شخصيات
محسن علوي أبوبكر باعلوي


تصدير: في وصْفُ النُّسْخَة المُعْتَمدَة في التَّحقِيق:
وجدتُ لهذه المقالةِ نُسخةً مخطوطة واحدة فقط، وهي في الأصلِ مكاتبة من الشَّيخ سعيد بن صدّيق جان مع الشَّيخ القاضي عبد الله بن عوض بكير، أجابَ فيها الشَّيخ سعيد جان على مكاتبة سابقة من الشَّيخ عبد الله بكير، وبرفقتها جواب من أحد العلماء عن حُكم التَّصوير الفُوتُوغرافي، وقد طلَبَ الشَّيخ عبد الله بكير من الشَّيخ سعيد جان أن يكتبَ ما يراه حول التَّصوير الفوتوغرافي.
وإليك وصف هذه النُسخة:
1-مصدر النُّسخة: مكتبة خاصة.
2- نوع الورق: ورق فولسكاب قديم غليظ يميل لونه إلى الاصفرار، لعله بسبب طول المكث، وهي مسطرة تسطيراً أفقياً.
3-عدد أوراق النُّسخة: ورقتان = ثلاث صفحات.
4-مقاس الأوراق: 33 ×22سم.
5- عدد الأسطر في كل صفحة: 38 سطراً في الصفحة الأولى، و37 سطراً في الصفحة الثانية، و27 سطراً في الصفحة الأخيرةً.
6-تاريخ النَّسخ: غير مذكور؛ لكن يترجح عندي أن النُّسخة كتبت في حياة المؤلف، وفي الوقت نفسه الذي كتبت فيه المقالة، وهو سنة (1371هـ)/(1952م).
7-اسم النَّاسخ: لم يُذكر.
8-خط النُّسخة: نسخي معتدل.
9-جودة النُّسخة: جيدة، ويوجد بها بعض آثار الحريق في طرفها لكنه لم ينل شيئاً من الكتابة.
تنبيه: ما زدته في أصل النص لإصلاحه أو إتمامه جعلته بين قوسين معكوفين [ ]
نَصُّ المَقَالَة:
في 20 ربيع ثاني سنة (1952م)(1).
بسمِ اللهِ، الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ(2) والسَّلامُ على مَنْ لا نبيَّ بعده سَيِّدنا مُحَمَّدٍ، وآلهِ، وأصْحَابهِ، ومَنْ والاهُ واتَّبع.
إلى حَضْرةِ صَاحبِ الفضِيلةِ: رئيسِ القضَاء(3) الشَّرعي عبدالله بكير(4) -أيَّدهُ اللهُ، ووفَّقهُ لإعلاءِ كلمَةِ اللهِ- السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ وبركاتُهُ:
وبَعْد التَّحيَّة:
فقد وصَلَ كتابُكم الكريْم، وبرفقتِهِ الجوابُ في مَوْضُوعِ التَّصوير، فتأمَّلنا الجَوابَ(5) على ما فيه، وطلبتم إلى الفقيرِ أن أكتبَ عليه ما أراه في الموضُوع، واعتذرتم بعَدَمِ تمكّنِكم من فُرصة تراجعون فيها الموضُوع والكتابة عليه، فلا يخفاكم أنَّ موضُوع التَّصوير قد أصبحَ مفروغاً منه، وقد تكلَّمَ عليهِ أئمةُ الإسلامِ خصوصاً الإمام مُحيي الدِّين النَّووي(6) في شَرْحِ مُسلم(7) كما في شَرِيفِ علمِكم، وجاءَ بما يشفي ويكفي.
وقد تكلَّمَ الأستاذُ الإمامُ الشَّيخُ مُصْطفى أبو سَيف الحمامي(8) في موضُوع التَّصويرِ في كتابهِ: (النَّهضَة الإصلاحيَّة(9) في صحيفة 260 (تَصْوير الحَيَوان)، وفي صحيفة 310 في موضُوع (استدراك في موضُوع التَّصوير)، فأتى بالعَجَبِ العُجاب، بما يقتنع بهِ أولوا الألباب، وكتابُ (النَّهضَة الإصلاحيَّة) بين أيديكم يمكنكم أن تطالعوا الموضوع وتتأملوه، وتأخذوا خلاصته وتكتبوها على الجوابِ المُشارِ إليه.
ورأينا الجَوَابَ يقول: (فإنَّ الأسبابَ التي كانت عِلةً للتَّحريمِ في صدرِ الإسلام -وهي قصدُ التَّعظيمِ والعِبادة- قد زالتْ تماماً…) الخ.
قلتُ: الذي قد زالَ هو نصفُ هذه العِلَّة: وهي عبادةُ الصُّوَر، أما تعظيمُ الصُّوَرِ وتكريمها فظاهرٌ في تصوير صُور العظماء والشَّخصيات البارزة، ووضعِها في الأماكن العالية خُصوصاً في حفلات التَّكريم، وذكريات حياةِ العُظماء، وهذه قضيَّة مُسلَّمة.
ثمَّ نقولُ: إنَّ عِلةَ تحريمِ التَّصويرِ المنصُوص عليها في الحديثِ إنَّما هي مُضاهاة المخلوقِ للخالقِ المُصوِّر -جلَّ وعلا- في تصويرِ الإنسانِ والحَيوان، كما صرَّح بهِ الحديث: (الذين يُضَاهُونَ بخلقِ الله(10).
فلو فرضنا أنَّ علَّةَ التَّحريمِ إنَّما هي التَّعظيمُ والعبادة، وقد زالتْ هذه العلَّة تماماً في عصْرِنا هذا فمِن أين ينفلت المُصوِّر من علَّةِ التَّحريم المنصُوصة في الحديث الصَّحيح؛ وهي: المُضَاهاة(11) المذكورة سواءً قصَدَ المُضاهاة بالخالق عزَّ وجلَّ -والعياذ بالله- أو لم يقصدْها؟
وهذه العِلَّة المنصُوصة في الحديثِ هي التي يذكرها فُحول العلماء وأئمة الإسلام مثل الإمام النَّووي في شَرحِ مُسلم(12)، والإمامِ ابنِ حَجَر(13) في فتحِ الباري(14).
وقولُهُ في الجَوابِ: (إنَّ القاعِدَة الأصوليَّة المُقرَّرة في الدِّين: (أنَّ الحُكْمَ يدورُ مع العِلَّة نفياً وإثباتاً(15) …) الخ(16).
أقول: إنَّ العِلَّة المنصُوصة في الصَّحيح(17) -وهي مُضَاهاة الخالق -جلَّ وعزَّ- لا يشك مُسلمٌ عاقلٌ في وجودِها وتحققِها في الصُّور سواءً شاءَ أم أبى؛ وبهذا حَكَمَ أئمةُ الإسلامِ بحُرمةِ تصويرِ كلَّ ذي رُوحٍ حيواناً كان، أو إنساناً من العُظماء، وقادة الفكر في العالم، أو سوقة وأغبياء.
وقولُهُ في الجَوابِ: (واعتقد أنَّ كلَّ مُسلمٍ نوَّرَ اللهُ بصيرَتَهُ …) إلى قوله: ( لا يستطيع أن يناقشَ في حلِّ وفائدة التَّصوير …) الخ(18).
فأقولُ: إنَّ الإمامَ النَّووي وأئمةَ الإسلامِ من المُحدِّثين والفُقهاء يناقشون؛ بل ويحكمون بحُرمة هذا التَّصوير الحيواني لوجود عِلَّة المُضاهاة المنصُوص عليها في الصَّحيح، وطبقاً للقاعدةِ المُقررة في الأصُول: (أنَّ الحُكْمَ يدورُ مع العِلَّة وجُوداً و عَدَمَاً، ونفياً وإثباتاً).
فما ترى ماذا يكون جوابُ كاتبِ الجوابِ المذكورِ إذا سألناه عن الإمامِ النَّووي، وغيره من أئمةِ الإسلامِ القائلين بحُرمة تصوير(19) الحيوان والإنسان صورةً كاملةً مستدلين بإطلاقِ الأحاديثِ الصَّحيحة، ووجود العِلَّة المنصُوصة في لفظِ الحديثِ الصَّحيح؛ وهي: المُضَاهاةُ بخلقِ اللهِ -سبحانه وتعالى-؟ هل هؤلاء العُلماء أئمة الإسلام ممن نوَّرَ الله بصائرَهم، ورَفَعَ عن قلوبِهم وعقولِهم غِشاوةَ الجَهْلِ والتَّعصُّب؟
أم هم كلُّهم كمَا وصَفَ في جوابهِ -عياذاً بالله تعالى- حيث أنَّهم ناقشوا؛ بل حكموا بحُرمة التَّصوير الحيواني، ولم يلتفتوا لهذه الفائدة(20) المُعارضة لنصِّ الحديث والعِلَّة المنصوصة، وقد قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[الحشر:7]، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)[الحجرات:1].
وقولهُ في الجَوابِ: (لقد تركَ أسلافُنا العَرَبُ …) إلى قوله: (تراثاً فنياً ضخماً … الخ(21).
فنقولُ: مَنْ هؤلاء أسلافُنا مِنَ العَربِ المُسلمين الذين تركوا لنا تراثاً فنياً ضخماً من فنِّ تصوير الحيوان؟
هل هم من الصَّحابة, أو التابعين، أو أتباع التابعين، أو ممن جاء بعدهم من أئمة الإسلام، وحملةِ رايةِ القرآن والسُّنة النَّبوية المشهورين المعروفين بتراجمهم المعروفة بين المسلمين؟
فنرجوه أنْ يبينَ لنا مَن هُم هؤلاء السَّلف الصَّالحون الذين برعوا في فنِّ تصوير الحيوان؟
وليُصرِّح لنا بأسماءِ هؤلاء الأساتذة العباقرة، ومن أي طبقة من طبقات عُلمَاء الأمّة الإسلاميِّة هُم؟
من أهلِ السَّلف، أو مِن الخلَف، أو من المُتأخرين حتى نفاخرَ بهم أساتذة الأمم الغربيَّة، وعباقرتهم الذين برعوا في فنِّ تصوير الصُّور الحيوانية الذين يُضاهون بخلقِ الله، الذين هُم أشدُّ النَّاسِ عذاباً يوم القيامة بنصِّ الحديثِ النَّبوي الصَّحيح(22).
ثُمَّ قالَ كاتبُ الجوابِ: (هذا: -أي إباحة(23) تصويرِ الصُّور الحيوانية- هو رأي الفاهمين المُستنيرين من عُلماء الإسلام الذين فهموا معنى الإسلام الصَّحيح، وأدركوا مقتضيات الأحوال، وعلى رأس هؤلاء الأستاذ مُحمَّد عبده(24) أحد أساطين وعباقرة رجال الدِّين في العصر الحديث)اهـ.
أقول: إنَّ تحريمِ تصوير الصُّور الحيوانية التَّامة الكاملة هو رأي علماء الدِّين، وأئمةِ المُسلمين الذين نوَّر اللهُ بصائرَهم ورثة النَّبي(ص)25) علماً وعملاً واعتقاداً الذين فقَّهم اللهُ في الدِّين حتى فهموا معنى الإسلام الصَّحيح، وبلغوه للنَّاس على بصيرة على أحسن الوجوه الصَّحيحة، وقدموا للناسِ تعاليمَ ديننا الحنيف نقيةً ناصعةً صحيحة مسايرة لحياةِ الإنسانيَّة الكاملة، متمشية مع نواميس الحياة الإسلامية الحقَّة حتى تصل بهم إلى الحياة الأبديَّة، والسّعادة السَّرمديَّة، وعلى رأسِ هؤلاء الأعلام الأستاذ الإمامُ مُحيي الدِّين النَّووي أحد أئمة الدِّين، ورُكن مكين من رجال الإسلام الذين عليهم المُعوّل في العصر القديم والحديث، وكلُّ خيرٍ في اتباعِ مَن سَلَفَ، ليعلم هذا كاتبُ الجواب.
ويقولُ كاتبُ الجواب: (وهل يُعقل أن تُحرِّمَ الشَّريعة وسيلةً من وسائل العِلم …) الخ(26).
أقولُ: (إنَّ الشَّريعة الإسلامية، وتعاليم الدِّين الحكيم لا تُحرِّم وسيلة من وسائل العلم النَّافع، والعمل الصَّالح في نظر الشَّارع الحكيم، وقوانينه الشَّرعيَّة المُنزَّلة من حكيم خبير حميد، ويكفي العاقل اللبيب أن يعلمَ ويعتقدَ جازماً أنَّ الشَّارعَ الحكيمَ لا يأمرُ بفعلِ شيء إلا لأنَّه وسيلة للخير، وحسن العاقبة عاجلاً وآجلاً، ولا ينهى عن شيء، ويتوعد فاعله -سيما بالوعيد الشَّديد- إلا لأنَّه وسيلة إلى الشَّر والضَّررِ عاجلاً وآجلاً.
ولو لم يعلم بحكمة التَّشريع، ولا عِلةِ الأمرِ والنَّهي في الأحكامِ الشَّرعية كما كان عليه الصَّدرُ الأوَّلُ أصحاب رسولِ اللهِ (ص)27) الذين هم خيرُ القرون الإسلامية؛ اللهم إلا في القليل النَّادر من يسأل الرسول(ص)28)عن حكمةِ التَّشريع في بعضِ الأحكام، اكتفاء بعلمهم وإيمانهم الكامل بحكمة الشَّارع الحكيم، وكانوا -رضي اللهُ عنهم- المثل الأعلى في العمل بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[الحشر:7]
ثمَّ جاء دور القرن الرَّابع عشر عصر الغربلة، والنقد الخارجي، والنقد الداخلي والافتيات، والتقدم بين يدي الله ورسوله، ودعوى استنباط الأحكام الشَّرعية من منابعها الصَّافية الأصليَّة -كتاب الله وسُنَّة رسوله- وعرضها على الناس صافية نقية عرضاً يتمشى على مقتضيات الحياة الاجتماعية، وما تقتضيه تطورات نظم عصر المدنية، وتقاليد الأمم الغربية حتى فيما لا يتفق مع السُنن النَّبوية، والأحكام الشَّرعية من النظم الغربية، والقوانين الوضعية.
سَارَتْ مُشَرِّقةً وسِرْتُ مُغَرِّباً شَتَّانَ بينَ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ(29)
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً عَمْرَكَ اللهُ كيْفَ يَلْتقِيَانِ؟
هي شَرعيَّةٌ إذا …….(30) وسُهيلٌ إذا بدا (31)يمَانِ
وأما قول كاتب الجواب: ( وإنْ لمْ ينتبه رجالُ الدِّين إلى واجبهم …) الخ(32)
فنحنُ لنا كلمة على جوابِهِ ربما نستغرق أربع صفحات كبار؛ ولكنه من المحال أن يقتنع منها كاتبُ الجواب، ومن نحا نحوه.
فمن العبث أن نحاولَ اقناع هذا الطِّراز الحديث المُيَّسر لمَا خُلِقَ له، المُتوجه إلى وجهته المُقدَّرة له: (ولكل وجهة هو موليها)[البقرة:148] وفي قراءة: هو مولاها(٣٣).
فلقد ضربنا صفحاً عن الجوابِ حرصاً على اغتنامِ الوقتِ العزيز، ثُم لا يخفاكم أنَّ كلامَ علماء الدِّين وأئمةِ المُسلمين الذين تكلموا في موضوع التَّصوير؛ كالإمامِ النَّووي، وابن حَجَر في (فتح الباري)، وغيرهما، إنَّما هو في التَّصوير العملي اليدوي، أمَّا التَّصوير الفنّي الحديث بواسطة الآلة الحديثة (الفتوغراف(34) المسمى: حبس(35) الظل إنَّما حدَثَ قريباً فتكلَّمَ فيه علماءُ العصرِ في مصر وغيرها، أما الأستاذ أبو سيف الحمامي في كتابه (النَّهضَة الإصلاحيَّة) فقد شدَّد النَّكير على فاعلهِ الذي يُصوّر به الصُّور الحيوانية، وأدخله في مفهوم إطلاق الأحاديث الواردة في تحريم التَّصوير، وافتى بحُرمة التَّصوير الفنّي الفتوغرافي إفتاءً لا هوادةَ فيه اعتماداً على ما ظهرَ له من الدليل، أما الأستاذ محمَّد عبده ومن وافقه من عُلماء العصر، فقد افتوا بإباحته:
وكلٌ يدَّعِي وصْلاً بلَيْلَى(36)
(كل حزب بما لديهم فرحون)[المؤمنون:53، الروم:32]
انظروا (النَّهضَة الإصلاحيَّة)، وتأملوا موضوع التَّصوير، واللهُ اعلم بالصَّواب.
فَتْوَى الإمامِ النَّووي -رضي اللهُ عنه-:
قالَ الإمامُ المُحقّق ولىُّ اللهِ تعالى من غير مِرية، وأحدُ الأفراد في هذه الأمّة، الشَّيخ النَّووي في شَرْحهِ على صحيح مُسلم ما نصّه: (قالَ أصْحابُنا -(أي الشَّافعيَّة(37)- وغيرُهم من العُلماء: تصْويرُ صُورةِ الحيوان حرامٌ شديدُ التَّحريم، وهو منَ الكبائر؛ لأنَّه مُتوَعَّدٌ عليهِ بهذا الوعيد الشَّديدِ المذكورِ في الأحاديثِ، وسواءٌ صَنَعَهُ بما يُمْتَهنُ، أو بغيرهِ فصَنْعتُهُ حرامٌ بكلِّ حال؛ لأنَّ فيه مُضَاهاة لخلقِ الله تعالى؛ وسواءٌ ما كانَ في ثوبٍ، أو بِساطٍ، أو درهمٍ، أو دِينَارٍ، أو فلْسٍ، أو إناءٍ، [أو حائِطٍ(38)]، أو غيرِها.
وأما تصويرُ صُورةِ الشَّجَر، ورِحَالِ الأبل، وغيرِ ذلكَ ممَّا ليسَ فيه صُورة حيوان فليسَ بِحرَام)اهـ(39)، نقله الأستاذُ الإمامُ الشَّيخ مُصطفى الحمامي في كتابه (النَّهضَة الإصلاحيَّة) صحيفة 311 ثم أفاضَ(40) في النقل عن عُلماء الدِّين في تحريم التَّصوير الحيواني، فانظروه فإنَّه نفيس.
فَتْوَى الأستاذ الإمامِ الشَّيخ يُوسِف الدِّجْوي(41)
س: ما حُكم الصُّورة الفوتوغرافيَّة، أو الفنيَّة لإنسانٍ وحيوان، أو غيرِهما كالأشجار من حيث النَّظر، والاستصناع؟
الجوابُ: يُباح التَّصوير إن كان لصُورة غير حيوان كالأشجار، والبناء، ويباح النَّظر للصُّورة سواء كانت كاملة، أم ناقصة، لها ظل بأن كانت جسمية، أم لا؛ كالفوتوغرافية، أمَّا إن كان التَّصوير لحيوان سواء كان إنساناً أم لا ففيه تفصيل:
فإن كانت الصُّورة لا ظلَّ لها كالفوتوغرافية كُره عملها والنَّظر إليها، وأن كان لها ظل فاصطناعُها والنَّظر إليها حرام إن كانت تامة الأعضاء، وإلا ففعلها والنَّظر إليها مكروهان، أو خلاف الأولى. هذا كله مُقتضى مذهب مالك، والله أعلم اهـ مجلة الأزهر الصَّادرة في جمادى الأولى سنة 1355هـ.
يظهرُ من فتوى الأستاذ يُوسِف الدِّجْوي كراهة التَّصوير الفنّي بالفوتوغراف. وفتوى الأستاذ أبي سيف الحمامي تُصرِّح بتحريم تصوير الصُّور الحيوانية التامة الأعضاء سواء كان التَّصوير عملياً يدوياً، أم فنياً فتوغرافياً تبعاً لإطلاق الأحاديث النَّبوية، وإطلاق فتوى شيخ الإسلام الإمام النَّووي.
والذي أراه أقرب إلى الاحتياط فتوى الإمام النَّووي، والأقرب إلى عُموم البلوَى(42)، وشُبهة خلافِ أساتذة مصر(43) فتوى الأستاذ يُوسف الدِّجْوي: كراهة تصوير الصُّور الحيوانية التي لا ظلَّ لها، وكراهة النَّظر إليها كالصورة الفوتوغرافية، والرقميَّة؛ سواء كانت في ثوبٍ، أو لوحٍ، أو ورقٍ، أو حائط، أمَّا إن كان هناك حال ضرورية؛ فالضرورات تبيح المحظورات: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)[البقرة:173]، والله أعلم.
والسَّلامُ عليكم.
مِنْ كاتبهِ الفقير: سَعِيد بن صدّيق جَان.
[تتمة]
ثُمَّ ختمَ كاتبُ الجواب مقالته في موضوع التَّصوير بقوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)[محمد:38].
أقولُ: لا أدري ماذا فَهِمَ الكاتبُ من هذه الآية الكريمة، والموعظة البليغة حتى استشهد بها في خاتمة جوابه؟
فإنَّ فهِمَ منها أنَّ الأمة الإسلامية إذا تولتْ وأعرضتْ عن العمل بتعاليم الدِّين، وهجرت سننَ رسولِ ربِّ العالمين، وتطرَّفتْ وانحرفتْ عن الصِراط المستقيم، وبدلت نعمة الله عليها بتعاليم دين الإسلام المقررة في كتابِ الله وسنةِ رسوله(ص)٤٤) فإنَّ الله الحكم العدل لا بدَّ أن يذيقهم شديد عقابه، ويستبدل قوماً غيرهم، ثم لا يكونوا أمثالهم، فقد أصاب فهمه الآية المذكورة؛ (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)[الأنفال:53].
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) الآية[المائدة:54].
وقال تعالى: (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب)[البقرة:211].
أليس دين الإسلام أكبر نعمة أنعم الله بها على المسلمين؟
أليس كتاب الله وتعاليمه الرَّشيدة، وسنة رسوله المبيِّنة المفسِّرة لأحكامه وأخلاقه وآدابه وأعماله الصَّالحة نعمة عظمى، ومنَّة كبرى يجب شكر المسلمين عليها، بالعمل بها، والاستقامة على منهاجها القويم، وصراطها المستقيم؟
ثم أنظر إلى الحالِ الحاضرة، وكيف سير المسلمين اليوم؟
وهل حصلَ منهم تغييرٌ وتبديلٌ مشاهد محسوس؟ ثم تأمل كيف عاقبَ الله -عزَّ وجلَّ- من غيَّرَ وبدَّلَ نعمة اللهِ عليه من الأمم الإسلامية اليوم مما حلَّ بها مما ترى وتسمع؟
وإلى اللهِ المُشتكى، ولا عاصمَ من أمرِ الله إلا من رَحِم، (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء الله لهداكم أجمعين)[النحل:9].
فليتأمل كاتبُ الجوابِ هذه الحقيقة بدقّة مع ملاحظة الأخلاق والأعمال والأحوال الجارية بين المسلمين.
تنبيه:
في الجزء الأول من اخبار الشيخ سعيد جان الصادر في مجلة حضرموت الثقافية عدد (٣٣) حصل سقط من منسق المقالات بالمجلة تحت عنوان زواجه بعد قوله وانجبت له ثلاث بنات.
والسقط هو :
أولاده:
خلف -رحمه الله- ثلاث بنات:
١-الكبرى: تزوجها السيد عبدالله بن طاهر الحداد (ت:٨٦٣١هج) أخو السيد علوي بن طاهر الحداد صاحب الشامل في تاريخ حضرموت؛ وكان كبير السن عندما تزوجها؛ وقد أنجبت له ابنين وبنتا.
٢-الوسطى: تزوجها أولا السيد حامد بن أحمد الحداد؛ وله منها بنت؛ ثم فارقها؛ فتزوجها بعده المقدم أحمد بن عمر باصرة؛ وتوفيت سنة (٧١٠٢م)؛ وقد خلفت له ابنين.
٣-الصغرى: تزوجها السيد علوي بن محمد المحضار؛ وله منها بنت.
ثم فارقها فتزوجها بعد ذلك عثمان بن إبراهيم الشيباني (العدني) …الخ.
الهوامش:
(1)خلط -رحمه الله- بين الشهر القمري، والعام الميلادي، و20/ ربيع ثاني/ سنة (1371هـ) يوافقها: 18/ يناير/ سنة (1952م).
(2)في الأصل: صلاة.
(3)صوابه: رئيس مجلس القضاء الشرعي، أو رئيس القضاة الشرعيين.
(4) الشيخ عبدالله بن عوض بُكير: وُلد سنة (1314هـ) بغيل باوزير، واشتغل بطلب العلم على الشيخ عُمر بادباه، ولازمه نحو خمسة عشر عاماً, وَجَدَّ في التحصيل والمذاكرة، وطالع بنفسه علوماً كثيرة, وأخذ عن الشيخ عمر بن يعقوب باوزير, ثم رحل إلى (سيون)، وأخذ عن السيد علي الحبشي، وولي إمامة مسجد (الصداع), ثم إمامة مسجد (حباير), ثم ولي الإمامة بـمسجد (الروضة) بالغيل, ثم (اليافعي) بها، وولي قضاء بندر المكلا في فاتحة ربيع الأول سنة (1351هـ) =1932م، وكانت له اليد الطولى في إصلاح نظام القضاء، وله فتاوى كثيرة, وأحكام غير مجموعة، توفي يوم الاثنين 17/جمادى الثانية /سنة (1399هـ) =14/5/1979م.
(5)لم يتبين لي من كاتب هذا الجواب؟ وهو –أي الجواب- مرفق بمكاتبة الشيخ سعيد جان إلا أنه لم يكتب عليه اسم كاتبه.
(6)النووي: هو محرر ومحقق المذهب الشافعي، الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني النووي، ولد في (نوى) من قرى حوران بسورية سنة (631هـ)، وأخذ عن الكمال الإربلي، والتاج الفزاري، توفي النووي سنة (676هـ)، انظر الأعلام للزركلي 8/149، وكتابنا الفوائد الحضرمية ص104.
(7)انظر شرح مسلم للنووي 14/81
(8)الشيخ مصطفى أبو سيف الحمامي خطيب المسجد الزينبي بالقاهرة، له كتاب (النهضة الإصلاحية)، توفي سنة (1368هـ)، انظر الأعلام للزركلي 7/235
(9)كتاب النهضة الإصلاحية للحمامي مطبوع.
(10)حديث عائشة قال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، أخرجه البخاري برقم (5954)، ومسلم برقم (2107/92)، وغيرهما.
(11)في الأصل: مضاهاة.
(12)انظر شرح مسلم للنووي 14/81
(13)ابن حجر: هو الإمام أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد صاحب أفضل وأشهر شرح على البخاري والمسمى: (فتح الباري)، وله غير ذلك من المصنفات النافعة، أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ووفاته بالقاهرة، توفي سنة (852هـ)، انظر الضوء اللامع للسخاوي 2/36، والبدر الطالع للشوكاني 1/87، والأعلام للزركلي 1/178
(14)انظر فتح الباري 10/384
(15)(الحكم يدور مع علته نفياً وإثباتاً وجوداً وعدماً) قاعدة مشهورة عند أهل العلم، انظر فتح الباري 9/240، و10/56، وحاشية الشرواني على التحفة 4/101، وحاشية الرملي على الأسنى 3/105، ونهاية المحتاج 3/293
(16)وتكملة الجواب: (إن القاعدة الأصولية المقررة في الدين أن الحكم يدور مع العلة نفياً وإثباتاً؛ فإذا انتفت أسباب الحكم انتفى هو تبعاً لها، وما دامت أسبابه قائمة احتفظ بشرعيته ووجوده).
(17)يعني صحيح البخاري ومسلم.
(18)تكملة الجواب هي: (واعتقد أنَّ كلَّ مُسلمٍ نوَّرَ اللهُ بصيرَتَهُ، ورفع على قلبه وعقله غشاوة الجهل والتعصب لا يستطيع أن يناقشَ في حلِّ وفائدة التَّصوير، وعدم ضرره على الدين عملاً وعقيدة).
(19)في الأصل التصوير، ولعل الصواب ما صححناه.
(20)يعني فائدة التصوير.
(21)تكملة الجواب: (لقد تركَ أسلافُنا العربُ في عصور مدنياتهم الزاهرة تراثاً فنياً ضخماً لا يستطيع أحد أن يزعم أنهم بعملهم هذا قد أساءوا إلى الدين، أو جهلوا فهم حقيقته).
(22)حديث ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، أخرجه البخاري برقم (5950)، ومسلم برقم (2109/98).
(23)في الأصل: أباح.
(24)هو محمد عبده بن حسن خير الله التركماني مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد، انظر الأعلام للزركلي 6/252
(25)(ص): اختصار لـ(صلى الله عليه وسلم)، والأولى إثباتها بدون اختصار.
(26)تكملة الجواب: (وهل يعقل أن تحرم الشريعة وسيلة من وسائل العلم لا خطر فيها على الدين لا من جهة العقيدة، ولا من جهة العمل).
(27) (ص) اختصار ل (صلى الله عليه وسلم).
(28) (ص) اختصار ل (صلى الله عليه وسلم).
(29)البيت مشهور في كتب أهل العلم، ولم أعثر على قائله.
(30)كلمة غير واضحة.
(31)كلمة غير واضحة؛ والبيتان لعمر بن أبي ربيعة، لكن حصل تحوير في البيت الثاني، وأصله هكذا:
هي شامية إذا ما استقلت *** وسهيل إذا ما استقل يمان
انظر ديوان عمر بن أبي ربيعة ص358، وشرح ديوان الحماسة للأصفهاني 1/457
(32)تكملة الجواب: (وإن لم يتنبه رجال الدين إلى واجبهم ستدور عليهم عجلة الزمان، ويتخلفون عن القافلة، وتحل بهم سنة الله في الكون).
(٣٣)وهي قراءة ابن عامر، انظر تفسير ابن كثير 1/463
(34)الفوتو غراف: يعني الصورة الشمسية، انظر المعجم الدخيل ص158
(35)في الأصل: حسب الظل.
(36)البيت مشهور في كتب أهل العلم، ولم أعثر على قائله.
(37) لفظة (الشافعية) زيادة من عند الشيخ سعيد جان.
(38)كلمة (أو حائط) زدناها من شرح مسلم للنووي.
(39)انظر شرح مسلم للنووي 14/81
(40)يعني: الحمامي.
(41)يوسف بن أحمد الدجوي: مدرس من علماء الأزهر، ومن فقهاء المالكية، ولد في قرية (دِجْوة) من أعمال القليوبية بمصر، وتوفي سنة (1365هـ)، انظر الأعلام للزركلي 8/216
(42)عموم البلوى: ما لا يمكن للمكلفين الاحتراز عنه، ويعسر عليهم اجتنابه.
(43)أي تحرزاً وبعداً عن شبهة الخلاف، والمعنى أن التصوير الفوتوغرافي لا يكون محرماً لشبهة خلاف أساتذة مصر، و(شُبْهةُ الخلاف) معتبرة عند الأحناف انظر البناية شرح الهداية 2/٣٨٤
(٤٤) (ص) اختصار ل صلى الله عليه وسلم.
