نقد
عبدالله رجب عمر باصدّيق
الجزء الثاني
المبحث الثاني: التشكل البصري لسيميائية علامات الترقيم في ديوان (العشق في حضرة الكلمات)
المطلب الأول: إحصائية الترقيم في ديوان (العشق في حضرة الكلمات):
تتبع الباحث علامات الترقيم الشعرية وتشكلها البصري عند الشاعر سالم عبدالله بن سلمان في ديوانه (العشق في حضرة الكلمات) فوجدها كالآتي:
تلك هي الإحصائية العامة لعلامات الترقيم الشعرية في ديوان )العشق في حضرة الكلمات(، ويمكن تفصيلها في الآتي:
ورد في الديوان (16) مرة، تنعدم في القسم الثاني من الديوان، وتكثر في القسم الأول، حيث وردت (13) مرة، وتقل في القسم الثالث حيث وردت (3) مرات فقط، وتلك إحصائية لها دلالتها، فكثرت في القسم الأول الذي عنوانه (من خضم الحياة)، والحياة مليئة بالعجائب والغرائب ومشحونة بالمؤثرات والانفعالات، وقلّت في القسم الثالث الذي عنوانه (أحزان ودموع)، والأحزان لا تكون إلا على ما مضى، فمن أجله تسكب الدموع، وهذا – غالبًا – تكون الأمور قد تكشفت واتضحت، فالعجب فيها ينعدم أو يقل؛ لهذا قلَّتْ في هذا القسم.
أما القسم الثاني الذي عنوانه (همسات الروح) الذي انعدمت فيه هذه العلامة؛ فلاتصال الروح بالملكوت الأعلى، بالمناجاة والأذان والصلاة والسياحة في رحاب نور الحق، ومن كان هذا حاله فلا مجال للعجب والتأثر، وتقلبات النفس وتغيراتها الانفعالية.
جاءت في الديوان في القسم الأول (11) مرة، والثالث (7) مرات، وانعدمت في القسم الثاني، وسيميائية ذلك أن علامة الاستفهام تُعدُّ من أهم العلامات السيميوطيقية، التي تحيل إلى ما فيه دهشة فلسفية وحيرة كونية، كما أنها رمز للكشف والعلم والمعرفة والحرص على طلب الحقيقة؛ لهذا نجدها تكثر في القسم الأول (من خضم الحياة)، فالحياة تحمل في طياتها الحيرة، وتحمل في أثنائها الدهشة، كما تحمل في ذاتها فلسفة، تحثُّ على الكشف العلمي، والطلب الإبستمولوجي الذي يدفع إلى الأسئلة، يبين ذلك قصيدته في هذا القسم التي هي بعنوان (تساؤلات؟) التي احتوت على ما يقريب من النصف من هذه العلامة.
لا نجد تلك الهيموطيقا للتأويل في القسم الثالث؛ إذ إنها استفهامات تميل نحو التفلسف، وطرح الأسئلة التي لا جواب لها، وتزول تلك في القسم الثاني؛ إذ الإيمان بعمق بالغيبيات تزول عنه كل التساؤلات في همسات الروح.
ورد في القسم الأول (6) مرات، وفي القسم الثالث (5)، أما في القسم الثاني فلم تأت إلا مرتين في صفحة واحدة وفي جملة واحدة مكررة وهي قوله: (عليك الصلاة) [1]، وسيميائية ذلك أن خضم الحياة يعتريها التعب والإعياء، وتحتاج إلى التوقف للاسترخاء وغلق فضاء الفكر، كذلك القسم الثاني فالأحزان والدموع لن تكون متواصلة فلا بد من لحظات الراحة التي تعقب الحزن وانسكاب الدمع، (لعلَّ انحدار الدمع يعقب راحة). أما دلالة قلَّتها في القسم الثاني فتلك دلالة خاصة مجال الحديث عنها في المطلب الثاني.
هي علامة الحذف في دلالة علامات الترقيم عند نقل الكلام بنصه والاستغناء عن بعضه، فأمانة العلم تقتضي الإشارة للمحذوف بهذه العلامة، أما سيميائيتها الشعرية فالجملة الشعرية التي يُنهيها الشاعر الحديث إشارة منه لشيءٍ ما لا يريد قوله صراحة بالكتابة، لكنه يفهمه الناقد الذرائعي من الدلالات السابقة له، فالجملة الشعرية انتهت دلالتها اللفظية، لكن لم تنته دلالتها السيميائية.
وقد تكافأت هذه العلامة في القسم الأول، والثالث، وانعدمت في القسم الثاني؛ دلالةً على أن الحياة فيها أسرار لم يفصح عنها الشاعر، ليترك المجال الهرمينوطيقي للناقد يستكشفها، وأن دموع حزنه حالت عن الإفصاح عن ما في نفسه فبقيت العَبَرة على حلقه.
لا يوجد لهذه العلامة بين علامات الترقيم مكانٌ، ولكنها ابتكرت في الشعر العربي الحديث، فهي علامة سيميوطيقية جديدة في عالم الترقيم للدلالة على التوتر، وقد ((وظّفت في إطار التلقي البصري لحسم الجدل الشفهي والمكتوب من خلال دلالتها البصرية على توقف صوت المنشد مؤقتًا؛ بسبب التوتر الذي يدفعه إلى إسقاط الروابط النحوية))[2]؛ ليكتفي بالعلامة في تشكلها البصري للنص؛ ليأخذ المتلقي وقته في التخيل والاستمتاع بجمال النص، وقد وردت هذه العلامة في الديوان (111) مرة، وزّعت على الآتي:
القسم الأول وعنوانه (في خضم الحياة) وردت فيه (75) مرة، ودلالتها السيميائية تشير إلى أن قلاقل الحياة الباعثة على التوتر كثيرة؛ لهذا نجدها تنخفض كثيرًا في القسم الثالث، فما هي إلا توترات يتوقف الشاعر فيها بسبب ما تفرضه الأحزان من دموع تعيقه عن الحديث والمشافهة، لكنها تقل كثيرًا في القسم الثاني؛ لتصل إلى (12) مرة؛ لإعطاء القارئ وقتًا إضافيًّا؛ ليشارك الشاعر ابتهاله ومناجاته.
المطلب الثاني: سيميائية الترقيم في ديوان (العشق في حضرة الكلمات):
يطرح الشاعر رؤيته التجديدية في شكلانية النص الشعري، وسيميائية العلامة الترقيمية، وخروجه من الصيغ المتوارثة في الكتابة التقليدية للنص الشعري، ودخوله في التحول الحداثي للشاعر المعاصر، والشاعرابن سلمان شاعر معاصر، استفاد ويستفيد من التقنية الحداثية، فهو عندما يوظّف تلك العلامات ويعطيها بُعدًا إبداعيًّا وسيميائيًّا في رسم رؤية فكرية تتسم بالاتساع الدلالي الكبير، قد تعجز اللغة نفسها عن الإتيان بتلك الدلالات، يتم ذلك عن وعي بها وغرض ينسجم مع حداثتها، خاصة أنه هو الذي أشرف على طباعة ديوانه، فهو من إصدارات دار حضرموت للدراسات والنشر، تلك الدار التي هو يملكها ويديرها.
فهو يستدرج علامات الترقيم بقصد؛ ليستعملها بتقنية، لمصلحة نصه الشعري؛ فيوظفها لخدمة الرؤية الإبداعية لديه؛ ليتعامل معها دلالة لغوية وبصرية، تعكس للمتلقي دلالات جديدة.
وفي هذا المطلب سنقف على هذه العلامات، والوقوف على كل علامة أمر يطول به البحث، لكنْ حسبُنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
هكذا عُرفت في الإملاء، ولاتساع دلالتها النفسية للفرح والانفعال والاندهاش والاستغراب والتوتر أطلق عليها البعض علامة المواقف الذاتية والموضوعية، فهي تشير إلى فضاء الأزمات النفسية بأنواعها، وقد وظّفها الشاعر في نصوصه؛ للدلالة على حالة انفعال تتسم بالتعجب والحيرة، من ذلك قوله: في قصيدة أمل:
شاسع أفقه/ ومداه طويل/ ومن أجله
تطلق الروح أشواقها/ فتميل
إلى نزهة العمر/ أو رحلة المستحيل![4]
فالأمل رؤية النفس للعالم المرتقب في أبهى حلته في فضاء الجديد، متخليًّا عن قيود المستحيل، لكن الشاعر يرى أن الروح تطلق أشواقها إلى رحلة في عالم المستحيل، وهنا تأتي الحيرة في واقع التناقض.
ويقول في مرثية الشيخ سعيد عوض باوزير:
قل لي ياشيخ سعيد/ ماذا يمكنني أن أفعل؟
(والدمعة بنت الأحزان)/ ماذا يمكنني أن أفعل/
لأردّد سؤال الحيران! [5]
فهذه مرثية والمرثية حالة نفسية، يوضح فيها الشاعر حالة الاضطراب والتوتر، فما يدري ما يفعل والدموع والأحزان يسيطر على نفسيته، وهو لا يدري ما يفعل، ولقوة الانفعال النفسي لهول الصدمة في فقد الشيخ، لا يدري ماذا يجيب فهو حيران، وهنا تتراسل اللغة المنطوقة مع اللغة المكتوبة؛ لتدل على سيميوطيقا اللغة الشعرية.
2- علامة فضاء التساؤل (؟):
و تستعمل هذه العلامة للدلالة على طلب المعرفة بعد أداة السؤال والاستفهام، وهنا يتراسل المنطوق والمكتوب، وقد يستغنى بها عن المنطوق فتدل على سياق الجملة الإنشائية، ودلالتها في عالم لغة الشعر رمز للكشف وطلب الحقيقة، أو لزوال الحيرة والدهشة الفلسفية التي لاجواب عنها، ونجدها عند الشاعر في قصيدة بعنوان (تساؤلات؟) إذ هو يضع دهشته وتعجبه في فلسفة الحيران ليضعها لمن يسأله وهو الشاعر/ محمد حسين هيثم[6]:
كيف صار الذي كان/ ونبرى يواري دهشته/ ثم يسأل؟[7]
لتبقى هذه الأسئلة في فضاء الحيرة والتعجب وإظهار دهشة نفس الشاعر ممَّا يحدث حوله ليطلب من غيره التفاعل معه ومشاركته حيرته.
3- علامة الفضاء المغلق (.):
هي علامة الوقف التام عند أحمد زكي باشا، وتوضع في آخر كل جملة، لها استقلالها في المعنى والإعراب عمَّا بعدها، ويسكت المتكلم عن القراءة سكوتًا تامًّا، مع استراحة زمنية يتنفس فيها [8]، ويحق له بعد ذلك مواصلة القراءة.
أما دلالتها السيميائية فهي تؤثر إلى استفراغ الدلالة في الجملة وغلق فضاء الفكر؛ إذ هي كالحجرة (.) التي تعرقل مسيرة فضاء الفكر عن السباحة والتمدد العاطفي والخيالي في ميتا شعرية النص، وهي مؤشر إلى وجود حاجز نفسي يمنع من الانسياق وراء الرغبة الشعرية، وهي مؤشر إلى ((التوقف الوزني في نهاية السطر… ليسجل للمتلقي دلالة انتهاء الوزن تسجيلًا بصريًّا)) [9]، وانتهاءً فكريًّا، من ذلك ما جاء عند الشاعر ابن سلمان:
ما الذي يحدث الآن
ماذا يكون؟
كأنه ما عاش في فورةِ
العمر
كل تباريحه.[10]
فالمقطع السابق من بحر المتدارك، وتفعيلته فاعلن أو فعلن:
فاعلن فاعلن فاعـ
لن فاعلن فا
علن فعلن فاعلن فاعلن
فاعـ
لن فعلن فاعلن.
من التقطيع السابق يتضح انسياب الوزن، مع تدفق مشاعر الشاعر في تفعيلات نصه الشعري؛ إذ التفعيلات لم تكتمل في نهاية الأسطر، وإذا اكتملت لم تكتمل في تركيبها اللفظي (الإضافي+ الإسنادي)، وفي نهاية مقطع (كل تباريحه) يضع شاعرنا نقطة للدلالة على اكتمال التفعيلات وانتهاء الوزن، وقد اكتمل الوزن انتهاء في مواضع سابقة، ولم يضع الشاعر نقطة، لكن – هنا – أراد أن يغلق الفضاء الدلالي على المتلقي، أو ليشير إلى أنه قد أغلق الدلالة، فما على المتلقي إلا أن يغلقها كما فعل، ثم يفتح له الفضاء بعد ذلك ببياض أول السطر قبل كلمة (ومواجعه)[11] ونقطتين (..) بعدها والسطر الذي بعده بياض أكبر من الأول، وكلمة (والشجون) ليستعيد فضاءه الفكري في رحاب شعرية النص، ولعل ذلك إيضاح للقصد.
4- علامة فضاء التفصيل:
النقطتان الرأسيتان (:): تعدُّ علامة للنبرة الصوتية التي تحكي دلالتها على انفعالات نفسية معينة أثناء القراءة، ((وتسميان نقطتي البيان ونقطتي التوضيح)) [12] لما هو مجمل الذكر قبلها، ونقطتي التفسير[13]، وهي بمنزلة محطة يستريح فيها الشاعر ليأخذ نفسه، وليستعد لتفصيل ما أجمله في النص، كما ((تمثل مفتاحًا نصيًّا يوعز لما بعده بالتشكيل)) [14] الدلالي.
هذه العلامة لم ترد في الديوان إلا مرة واحدة في آخر قصيدة فيه، (مرثية سعيد محمد دحي)، في قوله:
من أين أبتدئ الآن:
قل لي .. وقل لي ..؟[15]
فدلالتها السيميائية في الانفعال النفسي الذي أحدثته فاجعةُ فقدِ صاحبِه (سعيد محمد دحي)، فأحجم عن الكلام لما أصابه من التخبط والحيرة؛ لهذا ابتدأ (من أين أبتدئ الآن)، ثم أخذ يوضح هذه الحيرة، فيطلب منه أن يرشده: قل لي .. وقل لي ..؟
5- علامة فضاء الانفعال النفسي:
هي علامة التوتر (..)، وليس لها وجود في علامات الترقيم، ((وقد ابتكرت نقطتا التوتر في الشعر العربي الحديث، ووظفت في إطار التلقي البصري لحسم الجدل بين الشفهي والمكتوب من خلال دلالتها البصرية على توقف صوت المنشد مؤقتًا؛ بسبب التوتر الذي يدفعه إلى إسقاط الروابط النحوية))[16]، أثناء القراءة، لما لها من دلالات تتمتع بنبرات صوتية خاصة، توحي بانفعالات نفسية معينة، كما توضع لغرض إعطاء القارئ وقتًا لخلق تخيُّلٍ في فضاء جمال النص. ونجدها في النص الشعري على نوعين في مجيئها: تكون قبل جملة القول، وتكون بعد جملة القول:
إلى نزهة العمر
أو رحلة المستحيل!
ولكننا رغم كل الذي
.. نرتأيه
كل الذي نبتغيه
نحيها ..
نزهة ..[17]
فالشاعر تتوتر نفسه وتنفعل، فيتوقف قليلًا (..)؛ ليستأنف بعد ذلك حديثه الشعري، فهو يتوقف بقصد المتابعة وبنية الاستمرار؛ ليشدّ انتباه المتلقي إلى أن الكلام لم يكتمل بعد، لكنه توقف قليلًا ليعبر – رمزًا – عن حالة نفسية وعَبرة خانقة، حالت بينه وبين تسلسل كلامه.
يا صبري لا تهزم
فأنا إنسان ..
لايدري[18]
وجود هذه العلامة هنا؛ لإسقاط الروابط النحوية وهي – هنا – الصفة؛ ليجعل القارئ يتخير في إثبات الصفة المناسبة للمقام؛ إذ يمكن له أن يقدر في خياله (ضعيف– منكسر– تائه– حزين… إلخ)، يساعد القارئ على هذا الخيال من التقدير ما جاء في القصيدة:
لو تدري / لو تعلم / لو يملك أن يتكلم
إنسان في لحظةِ / حزنٍ[19]
5- علامة الفضاء المتروك:
هي علامة الحذف في اصطلاح علامات الترقيم، كما يُطلق عليها علامة الاختصار، وقد أعطاها البعض سمة النبرة الصوتية، التي توحي بانفعالات نفسية أثناء القراءة، ومن ذلك ما جاء في الديوان:
فإذا الدنيا على …
شفة الشاعر بوح
وغناء
وصلاة[20]
وعلامة المتروك تدل سيميائيًّا على حذف شعري، وظّفه الشاعر؛ ليسجل للمتلقي سمة الحذف على سطح النص، أو سمة الأداء النفسي في تواصله مع المتلقي، وعلى هذا جاز التأويل في الأول، أي الحذف التقديم، فيتركب النص: فإذا الدنيا على صدى أو حديث أو منطوق شفة الشاعر بوح وغناء وصلاة.
أما التأويل الثاني وهو الأداء النفسي ففيه دالة على التلعثم الذي أحدثه الانكسار المجازي: (الدنيا على شفة الشاعر).
6- القوسان:
القوسان ليسا علامتي تنصيص، فهما ((يوضع بينهما كل كلمة تفسيرية أو عبارة يراد لفت النظر إليها))[21]، لكن الشاعر وظفها على أنهما علامتا تنصيص، فقد قال في قصيدة له بعنوان: (مرثية قصيرة جدًا إلى روح المؤرخ سعيد عوض باوزير)، قال في هامش تلك الصفحة: ((العبارات التي بين القوسين في هذه المرثية أخذت من بعض قصائد ديوان أنهار الملح للشاعر كمال عمار))[22]. بهذا يكون الشاعر وظف القوسين للتنصيص وترك القوسين المزدوجين، المتعارف على أنها علامتي تنصيص.
ورد القوسان في هذه القصيدة من الديوان ثلاث مرات، دلالة على التنصيص، كما وردت للتنصيص مرة في قصيدة الصلاة: (أرحنا بها)، ودلالة التناص واضحة في هذا وفي قصيدة (مرثية سعيد دحي)، فقد جاءت مرة واحدة: (فجأة تصبح)، ليكون مجموع ما ورد من هذه العلامة في هذا الديوان خمس مرات.
فاستعمال الشاعر لهذه العلامة انزياح دلالي[23]، تدل على التنصيص، لشهرة الكلام المنصوص عليه في قصيدة (الصلاة)، وبدلالة إعلام الشاعر بذلك في قصيدة مرثية باوزير، كما تدل على لفت نظر القارئ إلى ما بين القوسين بدلالة سيميائية العلامة، بهذا تتراسل الدلالتان.
أما في (مرثية دحي) فدلالة للفت النظر إلى الانفعال النفسي بداخل الشاعر، وهول التحول الذي حصل للراثي، وصدمة هذا التحول لديه، ليمثل ما بين القوسين الصوت الداخلي للشاعر (المنولوجي)، ليصبح لدينا صوتان: صوت منخفض داخل الشاعر، وصوت عالٍ خارج من الشاعر.
7- علاقتا التنصيص المستعلية (” “):
جاءت في الديوان مرتين، في قصيدة المؤذن عند قوله: “الله أكبر” [24]، وعند قوله: “يرحمك الله” [25]، وليس لهذه العلامة وجود في اللغة العربية؛ إذ يكثر استعمالهما للتنصيص في اللغات الأجنبية، وقد استعملها الشاعر دلالة سيميائية إلى ارتفاع صوت التكبير وانتشاره، ووصوله إلى أعلى السماء كما في قوله: الله أكبر، وارتفاع صوت الدعاء بالرحمة للمرثي إلى أرحم الراحمين.
8- الشرطة (-):
لا نجدها في الديوان إلا مرة واحدة في قصيدة الوطن؛ إذ ابتدأها بشرطة (-)، ودلالتها السيميائية الفصل بين القصيدتين: قصيدة الشهيد، وقصيدة الوطن؛ إذ إنهما عند الشاعر شيء واحد، فالشاعر جعل قصيدة الوطن في الصفحة نفسها والتي فيها قصيدة الشهيد بخلاف المعتاد في ديوانه [26]، ثم أوضح أنه قالهما في سنة واحدة 1988م.
9- الاستفهام والتعجب (؟!):
لم تأتِ هذه العلامة في الديوان إلا مرة واحدة في قوله:
ما الذي يستبيح دواخله
ظل يسأل حيرته؟![27]
هذه الثنائية بين العلامتين غير موجودة في علامات الترقيم في اللغة العربية، فهي علامة شعرية يمتزج عند الشاعر الدهشة بالتساؤل، فيتجاوز علامتي الاستفهام والتعجب، وهذا يشير إلى سيميائية التطرف في مشاعر التعجب والخوف والقلق والاضطراب والحزن، هذا الانزياح في أسلوبية الشاعر في الجمع بين العلامتين اللتين لهما دلالتها؛ إذ العلامة الأولى لها مكانها، والعلامة الثانية لها مكانها، في النحو الآتي:
ما الذي يستبيح دواخله؟ ظل يسأل حيرته!
غير أن الشاعر يؤخر علامة الاستفهام من مكانها؛ ليجمعهما مع التعجب في مكان واحد؛ لتحقيق تلك الدلالة النفسية.
الخاتمة:
النتائج والتوصيات:
النتائج:
التوصيات:
المصادر والمراجع:
ديوان العشق في حضرة الكلمات، للشاعر سالم عبدالله بن سلمان، الطبعة الأولى، دار حضرموت للدراسات والنشر، 1423هـ – 2002م، المكلا.
1- أساليب الشعرية المعاصرة، د. صلاح فضل، الطبعة الأولى، دار الآداب، 1995م، بيروت.
2- تحقيق النصوص ونشرها، عبد السلام محمد هارون، الطبعة السابعة، مكتبة الخانجي، 1418هـ-1998م،القاهرة.
3- تخطيط النص الشعري معاينة سيميائية لفاعلية العتبة في صناعة الشعري، أ .د. حمد محمود الدوخي، الطبعة الأولى، دار سطور للنشر والتوزيع، 2017م، العراق.
4- الترقيم وعلاماته في اللغة العربية، أحمد زكي، صدر هذا الكتاب 1912م، مؤسسة هنداوي، 2013م، المملكة المتحدة.
5- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث (1950م- 2004م)، الدكتور محمد الصفراوي، الطبعة الأولى، النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 2008م.
6- دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، عمر أوكان، الطبعة الأولى، أفريقيا الشرق، 2002م، طرابلس.
7- ديوان الخنساء، اعتنى به وشرحه حمدو طمّاس، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1425هـ- 2004م، بيروت.
8-علم الكتابة العربية، الدكتور غانم قدوري الحمد، الطبعة الأولى، دار عماد للنشر والتوزيع، 1425هـ – 2004م، الأردن.
9- لسان العرب، للإمام العلامة ابن منظور، دار الحديث، 1423هـ- 2003م، القاهر.
10- الوقف والابتداء في الجملة العربية، دكتور فكري عبد المنعم النجار، الطبعة الأولى، مكتبة الآداب، 1425هـ- 2004م، الأردن.
[1]ديوان العشق في حضرة الكلمات، للشاعر سالم عبدالله بن سلمان، الطبعة الأولى، دار حضرموت للدراسات والنشر، 1423هـ – 2002م، المكلا: 102.
[2] التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، مرجع سابق:204.
[3] اعْتُرض على تسميتها علامة التعجب؛ لأن التعجب تعبير عن حالة انفعالية واحدة من حالات التأثر والانفعال، ينظر: دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، مرجع سابق:115.
[4] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 51. الخط المائل (/) هنا من صنع الباحث للدلالة على أن كل فقرة في سطر مستقل كما وضعها الشاعر.
[5] المرجع السابق: 117.
[6] ينظر: العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 43.
[7] المرجع السابق.
[8] ينظر: الترقيم وعلاماته في اللغة العربية، مرجع سابق: 17.
[9] التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، مرجع سابق: 203.
[10] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 45.
[11] المصدر السابق: 46.
[12] دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، مرجع سابق: 117.
[13] ينظر: التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، مرجع سابق: 214.
[14] تخطيط النص الشعري معاينة سيميائية لفاعلية العتبة في صناعة الشعري، أ .د. حمد محمود الدوخي، الطبعة الأولى، دار سطور للنشر والتويزيع، 2017م، العراق: 160.
[15] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 129.
[16] التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، مرجع سابق: 204.
[17] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 50 – 51.
[18] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 111.
[19] المصدر السابق: 109.
[20] المصدر السابق: 34.
[21] الترقيم وعلاماته في اللغة العربية، مرجع سابق: 22.
[22] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 114.
[23] يستعمل الشعراء المحدثون: علامة التنصيص كما يستعملون غيرها من علامات الترقيم، لغير ما تواضع عليها، وقد وقف الدكتور صلاح فضل عند هذا التحول تحت عنوان لعبة الأقواس، ينظر: أساليب الشعرية المعاصرة، مرجع سابق: 75.
[24] العشق في حضرة الكلمات، مرجع سابق: 91.
[25] المرجع السابق: 118.
[26] ينظر: المرجع السابق: 48.
[27] المرجع السابق: 46.