مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتراث والنشر

فيصل العطاس (النعيري) السيِّدُ الماويُّ*

شخصيات

صائل البحسني

بقلم: ثانُس بِتُوْرِس ** 1

ترجمة: صائل البحسني

قال فيصلُ العطَّاس قولته الساخرة الشهيرة وهو يتدبَّر ما أنجزتْهُ برأيهِ الاشتراكيةُ بعد مضيِّ عشر سنواتٍ على ثورة اليمن الجنوبي ضد الاستعمار البريطاني: “لقد نزعْنا عن المهرة لسانهم، كما جعلنا الحضارمة يعتقدون أنهم يمنيون، وجعلنا الناس تطالب برواتبَ أقل” 2. وعلى قدرِ قِصَرِ مدى هذه الإنجازات واختلاف الناس بشأنها فإن ما كان محل خلافهم فوق ما سبق لَهي مسيرةُ العطَّاسِ السياسيةُ ذاتها . أما وفي جوهرها فإنَّ حياتَه تعكس المرحلةَ التاريخية المضطربة التي شب وعاش أثناءَها، كما وتعكس إحباطاتِ جيلٍ سعى في تقديم إجابة عن حالة تخلُّفِ وطنه من خلال تنظيم سياسيٍّ اجتماعيٍّ بديل.

وُلِدَ السيِّدُ فيصل بن علي بن محمد العطّاس سنةَ 1939 3في قرية نُعَيْر بوادي عَمْدٍ من بلاد حضرموت، وإليها نسبتُهُ “النُعَيْريُّ”. وقد كانت المنطقة جزءًا من سلطنة الشحر والمكلا القعيطية المشمولة ضمن “المحميات الشرقية” البريطانية. وُلِدَ سليلُ آل العطاس المرموقين، وهم من السادة آل باعلوي، في رحاب أسرةٍ وجماعةٍ رفدت حَضرموت والمهجر الحضرميَّ في جنوب شرقي آسيا برجالاتٍ، كان لهم شأن في ميادين العلم والدين والسياسة.4  وعلى جري العادة والتقليد فقد كانت الأسرُ العلوية الحضرمية (أيْ السادة( تتسنَّم بناءً اجتماعيًا محدَّدَ الملامح على سعة امتداده، بناءً بوّأهم الزعامة الدينية، وقلَّدهم في فترات لم تطل زمامَ الزعامة الدنيوية على الجماعات المحلية؛ وذلك لقرابتهم من النبي محمَّد.5 ومع أن مكانتهم الاجتماعية لم تُفْضِ بالضرورة إلى إثرائهم ماديًّا، فإن ما طبع الجماعةَ من طابعٍ حصريٍّ؛ إذ منعوا تزويج بناتهم من غيرهم، كان لا ينفك يبعث الامتعاض داخل حضرموت، وفي مهاجر أهلها إبَّانَ طفولةِ العطَّاس. وقد تمثل هذا الامتعاض في النزاع العلويالإرشادي، الذي بلغَ الوطنَ من مهاجر الحضارمة في جزائر الهند الشرقية الواقعة تحت سيطرة الهولنديين، واتقدت جذوتُه مع ازدياد احتكاك الحضارمة في زنجبار الأفريقية وجنوب شرقي آسيا بالأفكار الداعية إلى تحقيق المساواة بين البشر، والتي كانت ترفع لواءها الشيوعيةُ والماويَّةُ.6

[من اليسار إلى اليمين: فيصل العطاس”النعيري”؛ المدرسة الوسطى بالغيل (تصوير ثانُس بِتورِس)؛ ضريح ولي من أولياء الله الصالحين، المكلا (تصوير ثانُس بِتورِس)؛ بناء مصغَّر لسدة المكلا الغربية مطابق للأصل (تصوير ثانُس بِتورِس)]

في هذي البيئة الاجتماعية السياسية، المتصاعِدِ تطوُّرُها تلقَّى فيصلُ العطَّاس تعليمه الابتدائي بالمدرسة الوسطى في بلدة غيل باوزير.7  ولدى تخرجه فيها في سنة ١٩٥٥ كانت المدرسة قد غدتْ بؤرةً للمناشط المضادَّة للبريطانيين، وللنظام الحاكم، كذلك ساحةً للتجنيد والاستقطاب لصالح حركة القوميين العرب  MANبين أعضاء المجموعة الطلابية المسمَّاة الزيتونة، مع مساندةٍ مُضمَرةٍ من طاقم التدريس.8  ومن بين هؤلاء كان ثَمَّ “سادةٌ” آخرون كعبد الله بافقيه، وكذلك السوداني أحمد نقد الله، الذي رحَّله البريطانيون في آخر الأمر بسبب ميوله الشيوعية.9 وفيما بعدُ واصلَ فيصل العطَّاس تعليمه الثانوي في كلية عدن؛ حيث قضى أربع سنوات دون أن يتقدَّم لامتحانات الشهادة العامة GCE للمستوى O (المستوى العادي Ordinary) 10 بدلاً من ذلك. وفي أواخر عقد الخمسينيات كان في مدينة القاهرة وكان عضوًا في الكتلة اليمنية من حركة القوميين العرب MAN، الحركة التي أسَّسها الفلسطينيُّ جورج حَبَش.11

خلال تلك الفترة، طوَّرَ العطَّاسُ أفكاره السياسية، متموضعًا على اليسار الراديكالي [المتطرف] بعد أن خَبَرَ الماويَّةَ خلال زياراته الجاليةَ الحضرمية في زنجبار، ومن طريق اتصالاته بالأحزاب الشيوعية في العالم الثالث.  وإذ آثَرَ التخلِّي عن  لقب التشريف “السيّد” فقد حمل الكنية الحركية “أبو خالد”. وفي الستينيات عملَ العطَّاس موظفًا في مصرفٍ، ثم معلِّمًا في المدرسة الوسطى الغربية بمدينة المكلا، عاصمةِ الدولة القعيطية.12  وتمكَّنَ بمعيَّة عبّاس العيدروس، وهو الآخر ماويٌّ بارزٌ، من السادة، ومعلِّمٌ كذلك، من اختراقِ نقابات العمال الحضرمية، والدعوةِ إلى الأيديولوجية الماويَّة بين الطلبة. ولم يلبث أن أخذ ظهورُ الرايات الحمر والملصقات الماوية خلال المظاهرات داخل البلاد الحضرمية يتزايد13 . وفي المكلا كان العطَّاس أيضًا أمين سر الحزب العربي الاشتراكي الذي لم يدم طويلًا (1965-1966)، فقد انشق أعضاؤه آخرَ الأمر جرَّاء خلافات دارت على خيار الكفاح المسلح.  فضمَّ الجناحَ الراديكاليَّ من الحزب المشايع لعلي سالم البيض إلى جبهة الشعب الديمقراطية PDF في حين شكَّل الفريقُ المعتدل الاتحادَ البعثيَّ للقوى الشعبية. وفي حدود الفترة نفسها أعلنت جبهة الشعب الديمقراطية دعمَها لجبهة التحرير القومية NLF [أو الجبهة القومية]، وبذلك تقحَّمتِ الكفاحَ القومي.

وفي مؤتمر الجبهة القومية الثاني في جِبلة (يونيو حزيران ١٩٦٦م) انْتُخِبَ العطَّاسُ عضوًا في القيادة العامة المكوَّنةِ من خمسة عشر عضوًا، كما انْتُخِبَ عضوًا في اللجنة التنفيذية، وقد كان قوامها خمسة أعضاء، والمنوط بها مهمة العمل مع المنظمات في الداخل.14  لقد تحدَّر تنظيميًا مما سمي بالقيادة الثانوية أو الداخلية، وهي مجموعة من الكوادر المتعلمة الفتيَّة، التي تدرَّجَتْ صعودًا في الرتب، والتي التحقت بالتنظيم من طريق تياراته وحركاته المتعددة التي أسَّسَتْ له. لقد خاب ظنُّهم إذ أدركوا خواءَ الناصريةِ الأيديولوجيَّ، وعدمَ قدرتها على أن تخلق إطارَ عملٍ واقعيًّا، يوسِّعُ نطاقَ الكفاحِ ضد قوى الاستعمار في جنوب الجزيرة العربية. وقد ألمعت إحدى التحوُّلات داخل قيادة حركة القوميين العرب صوبَ الأيديولوجية الماركسية إلى حصول خيبة مماثلة. وفي المؤتمر الثالث في خَمِر (نوفمبر تشرين الثاني ١٩٦٦م) نجحت القيادة الثانوية في تعريف طبيعة الحركة القومية حين حالتْ بفاعلية دون الصدام، الذي حاول البعض إيقاعه بين الجبهة القومية NLF وجبهة تحرير الجنوب اليمنيFLOSY  المدعومة من مصر، كما نجحت في التوكيد ثانيةً على سِمَتِها الراديكالية والشعبية. لقد فتحَ هذا التحوُّلُ صوبَ الماركسية وحربِ العصابات التي صيغت على شاكلة النمطين الصيني والفيتنامي الطريقَ أمام الجبهة القومية؛ لتحكم سيطرتها على المحميات البريطانية في صيف ١٩٦٧.

ففي الحادي والثلاثين من شهر آب أغسطس من تلك السنة غادر البريطانيون المكلا في “هجير القائلة بعد الغداء، دون أدنى إخطار بذلك” .15 وردًّا على ذلك أبحر سلاطين القعيطي والكثيري والمهري عائدين إلى بلادهم من جنيف مارِّين بجدة. وقد أتاحت حالة الفراغ السياسي الناجمة أمام العطَّاس وبِإمرته ستون من رجال الجبهة القومية السبيلَ إلى إسقاط بلدة القطن بوادي حضرموت، والسيطرة عليها في أول الأمر، ثم إسقاط مدينة المكلا في النهاية يوم السادس عشر من سبتمبر أيلول.16  لقد عُجِّلَ هذا الأمر بمفاوضات سَبَقَتْ بين ضباط جيش البادية الحضرمي  HBL وعباس العيدروس.  ثم في يوم الثاني من أكتوبر تشرين الأول ومع مجموعة قوامها عشرون مسلَّحًا بادرَ فرفعَ علمَ الثورة فوق مقر الحكومة الكثيرية في سيئون. إنَّ هذا التحرُّك من طرف العطَّاس وحده وبتعارضه مع ترتيبات الجبهة القومية أغضب رفاقه، لكنه ألمح إلماحًا باكرًا إلى الأسلوب الذي سيوظِّف العطاسُ من خلاله السلطةَ السياسية.17

وإذ ترأَّس مجلس الشعب الأعلى الذي شُكِّلَ بعد التحرير في حضرموت، كان العطَّاس من الإمساك بمقاليد الحكم بمكانٍ أنْ تمكَّن من تنفيذ برنامجه الراديكالي للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي حتى قبل أن يعلن كامل الجنوب استقلاله.18  واحدةٌ من أولى تحركاته كانت تأميمَ المؤسسات الاقتصادية المحلية على قِلَّتِها، مثل دور السينما، وشركات الوقود والطاقة، والمؤسسات التجارية، ومصادرةَ ممتلكات السلاطين ووزرائهم وعقاراتهم.19  وقد دام زخمُ هذي “الاستثنائية الحضرمية”، التي بلغ مداها محاولةَ إعادة توزيع الأراضي، السنتيْن الأوليَيْن من عمر جمهورية جنوب اليمن الشعبية (PRSY) الوليدة لحدِّ أنَّ العطَّاس الذي سيطر على الحزب وجهاز الحكومة في ما أصبحت تُدعى المحافظة الخامسة [حضرموت] أخذَ يقاوم السلطة المركزية بعدن .20 لقد طهَّر مؤسسات الإدارة المدنية المحلية، وأزاح قيادات الجبهة القومية المعتدلين، وطرد سالم علي الكندي من المكلا، وقد كان الأخيرُ المحافِظَ المعيَّنَ من قبل السلطة المركزية .21

وعلى كل حال فقد عكست الأحداث في حضرموت الصراعَ الحاصل على السلطة داخل تنظيم الجبهة القومية فيما بين جناحه اليساري الراديكالي وقيادته التي كانت أكثر منهم اعتدالًا. ودلَّتْ كذلك على التحديات التي واجهتها الحكومة الأولى، وقوامها شبابٌ غير مجرِّبٍ، في تدبير شؤون دولةٍ أسِّستْ على جمع سلطنات ودويلات بتعجُّل. أما حضرموت الواقعة أقصى شرقيِّ الدولة الوليدة فقد تمتَّعتْ بتطورٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ مستقلٍ مقارنةً بغيرها تحت السيطرة البريطانية، الأمر الذي عزَّز ما كان موجودًا من هياكل الدولة ومؤسساتها. ولقد صانتِ الظروفُ المحلية في حضرموت، وقوَّتِ الإحساسَ [لدى الحضارم] بهُوِيَّةٍ خاصةٍ وبانفصالٍ عن بقية محميات جنوب الجزيرة العربية. وبالتوازي مع تباينات أيديولوجية بين الثوريين في المكلا عنهم في عدن فإن الدفع بالإقليم نحو الانضمام إلى الدولة الوليدة قد أبان عن تحدياته . وأكثر من ذلك أنَّ قُرْبَ حضرموت الجغرافي بقدرٍ إلى ظُفار في مستحرّ ثورةِ أهاليها عنى أن حضرموت صارت جبهةً أمامية للعملية الثورية في شبه الجزيرة العربية.  ولقد أشاد نايف حواتمة وهو أحد قيادات حركة القوميين العرب MAN بالإنجازات الباكرة في حضرموت، وبِكفايات سكانها الثورية .22 وإذ ذاك إنما صُوِّرَ طريقُ عدن-  المكلا الذي شقَّه الصينيون بصورة “الممر الاستراتيجي لإنجاح الثورة”23  عسى أن يسندَ الثُّوَّارَ الظفاريين، ولو أنه لم يكتمل شقُّه وتعبيده إلا في أواخر السبعينيات، أيْ بعد هزيمة تلك الانتفاضة.

     بعد مؤتمر الجبهة القومية NLF الرابع في مدينة زنجبار (مارس آذار ١٩٦٨م)، والذي أيّد خلاله العطّاسُ الجناحَ اليساري الراديكالي، الذي يقوده عبد الفتّاح إسماعيل، بدأ العطاس منفردًا يطبق برنامجه الثوري الماوي، فأقام مجالس شعبية في البلدات والمدن الحضرمية، ووحدات دفاع شعبية [لجان شعبية]، وفي الآن ذاته أشاعت زياراته الصين مخاوفَ من انقلاب يساري.24  وصارت المنطقة بالتدريج ملاذًا لراديكاليِّي الجبهة القومية، والذين كانت قلة منهم تنحدر منها. أوضحتِ الصحيفةُ المحلية الناطقة باسم الجبهة القومية، صحيفة الشرارة، في افتتاحيتها ما هو قادم، باسطةً القول بأن إطلاق الثورة يعني في ما يعنيه قلبَ العلاقات الاجتماعية الراهنة وإقامة علاقات اجتماعية ثورية محلها .25 وبدعم من الصين أعلن فيصل العطاس قيام “جمهورية حضرموت الديمقراطية الشعبية”، التي قصُرَ بها الأجل؛ إذ دامت قائمةً شهرين فقط )مايو أيار و يونيو حزيران من سنة ١٩٦٨م) قبل أن تُسحَقَ على يد حكومة قحطان الشعبي، وبذا فرَّ عائدًا إلى قريته، حيث ألقي القبض عليه مع وزير الدفاع المسرَّح علي سالم البيض.26  وعلى الرغم من أن هذي “المغامرة الصينية الناجمة عن سياسات الثورة الثقافية، وهذي الظاهرة التي لم تتكرر في مكان آخر من الشرق الأوسط”27  لم تؤثر في علاقة الدولة مع الصين إلَّا أنَّ العطَّاس ولا عجب لم يكن في الوفد اليمني الجنوبي الأول إلى جمهورية الصين الشعبية .28

     واستمر التنافس بين الجناحين المعتدل والراديكالي داخل تنظيم الجبهة القومية يتفشى طوال تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية PDRY، لكنه بلغ ذروته للمرة الأولى سنة ١٩٦٩، حين سيطر اليسار على كلٍ من التنظيم والدولة خلال الحركة التصحيحية المجيدة في الثاني والعشرين من شهر يونيو حزيران. وأُطلِقَ سراحُ العطَّاس؛ إذ أمسك رفاقه بزمام السلطة، وأُعيدَ إلى القيادة العامة، فعُيِّنَ محافظًا على المحافظة الرابعة (شبوة) من 1969إلى 1970. ثم صار بعد ذلك إلى محافظ المحافظة الخامسة (حضرموت) حتى سنة ١٩٧٣، وهو التوقيت الذي أخذت بعده الاعتداءات الجسدية على السادة ورجال الدين في الانحسار.29  لقد ظل العطَّاس على صلة وثيقة بالحزب الشيوعي الحاكم في الصين، ورأسَ في بعض المناسبات وفودَ الفلاحين اليمنيين إليها.30  وإلى يومنا هذا ما يزال أهلُ المكلا يتذكَّرون ما خلَّفتْه “ثورته الثقافية” يومَ هُدِمَتِ البوَّابة الغربية لمدينتهم، المسمَّاة “السِّدَّة” على حين غرَّة، ومحاولاته تسوية المقابر هناك وفي حُرَيْضة، حاضرةِ آل العطاس. وأهم من ذلك أنه وتحت سلطته وفي بلادٍ متجذرةٌ التقاليد الدينية فيها تجذُّرًا مُنِعَتِ “الزياراتُ” إلى أضرحة الأولياء، كذلك هُدِّمَتْ بضعة مساجد وأضرحة، كما اضْطُهِدَ أبناءُ الأسر العلوية، وذلك باسم الاشتراكية العلمية ومحاربة التأثيرات الإسلامية.31

ومع أن الحركة التصحيحية قد حملتِ اليسارَ الراديكالي الذي يتزعمه سالم رُبيَّع علي المعروف بلقبه “سالمين” إلى السلطة، فقد نُظِرَ إلى العطَّاس داخل عدن بعين الرِّيبة والشك؛ وذلك لبروزه وتأثيره داخل حضرموت، المتأتَّيَيْن من أصوله وخلفيته الاجتماعية، ومن دوره أثناء الكفاح ضد الاستعمار وبَعده، ولاستخفافه بالسلطة المركزية. وكما جاء على لسان أحد رفاقه السابقين فإنه من بالغ حظِّه أنِ استطاع النجاة بحياته في زمن سالمين، فبدلًا من تصفيته، ضُبِطَتْ تحركاتُه من خلال تعيينه ضمن تشكيلة الحكومة نائبًا لوزير الإسكان والأشغال العامة وهي حقيبةٌ وزارية أُسْنِدَتْ إلى قريبه حيدر أبوبكر العطَّاس، ومع اشتداد الصراع بين أجنحة النظام في العقد الأخير من عمر جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قضى فيصل العطاس هذه الفترة في ما يشبه الغياب سياسيًا، ولن يتمكن بعدها أبدًا أن يستعيد دوره المؤثر كما كان في السابق.

ومع توحيد اليمنَيْنِ سنة ١٩٩٠، التحق فيصل العطَّاس بحزب الرئيس صالح، ألا وهو حزب المؤتمر الشعبي العام GPC عضوًا في لجنته الدائمة. ومثل الكثير من السياسيين الجنوبيين السابقين؛ فقد عُيِّنَ مستشارًا للرئيس اليمني. ولقد صار هذا التحول في التحالفات السياسية والذي يبدو انتهازيًّا ومستغرَبًا الأمرَ المعتادَ من القيادات الجنوبية، ودلالةً على الإفلاس الأيديولوجي الذي عرفته السنوات الأخيرة من عمر جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعلى خيبات الأمل التي جرَّتها إخفاقاتُ تلك التجربة. وقد كان تلاقيه ونظام صالح وعضويته في حزبه المؤتمر الشعبي العام GPC وسيلةً منه إلى البقاء على صلة بالمشهد السياسي، بما في ذلك من تقلُّدِ وظيفةٍ في اليمن الموحَّد تعود عليه بعائد.  وفي آنٍ ظلَّ العطَّاس مدافعًا لا يلين عن إنجازات الثورة في اليمن الجنوبي وعن دوره فيها .32

وفي يومنا هذا لا يزال إرثُ عهدِ العطَّاس في حضرموت محلَّ خلاف. فلا يزال كثرٌ يذكرونه بمعاملته الآخرين القاسية وما فيها من استبداد وتسلُّط، ومنهم رفاقٌ له في الجبهة القومية.33 ففي فترة وجوده في مناصبه شهدت حَضرموت موجةً لم يسبق لها مثيلٌ من السُلْطَويَّة والعنف، على وجه الخصوص بحق البِنى الاجتماعية القديمة والنُّخَب الدينية.34  فلقد حاول العطَّاس، وهو الثوري الشاب، أن ينفذ أجندته القومية المتمثلة في تحديث حضرموت بحداثة القرن العشرين.35 غير أن هذا البرنامجَ المفروضَ فرضًا، والتحديثَ المعجَّل لم يخلِّف الأهالي في حيرةٍ من الأمر فقط، بل وسرَّعَ عودةَ التقاليد القديمة أوَّلَ ما تفكَّك النظام الاشتراكي. وإنَّ مسيرةَ حياته هو لَتَشهدُ بهذا.  وفي أخريات حياته أكَّدَ على أهليته مسلمًا، كما وعاد فحمل لقب “السيد”، بل  واعتمر العمامة البيضاء رمزَ قرابته من النبي محمد.  ولقد أتى ذلك بالحماس الخالص نفسه الذي حمله على اعتناق الماوية أيام شبابه.

 ولا تمثِّل هذي المفارقةُ الماثلةُ في حضرمي من السادة ينتصر للماوية، وإن كانت مفارقةً غير معهودة، حالةً منفردة. فقد شاركت ثلةٌ من فتية السادة مِمَّن جايلوا العطَّاس في الكفاح ضد الاستعمار، وإن جرى ذلك عبر حركات سياسية مختلفة.  وما حال بين فتية السادة أولئك وبقية المجتمع الحضرمي كان ما تلقَّوه من تعليم عال فوق العادة وقتها.36  لقد وُفِّقَتِ الجبهةُ القومية في خضم التأسيس لحركتها الشعبية إلى استقطابِ دعمِ غالبية فئات المجتمع المستقرة وقتئذٍ، مثل الشباب المتعلم، الذين كان لهم صالحٌ في الإطاحة بالمنظومة الاجتماعية التقليدية.37 وكما كان الحال مع العطَّاس، فإن كونه أحد أبناء طبقة السادة لم يكن كِفاءَ إشباعِ تطلعات جيلٍ غيرِ أمِّيٍ رأى في النظام “الأنجلوسلاطيني” سببَ ما يعانيه من حرمانٍ وعوز.  ووجد مع ذلك في الماوية اللغةَ والممارسةَ الأيديولوجيَّيْن الواعدَيْن باستئصال الموروثات المكينة، والأعراف الاجتماعية التي كانت تسد الطريق نحو تطبيق خطته التحديثية.  وما تشهده الدولة اليمنية في يومنا هذا من انبعاث هوية اليمن الجنوبي ما هو إلا تمظهرٌ لنظيرِ المظالم والإحباطات، إلَّا أنه انبعاثٌ يفتقر إلى قيادة سياسية على المستوى ذاته، الذي لدى الشماليين تحمل رؤيةً تعالج تلك المظالم والإحباطات، كما أفضى إلى مراجعات غير دقيقة لماضي الفترة الاستعمارية والفترة الاشتراكية كلتيهما.  ويظهر أنَّ العطَّاس قد وجد بعد وفاته مثوىً في بانثيون*** أبطال اليمن الجنوبي بين صفوف الانفصاليين لهذا العهد.

توفي فيصل العطاس في مدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية يوم الثامن والعشرين من شهر مارس آذار سنة ٢٠١٤ مناهزًا الثمانين عامًا، مخلّفًا ثلاثة أبناء: هم أكرم، وهو عقيد في الجيش اليمني، وأنور، ومحمد.

_________________________

*الماويّة بإيجاز تيارٌ من تيارات الشيوعية الماركسية (الاشتراكية العلمية (طورها الثوري الصيني ماو تسي تونغ خلال مسيرته الثورية والسياسية, نظريةً وممارسةً، وقد مثلت نهجا ثوريا قام على نظرة ثورية متميزة خالفت مسار الماركسيات الأخرى كالماركسية اللينينية والستالينية والتروتسكية، ويمكن إجمال جوهر نهجها الثوري وأيديولوجي بالتالي: الشعور القومي المتقد فقد كان ماو تسي تونغ نفسه قوميًا عتيدًا قبل انضمامه للحزب الشيوعي الصيني وبعده مناهضًا بشدة للغرب وللإمبريالية مأخوذا بالروح العسكرية الحربية، فلا غرو أنْ شغلَ الجيش حيزًا مهمًا في عملية بناء الدولة الصينية الثورية وكذلك في عملية بناء الأمة، ثانيًا الاعتماد على القوى الكامنة في مئات ملايين الفلاحين الذين رأت فيهم الماوية الطاقة الحقيقية لتحريك الثورة حيث لم تكن في الصين طبقة عاملة (بروليتاريا) ذات بال، وذلك على العكس من التجربة الثورية في روسيا. وعليه فقد دشنت مشاريع التعاونيات الزراعية، ثم ما سمي “بالقفزة الكبرى قُدُمًا” بديلًا عن المعهود من الخطط الخمسية، تلاها إطلاق ماو للثورة الثقافية ضد النخب الحزبية والبيرواقراطية. وقد كان بديلُ الماوية نحو تحقيق النمو الذي تقوده النخب والبيروقراطيات التنميةَ التي تحققها الحماسة الثورية وكفاح الجماهير. كما أخذت على عاتقها تحريك واستنهاض الإرادة الجمعية للناس ضد “المعتاد” و”العقلاني” مما تمليه تدابير الاقتصاد والصناعة. (المترجم)

** ثانُس بِتورِس (ثانوس بيتوريس): مستشار إقليمي لدى الفريق اليمني بالمعهد الأوروبي للسلام، وله خبرة مديدة بشؤون اليمن الجنوبي السياسية. ولقد تكررت زياراته الجمهوريةَ اليمنية منذ سنة ٢٠٠٥. لقد عاش وعمل في عدن ثلاثَ سنينٍ بين ٢٠٠٥و٢٠١٠. وخلال هذي الفترة، تمكن ثانوس أن يرتحل ويجري أبحاثه في معظم مناطق الدولة. يحمل ثانُس بِتُوْرِس شهادة ماجستير العلوم في شؤون السياسة بالشرق الأوسط من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، كما يحضّر في هذي الآونة لشهادة دكتوراه في الفلسفة في العلوم السياسية، مع عنايته بتاريخ حركة التحرر والاستقلال في اليمن الجنوبي. يتحدث خمس لغات هي اليونانية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية.(المترجم)

***البانثيون: حرفيًا تعني الكلمة باليونانية “جميع الآلهة”، وهو معبدٌ ابتناه الرومان في روما ليكون مجمعًا لآلهتهم وقد تداول أباطرتهم على تجديده والعناية به، ودفن فيه بعضٌ من علية القوم منهم. لكن الإشارة إلى البانثيون هنا إنما هي إلى مبنى في مدينة باريس الفرنسية بالحي اللاتيني تحديداً وفيه ترقد جثامين عظماء الشعب الفرنسي وأبطاله ونوابغه, وبذلك يقصد الباحث إلى أن النعيري صار رمزًا من رموز اليمنيين الجنوبيين المطالبين بالانفصال عن اليمن الشمالي.[المترجم]

الهوامش:

1. جُمِعَتْ المعلومات التي استندنا عليها في كتابة هذي المقالة خلال نزول ميداني بحضرموت في أبريل نيسان سنةَ ٢٠١٠. ويشكر الباحثُ أسرةَ بن دهري في مدينة المكلا، وعلى وجه الخصوص محمد مبارك بن دهري وخالد سالم بن دهري, كذلك يشكر الشاعرَ نجيب سعيد باوزير وأسرته على ما أبدوه من كرم الضيافة ومن عون شاقٍّ خلال ظروف بحثٍ عَسيرة.

  2.انظر، إنسِنگ هو، أضرحةٌ في تريم: الأنساب والترحال بطول المحيط الهندي وعرضه (بيركلي: منشورات جامعة كاليفورنيا، ٢٠٠٦)، ص٣١١.

3. ورغم ذلك فإن سجل الوفيات بالعربية يثبت ميلاده بسنة ١٩٣٤، والوارد في موسوعة أعلام العالم العربي (who’s Who in the Arab World) بيروت، منشورات بابليتك، ٢٠٠٦، أن ولادته كانت سنة 1938؛ وهذا أوفقُ والتواريخ الموثقة لسنوات دراسته وتخرجه.

 4. من الأمثلة البارزة على ذلك مناصبُ بلدتي حريضة والمشهد: منهم وزيرُ السلطنة القعيطية الأخير أحمد بن محمد العطاس؛ ورئيسُ دولة اليمن الجنوبي السابق وأول رئيس وزراء بعد الوحدة حيدر بن أبي بكر العطاس؛ ووزير الخارجية الإندونيسي علي العطاس؛ وآخرون. للمزيد حول آل العطاس انظر، كازوهيرو أراي، عربٌ جابوا المحيط الهندي: تاريخ آل العطاس في حضرموت وجنوب شرقي آسيا، من ١٦٠٠م إلى ١٩٦٠م (أطروحة دكتوراه غير منشورة  :جامعة ميشيغان، ٢٠٠٤).

5. للمزيد حول أصول السادة وأدوارهم انظر: روبرت برترام سيرجنت، السادة العلوية في حضرموت : محاضرة افتتاحية (لندن: معهد الدرسات الشرقية والأفريقية، ١٩٥٧) [نعمل على نقلها إلى العربية. المترجم].

  6. انظر : يوسف كوستِنر،” السياسة الراديكالية والعرب” : القوميون العرب والماركسيون في معمعان الجنوب العربي، ١٩٦٣-١٩٦٧”، دراسات الشرق الأوسط، ١٧:٤(١٩٨١)،ص.٤٦٦.

7. للمزيد حول المدرسة الوسطى ودور خريجيها اللافت، راجع: محمد سعيد مديحج، المدرسة الأم: المدرسة الوسطى بغيل باوزير (عدن: منشورات جامعة عدن، ١٩٩٨).

8. مقابلة مع المؤرخ الحضرمي، وخريج المدرسة الوسطى، عبد الرحمن الملاحي في مدينة الشحر، بتاريخ ١٣ أبريل نيسان ٢٠١٠.

9. مقابلة مع رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابق، وخريج المدرسة الوسطى، حيدر بن أبي بكر العطاس في لندن بتاريخ ٢٨ شباط فبراير ٢٠١١.

10. مراسلة عبر البريد الإلكتروني مع زميل له في ما مضى بكلية عدن، أشرف جرجرة، بتاريخ ٢يوليو تموز٢٠١٤.

11. انظر: روبرت برترام سيرجنت “اليمنان، منظورات تاريخية ومواقف راهنة”، شؤون آسيوية، ٤:١ (١٩٧٣) ص. ١٢. ٢.

12. راجع أولريكه فرايتاك، مهاجرو المحيط الهندي وتشكّل الدولة في حضرموت: إصلاح الوطن (دراسات الشرق الأوسط وآسيا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ٨٧) لايدن:  أبريل، ٢٠٠٣) ص. ٥٢١.

13. انظر يوسف كوستِنر، الكفاح في سبيل اليمن الجنوبي (لندن: كروم هِلم، ١٩٨٤)، ص.١٢٢.

14. راجع علي الصراف، اليمن الجنوبي: الحياة السياسية من الاستعمار إلى الوحدة (لندن، رياض الريّس، ١٩٩٢)، ص. ١٨٥.

15. راجع بيتر هِنتشكْلِف، جون تي. دَكر، ماريا هولت، بلا مجدٍ في جزيرة العرب: الانسحاب البريطاني من عدن (لندن: آي. بي. طُورِس، ٢٠٠٦) ، ص. ١٤٧.

16. راجع فيصل العطاس، “جبهة حضرموت”، في : وثائق ندوة الثورة اليمنية (صنعاء: منشورات دائرة التوجيه المعنوي,2004)، ص. ٣١٩.

17. راجع عبد القادر أحمد باكثير، مذكرات عن مراحل النضال والتحرير ١٩٦٠-١٩٦٩ في حضرموت، المجلد الأول (المكلا، مكتبة الشافعي،٢٠٠٨)، ص.١٥٥.

18. راجع هيلين لاكنر، يمن الجمهورية الديمقراطية الشعبية: معقل التنمية الاشتراكية في جزيرة العرب (لندن: منشورات إيثاكا،١٩٨٥)، ص.٤٦

19. راجع: الصرّاف، الاقتباس من ص. ٢١٤.

20. راجع: نويل بريهوني، اليمن مشطّرًا: قصة دولة فاشلة في جنوب الجزيرة العربية )لندن: آي. بي. طُورِس٢٠١١(، ص. ٣٧.

21.  راجع: “الصراع الداخلي في المحافظة الخامسة-حضرموت”، في دانييل ديشون، سجل الشرق الأوسط، ١٩٦٨ )القدس، منشورات جامعة إسرائيل، ١٩٧٣)، ص. ٦٩٩. وقد قُبِض على الكندي وأُعدِمَ في طريقه إلى عدن في شهر يونيو حزيران ١٩٦٩، ضحيةَ الحركة التصحيحية المجيدة.

22.  راجع فيتالي نعومكين، ذئاب اليمن الحمر: الكفاح في سبيل الاستقلال (كامبريدج: منشورات The Oleander, ٢٠٠٤)، ص. ٣٠٧.

23.  كريستوفر دي. لي، “الأطماع السوفييتية والصينية في جنوب الجزيرة العربية”، ميزان، ١٣:١ (١٩٧١)، ص. ٤٢.

24.  حسب الحزب الشيوعي الإندونيسي : راجع يوسف كوستِنر، ” أثر المهاجرين الحضارمة في جزائر الهند الشرقية على الحداثة الإسلامية والتغيير الاجتماعي في حضرموت خلال القرن العشرين الميلادي”، في رافاييل إسرائيلي و أنطوني جونز (محررون) الإسلام في آسيا، المجلد الثاني: شرق آسيا وجنوب شرقيها. (القدس: منشورات The Magnes، ١٩٨٤)، ص. ٢٣٠.

25.  الكلمة الافتتاحية للعدد الأول من صحيفة الشرارة، مارس آذار ١٩٦٨،راجع جان-بيير فيينو،” عدن: من الكفاح في سبيل التحرر إلى الاستقلال” [بالفرنسية] ، أوريَنت )باريس(، ٤٤:٤ )١٩٦٨(، ص. ٣٩.

26.  راجع ليليان كريگ هاريس، الصين واهتمامها بالشرق الأوسط (لندن: آي. بي. طورِس، ١٩٩٣)، ص. ١١٥؛ وفريد هاليداي، جزيرة العرب دون سلاطين(لندن: ساقي، ٢٠٠٢)، ص.٢٣٥.

27.  هاريس، الاقتباس من ص. ١١٦.

28.  يمكن الوقوف على تفاصيل الوفد الأول لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في : هاشم بهبهاني، الصين وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية : تقرير (لندن، منشورات KBI Books، ١٩٨٥)، ص. ٩.

29.  راجع نورمن سيگر، “الإسلام والدولة في اليمن الجنوبي: التعايش العسِر”، دراسات الشرق الأوسط، ٢٦:٢ (١٩٩٠)، ص.١٨٦.

 30. راجع مجلة Peking Review عدد ٢٣،٩ يونيو حزيران ١٩٧٢،ص.٢٣.

31.  حسب كنْيش فإن الزيارات [إلى الأضرحة] فقدت جوهرها الروحي وتحولت بالتدريج إلى مهرجانات شعبية غير دينية استغلها النظام الجديد للدعاية إلى الأفكار الاشتراكية؛ ألكسندر كنيش،” قدسية الأولياء الصالحين في حضرموت : عرض ومناقشة”، الدراسات العربية الجديدة (١٩٩٣)، ص.١٤٧.

32.  راجع العطاس، الاقتباس من ص. ٣١٥.

33.  راجع باكثير، الاقتباس من ص. ١٥٤-١٥٩؛١٦٢-١٦٣؛٢٠٥.

34. يورد إنگسِنگ هو في كتابه “أضرحة في تريم )الاقتباس من ص. ٣١١( واقعةً حصلت أثناء زيارة لرئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سالمين إلى مدينة سيئون حيث سحلت سيارات الموكب الرئاسي خلفها أجساد “سادة” من الأهالي مربوطةً إليها بالحبال، وهو منظر أصاب الكثيرين بالغثيان أياماً بعده.

35. مما ميز روحَ العصر مراسيمٌ أصدرتها اللجان الشعبية بصدد “ضبط وتنظيم الأعراف الاجتماعية والتقاليد في المحافظة الخامسة”، مجموعة يمكن الوقوف على بعضٍ منها في: ميخائيل روديونوف و حنة شونِك، الوثائق الحضرمية، ١٩٠٤-١٩٥١: الحياة الأسرية والعادات الاجتماعية في عهد السلاطين المتأخرين )الدراسات والنصوص البيروتية[بالألمانية]، عدد ١٣٠) (بيروت: منشورات Ergon، ٢٠١١(، ص.٢٤٥.

36.  ومثال هذا على وجه التحديد حالُ آل العطاس، إذ أن نسبة انعدام الأمية لدى الذكور منهم، حسب عبد الله البُجرة، تصل لِ ٨٠٪ مقارنةً بنسبة ٤٥،٥٪ لدى غيرهم من أسر السادة. راجع عبد الله سعيد البُجرة، الطبقية والسياسة: دراسة للتحول السياسي في بلدة “حريضة” في الجنوب العربي (أوكسفورد: منشورات Clarendon، ١٩٧١)، ص.٣٠. [نقله إلى العربية الأديب الحضرمي نجيب سعيد باوزير. المترجم]

37.  راجع هيلين لاكنر، “صعود الجبهة القومية تنظيمًا سياسيًا”، في بي. آر. بريدهام (محرّر) اليمن المعاصر: السياسة والخلفية التاريخية (لندن : Croom Helm) ، ص. ٥٠