نقد
مبخوت العزي

من وجهة نظر بعيدة عن النقد ونظرياته، أو في الأقل متخففة جدًا منها، أستطيع القول: إن قصيدة النثر لا تمثل بالضرورة ثورة رؤيوية واعية – كما يزعم أنصارها ومريدوها – ضد التراث الشعري أو الشعرية العربية في نموذجها التقليدي القديم؛ القصيدة العمودية، أو الجديد؛ قصيدة التفعيلة التي سبقت قصيدة النثر، ومثَّلت في رأيي أحد أهم دوافع وجودها، في الأقل في أولى مراحل ظهورها، وعند غالب من يكتبها حتى اليوم.
فقصيدة النثر إنما هي ببساطة شديدة نتيجة طبيعية من نتائج انفتاح الإنسان العربي على ثقافات متعددة، وكتابات وإبداعات تراثية نثرية أو أجنبية، اطلع عليها بلغتها أو مترجمة؛ فكما ارتدى ربطة العنق أو الجنز وأحيانًا ثيابه التقليدية، وأكل بالملعقة والشوكة وأحيانًا باليد، بحسب الموقف والسياق، فقد وجد نفسه يكتب القصيدة التقليدية إن رغب أو استطاع ويكتب قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر بحسب المزاج العام والميول والكفاءة، وقد يكون المتحكم في ذلك موجّهات كثيرة؛ كالميول، وكثرة القراءة ونوعيتها، والوسط الأدبي الذي يحيط به، وأقلها حضورًا – وقد أكون مخطئًا – هي الموجهات الفلسفية أو الرؤيوية. كما لا ننكر تأثير الشعر المترجم الذي أفقدته الترجمة بعض خصائصه، كبنيته الإيقاعية، واحتفظت بجانب الصورة وبعض التقنيات التركيبية للنص الأصلي فحسب. فهذا بوعي دون وعي أوحى أو ألهم الشاعر أن الشعر قد يظل شعرًا وإن فقد بعض عناصر شعريته، كالإيقاع، صحيح أن شعريته تخفت، ولكنها لا تنطفئ. وهذا بالمقابل هو حال ترجمة القصيدة العربية إلى لغات أخرى، فهي بدون شك تنقل إلى تلك اللغات منثورة، لا وزن لها ولا قافية، ويظل قُرَّاؤها من تلك اللغات يستمتعون ويتذوَّقون شعريَّتَها، أقول ذلك من واقع تجربتي في تعليم الناطقين بغير العربيَّة، ولكنه دون شك مذاق يشبه مذاق العصائر المعلَّبة، محليَّةً أو مستوردة.
أقول ذلك في الحقيقة لأنني أقف بين وجهتي نظر متطرّفتين، إحداهما موالية إلى حد التعصب وأخرى معادية إلى حد الفجور في الخصومة، وكلاهما على حدٍ سواء من التطرف. فقصيدة النثر لا تمثل ذروة سنام الشعرية العربية المعاصرة، وفي الوقت ذاته ليست نصوصًا لا قيمة لها، فثمَّة نصوص نتذوَّقها، وتُحَلِّق بنا عاليًا، وأخرى نَمُجُّهَا، ونَصُمُّ آذانًا عن سماعها، ونَغُضُّ عنها أبصارنا، وقد نضطرُّ أحيانًا إلى تعقيمِ حَوَاسِّـنا من لوثتها.
وكاتب قصيدة النثر قد يكون حداثيًّا، وقد يكون رُؤيَوِيًّا، وقد يكون سطحيًّا وتقليديًّا وخفيفَ عقلٍ وإنْ كتب نصوصًا رائعة، فالأمر ببساطة شديدة كمَنْ يرتدي الثوبَ والعمامة أو البنطلون الجينز، فقد يكونُ فيلسوفًا أو خروفًا، وقد يكون منفتحًا أو قفلًا غثيميًّا.
_____
مبخوت العزي- بكين