نقد
أ.د. أحمد سعيد عبيدون
فنية التكرير والتثنية
– ورقة مقدمة إلى ندوة سالم زين باحميد في مدودة بتاريخ 5 يونيو 2024 –
(1)
يتكون عنوان الديوان من كلمتين: (قدس، لبيك)، أما الكلمة الأولى فتعني مدينة (القدس) أو (بيت المقدس)، ومعناها: الأرض المقدسة والمباركة، وتمتد دلالتها هنا إلى أبعد من مدينة القدس، فهي تعني فلسطين كلها.
وأما كلمة لبيك فهي من التلبية، التي هي إجابة لنداء القدس المحتلة، وتلبية لنصرتها وتحريرها.
ومن الناحية التركيبية فإن العنوان يتكون من النداء وجوابه: فكلمة (قدس) منادى محذوف الأداة، مبني على الضم في محل نصب، وكلمة (لبيك) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: ألبي، منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جاء في صورة المثنى، فهي تفيد التتابع لا التثنية؛ أي تلبية بعد تلبية مفيدة التكرير والمبالغة، ومثلها: حنانيك، وسعديك، ودواليك.
وهذا يعني أن هناك نداءً، كانت القدس قد بعثتْ به إلى الناس، بأن ينصروها ويخلصوها من احتلال الصهاينة، وهو ما يجيب عنه هذا الجزء من العنوان: (لبيك)، غير أن هذا العنوان يتصل تناصيًا في قداسته، وفي ندائه مع البيت الحرام ونداء نبي الله إبراهيم عليه السلام، وأذانه للناس بالحج: ((وأذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يأتوك رجالًا وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِنْ كُلِ فَجٍّ عميق))([1])، وفي حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال أذِّنْ وعليَّ الإبلاغ، فصعد على جبل أبي قبيس، وصاح يا أيُّها النَّاسُ إنَّ الله قد أمركم بحج هذا البيت، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء لبيك اللهم لبيك([2])، هذا التناصُّ هو الذي يوحد مكة والمسجد الحرام بفلسطين والمسجد الأقصى، ويجعل نصرتها وتحريرها واجبًا وفرضًا كما هو الحج، ومن هنا كان هذا العنوان بهذا العمق والاتصال بالمعنى الديني والإنساني، فضلًا عن كون المسجد الأقصى والمسجد الحرام يلتقيان في الإسراء والمعراج: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركْنا حَولَهُ لِنُرِيَهُ من آياتنا إنه هو السميع البصير))([3]).
مكة القدس
المسجد الحرام المسجد الأقصى
الإسراء المعراج
(2)
وإذا ما نظرنا إلى الديوان في ضوء هذا العنوان، وهذه المعاني نجد أنه يحتوي على ثلاث عشرة قصيدة، كل قصيدة فيه تمَّتْ بصلة ما إلى القدس، ثلاث منها تشير إليها بشكل مباشر منذ عناوينها:
– رسالة إلى صلاح الدين([4])
– قدس لبيك([5])
– سترجع القدس بنار اللظى([6])
والبقية تذكر القدس في نهاياتها، أو تشير إليها، أو إلى الجهاد، أو إسرائيل، أو القوة والعزة… إلخ.
مثلًا في قصيدة (حنين) يقول في آخرها([7]):
يا فلسطين لن تظلي بعيدا
ستعودين أمةَ العربِ غضبى
لم نساوم على روابي فلسطي
ن على أرضها ترابا وشعبا
سيعود الأقصى بيوم كحطي
ن فكم فل عزمُنا الفذُّ خطبا
وفي قصيدة الطفل العملاق([8]):
أرأيتم برعمًا يزهر في يوم
وفي الأرض شذاه
أرأيتم نجمة في حالك الليل تنير الأفق
يأتي ضوؤها في ألق رغم الرياح
إنه طفل فلسطين
نرى تاريخنا فيه كأزهى ما يكون
فـ (البرعم) و(النجمة) يؤولان في النهاية إلى (طفل فلسطين)
وفي قصيدة (مُوقِد العزائم) رغم أنه يتحدث فيها عن مولد المصطفى فهو يقول في آخرها:
وفلسطين بيننا في اختيال
بعد تحريرها من الطغيان
عُدْ، وقد عاد قدسُنا في انتصار
يتعالى الأذان في الآذان.
وفي قصيدة (المهماز)([9])
يذكر في آخرها قطز، وصلاح الدين، ومحمود زنكي:
محمود زنكي
يا صلاح الدين
نحن شعوب العرب الأباة
نعيش في هوان
ألسنُنا جفت من الهتاف
أسماعنا ملت من السماع
وعافت الأنغام
إحساسنا ممزَّق ممزَّق حطام
متى؟ لعل؟ وعسى؟
تزورنا الأمطار
ينقشع الغمام
(3)
هذه الهيمنة، وهذا الحضور للقدس وفلسطين هو الذي جعل الشاعر يختار عنوان القصيدة (قدس لبيك)؛ لتكون عنوانًا للمجموعة كلها، فضلًا عن هذه الدلالة الشاملة للعنوان، التي تؤهل كل القصائد للانضواء تحت دلالته الواسعة.
لذلك كله فإننا سنقف وقفة فنية أمام هذه القصيدة؛ لما تمثله من الحضور عنوانًا ودلالة، عند دور التكرير والتثنية في بنائها:
عند الحديث عن العنوان (قدس لبيك) وجدنا التلبية في القول (لبيك) تفيد التثنية، لكنّ هذه التثنية، ليس المقصود بها التفريق والفك والانقسام للأشياء إلى اثنين اثنين، ولكن على العكس؛ إذ المقصود بها الجمع والالتحام والوحدة بين الأشياء لكل اثنين اثنين؛ حتى يكثر العدد، ونصل عن طريق التتابع والتكرار إلى البناء والوحدة، وهذا هو السِرُّ في – رأينا – الذي جعل الشاعر يبدأ القصيدة بالحديث عن الوحدة في الأبيات الخمسة الأولى، وعن وحدة اليمن لكي تلتئم بقية الدول العربية؛ حتى يكتمل الجسد الواحد جسد الأمة العربية؛ لكي تتحرَّر فلسطين، فلا يمكن أن يكون هناك تحرير في ظل الفرقة والانقسام، إنما التحرير بالوحدة والالتئام ومواجهة العدو كيانًا قويًا وجسدًا واحدًا لا يشتكي منه عضو ولا يتداعى له بالسهر والحمى:
يمن واحد أطل عظيم
في شموخ ووحدة في انتصار
نحن شعب أودى بكل دخيل
لم ترعه وحشية الأشرار
وحدتي ألهبت كياني بعزم
قابلته الشعوب في إكبار
في ثبات أنا أشق طريقي
لم أعد بالجبان بالخوار
إنني هاهنا فداء بلادي
وفداء للترب للأحجار
يمثل التكرير والتثنية بمعنى التوحد السابق الأداة الفنية، التي بنيت بها القصيدة، وهو تكرير على صور مختلفة، سنشير إلى أبرزها:
(4)
ثنَّى وعطف بمعنى متقارب، عطفت العود فانعطف، وعطفت الوسادة ثنَّيتها، المِعطف بالكسر الرداء، فهو ينعطف ويرتد راجعًا على الجسد، وانثنى: انعطف، والثِّناء: عقال البعير، والثّني من الوادي والجبل منعطفه، وفي الحديث: لا ثني في الصدقة؛ أي لا تؤخذ في السنة مرتين. الصحاح مادة: عطف وثنى.
ويقول البغدادي: (أصل المثنى العطف بالواو، فلذلك يرجع إليه الشعراء في الضرورة) ([10]).
ويقول ابن الشجري: (التثنية والجمع المستعملان بالحرف أصلهما التثنية بالعطف بالحرف، فقولك: جاء الرجلا،ن ومررت بالزيدين، أصله: الرجل والرجل، ومررت بزيد وزيد)([11]).
يبدو التكرير بالتثنية عن طريق العطف واضحًا في القصيدة في أماكن مختلفة منها مثل:
رياء وجبن / مواخير خسة وقمار / بهمة واقتدار / بالناي والمزمار / بعزم وبتقدير حازم للطواري / بالضيا والنهار / للمغول أو للتتار.
وهي كلمات متقاربة في المعنى تجتمع لتمثل اختيارها بالإيحاب أو نفيها بالسلب.
تكرير الكلمات:
يمن واحد… ، وحدتي ألهبت…/ قدس لبيك ها أنا في طريقي ، قدس لبيك لن يطول عذاب / فبطولات أمتي بعثتها، أمتي أمة الفتوحات / سنعيد الأقصى ، ستعودين يا قدس / فداء بلادي ، فداء للترب /
وهي تكريرات لمعانٍ دالة؛ معاني الوحدة، والقداسة، والأمة، والعودة للأقصى والقدس.
تكرير النفي:
هناك في القصيدة تكرير للنفي يتركز على انعدام الحياة والموت إن لم تعد فلسطين تمثله الأبيات الثلاثة الآتية:
لا حياة لنا بدون فلسطي
ن بدون منابع الأنوار
لا حياة لنا وفي القدس رجس
لا حياة إلا بغسل العار
أتطيب الحياة والقدس ثكلى
لن تطيب إلا بأخذ الثار
تكررت عبارة (لا حياة) ثلاث مرات. كما تكررت عبارة (بدون) مرتين.
لا حياة لنا / لا حياة لنا / لا حياة
بدون فلسطين / بدون منابع الأنوار
ومنابع الأنوار تعني فلسطين.
وإذا كانت هذه التكريرات واضح فيها النفي، فإن السؤال في الجملة (أتطيب الحياة؟) سؤال يخرج من ظاهريته إلى معنى النفي أيضًا؛ أي لا تطيب الحياة أو لن تطيب الحياة كما يفسره الشطر الثاني من البيت، ويحدد معناه ولفظه معًا: (لن تطيب الحياة إلا بأخذ الثار).
تكرير الحروف:
هناك تكريرات لطيفة ودقيقة لحروف الجر الثلاثة (في، والباء، واللام)، كما في الأمثلة الآتية:
في شموخ / في إصرار، بالجبان / بالخوار، للترب / للأحجار، في الجنوب / في إصرار، للمغول / للتتار
فهناك توحُّدٌ للمعنى في مثنى الشموخ والانتصار، والتراب والأحجار، وهو توحُّدٌ يقف في الجانب الإيجابي الذي يقوي الوحدة ويعززها، وهناك توحد للجبان والخوار، والمغول والتتار.
ولكنه توحُّدٌ مُدَانٌ ومرفوضٌ رفضًا يقوي وحدة هذا الجسد العربي ويمتنها.
وفي الأخير يمكن القول إن فلسطين قد هيمنتْ حضورًا فنيًّا في هذا الديوان، ومثلت قصيدة قدس لبيك قلبًا نابضًا فيه، أدَّى التكرير والتثنية دورًا، أسهم في حضورها وإعادة حضورها بطرائق مختلفة، جعلت منها أملًا باقيًا لا يغيب.
قدس لبيك
يمن واحد أطل عظيم
في شموخ ووحدة وانتصار
نحن شعب أودى بكل دخيل
لم ترعه وحشية الأشرار
وحدتي ألهبت كياني بعزم
قابلته الشعوب في إكبار
في ثبات أنا أشق طريقي
لم أعد بالجبان بالخوار
إنني ها هنا فداء بلادي
وفداء للترب للأحجار
قدس لبيك ها أنا في طريقي
قالها كل فارس مغوار
سنعيد الأقصى بكل قوانا
ستعودين قدسُ يا للثأر
لا حياة لنا بدون فلسطي
ن بدون منابع الأنوار
لا حياة لنا وفي القدس رجس
لا حياة إلا بغسل العار
أتطيب الحياة والقدس ثكلى
لن تطيب إلا بأخذ الثأر
قدس لبيك لن يطول عذاب
إنه الفجر بعد طول انتظار
فبطولات أمتي بعثتها
فتية في الجنوب في إصرار
أمتي أمة الفتوحات دوما
لم تكن للمغول أو للتتار
سيظل اليهود حتما كما كا
نوا بعيشون عبر كل انحدار
كل تاريخهم رياء وجبن
ومواخير خسة وقمار
نحن جيل من الكفاح قوي
سوف نمضي بهمة واقتدار
لم نعد ندخل الحروب بشعر
وطبول بالناي والمزمار
إنما ندخل الحروب بعزم
وبتقدير حازم للطواري
شرف الموت في دروب نضال
شرف لا ينال بالأشعار
هاهو الفجر يا رفاقي عظيم
هزم الليل بالضيا والنهار
[1]) الحج: 27.
[2]) ينظر الجامع لأحكام القرآن تفسير الآية 27.
[3]) الإسراء: 1.
[4]) الديوان: 7.
[5]) المصدر السابق: 20.
[6]) السابق: 34.
[7]) السابق: 11، 12.
[8]) الديوان: 13.
[9]) المصدر السابق: 28.
[10] ) خزانة الأدب : 7/ 461.
[11]) أمالي ابن الشجري 1/10.