توقيع قلم
أ.د. عبد الله سعيد بن جسار الجعيدي
يلاحظ النَّاسُ مشهدَ تشكُّلِ هذه المقولة عند وقوفهم على مسرح بقايا ورش الحدادة التقليدية، التي ما تزال تقاوم للبقاء؛ بوصفها مصدرًا للرزق عند أصحابها الذين يردّدون في أثناء انهماكهم بالضرب على كتلة الحديد الساخنة، الموضوعة فوق السندان أصواتًا موزونة سريعة، تتناسبُ مع ضرباتهم التي تسابقُ الزمانَ لتشكيل منتجاتهم من المشغولات المنزلية، وأدوات الصيَّادين والنجَّارين وغيرها، هذا التناغم بين الضربات والأصوات غالبًا ما يتكون من جملة واحدة بكلمتين – بدع وجواب – أو أربع كلمات بحسب متطلبات وتيرة الضرب، هذه الأراجيز بقدر ما تساعدُ على قوَّة التحمُّل والاندماج في العمل؛ فإنَّها تَحُدُّ من احتمالية التشابك بين المطارق، وتُيَسِّرُ تناوُبَ الضربات بانتظام لتحقيق الفعالية المطلوبة.
إنَّ هذه الحرفة تُعطِي دروسًا حيَّةً أو مباشرة لاحترام العمل؛ بوصفه من القيم المثلى، التي تحترمُها المجتمعاتُ الحيَّة، وتُقدِّرُ فيها السواعد التي تكافح تحت النار لاكتساب لقمة العيش الكريمة، ورغم الضجيج في ورش الحدادة و”حدَّاد ما يسمع حدَّاد” كما يقال لكنَّ هذه المهنة صنعتْ ما يمكنُ وصفُه بحكمة الحديد الصامتة التي من تجلياتها الحضُّ – والحديد سخن – على استغلال الفرص، واختيار الزمان والمكان المناسبين للحركة، وعند اتخاذ القرارات الحاسمة.
وهذه المقولة الحديديَّة نجدها بصيغةٍ مباشرةٍ وواضحةٍ عند أهل الشام بقولهم: “دق الحديد وهو حامي”، وهي مطابقة من حيث المعنى لِمَا هو شائع: “اضربْ على الحديد وهو سخن”، اختلفت الكلمات والحكمة واحدة، أمَّا الصيغة الحضرمية للمقولة “لا تضربْ في حديدٍ بارد”، فهي تشترك مع الصيغ السابقة في أنها ابنةٌ أصيلة لورش الحدادة التقليديَّة، لكنَّها تختلف في الفعل ، الذي يسبقه لا الناهية أو (الغاضبة)، كما تحلُّ عندهم لفظة البرودة محلَّ السخونة، وهذا التحوير الحضرمي للبرودة الظاهرة في المقولة أضفى عليها دلالات عميقة في السخونة، ولاذعة في النصيحة.
ولمعرفة تطبيقات أوجه الشبه والاختلاف في حكمة الحديد الواحدة سنجد مقولة (السخونة) تشتغل على معنى واحدٍ، يستوعب الكثير من المناسبات والمواقف لتأكيد تزامن القرارات مع الظروف المواتية، في حين أنَّ مقولة (البرودة) تشتغل على ثنائية السخونة والبرودة حسب مقام الاستخدام، وبهذا فإن (السخونة) حسب الصيغة الحضرمية عكسيَّةٌ أو ضِمنِيَّةٌ، في حين أنَّ (البرودة) تقع في أصل مفردات المقولة، واستحسنتْها الثقافة الشعبية لتوصيل رسالة صارمة، فيها من السُّخْرِيَةِ كما فيها من الغضب. ولتقريب الدلالات فإنَّ هذه الصيغة تحضر – على سبيل المثال – عند مخاطبة طرفٍ أوَّلٍ بإلحاحٍ طرفًا آخرَ ليأتي بكلمة قاطعة أوْ يحدّد موقفًا واضحًا أو يتخذ قرارًا حاسمًا في أمورٍ لا تحتملُ التأخير أو التسويف أو المماطلة، ومقابل ذلك تجدُ هذا (الكائن) في وضع الجامد أو الخامل الذي لا تَهُزُّهُ الأخطار المحدقة، ولا يستوعبُ فظاعةَ المآلاتِ كما يراها الطرف الأول، ومن دراماتيكية سخونة الطَّرحِ وبرودة الاستجابة تشرئبُّ مقولة الحديد (الحضرمية) طازجة من قائلها للحاضرين؛ بوصفها مشهد النهاية، الذي كما أنَّ فيه الكثير من اليأس الصريح فيه قليل من الأمل الدفين، وبعد أنْ يُوَلّي الناس الدُّبُرَ ترتفع حكمة الحديد إلى أن ينادي مناديها، فتتنزَّل على مَنْ يستحقُّ وَهَجَهَا، ويستلهمُ معانِيَها النافعة.