كتابات
إيمان العولقي
” وعندما أطلق أبوه ثانية، راح الفيل يتهاوى، كشجرة مفلوقة، ترتمي بسرعة نحوهما. لكنه لم يمت بعد. لقد كان راسيًا. والآن صار طريحًا في الأرض مكسور الكتف. لم يأت بحركة، لكن عينه كانت نابضة بالحياة، وتنظر إلى ديڤد. كانت له أهداب طويلة جدًا. وكانت عينه أكثر شيء ينبض بالحياة، رآه ديڤد في حياته.
” أطلق عليه النار في دهليز أذنه بالبندقية عيار ٣٠٣ ”، قال أبوه: ” هيا “.
” أطلق عليه بنفسك ” قال له ديڤد. “
مقطع من قصة همنغواي « قصة أفريقية »، في الجزء الثالث من مجموعة القصص الكاملة لهمنغواي، ترجمة د. موسى الحالول.
*عبدالرزاق قرنح وروح أفريقيا
إلى هذه اللحظة صدرت إلى العربية روايتان للفائز بجائزة نوبل للآداب ٢٠٢١، الكاتب التنزاني عبدالرزاق قرنح: رواية « مابعد الموت » و« ذاكرة الرحيل » بترجمتين رائعتين متقنتين، للقديرتين نوف الميموني، وعبير عبدالواحد، من إصدارات دار أثر للنشر.
في « مابعد الموت » يرسم قرنح حياة شخصياته وتقاطعاتها، على مدى حقبة زمنية حساسة من صراعات قوى استعمارية، يخلق مجتمعًا تبلور من تبعاتها، يجعل من سكانه المحليين أبطالًا في السرد الروائي. تتضمن الرواية أيضًا مشاهد ثانوية لجنرالات وجنود أوروبيين وأسرة أوروبية ارتبط مصيرهم بالأراضي الأفريقية.
في « ذاكرة الرحيل » يقدم قرنح بلسان السارد نصًا روائيًا، يتَّسم بالرثائية والنوستالجيا العالية، للأرض والعائلة والأم والحبيبة، وسعى السارد لترتيب أموره في بلده، يدفعه أمل إلى الاستقرار فيها، ثم اضطراره إلى الرحيل رغم كل جهوده.
بعد إعلان فوز قرنح بجائزة نوبل، أعلنت لجنة تحكيم الجائزة عن دافع اختياره:
” مُنح الجائزة نظرًا إلى سرده “المتعاطف والذي يخلو من أي مساومة لآثار الاستعمار ومصير اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات “.
وأضافت: ” تفاني عبد الرزاق قرنح من أجل الحقيقة، وكرهه للتبسيط، مذهلان “.
وبحكم اشتغاله أكاديميًا أستاذًا للأدب ما بعد الكلونيالي في إنجلترا، ثم حصوله على أعلى جائزة غربية، صُنِّف من البعض أديبًا في سياق « ما بعد الكلونيالية »، غير أنَّ قرنح يرفض تصنيفه ضمن أي تسميات، فقال ردًا على ذلك: ” لا أصنف نفسي ككاتب ضمن أي تصنيفات. في الواقع، لست أكيدًا إن كنتُ أطلق على نفسي شيئًا غير اسمي “.
*مابعد الكلونيالية والديكلونيالية في المرآة
من خلال قراءاتي المتقاطعة، قراءة القصص الكاملة للكاتب الأمريكي آرنست همنغواي، ثم روايتي عبدالرزاق قرنح، تشكلت لدي إشكالية التعبير عن الآخر، وازدواجية تعامل الغرب على مستوى النضال أو الأكاديمية أو الأدبيات حيال الآخر، من جهة الهيمنة الثقافية، ودعم الأصوات الحرة الصادقة، من قلب المجتمعات المهمَّشة، ذات الشأن في سياق، يسمى بترجمة تحمل نغمة اللغة المصدر « مابعد الكلونيالية » وتصديره للتشويش، والكلمة لأستاذ الآداب الفرانكفونية في السوربون أنطوني مانجون، على الأصوات الأصيلة الآتية من قلب الأمم غير الغربية، كما تؤكد الناقدة الهندية ليلا غاندي.
وجدت أمامي عددًا من الجهود البحثية الملموسة، من باحثين آسيويين وأفريقيين ومن أمريكا اللاتينية، لمناقشة هذا التيار وتفكيكه، المراد تنميط كل توجه انتقادي للاستعمار ضمن إطاره.
من ذلك المدخل النقدي لحفيدة المهاتما غاندي الناقدة ليلا غاندي المسمى « نظرية ما بعد الكلونيالية، مدخل نقدي » وحوارات الفرنسي جان لو أمسيل والسنغالي سليمان بشير دياني بتقديم أنطوني مانجون في كتاب « أفريقيا أفقاً للفكر، في مساءلة الكونية ومابعد الكلونيالية ».
هذان الكتابان أعُدُّهما مرجعين مهمَّين لي، في سعيٍ للبحث عن عناوين أخرى، للرجوع المستمر إلى الأفكار الفلسفية والأسماء المعنية والكتب والمقالات المكتوبة بصدد هذا النقاش. وملخص ما توصلوا إليه من أن النظرية التي احتضنتْها الأكاديمية الغربية ومنحتها الترويج بدعمها اللامحدود وأغدقت عليها وافر الانتشار ماهي إلا كما وردت في الأوصاف المرفقة الآتية:
إذ بعد استفاضة موسعة استوعبت مجمل الأفكار المتشعبة بخصوص الجدل ما بعد الكلونيالي تقول ليلا غاندي:
” متى تماهت ما بعد الكلونيالية للغاية الهامة للكلونيالية، تصبح يوتيوبيا على نحو زائف أو معلنة بشكل غير ناضج “.
وتضيف بعبارة أخرى: ” قد تستمر ما بعد الكلونيالية، رغم أفضل النوايا، ببساطة في توزيع نبيذ معتق داخل قناني جديدة “.
في كتاب « أفريقيا أفقاً للفكر » يشرح جان لو أمسيل في أولى مقالاته موقفه منها فيقول:
” مابعد الكلونيالية تبدو لي، بحيلة جديدة من حيل العقل، الوسيلة الأكثر وثوقاً لإرساء سيطرة الغرب وهيمنته فيما هي تخال أنها تقوم بانقلاب عليه “.
ما سبق هو ما تروم إليه النظرية المقابلة لما بعد الكلونيالية، المسماة كذلك بنغمة اللغة المصدر في العربية: « الديكلونيالية ». التي أسهمت أيضًا في إظهارها الأكاديمية الغربية ذاتها؛ لما تتمتع به من هامش حرية، ومستوى واسع الأفق، لمناقشة مختلف الأفكار المتضادة واستيعابها وإن نسبيًا.
*الإنسانية خيار إلغاء التصنيفات
في مقابلة أثيرة للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، يجيب عن رؤيته الخاصة فيما يخص نجاح إنتاجاته الأدبية، فيوجزها في أمرين أساسيين: التزامه بالصدق، والكتابة عن ما يعرفه من خلفيات اجتماعية وعامة في محيط بلده.
ويصرح الفنان الأديب جميس بلدوين عن نفسه قائلًا إنه مجرد شاهد على أحداث أمريكا الحقيقية.
إذن المصداقية والمعرفة والمعاينة القريبة، ثمة رابط لها جميعًا تؤكده « إنسانية الكاتب »؛ إذ توثق قبوله اللامحدود جغرافيًا وثقافيًا، من غير التقيد بانحيازات فردية أو جماعية.
أعود إلى نهاية القصة الجميلة لهمنغواي التي أعجبتني صياغتها الفنية وروحها الإنسانية، وعلى نحو متصل، الإشادة بالترجمة الرائعة للدكتور موسى الحالول، والإصدار الذي تفردت به منشورات سلسلة إبداعات عالمية مشكورة.
” ثم جلسوا على كراسي للشيوخ، تحت ظل شجرة التين، ينظرون إلى النابين المسندين إلى جدار الكوخ، ويشربون الشراب بكؤوس من يقطين، جاءت بها فتاة وأخوها الأصغر، خادم الأبطال، الذي جلس على التراب، بجانب كلب بطل صاحبه، بطل يمسك بديك عجوز، رُقي إلى مرتبة صفي الأبطال من الديوك. ظلوا يجلسون هناك ويشربون الشراب، بينما بدأ قرع على الطبل الكبير، وأخذ النّغوما يتصاعد نحو الذروة “.
والنّغوما: تعني الطبل أو الرقص في اللغة السواحلية.
المراجع:
رواية « مابعد الموت »، عبدالرزاق قرنح، ترجمة نوف الميموني.
رواية « ذاكرة الرحيل »، عبدالرزاق قرنح، ترجمة عبير عبدالواحد.
كتاب « نظرية مابعد الكلونيالية مدخل نقدي »، ليلا غاندي، ترجمة لحسن أحمامة.
كتاب « أفريقيا أفقاً للفكر في مساءلة الكونية ومابعد الكلونيالية »، جان لو أمسيل وسليمان بشير دياني، ترجمة فريد الزاهي.
الجزء الثالث من القصص الكاملة، لآرنست همنغواي، ترجمة د. موسى الحالول.
مقال فيBBC عربي عن فوز قرنح بجائزة نوبل للآداب ٢٠٢١.
مقابلة أوس يعقوب مع الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي في شبكة الويب.
مقالة « جيمس بولدوين الشاهد على وجه أمريكا الحقيقي » في شبكة الويب.