كتابات
سليمان مطران
أحد أقدم حُفَّاظ الموروث الشعبي بمنطقة بور، لأكثر من 80 عامًا، ولا تزال ذاكرته تحتفظ بالموشحات الدينية (الرمضانية) والأهازيج وقصص الموروث الشعبي كالقناصة وبني مغراه ولعبة الشبواني.
وعندما تتناول مجلة حضرموت الثقافية أمثال هؤلاء المعمرين وتشير إليهم – وإن تشابهت تقاليدنا – فهذا تأكيد للهوية لما قبل 100عام بقيت في ذاكرتهم.
والمعمر سعيِّد حق لنا تناوله؛ فقد كان ولا يزال المتصدر في احتفالات القناصة، وأصوات بني مغراه، ولمحراب جبَّانة بور؛ يصدح بصوته الجميل الجذَّاب للأسماع قبل ثمانية أيام من دخول شهر رمضان، مرحِّبًا به كعادة آل بور في ذاك الزمان.
مثل هؤلاء (ذاكرة هوية وطن)، يجب الاهتمام به وأمثاله؛ لأنهم يمثلون الهُوِيَّة الشعبية للبلد وذاكرتها، ولكل مناطق حضرموت واديًا وساحلًا.
في 23/4/2018م نظم مكتب وزارة الثقافة بالوادي حفل تكريم له بدرع الوفاء، وكذا مركز بور الثقافي، كأحد أقدم حُفَّاظ الموروث الشعبي، وعرفانًا بدوره في حفظ الموروث الشعبي الشفهي؛ إذ لا تتوافر أجهزة التسجيل، وكان كل الاعتماد على السماع، ثم الحفظ، ثم الحفاظ على المحفوظ.
ثمانون عامًا ليست بالقصيرة، فأي ذاكرة يمتلكها المُنشد المعمِّر العم/ سعيِّد محمد صلاح قوقح المولود حوالي عام 1350هـجرية بمنطقة بور (شمال شرق سيئون، تبعد عنها بحوالي 13 كيلو مترًا)! مُشرِفًا على 100عام من عمره، و لا يزال محتفظًا بذاكرته، معتمدًا على نفسه في ذهابه وإيابه إلى المسجد، مشاركًا الناس أفراحهم وواجباتهم، لا يتكئ على عصا، هؤلاء حقًا (حفظوها في الصغر فحفظها الله لهم في الكبر).
الأستاذ/ سعيد أحمد قوقح مدير مركز بور الثقافي كان دليلي إليه أثناء تنظيم حفل التكريم، المفاجأة التي قالها لي إن زوجة العم سعيد هي أيضًا لها حضور في الإنشاد، ولديها حنجرة مُحفّزة للمشتغلات في الزراعة، كالسناوة، والحصاد وأهازيج الأفراح الرمضانية النسائية.. وهما (والدا زوجته).
إذن قراء مجلة حضرموت الثقافية، أنتم أمام زوجٍ وزوجةٍ غايةً في التواضع، وحب الناس، لا يزال طبعهم وأخلاقهم ومعاملاتهم بنقاء وصفاء الريف.
تحدث للمجلة العم سعيد المنشد الذي ناهز الـ 95 عامًا عن كيفية استقبال شهر رمضان بقوله:
قبل دخول شهر رمضان بثمانية أيام يرحبون به، وهي عادة أهل (بور)، ويكون ذلك في المساجد، وكانت قليلة وقتذاك (الجبّانة والجامع وحسن) بقولهم:
مرحبًا يا شهر رمضان *** مرحبًا شهر العبادة
مرحبًا يا شهر رمضان *** مرحبًا شهر السعادة
ومن التقاليد في رمضان “المثوِّر”، بكسر الميم وتضعيف الواو مع كسره، وهو الشخص الذي يجوب الشوارع ضاربًا على الطاسة، مع ذكر أسماء رب البيت، كقوله: (يافلان بن فلان.. فلاح فلاح)، مثلما هو معمول به في أقطار عربية، ويستمر طيلة شهر رمضان الذي تزداد فيه حركة زيارات الأهل والأقارب بعضهم لبعض، وتسمى “التشهير”، نوع من أنواع صلة الأرحام .
ومن ذكريات العم سعيد الختومات الرمضانية في المساجد، التي تبدأ ليلة سبع من رمضان في شاقح، بأهازيج شعبية من التراث “الترازيح”، ثم ليلة تسع في ديار آل عبود في بئر المديني ثم منطقة صليلة، غير أنه في الوقت الأخير توقفت الختومات وبقيت في الجبَّانة ومسجد حسن. ومن الأهازيج المرحِّبة بشهر رمضان:
رحِّبُوا يا صائمينَ
شهرُ رب العالمينَ
عادَهُ الله علينا
وعليكم أجمعينا
وتتجلَّى فرحة البنات بهذا الشهر، فلهن ترازيح وأهازيج خاصة تحت المسجد، يطلقون عليه اسم (تارووه)، وهي عادة سنوية رمضانية، يمرون على البيوت المجاورة، خاصة إذا كانت بداخلها عروس جديدة، أو مولود حديث، أو وصول مسافر، لاشك في أنَّها نوع من أنواع المشاركة الجماعية في التهنئة والمباركة لإدخال الفرحة إلى قلب الزوجة الجديدة، وإلى قلب الأم بمولودها، ولِمَنْ في البيت، ويحصلون مقابل ذلك على بعض النقود أو الحلوى والحنظل.
من أهازيج الأولاد قولهم:
هووي هووي دو حَقناه..
هووي هووي دو حقناه
الآن انتهت، وصارت ذكرى من الماضي بروعة وطيبة، أهل ذاك الزمان.
وعن أيام المجاعة، ومعاناتهم فيها يقول:
عام 1362هجرية إلى حوالي 1370هجرية، وقتها كانت الحياة لا أحد يستطيع وصفها، ناس مساكين متعبون، يأكلون قوت الحيوانات أكلوا (الحَمَط) و(البُصَّال)، وأشياء ما حد يأكلها أكلوها من شدة الجوع، وكَثُر الموت، كل من أكل أكل غير لائق يا هو يا غنمة غَبَشْ هو وإياها ميت، ولمَّا ما حصلوا قوت هربوا، أحد إلى الساحل (المكلا) وأحد إلى السواحل، ومنهم من راح إلى قبلة، شلوهم (نهبوهم). أنا تميت (بقِيْتُ) في بور ما رُحْنَا مكانًأ، عام 1362هجرية مات أبي.
وعن زواجه قال:
(كانت زوجته بجانبه).
تزوجت وسنّي ٢٧ سنة، وزوجتي كانت 15سنة (أتقنها)، بمعنى أعرفها، من يوم ولدت، وهي طفلة صغيرة أعرف أبوها، وهي ما تعرفه.
الجهاز (مهر العروسة) كان 50 شلنًا، وحريم عليهن عمد، ما هو حريم الوقت ذا، ما بغين يلقين شيء، لا شاهي بخاري، ولا يدهرن بُر، الضوء (نار التنور) يحرقهن.
(أعجبني استخدامه لفظة الضوء متجنبًا لفظة النار)، سبحان الله.
سألته: كيف معيشتكم كانت؟
لم يقل كيف، لكنه قال: ربنا يلطف بالخلق، الوقت ذا شبعوا معاد يحمدون الله على ما آتاهم من نعمة؛ العَدَين (القمامة) مليانة بأقراص الخبز، أول ما يلحقون هذا الأكل، يتمنون البِسِر (التمر قبل ما ينضج) يخرطونه (يسحبونه غصب) من النخل، وهو عاده (نقض) يدقونه، وإذا دقوه قمحوه، عشي (تجمع) في ماصيىرهم، ومات الكثير.
كان وقت سرقة ونهب، يقفزون على البيوت، كله من الجوع يجازيك (يدفعك) إلى السرقة.
العم سعيد معلم بنَّاء بيوت الطين تنقل من بور إلى عرمة ودوعن حوالي (112كم)، وقد وصل إلى شبوة.
ــ ما قبل 90 عامًا كيف كان البناؤون يتنقلون بين تلك المدن؟
أجاب: كُنَّا نسير على الأرجل من بور، وعددنا حوالي 15 نفرًا، إلى صِيف، من الصباح الباكر، نعبر طريق شبام، ونبيت (ننام) في العجلانية، قريب قعوضة، نصلي الفروض على الخط، اليوم الثاني نسرح إلى الهجرين، وننام فيها، تستغرق الرحلة ثلاثة أيام.
ــ ماذا عن أكلكم؟
قبل المسير تقوم الزوجة بترتيب الأكل من تمر وطعام “فتة” يابسة (خبز جاف)، إذا شعرت بالجوع الشديد، تأكل ما يسدك، لكنك ما شبعت، الحمدلله على كل حال.
20سنة قضيناها نشتغل في صِيف، ومن البيوت التي بنيناها أذكر بيوت آل باجعيفر، وسعيد سلوم، وباقطيان.
أجرة العامل كانت في عهد الإنجليز الفرانصة، ولما دخلت الجبهة القومية 5 شلنات ثم 10 شلنات.
سألته: بلدة بور فيها الشاعر سالم عبدالقادر العيدروس – رحمه الله – هل جالسته؟
– الحبيب العيدروس من كبار الشعراء، نحن كنا صغارًا، نحضر بس نشوف ونسمع جلساته مع مستور وشعراء كبار.. لكن أذكر مرة في شبواني في بور كان عمي (أخو أبوي) عوض قوقح شاعر عطاهم قول (شعر) قال:
يا ابن آدم لق لك ترتوب قدام المرض
وإلاَّ كُتُب مكتوب قبل شلات الجنازة للتراب
الرزق بيد الله وانت قرب الماء والحطب
ما هو بيد مخلوق مثلك لي بغى منك كتاب
الزار لي في بئر المصلى العام قالوا لي قُطُعْ
اليوم قد قطعوه قالوا لقى مئة عبية وألف زير
جوَّب سالم العيدروس:
يا ود بن قوقح با بدل اسمك وبلقي لك لقب
الناس مبعد جَنوا وانت قدك في رزيم
قالوا ليش تتعرض تحت باسيف وانت مافيك دم
قايستنا بدوي من الريده مربى على النصوب
• الزار: نوع من النخيل المشهورة في وادي حضرموت.
• بعد شهرين وأربعة وعشرين يومًا من إرسال المقال توفي المعمر سعيد قوقح (يوم الثلاثاء 27 من ذي القعدة 1455 هج الموافق 28/ مايو/ 2024م).
