دراسات
صالح مبارك عصبان
ينصرف الذهن عند الحديث عن جمعية الأخوة والمعاونة بتريم، إلى دورها التربوي والتعليمي ـ وهو هدفها الأساسي. غير أن للجمعية أنشطة غطَّت مجالات كثيرة، واستفاد منها المجتمع (التريمي)، بل تجاوز أثرها هذا المجتمع، ووصلت إلى مناطق أخرى في حضرموت، وخارجها، وشملت أعمالها مناحي الحياة، ابتداء بالتعليم، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ونشر الثقافة، ومرورًا بأحوال المجتمع الاقتصادية، وقضايا القضاء والأوقاف، وانتهاءً باهتمامها بالعالم العربي والإسلامي؛ وللاطلاع على ذلك الجهد، أصدرت الجمعية بيانًا في شهر جمادى الآخرة سنة 1368هـ/ ١٩٤٨م، رصدت فيه أعمالها، وافتتح البيان بعرض تمهيدي للواقع وما فيه من عوائق ومشكلات، وأهم أسباب تأسيس الجمعية، وأشار التمهيد إلى حالة حضرموت في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ومما جاء فيه: ((لقد مُنِيَتْ حضرموت – إذ ذاك – بسلاطين مستبدِّين على المستضعفين من الرعايا، وعشائر حضرية وبدوية تثير الفتن والقلاقل لأتفه الأسباب، ولا يجد أفرادها شغلًا سوى قطع الطرق، ونهب الأموال، وإرهاب العزَّل، وقتل الأنفس، حتى ساد الخوف والرعب والقلق… هكذا كانت حالة الأمن فيها بين مدن وقرى وبوادي حضرموت، وفي داخل المدن لا تجد عدالة منظمة، تحمي حقوق الناس ومصالحهم، ولا محاكم شرعية ولا مدنية، وإنما يبقى ذوو المظالم والدعاوى تحت رحمة السلاطين وزعماء المماليك ورؤساء القبائل وأرباب المناصب الروحية والمالية))، وما تقدم عرضٌ للحالة السياسية والأمنية، أمَّا تربويًا وتعليميًا، فيقول التمهيد: ((أما المدارس فلا تعدو – على ندورها – أن تكون ذات نطاق ضيق وغير منظم، وبشكل يدعو إلى الأسف والحيرة))، وعن الناحية الدينية: ((ومن الناحية الدينية والتهذيبية تشاهد تقلص التعاليم الإسلامية الصحيحة، وفتور نشر الدعوة إلى الله، وأصبح الوعظ محصورًا وضعيف الأسلوب، حتى طبق الجهل البوادي والقرى، وكاد أن يمدَّ رواقه على المدن الكبرى))، وكذلك الحال في مجال الحياة المعيشية، إعراض عن المشاريع الاقتصادية، من زراعة، وصناعة، وتجارة، بالرغم من تحويلات المهاجرين الماليَّة الهائلة، وأرجع التمهيد أسباب هذا الإعراض إلى عدم استتباب الأمن، وارتفاع الضرائب.
ويتساءل التمهيد عن الجهة التي يقع عليها انتشال البلاد والناس من هذه الهُوَّةِ السحيقة؟ وبادر إلى القول: ((أن هذا يقع على عقلاء الوطن))، لكنه تساءل مرة أخرى من هم العقلاء؟ أَهُمُ الشيوخُ المعتقَدون، وقد شبُّوا وشاخوا على الانقباع والعزلة والخمول؟ أم هم الشباب الذين نشأوا في غضارة الرفاهية، وفي بحبوحة الدعة والراحة؟ أم هم رجال المال الذين لا يهمهم سوى المتع واللذائذ وسلامة أموالهم وامتداد نفوذهم على حساب هذه الأمة المسكينة؟))، وأكد على أن نخبة من طلبة مدرسة الحق بتريم كانوا في مقدمة من أحس وشعر بهذا الواجب، فجاءت فكرة تأسيس جمعية الأخوة والمعاونة.
تأسيس الجمعية
جاء تأسيس الجمعية بفكرة من قبل الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري، الذي دعا عددًا من زملائه طلاب مدرسة الحق، وهم: محمد بن سالم السري، وعلي بن شيخ بلفقيه، ومحمد بن علي بلفقيه، وعمر المحضار بن علوي الكاف، وعبد الله بن حسن الشاطري، ووضع أمامهم فكرة تأسيس (جمعية دينية وطنية يكون على كاهلها إنقاذ البلاد)، وانضم إليهم فيما بعدُ فوجٌ آخر من الأعضاء، ووضعوا لها اسم (جمعية الأُخُوَّة والمعاونة)، ومن أهدافها: بث روح التعاون بين أفراد الأمة، ورفض التحزُّبات، وكل ما يؤدي إلى الافتراق، والعمل على تكوين روح قوية في الشباب الحضرمي، تدفعهم إلى القيام بواجبهم نحو الدين وحيال الوطن، وبذل الجهود في تربية النشء تربيةً تمكّنه من التسلح بالعلوم التي تفيد مجتمعه، ونشر التعاليم الإسلامية بواسطة إرسال الوفود الدعوية إلى القرى والبوادي، وبناء المساجد، وتأسيس المعاهد الدينية والثقافية، وإنشاء مؤسسات اقتصادية لاستيعاب الشباب فيها، وإصدار جرائد ومجلات لتوسيع الثقافة، وفي سنة 1350هـ / 1931م نشرت الجمعية قانونها وفتحتْ مقرَّها.
ولم تسلم الجمعية من قوى المعارضة المتربِّصة بكل جديد، المتوجِّسة من كل نهضة وتطور، ويعبر عنها التقرير (بالمعارضات والإرجافات والإشاعات)، ويقول عنها: ((ولعله من الطبيعي أن تلقى هذه الجمعية في بداية إعلانها معارضة شديدة من بعض المتعصبين، وتلفت نظر رجال السلطة، شأن كل جديد يفاجئ به الناس، وزاد في شدة المعارضة وجودها في تريم، (قلعة المحافظة بحضرموت)، فأرجف المرجفون حولها، وأشاعوا إشاعات مختلفة عنها، وممن قال إنها أُسِّسَتْ لنشر بعض المذاهب المتطرفة، ولترويج البدع والضلالات، ومن متكهن تكهنات أخرى لا تمس الحقيقة بشيء، حتى إذا اطلعوا على جَلِيَّة أمرها، وفهموا مغزاها، وشاهدوا صدق رجالها وثباتهم، وأنهم فوق ما يتصورونه، وأبعد همةً وطموحًا ممَّا يظنون، نظروا إليها نظرة احترام، وعلَّقوا على هذه الجمعية آمالًا إصلاحية كبرى)).
وتضمن بيان الجمعية المشار إليه آنفًا تفصيلًا لأعمال الجمعية خلال 18 عامًا، نعرض هنا أهم ما جاء فيه:
التعليم والثقافة
وهذا في مقدمة أهداف الجمعية، يقول البيان: ((كانت أول خطوة خطتْها الجمعية، هي نشر الثقافة والتعليم بمختلف الوسائل الملائمة لعقل الشعب، من تنبيه للرأي العام، وتنوير الأفكار، ونشر المعلومات عن الأمراض الاجتماعية، التي أودتْ بالشعب وطريقة علاجها، ولتعميم ذلك بين جميع الطبقات الشعب))، ومن المسارات التي اتخذتْها الجمعية في هذا الجانب:
واتجهت الجمعية بنشاطها إلى خارج تريم، فأشرفتْ على مدارس في مشطة وغيل بن يمين، وفي سنة 1364هـ/ 1944م هيأت الجمعية أماكن للأطفال الصغار ممن تعهد بكفالتهم مشروع الإسعاف الحكومي، ووفَّرت لهم معلمين لتعليمهم الأحكام الأولية للعبادات والتهذيب، وأعدت العُدَّة لفتح قسم داخلي للتلاميذ يربّيهم على الأخلاق الفاضلة، ويحميهم من رفقاء السوء، وتهيئتهم لخوض معترك الحياة، وحالت أحداث الحرب العالمية الثانية دون تحقيق هذا الطموح، وكان لكبار السن نصيب، إذ افتتحت لهم مدارس ليلية لتعليمهم القراءة والكتابة وأمور الدين الإسلامي.
ولحاجة المدارس إلى معلمين مؤهّلين، افتتحت في سنة 1360هـ/ 1940م معهد المعلمين، ووضعت له مناهج خاصة. فيها مادة البيداجوجيا (فن التربية وطرق التدريس)، وخصصت قسمًا دينيًا لتخريج فقهاء، وتعثر المشروع بسبب الحرب العالمية الثانية، وعمومًا، فإن حداثة هذه التجربة جعلتْها تعتمد على المناهج لبعض الدول العربية، لكنَّها وضعت مادة الثقافة الوطنية لتعريف التلاميذ بوطنهم الحضرمي وتاريخه ورجاله، ووضع الأستاذ محمد بن هاشم (75) درسًا في هذا المقرَّر، وفي مجال البعثات إلى خارج حضرموت وضعتْ نظامًا للابتعاث، اشترط فيه أن يعمل الطالب في وطنه بعد تخرُّجه، وفي شوال سنة 1357هـ/ 1938م أرسلت أول بعثة إلى العراق، مكوّنة من ثلاثة طلاب، وفي سنة 1366هـ/ 1946م أرسلت البعثة الثانية إلى سوريا، وتكوَّنت من خمسة طلاب، كما رسمت خطة لإرسال بعثات إلى مصر وغيرها من البلدان، واتسع الجهد التربوي والتعليمي للجمعية، وكانت الطموحات كبيرة لتشمل حضرموت كلها، فسعت أولًا لتوحيد برامج المدارس الأهلية بحضرموت، بعد أن رأت اختلاف أساليبها ومحتوياتها، وجاء في البيان وجهة نظر الجمعية عن توحيد المناهج بالقول: ((ترى الجمعية أن اتحاد المبادئ الوطنية والغايات لا يكون إلا باتحاد التربية والتعليم، وأن المدارس الأهلية، على قلتها، هي التي ستنتج رجالًا في المستقبل يتزعَّمون الحركة الفكرية في القطر… ففكَّرت الجمعية في توحيد برامج المدارس بحضرموت اليوم، ولعله أسهل بالقياس إلى توحيد المشارب المتعاكسة في الغد))، وأصدرت نداءً عاجلًا بمجلة الإخاء يدعو إلى توحيد مناهج المدارس، وفي سنة 1358هـ/ 1939م توجَّه وفدٌ من أساتذة الجمعية إلى سيئون وشبام والقطن والحوطة وغيرها من المدن والقرى، وزاروا مدارسها، واطلعوا على برامجها، وفي سنة 1361هـ/ 1942م توجَّه وفدٌ آخرُ إلى المناطق السابقة ومنطقة المشهد وجِفِل، للغرض نفسه.
ومن أجل تقوية الروابط بين الجمعيات واللجان المهتمة بالتعليم في حضرموت، تكررت زيارات وفودها إلى مناطق حضرموت، ومن ذلك مساهمة الجمعية في فتح مدرسة بمدينة حريضة، كما زار الوفد مدرسة الهدى بمدينة القطن، ومدرسة الفلاح بمدينة شبام، ومدرسة الفتح بحوطة أحمد بن زين، والمدرسة الطالبية بمنطقة جفل، ومدرسة النهضة بمدينة سيئون، والمدرسة الكافية بسحيل سيئون، وفي شهر شعبان سنة 1360هـ/1940م توجه الوفد إلى مناطق وادي دوعن فزار مدرسة الرباط الخيرية برباط باعشن، ومدرسة اليُمن والسعادة بالخريبة، ومدرسة المصنعة، ومدرسة آل العمودي ببضة، ومدرسة الإصلاح الوطنية بصبيخ، ومدرسة قيدون العمودية، وفي ساحل حضرموت زار وفد الجمعية المدرستين السلطانية والأهلية بالمكلا، والمدرسة السلطانية بغيل باوزير، والمدرسة السلطانية بالشحر.
الدعوة إلى الله، والفتيا والقضاء
وعملت في هذا المجال على عدة مسارات، فانتدبت عددًا من أعضائها يقومون بمهمة الوعظ والإرشاد الديني في القرى المجاورة لتريم خلال أيام الأسبوع، وأرسلت وفودًا دعوية إلى البوادي وشبوة، وساه وريدة المعارة، وفي سنة 1355هـ/ 1936م، زارت وفود للجمعية منطقة عمد وبلاد الدَيّن، ويبعث وحوطة الفقيه علي وجول الشيخ عبد المانع ورضوم وعين بامعبد وبلحاف وبير علي ومناطق أخرى، كما خططت لبناء مسجد في منطقة العبر، فمنعت السلطات الاستعمارية البريطانية ممثلة بالمستشار البريطاني إنجرامس، بناء المسجد، واحتجت الجمعية على هذا التصرف، واستنكرت جرأة إنجرامس، ورفعت احتجاجها إلى حكومة عدن، وأهابت سنة 1358هـ/ 1939م بالهيئات الحضرمية إلى استنكار هذا الأمر، وفي مجال الفتوى أسست الجمعية في 25 شعبان سنة 1361هـ/1942م (مجلس التمرُّن على الفتيا)، بغرض إعداد شخصيات مؤهلة للفتيا، وتولي القضاء الشرعي، وعيَّنت للمجلس رئيسًا يستقبل الأسئلة ويعرضها على أعضاء المجلس، مع تصحيح أجوبتهم، ويتحدث تقرير الجمعية عن حال القضاء، قائلًا: ((مر زمان طويل على تريم، والارتباك حليف القضاء الشرعي بها، والفوضوية تكتنفه في كل نواحيه، والمحامون المتفقّهون قاعدون له بالمرصاد، ينقضون أحكامه، ويدوسونه اقتناءً لأهوائهم، وانصياعًا لصغرائهم((، وبذلت الجمعية جهودًا لإصلاحه، بعد أن رأتْ تأخُّرَ البتِّ في القضايا المعروضة عليه، وتدخُّل السماسرة في ذلك، وارتفاع أصوات الشكوى من هذا الحال، وأثمرت جهودها عن إصدار السلطات الكثيرية أمرًا في سنة 1362هـ/ 1943م، بإسناد الإشراف على القضاء إلى الجمعية واتخذتْ ترتيبات لتنظيمه، وجعلته موزَّعًا في ثلاث نواح: الأولى ما يتعلق بعقود الأنكحة وإثبات الأهِلَّة، والثانية الدعاوى والأحكام المدنية والجنائية، والثالثة الأوقاف والأغياب والمحاجير. وأسست مجلسًا للقضاء بتريم، بحسب تولية السلطان الكثيري الصادر في شوال 1362هـ/ 1943م، وتكفلت الجمعية بدفع أجور القاضي ومساعديه، وأصدرت قانونًا ينظم عمل المجلس، وبعد 17 شهرًا، قدمت تقريرًا عن عملها إلى سكرتير الدولة الكثيرية، وعن الأوقاف، يتحدث التقرير عن حاله قائلً : ((ولما أسندت نظارة الأوقاف إلى الجمعية، رأت أنه أصبح الكثير منها مبعثرًا وعرضة للضياع، ومنه ما قد خرج عن حدود أغراض الواقف، وذهب مذهبًا شخصيًا أو عائليًا، بعد أن كان معينًا للاتجاهات أخرى، اختارها الواقف الكريم))، وعينت للأوقاف لجنة مكونة من محمد بن سالم السري، وعمر المحضار الكاف، وسالم بن عبد الله العطاس، وعمر بن سهل، وولَّاها القاضي على أموال الأوقاف والمحاجير والأغياب، وبذلت اللجنة جهودًا كبيرة في حصر أموال الوقف وضبطها وحفظها، وحددت أوجه المصاريف، وسعت في البحث عن الأموال الضائعة ومتعلقاتها، وراقبت أعمال النظّار، وجاءت النتائج الطيبة لهذا الجهد، إذ تحسنت حالة إيرادات الأوقاف مع وجود إدارة منظمة.
الثقافة والأدب
وهو أحد أوجه النشاط الهادف للجمعية، فهي ترى فيه تنويرًا للعقول، ووصفت عملها بأنه يهدف لنشر المعارف وتغذية الأفكار بما لذَّ وطاب من ضروب التثقيف، وأعدَّت له العُدَّة بوسائل ومواد متنوعة، فأسَّست النادي الأدبي، قدمت فيه محاضرات مختلفة، وأقيمت الاحتفالات في المناسبات الدينية والوطنية، ففي سنة 1355هـ/ 1936م، فعلى سبيل المثال، للحصر، أقيم احتفال لتكريم بعثة الجامعة العربية إلى حضرموت برئاسة الدكتور سليمان الحزين، الذي زار مدرسة الجمعية، وجلسة تأبين الملك غازي ملك العراق، واحتفالات أخرى لتكريم سلاطين الدولة الكثيرية، وأساتذة الجمعية، ومن أعمال النادي تأليف كتاب عن آداب اللهجة الحضرمية، ضم أربعة أجزاء، تحدثت عن مفردات اللهجة ومعانيها، والحكم، والأمثال، والنثر الفني، والشعر، بما فيه من زوامل، وأراجيز، وأشعار الزراعة والقنيص والصيد، وشعر الغزل، والشعر السياسي، والكتاب من اقتراح الأستاذ محمد بن هاشم، وأصدرت الجمعية مجلة الإخاء، وجلبت لها مطبعة خاصة لطبع أعدادها، وطبع الإعلانات، وبطاقات التهاني، ومما يرتبط بالثقافة والنشاط العام للجمعية اهتمامها بالرياضة، فأنشأت لها فِرَقًا رياضية، وعيَّنتْ لها معلمين لتعليم النشء مبادئ الكشافة والألعاب السويدية وكرة القدم، والقفز، والسباحة وغيرها.
الشأن الاجتماعي
وصف بيان الجمعية حال الشباب الحضرمي وما فيه من شتات، وتفرق في المبادئ والغايات، ووجود سد منيع لا يسمح بالتعاون فيما بينهم، أو تبادل الآراء والأفكار، يقول البيان: ((وأمعنت جمعية الأخوة النظر، فإذا ليس للشبان الحضارمة اتجاه عام، يتجهونه بشعور واحد، ونظر واحد، وغاية محدودة، فاتجاههم غير منضبط، واندفاعهم غير محدود))، ووضعت خُطَّة لكسر تلك الحواجز، وجمع ذلك الشتات، وبدأتها بتعيين لجنة من أعضائها لزيارة الجمعيات والأندية الحضرمية والشخصيات البارزة؛ للتعرف على أفكار تلك المؤسسات ونشاطها، وتبادل الرأي عن سبل الإصلاح والنهوض بالخدمات، وتقديم المنافع العامة، وبدأت اللجنة عملها بزيارة منطقة المشهد، وأسست فيها جمعية التعارف لزيادة الروابط بين الحضارم، وقابلت لجنة الجمعية عددًا من الشخصيات، وناقشت معهم حالة حضرموت الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وطرق زحزحة الجمود المستولي على الأذهان، وألقى الأعضاء خُطَبًا عرّفت الناس بواجبهم تجاه بلدهم، ونتج عن المباحثات مع الشخصيات، فتح مدرسة بمنطقة حريضة، وزارت مدرسة النهضة بسيئون، وأقيم بها احتفال، وعقد اجتماع عن ضرورة توحيد المناهج المدرسية، والتقت بمدينة القطن بالأستاذ سعيد عوض باوزير، ومن الهيئات التي زارتْها اللجنة نادي الاتحاد بمدينة شبام، والنادي العلمي، ونادي الشباب بمدينة سيئون، وفي سنة 1355هـ غادر وفد الجمعية مدينة تريم متوجّهًا إلى دوعن ومناطق ساحل حضرموت. وزار (15) منطقة، بالإضافة إلى المدارس التي اطلع على مناهجها وأوضاعها، والتقى بهيئات ثقافية واجتماعية، منها نادي الموظفين، ونادي الإصلاح، وغرفة المدرسين في المكلا، ودوائر العمل، كالاستشارية، والسكرتارية، والمعارف، والمالية، والمحاكم، وفي الشحر، زار نادي الشباب الأدبي، وقدم الوفد لتلك الهيئات بيانًا عن نشاط جمعية الأخوة، وناقش مع السلطان القعيطي ومستشاره ورئيس القضاة، ومدير إدارة المعارف، وغيرهم من المسؤولين رأي الجمعية في وسائل الرقي والإصلاح والمشاريع المقترحة للنهوض بالبلد.
ولمَّا كان للمهاجرين الحضارم دور في تشجيع الجمعية، فقد تحرك وفد الجمعية في سنة 1356هـ/ 1936م إلى إندونيسيا، واتصل بوجهاء الحضارم وشخصياتهم للتعريف بعمل الجمعية، وفي سنة 1358هـ/ 1939م سافر إلى سنغافورة، وقابل مسؤولي جمعيتي الرابطة والإرشاد، الذين رحبوا بالوفد، وأبدَوا استعدادًا للتعاون معه، واقترح الوفد فتح مدرسة داخلية بحضرموت لتعليم أبناء المهاجرين الحضارم، من أجل ربطهم بدينهم ولغتهم ووطنهم، وفي الناحية الاجتماعية أيضًا، فتحت الجمعية مكتبًا لضبط حالات الرضاع المؤدي إلى المحرمية وإحصائها وتسجيلها، ووضعت فهارس لتنظيمه خاصة، بعد انتشار هذه الظاهرة
الجانب الاقتصادي
اعتبرت الجمعية الجانب الاقتصادي محور استمرارية الحياة العامة، ففكرت بوضع خطة اقتصادية تشارك بها في انتشال الأوضاع، وأعدت نظامًا للإقراض عبر مساهمات الميسورين، وجمعت الزكاة في شهر رمضان من أعضائها وغيرهم، ووزعتها على المحتاجين، أما في باب الصناعات والحرف، فعيَّنت لجنة برئاسة عمر المحضار بن علوي الكاف، لتعليم العاطلين عن العمل بعض الصناعات والحرف، كالخياطة، والتجليد، وكي الثياب، والحياكة، وأسست شركة تجارية مساهمة، أسمتْها (شركة المعاونة)، وعيَّنت لجنة أخرى لتنظيم مجاري السيول بحضرموت من خلال تشييد السدود والمضالع، وإصلاح المجاري.
قضية فلسطين
لم تقف الجمعية موقف المتفرج تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية، بل تفاعلت معها، وأقامت احتفالات احتفاء بالثورات العربية، وتكريم بعض الشخصيات، ويتحدث البيان عن الاعتداء الصهيوني على فلسطين، قائلًا: ((لقد قامت وقعدت للاعتداء الجائر من الصهيونية على فلسطين العربية المسلمة، كل الهيئات الدينية والعربية، وأن حضرموت القطر الإسلامي – وفيها جمعيتنا المباركة – لم تقل إنها لم تأخذ بنصيبها في القضية، غير أنها تتمشى في هوادة، والجمعية بدورها، نهضت متحمسة بقدر ما سمح لها به ظروفه))، ومن المواقف التي قامت بها، أنْ عيَّنت لجنة من أعضاء إدارتها، وإدارة النادي الأدبي، والأستاذ بن محمد بن هاشم، والأستاذ علي عقيل بن يحيى وغيرهم لمتابعة قضية فلسطين، وفي سنة 1366هـ، دعت أعيان مناطق وادي حضرموت إلى مهرجان بقصر التواهي بتريم، وألقى الأستاذ محمد بن هاشم خطبة عن قضية فلسطين، ودعا الحاضرين إلى المساهمة في شراء الأراضي الفلسطينية، منعًا لخطة اليهود بشرائها، وقرر الحاضرون إرسال رسالة إلى الهيئات العليا في العالم العربي، المهتمة بقضية فلسطين؛ للتعبير عن شعور أبناء حضرموت تجاه قضية إخوانهم في فلسطين، ونشرت مجلة الإخاء التي تصدر عن الجمعية في عددها الرابع، خبر تعيين لجنة لجمع التبرعات لمجاهدي فلسطين، ووزعت اللجنة منشورًا شرحت فيه ما يلاقيه المجاهدون من نقص في الأموال، وعدَّتْ مساهمة المواطنين فريضةً دينيةً تجاه إخوانهم، وحصلت على مبالغ أرسلتها إلى المجاهدين بواسطة رئيس جمعية الشبان المسلمين بمصر الدكتور عبد الحميد سعيد بك، وقد أرسل رسالة جوابية في رجب سنة 1356هـ/ 1937م، يشكر الجمعية على هذا الموقف العظيم.
واستمرت الجمعية بأداء دورها، واتسع نشاطها بعد هذا البيان الصادر في سنة 1368هـ/1948م، إلى أن أغلقت بعد الاستقلال سنة 1967م.


