وجدنا آثار واضحة على وجود استيطان أسبق من ذلك – نقش وخاتم، محفورٌ عليه اسم “شبام”، والذي لا يمكن أن يكون بعد القرن الثالث قبل الميلاد. وكنقطة لتجميع القوافل التي تنطلق من منطقة إنتاج اللبان، لقد كانت شبام دائمًا مهمة جدًا”.

“تُظهر مدينة شبام مظهرًا فضوليًا عند اقترابك منها؛ فوق أسوارها الطينية، والتي تحتوي على حصونٍ وأبراج مراقبة، تظهر بيوت الأغنياء، بيوتًا مرتفعة مطليَّةً بماء الكِلس الأبيض، مما يجعلها تبدو مثل كعكة كبيرة مغطاة بالسكر. خارج الأسوار تتم ممارسة عدد من الصناعات، وأهمها صناعة الصبغة الزرقاء. تُجفَّف الأوراق الصغيرة في الشمس ثم تُطحَن، ثم تُوضع في جرار ضخمة – تذكِّرنا بالأربعين حرامي – مليئة بالماء. في اليوم التالي، تُخلَط بعصيٍّ طويلة، مما ينتج مزيجًا رغويًا أزرقَ داكنًا؛ يُترَك للترسُّب، ثم تُؤخذ الصبغة الزرقاء من القاع وتُوضع على الأقمشة للتصريف. تُؤخذ المادة المستخلصة وتُخلط مع التمور والملح الصخري. تُستخدم أربعة أرطال من هذه الصبغة لكل جالون من الماء كصبغة ضرورية ومستخدمة عالميًا للملابس، إذ يُصقل النوع الجيد من هذه الملابس بضربها بمطارق خشبية على الحجارة”.

أما بالنسبة لمدينة الشحر الساحلية وحاكمها، يقول السيد بينت:

“الشحر مدينة كروية على البحر، محاطة بصحراء رملية، وقد كانت الميناء الرئيس التجاري لوادي حضرموت في الماضي، ولكن الآن، حلَّت مكانها مدينة المكلا؛ إذ أصبحت الشحر مجرَّد مرسى مفتوح، وتتساقط مبانيها إلى أطلال. يحكم هنا غالبٌ، الابنُ الأكبرُ، ووريثُ عائلة القعيطي الرئيسة، كوصيٍّ على عرش والده، الذي يعمل في الهند كجمعدار أو قائد للقوات العربية، التي تتألف بشكل رئيس من الحضارم، في خدمة السلطان نظام حاكم حيدر آباد. غالبٌ رجلٌ أنيق بطراز شرقي، عاش حياةً سريعة في الهند، لذا فكّر والدُه في إرساله لحكم مدينة الشحر، حيث لا يتوقع الكثير من المتاعب مثلما يحدث في بومباي. يرتدي غالبٌ ملابس حريريَّة مختلفةًـ ذاتَ اللَّون الأحمر الداكن، والسراويلَ الممتازة. تتلألأ سيوفه وخناجره بالأحجار الكريمة، ويتباهى بعصا ذهبية في يده؛ ونظرًا لشحة المياه في الشحر، فقد كان يرسل غسيله المتسخ على القوارب الشراعية إلى بومباي ليتم غسله”.

كان ولايزال تواصل الحضارم العرب مع جاوة أكثر منها مع الهند، فقد هاجرت مستوطنات كبيرة من الحضارم إلى الأرخبيل الهولندي قبل أكثر من قرن؛ وكان الزواج بين الجاويين والعرب شائعًا جدًا؛ والمسلمون في الهند الشرقية الهولندية بالكامل على فِكْر حضرموت نفسه. أول من كشف النقاب عن هذه الحقائق المثيرة للاهتمام العالم الهولندي فاندين بيرغ (Van den Berg) من خلال كتابه الشامل عن هذه المقاطعة في الجزيرة العربية ومستوطنات العرب في جاوة[3]، وقد كان وصفه لحضرموت مجموعة نصوص، استند فيها على ما قيل على ألسنة المهاجرين العرب، ولكن اعتمد في وصف تصرُّفات الناس وعاداتهم وخصوصياتهم الدينية على ملاحظاته الشخصية. بصفة عامة، على الرغم من الاختلافات الجغرافية الطفيفة، فقد كان أفضل كتاب عن جنوب الجزيرة العربية، ويروي قصة الإسلام في الأرخبيل الهولندي كما هو عليه اليوم. لقد كان العرب دائمًا شعبًا قويًا في الاستعمار، ولكن الجدير بالذكر أن تأثير حضرموت على جاوه وسومطره اليوم ليس أقل من تأثير عُمان على زنجبار وشرق أفريقيا في القرن الماضي، وحتى حضرموت لن تبقى في طيِّ النسيان ودون اكتشاف، وإن لموطن البخور في العصور القديمة مستقبلًا أمامه كما كان له ماضٍ مجيد.


[1] حضرموت هو اسم قديم جدًا لهذه المنطقة. لم يذكر بطليموس هنا فقط حضرموت “الأدرميتا” في جغرافيته، بل لا شك في أن حضرموت متطابقة مع “حزرموث” المذكورة في الفصل العاشر من سفر التكوين.

[2] “حضرموت: رحلة” بقلم ثيودور بينت. القرن التاسع عشر، سبتمبر 1894. بالإضافة إلى “بلدان يافع وفضل” للسيدة بنت. مجلة الجغرافيا، يوليو 1898.

[3] حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي، إل دبليو سي فاندين بيرغ. باتافيا، 1886، بأمر من الحكومة.