دراسات
د. زهير برك الهويمل
ثانيًا: أصالة التحديث في الدراسات النقدية:
تُعد أصالة التحديث وقوفًا في نقطة وسط بين المسارَين: التقليدي الأصيل، والوافد الحديث، والإفادة من كلا الوجهتين في تشكيل رؤية مستقلة؛ وهي منهجية جليَّة، درج عليها الوعي الفكري لعلي عقيل، بعد ما قدمنا منه نموذجًا من الدراسات اللغوية عنده، سنقف على نموذجٍ من الدراسات النقدية، يتمثل في قضية تحديث الشعر العربي، وانشطار النقاد بين مؤيِّد (حداثي)، ومعارضٍ (محافظ)؛ وتشكل المدارس النقدية. بعيدًا عن سرد ما صحب ذلك من آراء نقدية عديدة ما يهمُّ بحثنا هو موقف علي عقيل من هذه القضية النقدية الحديثة القائم على منهجية أصالة التحديث.
تحت عنوان (مع الشعر الحديث نموذجًا) يفتتح علي عقيل باكورة حديثه الذي قدّم فيه رؤيته النقدية المتعلقة بحداثة الشعر، مبيِّنًا أنَّ ثمَّ رابطًا وعلاقة بين العلم وفلسفة الشعر قائلًا: «الحياة بطبيعتها قوية متحركة، والحركة لا تعني السير إلى الوراء وإنما إلى الأمام، وموقف الإنسان من الحياة موقف جدلي إيجابي؛ لأن السلبي يعني التوقُّف والجمود، وهو أساسًا مناقض لطبيعة الأشياء، ومنافٍ لقوة الحياة. والشعر هو الرؤيا للحياة، كما يكون العلم اكتشاف قوانين الطبيعة والسر في تطبيقها، فإنه بطريقه إلى التطور والتجديد، وإن حدث توقف نسبي، أو تعثر في جِدَّته (تحديثه)، في أيِّ زمنٍ ما، فإنَّما يكون ذلك جزءًا من انعكاسٍ لتعثر الحياة العامة في ذلك المجتمع في إطار زمنه»(15).
في هذه الفقرة نرى أن موقف علي عقيل من قضية تحديث الشعر، يقوم على أساس انبثاق هذا التحديث من الواقع المعيش للتجربة الشعرية، ونبذ التوقف والجمود؛ كونه مناقضًا لقوانين الطبيعة، فهو حركة إلى الوراء في وجه التقدُّم والحداثة، التي يشهدها العصر، وقد قدَّم علي عقيل رؤيته مصحوبة بشاهدٍ علمي؛ هو اكتشاف قوانين الطبيعة، وهي سمة عقلانية، تركن إليها سياقاته في مواضع عديدة من تحليلاته، التي يلبسها لبوسًا منطقيًّا عقلانيًّا علميًّا كلَّما أحوجه الأمر المعنوي إلى بيانٍ وتوضيح.
ثم يرسم موقفه من قضية حداثة الشعر بدقّةٍ أكبر قائلًا: «إن كلَّ قديمٍ هو محدَث في زمانه قياسًا إلى ما كان قبله. إن الحداثة التي ينبغي أن نتحدث عنها وأن نطلبها ونُلِحُّ عليها إنما تكون عندما يُراوح الشعر في زمنه عائدًا بنفسه إلى الوراء لا متطلعًا إلى الأمام محاولًا التجاوز، أن نجد في أوائل القرن العشرين مَنْ يحن إلى الأطلال، ويذكر الربع والخيام والظعائن والإبل، ويكرر نفس الأفكار التي أتى بها شعراء الأطلال، وليس هناك شيء من هذا في بيئته، إنما أن نقتسر الأشياء ونقيم الدنيا ونُقعدها لنأتي بجديد، ونواكب الحداثة، وليس في أنفسنا ولا في طبيعة حياتنا ولا في تخلف مجتمعنا ما يمكّن لمجيء هذا الجديد إلا إذا كان تقليدًا أو تمحّلًا، فيأتي في صيغ معقدة، ومعانٍ متنافرة، فهذا هو المحال منطقيًّا»(16).
إنَّ هذه الرؤية قد تشكّلت في زمن ثورة التجديد في مطلع القرن العشرين، وما صاحبَها من آراء نقدية موائمة ومجابِهة، فهي بالنسبة لنا اليوم تاريخٌ نقديٌّ، لكنَّ فيها من النُّضج في الطرح النقدي ما يدعو للتأمُّل، فهو ليس ضد الحداثة، ولا معها على مدًى مفتوح بلا حدٍّ يؤطّرُها، بل يمكن أن نقرأ الاستنتاجات الآتية من خطاب هذه الفقرة:
ــ أن الدافع الملحَّ للتحديث؛ من خلال تخلُّف الشعر وتراجعه هو ما يجعل التحديث أمرًا مُلحًّا ومطلوبًا.
ــ الشعر المُتطلِّع إلى الأمام، والذي يحاول تجاوز المرحلة الآنية؛ هو شعر حي لا يحتاج تحديثًا.
ــ الشعر في القرن العشرين الذي يَحِنُّ إلى الأطلال والرسوم الدارسة، ويكرّر الأفكار نفسها هو شعر متخلّف بحاجة إلى تحديث.
ــ عدم قبول الجديد المقلَّد الوافد؛ الذي بينه وبين شعرنا فجوات من عدم الاتصال وعدم المواءمة.
وكأنَّ علي عقيل يرى أن قضية تحديث الشعر ينبغي أن تكون لحاجةٍ ماسة، تُعْوِزُ الشعرَ أن يسلك دروبها التجديدية؛ حتى لا يكون راكدًا واقفًا على درب حركة قطارٍ متحرك، فهذا هو التخلُّف الشعري، والركود الفكري في وجه الحضارة والمعاصرة.
يذكر علي عقيل بعض المظاهر الشعرية التي وردت في الشعر العربي منذ امرئ القيس، ويتساءل ــ بوعي منفتح ــ لِمَ لا نقرأ تلك المظاهر بوادرَ محاولات من قِبل أولئك لشعراء؛ لتحديث الشعر منذ ذلك الحين في شكل القصيدة؟!، وإن بنمط خفيف لكنه مطروق؛ من هذه المظاهر ما حكاهُ قائلًا: «وقد نُسب إلى امرئ القيس كثرة الإقواء،(17) أو الإكفاء(18) في القافية، وكثرة التصريع في غير أول القصيدة(19)، واستعمال الضرب المقبوض في الطويل(20)، والسناد(21)، والإيطاء(إعادة القافية الواحدة). ولعلَّ مرد ذلك هو محاولة الخروج عن القيود الشكلية كما في قصائد عبيد بن الأبرص، وعمر بن قميئة، وغيرهما. وأن ذلك ليس من عيوب الشعر عند الجاهليين، وقد أشار إلى هذا المعرّي في رسالة الغفران…»(22).
يقدِّم علي عقيل في هذه الفقرة قراءة نقدية حديثة، تجعل القارئ يتساءل مثلما تساءل، فيحفّز فينا تحديث قراءاتنا للخطابات مثلما نتطلع لتحديث الشعر، وأن نعاين ما أسماها لنا الموروث النقدي أغلاطًا، وقع فيها شعراء كبار، كمن ذُكروا في الفقرة، بمعاينة حديثة وقراءات أخرى، تُضحي تلك المظاهر خروجاتٍ مقصودةً من لدن هؤلاء الشعراء، الذين لا يمكن أن يغفلوا عن هذه السقطات الجلية في أشعارهم، وهم مَن هم في ميدان الشعر، لمَ لا نقرأ تلك الخروجاتِ على القانون التليد بأنها محاولات تحديثية من قِبل أولئك الشعراء؟!
فلا يقتصر بذلك علي عقيل على الدعوة إلى تحديث الشعر حسب، بل إلى تحديث القراءة والمعاينة النقدية للشعر هنا. وهو كذلك يرى أن هذه الآلية آلية تحديثية واءمت الشعرَ العربيَّ منذ عصر ما قبل الإسلام، انطلقت من حاجةٍ استشعرها الشعراءُ في شعرهم، فلم يبالوا أين وقفت بهم الجملة الشعرية من مكان العَروض، أو حتى من مكان النَّحو أحيانًا، وهي أمور ينادي بها دعاة التحديث والتغيير في نمط الشعر الحديث وشكله، وهو ما يمكن ان نسميه (أصالة التحديث).
فتظل هناك منطقة وسط، تقف فيها الرؤية النقدية التحديثية للشعر عند علي عقيل، منبعها الأصالة المنطلقة من الموروث العربي ذاته، المتحرِّر والمواكب للجديد، وعدم مجابهته بالوقوف أمامه وهو يمضي نحو المستقبل؛ لأنَّ ذلك هو التخلف بعينه عند علي عقيل، وهو أمر تقرؤه في سياقه المُعجب بتحديث بشَّار بن برد في آليته المتبعة في أرجوزته الشهيرة، يقول علي عقيل عن بشار: «كان شعره إذن مُتحرِّرًا من الإعجاب بأي شيء أتى به الشعر قبله، وهذا قمة التمرُّد على الشكل والمضمون في الشعر، كان تعبيرًا عن نتاج الحضارة الجديدة فاستلزم التحلُّل من التقيُّد والقيود…»(23).
فقَطْعُ الشعرِ الصلةَ بالإعجاب للموروث الشعري قبله يُعَـدُّ تمرُّدًا وثورة على القديم، وتعبيرًا عن الحداثة المعاصرة.
إن هذه المنطقة الوسط في الفكر النقدي عند علي عقيل بين الأصالة والتحديث هي من جعلته يوائم بين رأيين نقديين؛ أحدهما يمثل الموروث النقدي العربي هو القاضي الجرجاني، والآخر هو رمز من رموز الحداثة في الشعر العربي وهو الشاعر والناقد الحداثي (أدونيس)، فالجرجاني يقول: «إن الشعر علم من علوم العرب، يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له… ولست أفضل في هذه بين القديم والحديث، والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولَّد»(24). ويقول أدونيس: «إذا كان ثمّة فارق بين القديم والحديث؛ فإننا لا نلمسه بالضرورة في الشكل بل في الروح، في الحضور الشعري الشخصي الجديد الأصيل تعبيرًا أو رؤيا»(25).
يختمر الشعر عند الجرجاني بالطبع والرواية والذكاء والدربة، وهو المعيار في حداثة الشعر وجودته، بغضِّ النظر عن عِرقه وعصره. ولا يُمايز أدونيس بين القديم والحديث في الشكل، في حين أنَّ التحديث يكون في الروح والحضور الشخصي الجديد الأصيل في أسلوب التعبير، وهي الرؤية ذاتها التي آمن بها علي عقيل، وظل يناضل في ترسيخها في مشروعه النقدي، ولا سيما في هذه القضية قضية التحديث في الشعر.
فرسم علي عقيل لنفسه رؤية خاصة؛ لخّصها في قوله: «إن القضية الأساسية في الموضوع هو أن تقويم الماضي بمفاهيم ومعايير العصر الراهن هو الذي يخلق شبح الشكِّ والخيبة في الشعر العربي، عبر مراحل سيره، وكأنه لم يكن إذ ذاك كوكب لعصره، ولا خالقٌ زمنية جديدة خاصة به؛ ولذلك تنهال الدعوة إلى إغفاله وأن النظر فيه هو الرجعية والعودة إلى الوراء، مَثلُنا في ذلك كمن ينتقد الآن نظريات العلوم في الأزمنة الماضية، واصفًا إياها بالتخلُّف أو العقم؛ لأنها لم تكن حينذاك من التقدُّم بالدرجة التي بلغتها نظريات اليوم بينما الأمر يختلف»(26).
بهذه الفقرة يلخّص علي عقيل رؤيته النقدية، القائمة على رفض تقويم الماضي بمفاهيم العصر الراهن ومعاييره، والحكم برجعية الماضي وتخلفه انطلاقًا من هذه الرؤية، فيفترق الزمنان للمنتَج والمقروء، فتختلُّ آنئذٍ معايير القراءة النقدية العلمية السليمة. وهو أمر ينطبق علينا نحن اليوم ونحن نعاين الجهد الفكري والعلمي والنقدي لعلي عقيل بمعاييرنا الآنية المعاصرة لجهد، مضت عليه عقود من الزمان، كانت كفيلة لتغيير مفاهيم علي عقيل وتحديث رؤاه ومعطياته فيما لو كان حيًّا بين ظهرانينا. لأن هناك مناهج نقدية حديثة اليوم ولا سيما النصية(27)، والحضارية(28)، منها يمكن أن تقرأ النص الأدبي في أي عصر من العصور، وإن بمعايير معاصرة فتكون فيها السلطة للنصِّ نفسه على حساب النَّاص وزمانه وعصره.
نموذج من تجلي ملامح النقد الحضاري عند علي عقيل:
وإن كانت قراءتنا في الجهد الفكري لعلي عقيل أتت متأخرة لنتاجاته بعقود من الزمن، لكن القارئ بعمق يعي مسارات الحداثة النقدية والقرائية في تلك النتاجات التي توضح مدى انجذاب فكر الرجل النقدي نحو التحديث، المنطلق من عمق الأصالة العربية؛ فإذا كان علي عقيل يرى أنه علينا كنقاد أن نوسع من إطار أفق قراءاتنا لتراث الشعوب إلى ما هو أوسع من الشعرية والشعر “إذ إنه يرى أن تراث الشعوب ليس فقط في الشعر وحده، ولا في القصص وحدها ولا في الأحداث السياسية ولكن في كل شيء؛ علاقات الناس ببعضهم، وفي العادات والتقاليد، والأمثال وفي تندّرهم ببعضهم، وجدّهم وهزلهم المنسوب لأشخاص حقيقيين”(29) (10)؛ وهي رؤية تتسع فيها مسارات القراءة من النص الشعري إلى الخطاب العام والسائد بشتى تجلياته الحضارية العميقة، والوثيقة الصلة بعلائق الأنسجة المجتمعية الثقافية المختلفة؛ وهو مضمار يحفر فيما يسميه النقد الحضاري أو الثقافي الأنساق الثقافية والحضارية لبيئة من البيئات، أو لأمة من الأمم. ومعلوم أن أهم ما يميِّز النقد الثقافي ــ المابعد بنيوي ــ هو تركيزه الجوهري على أنظمة الخطاب، وأنظمة الإفصاح النصوصي، ولعلَّ وجهة علي عقيل في الفقرة السابقة لا تبعد كثيرًا عن رؤية الدكتور عبدالله الغذامي في نقده الثقافي، حين حاول مدّ أفق النص الأدبي، وخطابه قائلًا: “ولا بد أن نفتح المجال للخطابات الأخرى المنسية والمنفية بعيدًا عن مملكة الأدب… فإن كل ما هو دال فهو لغة وخطاب تعبيري، سواء كان حركة أو فعلًا أو هيئة أو نصًّا، كل ذلك أنظمة في الخطاب ولذا فلا وجه للتمييز بين خطاب راق وخطاب آخر غير راق… كالنكتة والأغنية والإشاعة”(30). ففي كلا الفقرتين توجه قرائيٌّ يتجاوز النص وصولًا إلى الخطاب.
فما بين نزعة علي عقيل التحررية والتحديثية التي شبَّ عليها منذ بدايات نشأته، ورسوخ هويته العربية الأصيلة المستمدة من شغفه باللغة العربية، تشكلت رؤيته الفكرية النقدية تجاه النتاج اللغوي والأدبي، بل ونظرته للحياة برُمَّتها، هذه الرؤية التي وضعته في مكانٍ وسطٍ، يقاوم جذب وشد الوجهتين المتقابلتين بوعي حذِر (الأصيلة الموروثة/ والحديثة المعاصرة)، وهي المنطقة التي آثر بحثنا تسميتها (أصالة التحديث) في فكر علي عقيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
15ـ السابق: 301.
16ـ السابق: 302.
17ـ الإقواء: اختلاف إعراب القوافي، ينظر، تاج العروس من جواهر القاموس، محمد بن محمد عبدالرزاق الزبيدي، تحقيق مجموعة من المحققين، الناشر دار الهداية: 21/ 404.
18ـ الإكفاء: الإِكفاءُ في الشعر أَن يُخالَف بين قَوَافِيه فتَجْعَل بعضَها ميماً وبعضَها طاءً، ينظر، السابق: 1/395.
19ـ التصريع: إنهاء الشطر الأول والشطر الثاني من البيت الواحد بحرف روي واحد.
20ـ الْقَبْض: (حذف الخامس الساكن) فتصبح به (مَفَاْعِيْلُنْ): (مَفَاْعِلُنْ)، وتصبح (فَعُوْلُنْ) :(فَعُوْلُ)، ينظر، موسوعة العروض والقافية: 1/33.
21ـ السِّناد: وهو اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحروف والحركات، ينظر، السابق: 1/ 93.
22ـ تريم بوابة الفكر القومي إلى اليمن، علي عقيل أنموذجًا: 323.
23ـ السابق: 305.
24ـ السابق نفسه.
25ـ نقلًا عن السابق نفسه.
26ـ السابق: 307.
27ـ المناهج النصِّيَّة: هي المناهج التي نظرت إلى النصِّ الأدبيِّ بوصفه نظامًا مستقلاًّ من العلامات، ولم تهتمَّ بالسياقات المحيطة به. ينظر، النقد الأدبي الحديث تاريخ موجز: د. سالم عبدالرب السلفي، ط(1)، 1441هـ ــ 2020م، مركز الرسالة للخدمات المعرفية، عدن.
28ـ نعني بها: النقد الحضاري والنقد الثقافي، وهما منهجان نقديَّان يقومان على نقد الأنساق الخطابية الثقافية السائدة في ثقافة أو حضارة ما، ظهرا ما بعد الحداثة الألسنية؛ نظَّر للأول عربيًّا المفكر الفلسطيني الدكتور هشام شرابي، ونظَّر للآخر الدكتور عبدالله الغذَامي.
29ـ تريم بوابة الفكر القومي إلى اليمن، علي عقيل أنموذجًا: 10.
30ـ النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية: د. عبدالله الغذامي، ط(6)، 2014م، المركز الثقافي العربي، المغرب، الدار البيضاء: ص 61.