شخصيات
شكري نصر مرسال
من إحدى ديار آل العيدروس الكبيرة الجميلة المنيفة الشامخة، بمنطقة تاربة الحضرمية، وُلدت السيدة الجليلة فاطمة عبدالقادر بن علوي العيدروس، الملقَّـبة بـ(فطم)، في ميلاد العام تسعة وعشرين وتسعمائة بعد الألفية الأولى، فحظيت بطفولة سعيدة جميلة مدلَّلة، ومن حظوظها أيضًا أن عاشت أجواء أُسريَّة رائعة ملهمة في سحرها، كجمال فلسفة البنيان المرصوص، فهذا المنزل كما تميل إليه السيدة فطم العيدروس بمثابة عشقها الذي يلامس روحها، وشاهدًا على روائع من مخزون جمال سنوات طفولتها.
كانت السيدة فطم دائمًا ما تعود بها الذكريات إذا ما سنحت لها الفرصة لزيارة منزل العائلة القديم، فيوقظها حضورُها، فيتجلَّى أمامها جلال تلك الأيام، فتسترجع مشاهد وتذكارًا من حكايات حياة ماضي عمرها الصغير وقصصها، تتذكر نساء العائلة وهنَّ يجتمعْـنَ في أجواء مخمليَّة، تنقضي مساءاتها كالأعراس على أنغام دفوف الموشحات الصوفية وطيرانها، كما تذكر لأنجالها الذين يرافقون زياراتها عن مطارح هذا المنزل العتيق وأركانه ودهاليزه العجيبة، وتمدُّد سلالمه الكثيرة، وغرفه (البريحة) التي صُمِّمَت بطريقة هندسية راقية، ومن ثم تذهب بهم في شرح مفصَّل عن هذا البيت العيدروسي، تذكرهم وتمضي بها الذكريات مبتسمة كيف كانت تحزن في الأعياد عندما تُجهز العائلة على ذبح بعض الأغنام، التي تربَّتْ بجوارها، تُطعِمُها وتسقيها، ما جعلها غالبًا ما تعزف رافضة أكل لحوم هذه الذبائح العيدية. ومن هاهنا وهي تصف مسترسلة تصمتُ فجأة أمُّنا فطم، ويختلف منها لحن الصوت، وتتبدّل بعضٌ من ملامحها حينما طرقتْ مشاعر عواطفها ذكرى أبواب والدها، فبرز أمامها موقفٌ كان يُزعِجُها كثيرًا، ويُبَعثِـرُ تَمَاسُكَ مشاعرِها ويَزِيدُها تأثُّـرًا وحُزنًا، ظلَّ عالقًا في ذهنها لم تستطع دفعَه، ذلك حينما يحتفي أفراد عائلتها بعودة بعضٍ من أفرادها قادمًا من جاوة محمَّلًا بأصناف الهدايا الغريبة والعطايا العجيبة، فتجدها متألِّمة وهي تمرِّر أبصارَها بين الحضور ببراءة طفولتها، تُفتِّـشُ عن والدها وفي نفسها رجاءٌ وتَمَنٍّ.. لعلَّ أباها مِمَّنْ ركب مركب الأشواق، قادمًا إليها.
فطم.. كما يحلو للجميع أن يناديها تحبُّبًا بها، قد عانت في مطلع سِنِيِّ عمرِها الأولى، التي تأتي بين سني الطفولة والصبا، عندما وعتْ غيابَ والدها السيد عبدالقادر بن علوي العيدروس، الذي لم يَرُقْ له عيش الحياة بحضرموت في تلك الفترة، فعاد إلى بلاد جاوة، التي ولد بها وترعرع في بيوتها وأزقَّتها، مفارقًا ابنتَه رضيعةً قبل أن تتعثَّر في سيرها، ما دفعها إلى كثير من المعاناة وألم الحزن، الذي سكنَها شعورًا متواصلًا، فجاورها الحرمان باكرًا، وصار وجعًا ملازمًا لها كظلها، حملتْه عُمرًا بتفاصيله، يرافقها أسفارَها أينما رحلتْ فطم، ومرتحلة، إلى أن صيَّرتْها المَنِيَّة ونزل بها الموت إلى صمت المدافن، عن عمر ناهزَ السنين السبع بعد الثمانين.
كانت السيدة فطم العيدروس في طفولتها من كل ليلة في الخفاء بعيدًا، في غفلة من أنظار عائلتها تقف وتطيل الوقوف أمام مرآة الأيام باكيةً، تتساءل كما يتساءل الغرباء، وعلمها أنَّ الأيام وليدة الليالي، تشكو لوالدها سكرة الفراق، وتتلو على أذهانه نشيدًا شَجِيًّا شبيهًا في مطلعه بعضًا من مطالع قصيدة ابن زريق البغدادي العباسي، الموسومة بـ(لا تعذليه).
(أستودعُ الله في بغداد لي قمرًا ** بِالكرخِ من فلكِ الأزرار مطلعُهُ)
(ودَّعـتُهُ وبوُدّي لو يُودّعُـنـــيِ ** صفو الحياةِ وأنّـــي لا أودعُـــهُ)
وهي القصيدة الوحيدة التي ولدت من وجدانية ابن زريق، ولم تُعرَفْ له قصيدة غيرها، فلذلك أُطلِق عليها القصيدة (اليتيمة) من قبل الباحثين في أوراق ابن زريق؛ إذ جسدت – أي القصيدة – أبلغ صور الفراق والحرمان، فسكبت دروسًا وعِبَرًا من عذابات الغياب، تخبره بواقع أحوالها، وقد اصاب الفقد ملامحَ أحاسيسها المرهفة بندبات من الحزن والأسى، فحنينُها لوالدها ظل جارًا مُلازِمًا لها بالرغم من أنها عُوِّضَتْ في مسارات طفوتها بحنان جميع الأهل القريبين منها، ما خفَّف لديها نزلاتِ الألم، ووالدتها عائشة العيدروس المرأة الشابة المجاهدة في تربيتها، القريبة منها، تدفئها كلَّ يومٍ بمشاعر الحرص، وبلطائف الأمومة، تمسح لها بقلبها كلَّ ليلة مواضع الأسى، تُصبِّرها وهي متأمِّلة أن تلامس أطراف ابنتها المرتعشة أكتاف أبيها، التي صرفت أيَّامَها ولياليَها تَرقُبُ اللقاءَ، وأنفقتْ من سنوات طفولتها منتظرةً عودةَ غِيَابِ والدها، إلى أن كبرتْ وتعدَّدتْ صفاتُها، وصارت الطفلة (فطم) شابَّةً، من حسناوات بنات منطقتها، فزُوِّجَتْ بالأستاذ الأديب المفكر الكبير علي عقيل بن يحيى، فأصبحتْ أمّ عباسٍ فاضلةً مُضَحِيَّةً متميِّزةً، فريدة بإنسانيتها المعروفة، جمعتْ بين مواهب الحكمة وحدّة الذكاء، مرأة شجاعة، ومن سجاياها أنَّها مرنة، تتمتع بروح المبادرة، قدَّمتْ دروسًا بالغةً في فنون العطاء والصبر والمثابرة والسيرة الطيبة، محاطة بحبِّ الناس، كحوض الماء العذبِ يمدُّ مَنْ يَرِدُ إليه بروح الحياة، وإن أجراه صاحبُه يجرِ صافيًا نَقِيًّا مجرى الصدقات، دون أن ينقص أو يعكِّر صفوَه البعضُ المختلف من البشر.
نعمْ.. هي من عبرتِ الحُدودَ من دمشقَ إلى بيروتَ وفي أحذيتها الشتويَّةِ تحملُ أماناتٍ لعائلاتٍ جارَ بهم واقعُ التحوُّلات السياسية، في مرحلة صعبةٍ من تاريخ سوريا. أليستْ هذه الدُّرَّةُ الحضرميَّةُ القويَّةُ بفكرها الإنساني العروبي من تطوَّعتْ في الدفاع المدني السوري، وحملت السلاحَ في حرب حزيران (67)، الحرب التي شُنَّتْ على مصر وسوريا والأردن، فشاركتْ (أمُّنا فطم) انتصارًا لعروبتها، ألسْتِ أنتِ يا أمَّ الجميع مَنْ كُنْتِ تزورين جرحى الحرب وعائلاتهم في مشافيهم ومنازلهم، وتمضين إلى بيت عائلتك متأثرة حزينة دون أن يفارق أذنيك أصوات أنين الجرحى والمصابين.