حوار
أ. صالح حسين الفردي

ما ستقفون عليه من سطور حوار الذكريات للشاعر والملحن الكبير عمر أبي بكر العيدروس – رحمه الله – كان ثمرة من ثمار برنامجي الفنّي، الذي دخلت به لأول مرة مجال الإعداد الإذاعي، في مطلع عام 2004م، عندما نجح الإعلامي الكبير سعيد سعد في إقناعي بالدخول إلى عوالم العمل البرامجي لإذاعة المكلا العتيقة، محفِّزًا لي وداعمًا ومصرًّا على أن النجاح سيكون حليفي في هذا الفضاء الإبداعي المفتوح، وقد انطلقت بأول برنامج من إعدادي حمل عنوان: (من روائع الغناء الحضرمي)، تقديم الأستاذة أفراح محمد جمعة خان، وتنفيذ مهندسي الصوت: عبدالله السيود، وأسامة جابر، وعمر بنبوع، الذين رافقوني رحلة البرنامج لعامين متواليين، كان من حصاد هاتين السنتين إجراء عددٍ من الحوارات مع عددٍ من مبدعي الأغنية الحضرمية، شعراء: العيدروس، وصالح عبدالرحمن المفلحي، ومحمد محفوظ سكران الكالف، وسالم أحمد بامطرف، وأحمد سالم البيض، وغالب عوض باعكابة، وخالد محمد عبدالعزيز، وثابت السّعدي، ومن الفنانين: كرامة سعيد مرسال، ومحمد مرشد ناجي، وعبدالقادر جمعة خان، وعلي عوض بن هامل، وعبدالله سالم مخرّج، ومحمد علي عبيّد، ومحمد عبدالرّحيم باعباد، ومحمد عبدالرحيم باعباد، وأحمد مفتاح، وغيرهم، لتغدو هذه الحوارات وثائق تاريخية مهمة في مسيرة الأغنية الحضرمية، في زمن كان هؤلاء المبدعون الكبار لا يجدون من يحاول أن يوثّق ذاكرتهم الحياتية والفنية.
ومن جميل ذكريات الحوار مع الشاعر الإنسان والفنان المرهف (أبي وضّاح) عمر أبي بكر العيدروس أنني قد التقيت به أكثر من مرة في منزله العامر في حي الشهيد خالد، جوار فرضة المكلا القديمة، التي نافحت – كثيرًا- للحيلولة دون هدم ما بقي من بقاياها سنوات التدمير لكل معالم المدنية البيضاء، التي عاش فيها وعشقها حتى الرمق الأخير من حياته في التاسع من يوليو 2009م، وقد وجدت فيه رحابة الصدر، وحلو المعشر، وطرافة النكتة، وعميق التجربة، فهو من مواليد مدينة المكلا في الأول من أبريل من عام 1945م، بحي الشهيد خالد، أكمل دراسته الثانوية، ثم تحصّل على دبلوم في المركز الأقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية، التابع لمنظمة اليونسكو بين عامي (75 – 1976م)، عمل في مطلع الستينيات معلّمًا لثلاث سنوات في سلطنة الواحدي سابقًا بشبوة، ثم سنتين أخريين في منطقة بئر علي، وفي مطلع عام 1967م عاد إلى مدينة المكلا ليعمل رئيسًا لقسم الآثار والمتاحف التابع لوزارة المعارف بالدولة القعيطية يومئذ، ليُعيَّن بعد الاستقلال مديرًا للهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات بحضرموت حتى عام 1995م، ثم أحيل إلى التقاعد في عام 2002م.
والسطور القادمة، هي خلاصة لتلك اللقاءات التي تعددت مع هذا الشاعر والفنان والملحن والآثاري والإداري الكبير عمر أبي بكر العيدروس، ونحن نطوي (15) عامًا على رحيله إلى دار البقاء – رحمه الله -، لنجعل من صفحات (حضرموت الثقافية) رحلة جديدة لمحبي وعشّاق (أبي وضّاح)، وقراء المجلة الأعزاء في حضرموت كلِّها، وامتدادها الكبير وطنًا ومهجرًا.
فإلى محطّات الحوار التي تناولتْ مسيرة حياة الشاعر والملحن الكبير عمر أبي بكر العيدروس كلِّها وعمله وفنّه وإبداعه.
حوار أجراه: صالح حسين الفردي
………………………………………
– عملي المتواصل في مجال الآثار، وقطعي آلاف الكيلومترات خلق عندي معرفة بأحوال البلد ومآثرها.
– استماعي لكثير من الأشعار خلال مقابلتي للناس، ومع الشعراء في جلسات السمر، أثّر فِيَّ، وساعدنا كثيرًا حتى في انتقاء الكلمة المحلية من اللهجة الدراجة ننتقيها من هذا النبع.
– انتقلت إلى الآثار بطلب من الدكتور محمد عبد القادر بافقيه، فمنذ تلك السنوات قضيتها في الآثار لستُ كموظف عادي، ولكن كمسؤول.
– منذ هذا التاريخ وأنا مع كل من دخل البلد كباحث أو مستطلع أو دارس عملت مرافقًا لهم ودليلًا ومصدرًا لمعارفهم.
– اختارني الأستاذ عبد الله محيرز رئيس الهيئة العامة بعدن، لمرافقة عالم آثار فرنسي عالمي لعمل دراسات عن جميع أنواع النباتات التي تنمو في أراضي الجمهورية والاستطبابات المحلية التي تقوم بها.
– هذه الرحلة مع العالم الفرنسي (البروفسور مينون) الذي استقبله في مطار عدن الدولي السفير الفرنسي؛ لمكانته العلمية العالمية، أخذتْ منّا خمسة وأربعين يومًا، ابتداء من أبين حتى قُف العوامر في الصحراء بحضرموت.
– اكتسبتُ معرفة، وكذا الطريقة التي كان يحنّط بها البروفسور مينون هذه النباتات، التي أخذت منها جميعًا ثلاث عينات، واحدة لمركز الآثار بعدن، وأخرى للمركز العلمي بفرنسا، وثالثة له شخصيًا.
– ورافقت عالم آثار عالمي أعتقد اسمه (آرثر) من أعظم علماء الحضارات العربية الذي عمل سفينة من ورق البردى وعبرَ بها المحيط.
– واكتشفنا أحسن وأجمل وأصغر معبد، لم تزل كل مكوناته موجودة فيه على الرغم من أنه مهدّم تمامًا، في منطقة اسمها (باقطفة) في منطقة سنا.
– وكثيرًا جدًا، حتَّى إن أغانِيَّ كتبتُها في رحلاتي هذه، فأول أغنية (فهمك لمعنى الحب خاطئ) كتبتها في سيئون، وكذلك (يلوموني، ترّك العشق يا مغرور) في سيئون أيضًا.
– أحياناً يأتي اللحن والكلمة معًا، وأحيانًا تأتي الكلمة، وهذا بالنسبة لي أفضل، أنا أختلف قليلاً عن المحضار الذي كان اللحن عنده يسبق الكلمة، يدندن باللحن ثم يبني عليه الكلمات.
– الكلمة التي تظل تدور في رأسك، لأنك قلتها أنت عن معاناة، فلن تستطيع أن تكتب كلام جميل وقوي لمجرد إنك أردت تكتب قصيدة أغنية.
– والله، بيني وبينك، وكلام أنا مسؤول عنه، الجهات المسؤولة والمؤسسات الثقافية والإعلامية عطاؤها بالنسبة للمبدع صفر، تختفي من الشارع أو تمرض لا أحد يسأل عليك.
– أغنية (البلدة) غنَّاها الشاب جواد باصدّيق في سهرات زواج، وحذَّرتُه من أن يسجلها لأي جهة مسؤولة في البلدة أو إذاعة المكلا مهما كان.
– أنا من الناس الأوائل الذين عملوا في التصوير الملوَّن، أول مؤسسة عملت في التصوير الملوَّن في الجنوب كان المركز الوطني للأبحاث الثقافية.
– في الزمان الماضي كنت ألعب حارس مرمى، في أفرقة أحياء المكلا، لكن أخي سالم – رحمه الله – واصل الهواية واللعب ليصبح حارس نادي الكوكب بالمكلا.
– الحب هو المعاناة طبعًا، (يضحك): سؤال محرج قليلًا!، وجاء بعد البحر، والحب عند الناس؛ فكل الناس تحب، وعندما تشوف الجمال تندهش له وتنجرف وراءه.
– الشعر يأتي من معاناة، فكلما (انقرفت صارت لك قرفة) والصدّ الشديد جعلتك تكتب أكثر، وكلما تمنّع عليك من تحبّه، وزاد في الغنج زاد الولع به، وزاد العطاء الشعري واللَّحني.
– كنتُ أكتبُ وأنا طالب، وكانت قصائدي كلُّها في عشق الوطن، ما كتبتُ في الحب إلا قصيدتي الأولى (فهمك لمعنى الحب خاطي).
– (مرسال وبدوي ومحفوظ) الثلاثة كلهم مبدعون، ولا أستطيع أن أميز بينهم وأختار، فهم من القامات الفنيّة، وكُلٌّ منهم له طريقته في الغناء والأداء، ويعطي من روحه دفقاتٍ جديدةً للكلمات واللحن.
– المحضار هو بالنسبة لي شيء كبير جدًا لا تقدر أنْ تتخيَّله، فإذا قلتُ هو شاعر، فهو شاعر كبير، وإذا قلتُ هو أب وأخ وصديق، فهو كُلُّ شيء بالنسبة لي أنا شخصيًّا.
– المحضار هو الشعر، هو الكلمة الجميلة، هو اللحن الشَّجِي، هو كل ما تحويه من جمال ومن قيم جماليّة يمثلها المحضار.
هؤلاء المبدعون راحوا مهضومين ومظلومين، ومن دون رعاية وعناية، ومطمورين لا أحد يعلم عنهم شيئًا، فكأنَّنا في زمن العقم في حضرموت، وحضرموت – والحمد لله – ليستْ عقيمة.
…………………………………………..
– أوَّلًا، شكرًا لهذا اللقاء، ويسعدني أنْ أكونَ ضَيفَكم، وأوَدُّ أنْ أقول إنَّ كل إنسان يتأثّر بمحيطه، وأنا وجودي على رأس الهيئة العامة للآثار والمتاحف بحضرموت، وعملي المتواصل في هذا المجال، والرحلات الطويلة التي قطعتُ فيها آلاف الكيلومترات، هذه خلقتْ لديَّ أولًا معرفةً عامَّةً بأحوال البلد ومآثرها، بالإضافة إلى استماعي لكثير من الأشعار خلال مقابلتي للناس، ومع الشعراء في جلسات السمر، تستمع إلى أشعارهم، فكل هذا يكسبك معرفة، فبلا شك إن هذا أثّر فِيَّ، وساعدنا كثيرًا حتَّى في انتقاء الكلمة المحلية من اللهجة الدراجة ننتقيها من هذا النبع.
– طبعًا؛ لأن هناك فرقًا بين الشاعر الذي يتنقل في كثير من المناطق، والآخر الذي يتحرَّك من موقعه ومكانه فهذا معارفه قليله إلا ما سمعه بأذنه، لكنَّ الذي تراه بالعين ما هو كالذي تسمعه بالأذن فقط، فالمثل الحضرمي يقول: ما بين الصدق والكذب أربع بنان، فإذا قِستَ المسافة بين الأذن والعين تجدها أربع بنان.
– في الحقيقة، أنا صاحبت عددًا منهم، فمن عام 1967م عملت بدايةً مدرّسًا لثلاث سنوات، ثم انتقلتُ إلى الآثار بطلب من الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، فمنذ تلك السنوات التي قضيتها في الآثار، وكنْتُ لسْتُ موظَّفًا عاديًّا، ولكن كمسؤول، فمنذ هذا التاريخ وأنا معَ كُلِّ مَنْ دخل البلد كباحث أو مستطلع أو دارس عملتُ مرافقًا لهم ودليلًا ومصدرًا لمعارفهم، والدولة استعانتْ بي حتَّى في مهام أخرى أيام الأستاذ عبدالله محيرز رئيس الهيئة العامة بعدن، عندما اختارني لمرافقة عالم آثار فرنسي عالمي لعمل دراسات عن جميع أنواع النباتات، التي تنمو في أراضي الجمهورية والاستطبابات المحليَّة التي تقوم بها، ويضيف إليها اكتشافاته العلمية في هذا الصدد، هذه الرحلة مع العالم الفرنسي (البروفسور مينون)، الذي استقبله في مطار عدن الدولي السفير الفرنسي نظرًا لمكانته العلمية العالمية، أخذتْ منّا خمسة وأربعين يومًا، ابتداء من أبين حتى قُف العوامر في الصحراء بحضرموت، فكانت رحلة شاقّة ومتعبة، ولكنْ كانت مفيدةً لي أنا شخصيًّا، من خلالها اكتسبتُ معرفة، وكذا الطريقة التي كان يحنّط بها البروفسور مينون هذه النباتات التي أخذتُ منها جميعًا ثلاث عينات، واحدة للمركز الآثار بعدن، وأخرى للمركز العلمي بفرنسا، وثالثة له شخصيًا، وغالب أيام هذه الرحلة كانت تَقَصِّيًا على الأقدام، على الرغم من كبر سِنِّهِ (86 عامًا) غير أنه كان نشيطًا جدًّا وعاشقًا للرحلة التي اكتشف من خلالها نباتاتٍ نادرةً جدًّا، لا تنبت إلا عندنا. كذلك رافقتُ عالم آثار عالمي أعتقد أنَّ اسمه (آرثر)، من أعظم علماء الحضارات العربية، الذي عمل سفينة من ورق البردى وعبر بها المحيط، وعمل أخرى من مادة (الخوص) التي استخدمها البابليون في العراق وقطع بها المحيط وأثناء عبوره المحيط يبدو اصيب العالم بحادثة أو مشكلة عالمية فقام بإحراق السفينة في عرض المحيط احتجاجًا على هذه القضية، هذا العالم جاء إلينا ورافقْتُه في زيارة الكثير من المناطق في وادي حضرموت، وعمل فيلمًا دعائيًّا عن مدينة شبام؛ لأن في ذلك الوقت كانت هناك حملة وطنية ودولية لإدخال شبام ضمن التراث العالمي. كذلك عملْتُ مع البعثة الفرنسية، وكنتُ أقوم بمسوحات وحدي، وأثناء ذلك اكتشفْتُ موقعًا، على الرغم من أنني في الآثار كمادة علمية لستُ خبيرًا أو مختصًّا، ولكنني اكتسبْتُ الخبرة من خلال الممارسة والعمل، فطلبْتُ من المدير العام الأستاذ عبدالله محيرز أن يأتي في السنة القادمة بخبير من البعثة الفرنسية العاملة في مدينة شبوة؛ ليقوم بالعمل معي، وفعلًا خرجنا واكتشفنا أحسن وأجمل وأصغر معبد، لم تزل كل مكوناته موجودة فيه على الرغم من أنه مهدّم تمامًا، في منطقة اسمها (باقطفة) في منطقة سنا، فاكتسبت الكثير من خلال عملي هذا من المعارف والمدارك، وخالطتُ عددًا من الناس والعلماء والباحثين والمؤرّخين في الحضارة العربية، حتى إنني عشقْتُ السفر والرحلات، وصِرْتُ لا أستقر في المكلا طويلًا ولا في مكتب المدير العام لهيئة الآثار، فقد كان لقبي الوظيفي (ضابط مسح آثار)، هذه المسوحات البدائية التي كنت أقوم بها كانت هي التي تنير الطريق للباحثين.
– كثيرًا جدًا، حتى إن أغانيَّ كتبْتُها في رحلاتي هذه، وأوَّلُ أغنيةٍ هي (فهمك لمعنى الحب خاطئ) كتبتها في سيئون، وكذلك أغنية (يلوموني، ترّك العشق يا مغرور) كتبْتُها في سيئون، يعني أنَّ من أجمل أغانيّ كانت ولادتُها في سيئون بعد رحلات استكشافية عن الآثار في حضرموت، وجميعُها جاءت من خلال أجواء الفن والطرب والسمر التي تعقبُ أيامًا من التعب والعمل، فتتوقف للراحة فتكتب ما في خاطرك وتدندن به؟
– أحيانًا يأتي اللحن والكلمة معًا، وأحيانًا تأتي الكلمة، وهذا بالنسبة لي أفضل، أنا أختلف قليلًا عن المحضار، الذي كان اللحن لديه يسبق الكلمة، يدندن باللحن ثم يبني عليه الكلمات، أمَّا أنا فأولًا آتي بالكلمة، ولو حتَّى مطلع، بيت شعري، وأثناء العمل والسفر والحركة يظلُّ هاجسي مع هذه الكلمات وأدندن بلحن أو نغمات، وعلى طول يمسك معي اللحن وأنا في سفراتي بين المكلا وسيئون، أو المكلا وعدن، يعني: كمْ لحنٍ صُغْتُهُ بهذه الطريقة، كثير جدًّا، وأحيانًا يأتي اللحن والكلمة معًا، واللحن يأتي من (هاجسك) بالكلمة التي تظل تدور في رأسك؛ لأنك قلتَها أنت عن معاناة، فلن تستطيع أن تكتب كلامًا جميلًا وقويًّا لمجرد أنك أردْتَ أنْ تكتب قصيدة أغنية، قوة الكلمة وتأثيرها في الأغنية يأتي من شاهد حال ومعاناة، ومعبِّرًا عمَّا في داخلك بصدق، وحتى اللحن يأتي قويًّا ومعبّرًا. لذا أغنيات المحضار والمفلحي وأغنياتي لا تستطيع أن تفصل الكلمة عن اللحن أو العكس؛ لأنها تعبّرُ عن حالة شعورية لمبدع واحد فقط، يبقى بعد ذلك الأداء، وهو المكمل للأغنية ووصولها إلى الجمهور.
– والله، عندما يؤدّي الفنان الأول الأغنية – طبعًا – تنطبع بصوته، حتى بعد ذلك إنْ غنَّاها فنانون أقوياء ومبدعون، يظل السَّبْقُ والاستماع من المتذوّق للصوت الأول، وأحيانًا حتى أنا كشاعر وملحن مثلًا: أعطيْتُ مرسال الأغنية وغنَّاها، ثم غنَّاها محفوظ بن بريك أو بدوي زبير أو علي بن بريك، أنت بعد ذلك كشاعر وصاحب اللحن تتخيّر بين هذه الأصوات، فتجد أن البعض منهم قد أدَّاها أحسن من الصوت الأول، ولكنْ في الغالب تبقى عالقةً بالأول، كما قال الشاعر:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ** فما الحب إلا للحبيب الأول.
– والله بيني وبينك، وأنا مسؤول عمَّا أقول من كلامٍ… الجهات المسؤولة والمؤسسات الثقافية والإعلامية عطاؤها بالنسبة للمبدع صفر، فأنتَ تختفي من الشارع أو تمرض فلا أحد يسأل عنك، على سبيل المثال عندك الشاعر والملحن الكبير صالح عبد الرحمن المفلحي – رحمه الله-رحل وحقوقه مهضومة، ولم يلتفتْ إليه أحدٌ، أو حتَّى يسعى من أجل علاجه وتطبيبه أحدٌ أو جهة، الآن بعد أن توفَّاه الله سيُكرِّمونه، وهذا يعني أنهم يذكرونك بعدما موتك، أعتقد أنَّ هذا مصيرنا جميعًا، والذي سنؤول اليه، كما قال الشاعر عنترة:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ** وفي اللية الظلماء يفتقد البدر
سيكرمون من؟! يكرمون رفاتًا في القبر، وإن كان له ناس وأهل وأولاد، كان يجب أن يتمتّع بهذا التكريم في حياته، أنا قبل أيامٍ اتصل بي فنان، وإلى جانبه مسؤول لا أريد ذكر اسمه، فقال لي: لا بأس عليك، وكنت لي شهر ونصف في البيت من كسر في الرجل، وهذا في التوِّ يذكر، ويقول سنأتي لزيارتك، قلت له: أنا في المقهى كل يوم.
– والله أنا لمْ ألمسْ شيئًا من الاهتمام أو حتَّى السؤال أبدًا، فقط في الشارع وبالصدفة التقيت بأحدهم فيبادر أينَ أنتَ؟ ما الجديد معك؟ يعني عابر طريق. مع أنه تقام عندهم فعاليات وأمسيات ولكن لا نجد دعوةً منهم، الدعوات توجّه لشلَّة القات، والمبدع الحقيقي والذي أنت في حاجة إلى عطائه ما تسأل عنه.
– هذا العمل أنا جمَّدْتُهُ وأوقفْتُهُ؛ لأن العمل طلب منِّي، في يومٍ كنتُ عند المحافظ، وكان موجودًا الدكتور سالم مبارك العوبثاني مأمور المديرية، وقال بغينا منك يا أستاذ عمر أغنية لموسم مهرجان البلدة، فقلتً له: إن شاء الله، لأنني كنتُ مغادرًا لاستكمال علاجي في مسقط، لكن اهتممْتُ بالموضوع وعملتُ الأغنية وبلغتُ الدكتور سالم، قال لي بغيت مَنْ يُغنِّيها؟ قلت له: مَنْ تروْنَه أنتم. قال: وهو كذلك، لكنْ بعدها لم يتمَّ الاهتمام أو السؤال والتواصل، فجمَّدتها وأعطيْتُها للفنان الشاب جواد باصدّيق فغنَّاها في سهرات زواج، وحذَّرْتُه من أنْ يسجلها لأي جهة مسؤولة في البلدة أو إذاعة المكلا مهما كان، والقصيدة كتبتُها أنا بما يتناسبُ مع مفهومنا نحن أهل المكلا للبلدة والموروث الذي كسبْناه عن أجدادنا وقلت فيها:
حرص لا دخلت البلدة ** وخذ لك كل يوم غسله
بها تشفى من العلّة ** وتتعافى من الأسقام
وفي البلدة الشفاء التّام
وفي البلدة الشفاء التّام
***
عطيّة لك من الباري ** أنا وانته بها داري
وكم غنّى بها جاري ** وكم قلبي بها قد هام
وفي البلدة الشفاء التّام
***
أنا حَبّيت وبشدّة ** وبلغت الهوى حدّه
وحُبِّي كان في البلدة ** وكل مَنْ حَبْ ما يلتام
وفي البلدة الشفاء التّام
***
رعى صحتك وشبابك ** وسدّ من المرض بابك
بغسلة تسعد أحبابك ** وتحقق لك الأحلام
وفي البلدة الشفاء التّام
***
تجارب ناس من قبلك ** أنا باعيدها لأجلك
ولأجل النسل من بعدك ** وباقول يا رعى الله زام
وفي البلدة الشفاء التّام
– والله يا عزيزي صالح، أوَّلًا، أنا مُغَيَّبٌ وغيري من المبدعين عن هذا المشهد، الذي لا نعلم عن أي فعاليات ولا عن أنشطة إلا بعد حصولها، فنقرأ عنها في صحيفة أو أنَّ أحدًا يذكرها لك، فالمغيّب ما يعرف شيئًا، لكن الذي أُحِسُّه أن الأمور بدأت تخرج عن نطاق العمل الجيّد والإبداعي، الذي الناس تستسيغه، ففيه أناس – اليوم – تكتبُ شعرًا وتلحّن، لكنها تفعل ذلك لشهر أو لشهرين ثمَّ ما تلبثُ أنْ تنسى. إنَّ الأعمال التي قبلها، كانتْ تُعَـدُّ تغذية روحيّة راجعة، سواءً للمحضار أو للمفلحي أو لي أو لغيري من مبدعي الزمان الماضي، لهذا فالثقافة – اليوم – نائمة.
– والله كانت لي هوايات، وأنا من الناس الأوائل الذين عملوا في التصوير الملوَّن، أول مؤسسة عملت في التصوير الملوَّن في الجنوب كان المركز الوطني للأبحاث الثقافية، وكانت عندي موهبة ورغبة في التصوير بالأبيض والأسود، وخبرة بسيطة بالملوّن، ومنظمة اليونسكو وهبت المركز استديو ملوَّنًا متكاملًا، وماكنةً تضعُ فيها (30 – 40) فيلمًا تخرج جاهزة محمَّضة وملوَّنة، وهذا العمل أيام الأستاذ عبد الله محيرز، رئيس المركز، الذي استدعاني إلى عدن، فجلست عنده حوالي أربعين يومًا؛ لتركيب المعمل، وتدريب الناس للعمل عليه.
– الرياضة في الزمان الماضي كنتُ ألعب حارس مرمى، في أفرقة أحياء المكلا، لكنَّ أخي سالم – رحمه الله – واصل الهواية واللعب، ليصبح حارس نادي الكوكب بالمكلا.
– الآن أكيد عندي حميّة، لكن زمان كنْتُ أعشقُ الصيد الدَّهرة والرز الوقلة والصياديَّة، واللحم والبسباس الشتني، وغيرها.
– إنَّها حي الشهيد خالد، هي البقعة التي كانتْ مرتع الصبا، في بيت آل الحبشي، من أهلنا، في منطقة يطلق عليها النوبة، كُنَّا نجلس في المكان بعد الغداء ننزل من البيوت، خاصة في أيام الخريف، تكون أمواج البحر في شدَّتها، والبحر يطرطش بالرذاذ البارد، حتى أنه في مرَّةٍ كان الموج شديدًا فأخدنا في طريقه حتى آخر الشارع، ومر من بين البيوت المتلاصقة، وجرف الجميع في طريقه. ثُمَّ يأتي بعده المقهى التي كان يطلق عليها مقهى الجيب، وهي لواحدٍ من أهلنا، كان لنا جلسة فيها، وهي قريب من مجحب السفن، نجلس على قعيد من العطير (الحبال)، ونجلس مع (اللوز) أو (القلي – الفشار)، ومع الشاهي والهواء البارد، وهي من أجمل ذكريات العمر.
– جدًا جدًا، أنا هوايتي كانت هواية الاصطياد، تجري في دمي.
– البحر مثل الليل، ما يكشف أسرار، كان الشيخ الشاعر عبد الرحمن باعمر يقول:
الليل مثل البحر ** كم في الليل من أسرار
ما يكشف أسراره
فالبحر مثل الليل، عمق، ورؤية بعيدة وصفاء قلب أيضًا، لأنك تكون بين سماء وماء، وهذا شيء جميل جدًا.
ما حكاية الحب معك؟
– والله أقول لك أيش!، الحب هو المعاناة طبعًا، (يضحك): السؤال محرج قليلًا!، وجاء بعد البحر، والحب عند الناس، فكلُّها تحب، وعندما تشوف الجمال تندهش له، وتنجرف وراءه، فمثلي مثل أي إنسان آخر، اللهم إنَّني بعد أن يحصل الحب في قلبي أعبر عنه بالشعر واللحن، وهذا الذي يفرق بيني والإنسان العادي، الذي تأتيه التجربة وتذهب ولا يلتفت لها، في حين أنا وغيري من الشعراء نذهب في خيالات، فأعذبُ الشعرِ أكذبُه، لأنه يضيف إليه من خيالاته، وليس كل ما يكتبه الشاعر هو الواقع.
– (يضحك طويلًا) هذا صحيح، الشعر يأتي من معاناة، فكلما (انقرفت صارت لك قرفة) والصدّ الشديد جعلتْكَ تكتب أكثر، وكلَّما تمنّع عليك من تحبّه، وزاد في الغنج زاد الولعُ به، وزاد العطاءُ الشعريُّ واللحنيُّ؛ لأنك تريد أنْ تتكلم وتُخرِجَ ما في نفسك، وتشرحَ له معاناتك بأي طريقة، وتعتبر شعرك رسالة له، فهي كلها رسائل حب، فصارتْ رسائل المحبين الآخرين دون شك، وأنا – كذلك – أشكره لأنه فجّر فيَّ طاقات الإبداع، كما قال الشاعر حسين محمد البار:
ولو لم يكن منك هذا الأذى ** لزُلزِلَتِ الأرضُ زلزالها
يعني – البار – يقول لك: إنه لولا أذاها وتمنُّعُها وغُنْجُها ودَلَالُها ودَلَعُها الذي فجر فيه طاقة الإبداع، لما كتب شيئًا أبدًا. (يواصل ضاحكًا ترديد بيت البار).
– أنا كنتُ أكتبُ وانا طالب، وكانت قصائدي كلُّها في عشق الوطن، ما كتبتُ في الحب إلا قصيدتي الأولى (فهمك لمعنى الحب خاطي)، وجاءتْ فعلًا بعد قطيعة، لأنني كنتُ على أمل أن يتحقق، لكن لم يحدث شيءٌ؛ لعدم فهم الطرف الآخر، الكلمات – ولا فخرَ – فريدةٌ من نوعها، ولا أحدَ قد سبق إليها، وبالتالي هي تجربة كانت قصيرة، وصاحبتْها القطيعةُ، ولمْ يُكتَبْ لها النَّجاح، ففجَّرتْ هذه المشاعر، فكانت هذه القصيدة:
فهمك لمعنى الحب خاطي ** ما طعت تفهمنا
لا جيت با جدّد رباطي ** في الحب تمنعنا
والحب ما يحكمه قاضي ** ولا له عرف أو قانون
يكفيك يا قلب بس ** لمّا متى منحنون
والشاعر بعد الأغنية الأولى يستمر، يبني عليها في المنوال نفسه، لأن القطيعة روحية، لكن المعاناة مستمرة، فتستمر في الكتابة في القصة نفسها؛ لأن ما هناك قطيعة نهائية فيها، فالمحبوب هو المحبوب، والحكاية هي الحكاية، والمشاعر هي المشاعر.
– أولًا، إن كانت ثمَّة قناعة، فروائعي ما اكتملت عندي، لأصدر ديواني، لأن العطاءَ ما يزال قليلاً، ولا بغيتُه ينزل إلا في وقت مناسب، والشهيّة مفتوحة من الناس لما هو معك، وليس كما هو الآن، الناس مشغولة بسفاسف الأمور لا بمعاليها، فلا أريد النزول في هذا الجانب والحال هذه، قصائدي كلها مجمّعة، كنت وعدْتُ الأخ غالب بافطيم ليعمل تصميمًا للغلاف، فآخذه في (سي دي) معي إلى عمان ليطبع، عن طريق صديق إعلامي هناك اقترح علي ذلك، وهناك شخص آخر من شيوخ آل روّاس من آل كثير مقيم في أبوظبي يرغب في مساعدتي في طباعة الديوان، ولكنَّني وأنا متألّم من حكاية الشيخ الشاعر عبدالرحمن باعمر – رحمه الله -، إذ أخذوا ديوانه في وزارة الثقافة، ليطبعوه، وشهر وراء شهر، وسنة وراء أخرى، تعب في المتابعة، وفي آخر مرة كنت مسافرًا إلى عدن في مهمة، أوصاني وطلب مني التواصل مع الوزارة، أجابني أحدهم وقال: نحن منتظرون مقدمة محمد سعيد جرادة ودعم الثقافة.
يلوموني يلوموني ** وهم بالوصل أغروني
وشبكوني معاه
– يطلق تنهيدة، ثم ينشد مطلع الرائعة:
تحدانا وفارقنا ** وريته ضبّط الآخر حفظ أسرارنا
ولكن راح يتجنّى ** يقل للناس لا حبه ولا شيء بيننا
ولا قلبي هواه
هذا جحدان كامل، ثم يكمل قائلًا:
كأنّا ما تعارفنا ** إذا مرّه خطر جنبي تجاهل من أنا
ونا لولاي ما تغنّى ** بحبه بليل الوادي ولا صدح بالغناء
ولا رفرف لواه
***
نسي أيام ما كنّا ** من كؤوس المحبة نحتسي خمر الهناء
وطير الشوق ثالثا ** يناجي خده الوردي ويمرح فوقنا (مرسال قال: ويسرح فوقنا).
نسي ماضي قضاه
***
سلوا عنّا ربى الغناء ** وحيطان الطويلة كم ثراها ضمنا
وكم بتنا بها نهنى ** وبالقبلات على الخدين نرسم حبّنا
وكم قلبي احتواه
***
بظنّي إنه استغنى ** وإلا كيف يخرب عتم جاري بيننا
ويجني وسط كل مجنى ** ونا من سمح عودته على مجناي أنا
ولم اعشق سواه
أنا لمّا قلت لك قبل قليل إن أغلب أغانيّ قلتُها في سيئون، هذه تؤكد ما قلت.
– والله أنا لا أزال أعيشه، شف! أحيانًا ليس الناس المستمعون هم الذين يعجبون بغنائك، حتى أنت تعجب، أنا الآن لمّا نسمع بعض أغانيّ، يساورني شك أنني قلتُها، وأردِّدُ: أنا قلتُ هذا؟ والله كلام جميل، فبعض النصوص لمّا نسمعها نعيد جوَّها ونعيش معاناتها، التي سبقت، نستعيد اللحظة، ونفكّر ونقول: أنا كتبت هذا، بجد إلى هذا الحدّ، لأنك أنتَ عندما تكتبُ في تلك الساعة، تكتبُ عن معاناة، وبغيت توصف حالك، وبغيت أن توصّل رسالتك لمحبوبك، فلا نعيّن ولا ننظر ما كتبت أنا، لكن! بعد ذلك نسمع الأغنية نعرف ما كتبت، ونشوف أحيانًا حتى نصحّح نقول: لو عادنا قلت كذا يكون أفضل، لكنه كلام جميل، كلّه من الواقع، وطريقة صحيحة، ورسالة واصلة بقوة.
– صحيح، (وتنهيدة) رسمتُ لوحة لأنني أريد أن أذكّر أن هذا التحدّي ما كان يجب أن يحصل، وهذه القطيعة يجب ألا تكون، والهجران ما كان يجب أن يكون، ونحن بيننا هذا كلّه الذي كتبته، فيما بعد البيت الأول، فما كتبته بعد المطلع، هو صورة لما كنّا فيه، فكيف طابتْ له نفسُه أن يجحد هذا كلّه، ويتنكّر له، وأنا بعذره، لأن الصدّ والهجران، قد يجيء – أحيانًا – ليس ذلك حُبًّا في الصدّ والهجران، لا!، فأحيانًا دلع محبوب على حبيبه، وهكذا، كما قال الشاعر أبراهيم ناجي:
واثق الخطوة يمشي ملكًا *** ظالم الحسن شهي الكبرياء
يعني يكون دلاله معشوقًا أيضًا، وأعتقد أنَّ لي قصيدة قديمة ذكرتُ فيها شيئًا كهذا.
– طبعًا، هو دفاع عمّا بيننا، بشكل مهذّب.
– كان إفشاءً مُهَذَّبًا لابد منه، حتى أنه بعد سماعه لهذا النصّ عدّل قياساته كلّها.
– نعم، هذا بالضبط ما كنت أريده، وكما قلتُ لك بعدها: عدّل قياساته كلّها.
– صحيح، ما أقصده، أن المشاعر كانت تسري بيننا، كمياه العتوم الجارية الصافية، وعندما تغيَّر وأنكر كل العلاقة وتنكَّر لها، كان قد فارق ما تعوَّدْنا عليه، معًا، وكأنَّ المجنى الذي ذهب إليه، ليس بالمجنى الذي عودته أنا عليه.
– أقول: الله يهديهم، وهذه القفلة، مُرسَلة لهم، هم دون غيرهم.
– الحقيقة أن (المنصوب واحد)، (يضحك)، والقصيدة الأولى جاءت كي لا يحصل الفهم الخاطئ للحب، الذي هو شيء كبير، ومشاعر جميلة، فيما بعد، قبل (يلوموني). أغنية (ترّك العشق يا مغرور)، وهناك أيضًا أغنية: (فاضت بي أشجاني، وظناني الشوق، ورجعت من ثاني حالي منكّد، باللي تولّي علي، واحكم لي الطوق، وتركت في حبه، كل زين أغيد، وهو يعاملنا بكلام معسول، ترك الوفاء في الحب، شيء غير معقول)، هذه الأغنيات، كانت تشير إلى ما وصلتْ إليه العلاقة، وشرحت طبيعة الإنسان وعلاقاته، فهناك في العلاقات والمشاعر، تبقى الكثير من المواقف والذكريات لا تنمحي، ولا يستطيع الإنسان أن يتجاوزها وإن حرص على ذلك، فنصوصي الشعرية – كلُّها – لو تتبعْتَها ستجدها قصة أو حكاية أو تجربة فيها الصعود وفيها الهبوط (قصة حياة)، في هذه المشاعر الإنسانية.
– الثلاثة كلهم مبدعون، ولا أستطيع أن أميز بينهم وأختار (يضحك)، فهم من القامات الفنيّة، وكُلٌّ منهم له طريقته في الغناء والأداء، ويعطي من روحه دفقاتٍ جديدةً للكلمات واللحن، فالكلمة القوية واللحن الشجي تفرض على الفنان قوَّةَ حضورها، فيقدِّمها بما يتلاءم وحالته النفسية وشفافية روحه.
– والله، صداها صدى جميل جدًا في نفسي، وكلَّما أسمعها تذكّرني بوقتها، الذي قلتُه فيه، وتذكرني بشلّة الأصدقاء الذين كنت معهم، وتذكرني – أيضًا – بالمحبوب نفسه.
– الأستاذ عبدالرّب على اتصال بي الآن كثيرًا، فمنذ أن غادر بعد زيارته للمكلا (مايو 2015م)، يتصل بي دائمًا، ويسمعني بعض الألحان لبعض النصوص الجديدة، التي أعطيْتُها له أثناء زيارته، وأعطيتُه شريطين لبعض أعمالي القديمة التي غُنّت، وكانت ردّة الفعل عنده أن هذه الأعمال جميلة نصًّا ولحنًا، وما كان يجب أن تنحصر في المكلا (فقط)، بل كان يجب أن تأخذ شهرتها في الخارج، وأشار إلى أنَّه يودّ أن يغني مجموعة كبيرة منها، وهو مُعجَبٌ بها، ولكنْ لأنها سُمِعَتْ بأصوات آخرين ولفترات طويلة، ولكن قد يأخذ رائعة ويجدّدها، إضافة إلى النصوص الجديدة التي منحتها له.
– والله، هي مجرَّدُ خواطر راودتني، وقد كنتُ عملتُ الموسيقى من محط واحد، أو مقام واحد، بحيث إن نهاية المقام تسمح بالشروع في الغناء، كذا كان (المزاج)، وكانت فعلًا جميلة ومكمِّلة للحن، ونجحت بقوة.
– (يضحك)، نعم، الصراحة يعني، وفقت كثيرًا فيها، كل النصوص جميلة، لكن هذه الأغنية اشتهرت أكثر؛ لأنَّ لحنَها (شرحي)، راقص، لذا كان الاختيار موفق.
– (مرسال)، أنا أغانيي كلها، أول ما أنشرها تكون بصوت مرسال، أتصل به فيجيء إليَّ، ويأتي بالعود معه، ويشل اللحن، والنص قده موجود، مطبوع، وأنا لدي معرفة بالعزف على العود، نغنّي له الأغنية كاملة، وهو يستمع، وأحيانًا أعطيها له (دندنة)، وهو يشلها بالعود، لمّا يكتمل فهمه للحن يسجله شريط، وأحياناً نتواصل حتى في الشارع، معقول؟ (نعم).
– المحضار بالنسبة لي هو شيء كبير جدًا، لا تقدر على تخيُّلِهِ، فإذا قلتُ هو شاعر، فهو شاعر كبير، وإذا قلتُ هو أب وأخ وصديق فهو كل شيء بالنسبة لي أنا شخصيًّا، ولي علاقة به وطيدة جدًا، ووُدِيَّةٌ جميلة لفترات طويلة جدًا، فالمحضار هو الشعر، هو الكلمة الجميلة، هو اللحن الشَّجِي، هو كل ما تحويه من جمال ومن قيم جماليّة يمثلها المحضار، وبالنسبة لي في ريعان شبابي كان المحضار يشتغل معي موظَّفًا في الهيئة العامة للآثار والمتاحف بحضرموت، وكانت لنا جلسات خاصَّة، في بيت المرحوم عمر سالم العطّاس، كشلّة أصدقاء (إخوان الصفاء)، فالمحضار من الصَّعْب أنْ أُوفِيَهُ حقَّه، كشاعر وصديق وفنان، وكرجل اجتماعي جلساته لا تُمَلُّ أبدًا.
– تأثرت به كثيرًا جدًا، وكان هو مَثَلِي في الشعر، وكان تأثيره واضحًا في أغانيي، لدرجة أنَّ الناس كانوا يظنُّون أن هذه الأغاني لي وهي كلمات المحضار وألحانه، فأنا متأثر بالمحضار كلمةً ولحنًا، يعني من مدرسة المحضار، هذا ما فيه شكّ أبدًا، فهو أستاذي على ثلاثة مستويات، شعرًا ولحنًا وأخلاقيات تعامله مع النّاس، فأنا متأثّر به كثيرًا جدًا.
– طبعًا، هو أستاذي في الجوانب الأدبية والفنيّة والاجتماعية، وبالنسبة للعمل أنا قبله في العمل، وأسَّسْتُ الهيئة العامّة للآثار والمتاحف بحضرموت، وهو جاء بعد التأسيس، وقد كان يسمِّي الهيئةَ مركزًا، في ذلك الوقت كنا تابعين لإدارة الثقافة، فصِرْنا مستقلِّين، وكان مديري – حينها أيضًا – الأستاذ عبدالرحمن عبدالكريم الملَّاحي، فعندما أسَّسْنا فرع المركز، وأصبحْنا مستقلِّين، جاء المحضار واشتغل معنا، طبعًا جاء بصورة استثنائية، وغير ملزم بالدّوام، ولكنْ من باب ضمانِ وظيفةٍ له، وحتى يحصّل معاشًا مثل الناس، وهو يستحقُّ كل خير، وهو نوع من التكريم له، وأعطوه درجة أكبر من درجتي أنا المسؤول عليه، (يضحك)، وقد حكيت لك أنه قال في ذلك شعرًا ارتجاليًا حين حاولت أن أستفزَّه بمثل هذا القول، فقال:
ذلا صحابي يوم وحلوا بي ** وقالوا ايش با نلقي لبو محضار
اجتمعوا كلهم مرّه ** ولقونا مساعد ضابط الآثار
لا الآثار من شغلي ** ولا نا من عرب يهوون رسم الدّار
لهم أغراض في الماضي ** بتأويل الكتابه لي على الأحجار
ونا مشغول بالحاضر ** وبالآتي وما يحويه من أسرار
هذا هو المحضار، حتى في لحظة ظرفه، عميق جدًا، وكثيرًا ما نعلق عليه، وينكّت علي، ويأتي بكلامٍ مثل هذا وكثير أيضًا.
وهناك من طرافته وظرفه، مثال آخر، يشهد عليه الأستاذ صالح باعامر، سافرا من عندي لحضور المؤتمر التأسيسي لاتحاد الأدباء والكتّاب في عدن في العام (1971م)، فقال لي: يا أبا وضَاح أنا مسافر عدن، لك حاجة خدمة، وأنا كنت أحبُّ القات، لكن الحمد لله تركْتُهُ تمامًا، والقات وقتَها كان ممنوعًا في حضرموت، ودخوله صعب، لكن قلتُ لكنْ بيدِ المحضار أكيد سيدخل القات، فأحببْتُ أن أختبره، قلت له: بغيت قات! إذا جابه زيادة الخير خيرين، وإن ما جابه فقد أحرجْتُه قليلًا، قال لي: أبشرْ، فراح المؤتمر وعاد الناس، ورجع صالح باعامر برسالة منه؛ إذ تأخّر هو، البساطة في شعر المحضار هي التي جعلت من شعره يستسيغه كل الناس، كأنه يكلمك بكلام عادي، ما كأنه يقول قصيدة شعر، كتب لي رسالة شعر، بالضبط مثلما تكتب أنت رسالة خاصة لصديق أو لأهلك، كيف أحوالكم، وهكذا، فتحت الرسالة، وجدت فيها:
إلى مديري وابن عمّي برسل رسالة معاك
العيدروس الفاضل السيد عمر بوبكر ذاك
يا ودّ عمّي في المكلا اليوم محّد في سواك
كيف أنت، كيف الحال ما شي علم جانا من قداك
فهذه البداية هي رسالة عاديّة، لكن فيها العذوبة، والروعة ويستسيغها المتذوق، ويكمل المحضار:
كيف حال سويد، وعوض والذي هم في حماك
(يقصد عمر سويد كابتن نادي المكلا الشهير، وقد كان محاسب عندي في المركز، وعوض بكير كان مراسل في الإدارة).
وأرجوك تعذرني ونا ما خلفت إلا في رضاك
العسكريّة ما تجمّل، شات فيها واحتكاك
(يقصد بالعسكرية، الطائرة التي سوف يعود فيها، وفيها ممنوع أخذ القات أو تعاطيه).
بطلع في اليمدا لحتى التذكرة تبلغ بلاك
باطلّع الحمّي معي هو والغياضي والجراك
(الحمّي والغياضي والجراك أنواع التنباك).
ما بنسى أيامي معك وعيشك السابق وماك
ونا نحبك من زمن من قبل ما يخرج حقاك
حبك لأنك شهم ما حبّك لذا ولا لذاك
وأرجوك أن ترسل ميه مقدّم ع الفكاك
أعتقد أن المحضار ما كان يقصد نرسل مائة شلن إلى أهله في الشحر، بحسب فهمي لشعر المحضار ومجالستي له، وإنما أراد أن يكمل شكل وصورة الرسالة ومحتواها الذي تسير عليه الأعراف في تلك الأيام.
سويد لي بيجيبها وانته رسلها إلى هناك
هذا هو المحضار الله يرحمه.
– والله ما فيه شيء أبدًا، فقط أتمنَّى من الله أن يلتفت نظر المسؤولين إلى الناس المبدعين ويأخذون بخواطرهم، ويتحسسوا آلامهم، وحاجاتهم، لأنه ليس كل مرة تحصل، لأنه في كل جيل كم مبدع يطلع، أي انتظر جيلًا كاملًا حتى يطلع لك مبدع واحد، إما في التلحين أو في الشعر، أو في الغناء، أو في القصة أو في غيره، لهذا، هؤلاء هم ذخيرة البلد، في المجال الثقافي والأدبي، وهم الذين سوف يمثلون صورة البلد (في الخارج)، فعندما يكتبُ شاعر قصيدة جيدة، ولحنًا جميلًا، وفنان آخرُ يُغنّيها بشكل رائع وتخرج إلى العالم العربي والجزيرة والخليج، فذلك فخر لمن؟ ليس للشاعر والملحن والفنان فحسب، بل هو فخر للبلد ولناسها وأهلها والدّولة ككل، وحرام أنَّ ناسًا من مثل هؤلاء يُتعامل معهم هذا التعامل، مثلما حصل مع الشاعر والملحن الكبير صالح عبدالرحمن المفلحي – الله يرحمه – مات مهضوم الحق، لا أحد يسأل عنه، ولا حتى الإعلام يهتم به، وهذا شيء لا يليق أبدًا، لهذا أنا أتمنى من الله أن الناس تعي مسؤولياتها، سواء على مستوى المؤسسات الأدبيّة أوال ثقافية أو الدّولة؛ لأنَّ البلد إذا فقدتْ مثل هؤلاء الناس وراحوا مهضومين ومظلومين ومن غير رعاية وعناية، ومطمورين لا أحد يعلم عنهم شيئًا، فكأننا في زمن العقم في حضرموت، وحضرموت – الحمد لله – ليستْ عقيمة بل ولَّادةٌ، وطبعًا أنا لا أخص نفسي بهذا الكلام، وإنَّما المبدعين الكبار كلهم، فأنا متألم جدًا لوضع المفلحي – رحمه الله – لأنه مثل المحضار شاعر وملحن، وأنا وغيري كثيرون، جمعان بامطرف، وسالم بامطرف، وأحمد سالم البيض، وجميعنا أعضاء في اتحاد الأدباء واتحاد الفنانين، وكل واحد منّا قدّم ما عليه وأكثر.
– شكرًا لك عزيزي صالح.
صور الحوار:












