أضواء
أ.د. علي صالح الخلاقي

للوثائق الأسرية الخاصة، التي بقيت من زمن مضى، أهمية كبيرة في حفظ ذاكرتنا الوطنية؛ بوصفها شاهدًا تاريخيًا لا يرقى إليه الشك، وكلما كانت الوثيقة أقدم كانت أكثر أهمية، لاسيما إذا ما نُفض عنها الغبار، وخرجت من أقفاصها وخزائنها، وأتيح للباحثين الاطلاع عليها والاستفادة من محتوياتها، باعتبارها مصادر تاريخية موثوقة ونزيهة، يعتمدون عليها في تدوين الحقائق التاريخية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها.
في زيارتي لظفار في أغسطس الماضي، وأنا المهووس بالتوثيق وبالوثائق، كنت في زيارة لمدينة مرباط؛ للقاء هناك بعدد من الأسر اليافعية التي استوطنت هناك منذ حوالي أربعة قرون، أمثال أسرة آل بن همام اليافعية، التي انتقلت إلى عمان من حضرموت، وكان لها شأن في تاريخ ظفار؛ إذ برزت منها شخصيات، تركت بصماتها التاريخية، أشهرهم الحاكمة نور بنت معروف بن حسين بن همام، التي ظهر نجمها بعد وفاة والدها النقيب معروف بن حسين بن علي بن صالح بن همام، وأصبح لها شأن كبير بعد أن خلت الساحة من شخصية قوية تدير شؤون إقليم ظفار ككل، خاصة بعد انقضاء حكومة السيد محمد بن عقيل سنة 1829م؛ إذ فرضتْ سلطتَها على مرباط، خاصة في العقد الرابع من القرن التاسع عشر الميلادي، ووضعت القوانين التي تدير المدينة، ويقال إنَّ مقرَّ حكمها كان في حصن الحسينية، الذي يعود إلى جدِّها النقيب حسين بن علي بن صالح بن همام، ومن هناك باشرت نور النفوذ والسلطة. وما يميز أحفاد هذه الأسرة العريقة احتفاظهم بنفائس الوثائق التاريخية الخاصة بالأسرة وتاريخها المشرف في مرباط.
تعمدت الاستهلال بالحديث عن هذه الأسرة؛ لأن أرشيفها النفيس هو ما قادني إلى هذه الوثيقة موضوع البحث، التي اطلعت عليها في أرشيف الأستاذ نوفل بن معروف بن همام اليافعي، الذي استضافنا مشكورًا في بيته، وفتح لنا قلبه قبل أن يفتح خزائن الوثائق التي بحوزته، وأتاح لنا تصويرها بكل أريحية، لإدراكه قيمتَها وأهميَّتَها بالنسبة للباحث في التاريخ، وأتمنى أن يقتدي به كل من يمتلكون في أرشيفهم الأسري وثائق تاريخية، وبأمثاله ممن لم يتحفظوا على مثل هذه الوثائق.
من بين الوثائق الكثيرة التي وضعها بين يدي، وقفتُ على وثيقة ذات صلة ببندر الشحر، فجذبت انتباهي فصوَّرتُها ضمن بقية الوثائق الأخرى. وتعدُّ هذه الوثيقة – في تقديري- من أقدم الوثائق الأسرية التي حفظها لنا التاريخ عن بيع العقار في بندر الشحر؛ إذْ حُرِّرَتْ في 20 محرم سنة 1137هجرية/الموافق 1724م.
نص الوثيقة
الحمد لله
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
وبعد فقد اشترى الصدر الأجلُّ عبد الله بن إبراهيم بن محمد رجرج بماله لنفسه من الصدر الأجلِّ علي بن أبي بكر خيمري البائع بنفسه ما هو ملكه وحوزه وتحت يده وتصرُّفه وصار إليه بالنذر الصحيح المنجز من والدته فاطمة بنت الفقيه عمر بن أحمد باعزان، وذلك جميع ثلثي الدار الخارب المعروف بدار خيمري، الكائن بالمجرف في الشحر المحروسة، التي يحدُّها قبليًا وشرقيًّا شارعين مطروقين، ونجديًّا ساحة آل فوري، وبحريًّا الطريف، بجميع حقوق المبيع ومصالحه ومرافقه وطينه وحجره وأرضه وجميع تعلقاته، اشترى المذكور من المذكور جميع ما ذكر بإيجاب وقبول متصل فوري بشرطه، بثمن مبلغه سبعة قروش فلِّية ثابتة الوزن، مقبوضًا بيد البائع المذكور، فحيث برِية عنه ذمة المشتري المذكور براة قبض ووفاء، شراءً صحيحًا شرعيًا قطعًا بتًّا بتلانًا فذًا لازمًا بإيجاب وقبول متصل فوري، شرطه لا خيار فيه ولا عده ولا مثنوية، مقبوضة قبض مثله بالإذن والتخلية الصحيحة المعتبرة شرعًا، فلما تم ذلك ولزم ما هنالك بعد المعرفة التامة النافية للغرر والجهالة سلط البائع المذكور المشتري المذكور على المبيع المذكور، سلط الملاك في أملاكهم وذوي الحقوق في حقوقهم، من غير مانع لذلك يمنعه ولا منازع ينزعه، جرى ذلك وكل منهما بصحة عقله وبدنه ونفوذ تصرف شرعًا.
وكفى بالله شهيدًا
بتاريخ يوم الخميس وعشرين في شهر المحرم عاشوراء سنه سبع وثلاثين ومايه وألف (1137 هجرية). الموافق 14 اكتوبر 1724م.
حضر بذلك علي بن عوض مراد
حضر بذلك السيد حسين ابن شيخ ابن إبراهيم العربي
حضر بذلك السيد محروس بن عوض السري
حضر ذلك السيد عمر بن شيخ بن عمر بن شيخ بن اسماعيل
حضر بذلك سالم عمر مكي
حضر بذلك عمر بن سالم موي
شرح الوثيقة والتعليق عليها
الوثيقة من حيث الشكل حالتها سليمة، باستثناء تلف بسيط في نهاية السطر الأول، وخطها مقروء بصورة جيدة، مقارنة ببعض الوثائق المماثلة التي يصعب فكُّ رموزها، وقد خلتْ من الفواصل بين العبارات أو النقط بين الجُمل… إلخ.
تستهل الوثيقة، بالشكل التقليدي الذي نجده في وثائق مماثلة؛ إذ تبدأ بالحمد لله والصلاة على سيدنا محمد (وآله وصحبه وسلّم- وهي الفقرة التي أصابها التلف لكن من السهل معرفتها)، ثم تأتي على لقب التقدير والتعظيم (الصدر الأجل) التي تسبق اسم المشتري، وهو عبد الله بن إبراهيم بن محمد رجرج، وبالمثل يوصف البائع بالصدر الأجل، وهو علي بن أبي بكر خيمري، وقد باع ما آل إليه من نذر والدته فاطمة بنت الفقيه عمر بن احمد باعزان.
أما المُبَاع فهو جميع ثُلثي الدار الخارب المعروف بـ(دار خيمري)، نسبة إلى لقب أسرة البائع، التي لا نعرف هل بقي لها ذكرٌ حاليًا في بندر الشحر، لكنَّها كانت معروفة في ذلك الحين؛ بحكم وجود دارها المُباع في موقع مهم في (حي المجرف) في الشحر المحروسة، فقد حددت الوثيقة حدود الدار على النحو التالي: يحدها قبليًا وشرقيًا شارعين مطروقين، ونجديًا ساحة آل فوري، وبحريًا الطريف.
ويبدو موقع الدار المهم من وقوعه في حي المجرف، الذي يعد من أقدم أحياء مدينة الشحر بعد حي القرية، وتموضعه على شارعين رئيسَيْنِ مطروقَيْنِ، أي يَضُجَّانِ بحركة مرور الناس، وكذا على ساحة “آل فوري”، ولا أدري هل هي ساحة عامة أم خاصة. أما صفة (الخارب) فتفيد أن الدار تعرضت لضررٍ ألحق بها، وتحتاج لإعادة ترميم وصيانة.
وسُمِّي ذلك الحي بالمجرف لوقوعه على أجراف الطين المطلة على الشاطئ، كما أفاد المؤرّخ محمد عبد القادر بامطرف في كتابه “الشهداء السبعة”، وذكر أن مدينة الشحر مكوَّنة من أحياء عدَّةٍ رئيسة، منها حي القرية وجل سكانها من بحارة السفن وبنائيها وعمال الشحن والتفريغ في الميناء. وحي المجرف وجل سكانها من صيادي الأسماك.
وما يزال حي المجرف محتفظًا باسمه الذي عُرف به بالوثيقة، التي يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة قرون مضتْ، ويشمل – حسب الباحث عبدالله صالح حداد – القسم الساحلي للمدينة فجنوبه البحر، وشماله الطريق السالك (إسفلت) والمشهور برقيص عمرو، ثم حي عقل باعوين، وبغربه حي القرية، أما بشرقه فتقع الساحة المعروفة بالمجف، ويقع بالناحية الشرقية الشمالية (حافة المجورة)([1]).
وجاء في الوثيقة أن بيع الدار تم بكل ما يتعلق به، أي “بجميع حقوق المبيع ومصالحه ومرافقه وطينه وحجره وأرضه وجميع تعلقاته”، بحيث لم يعد للبائع أو لغيره مما يمكن أن يتمسك به أو يدَّعيه بعد البيع. وتفيد الوثيقة أن عملية بيع الدار بجميع ملحقاته قد تمتْ بإيجاب وقبول من الطرفين وفق شروط البيع المتفق عليها؛ إذ جاء بالنص “واشترى المذكور من المذكور جميع ما ذكر بإيجاب وقبول متصل فوري بشرطه”، وهذا ما يؤكد شرعيَّتَها وقانونيتها في العُرْف المتبع حينها.
أما الثمن فمبلغه سبعة قروش فلِّية ثابتة الوزن، مقبوضًا بيد البائع المذكور، والقروش عملة فضية، لكننا لم نجد في المعاجم الفصحى معنى الفليّة([2]). ولعلها عملة فضية ثابتة الوزن لم تتهالك لكثرة الاستخدام. أما في التراث الشعبي وفي الوثائق المماثلة التي تعود إلى ذلك العهد فوردت كلمة (الفلية) في عددٍ من الوثائق، وفي الأشعار الشعبية اللاحقة، ومن ذلك على سبيل المثال، الزامل التالي على لسان السلطان العبدلي ردًّا على شاعر عولقي زعم فرض الجباية على سلطنة لحج، ومبالغًا في تعداد مناطق أخرى ادعّى فرض الجباية عليها، فقال:
| قُلْ للصليب ابن الصليب العولقي | ذِيْ مركزه واني وعَظْمَهْ قد وَنَا | |
| مَنْ بَاعْ خُوْتَهْ بالقرُوش الفليِّهْ | لا يعشُر الحوطة ولا وادي بنا |
وبدفع قيمة الدار المتفق عليها للبائع الذي قبض المبلغ فقد بَرِئَتْ ذمة المشتري (حيث برِية عنه ذمة المشتري المذكور براة قبض ووفاء)، وبهذا يكون شراؤه لثلثي الدار “شراءً صحيحًا شرعيًا قطعًا بتًا بتلانًا فذًا لازمًا بإيجاب وقبول متصل فوري، شرطه لا خيار فيه ولا عدة ولا مثنوية([3])، مقبوضة قبض مثله بالإذن والتخلية([4]) الصحيحة المعتبرة شرعًا”.
وزيادة في صحة البيع شرعًا فقد ورد التأكيد على أنه تم بعد المعرفة التامة النافية للغرر والجهالة([5]) سلط البايع المذكور المشتري المذكور على المبيع المذكور، أي مكّنه منه وحكَّمه فيه، وجعل له سُلْطة عليه، سلطة الملاك في أملاكهم وذوي الحقوق في حقوقهم، من غير مانع لذلك يمنعه ولا منازع ينزعه.
وتختتم الوثيقة بالتأكيد على أن العقد جرى بين الطرفين، وكُلٌّ منهما بصحة عقله وبدنه ونفوذ تصرف شرعًا، أي إنه لا إكراه فيه لأي طرف منهما؛ لأن عدم نفوذ تصرف أحد الطرفين، يعني أنه مكرهٌ على العقد ولا يريده أصلًا، وهو ما لم يكن في هذا العقد، الذي اختتم بالقول: “وكفى بالله شهيدًا”، أي أن شهادة الله تغني عن غيرها.
ومع ذلك وردت أسماء الشهود بعد التاريخ؛ إذ حررت الوثيقة يوم الخميس 20 شهر المحرم (عاشوراء) سنة 1137هجرية/ الموافق 14 اكتوبر 1724م.
أما شهود الوثيقة الحاضرون أثناء كتابتها فهم: علي بن عوض مراد، السيد حسين ابن شيخ ابن إبراهيم المري، السيد محروس بن عوض السري، السيد عمر بن شيخ بن عمر بن شيخ بن إسماعيل، سالم عمر مكي، عمر بن سالم موي. وكما يبدو في نهاية الوثيقة فأن كل شاهد قد دوَّن اسمه بخطه، وهو ما يتبين من اختلاف خط الأسماء نوعًا ما، أما كاتب الوثيقة فلم يُحدَّدْ كما نجده في وثائق مماثلة بل يرد فيها كاتبها (شاهد وكاتب)، لكن ليس من الصعب معرفته هنا من كتابه اسمه بالخط نفسه الذي كُتبت به الوثيقة، وهو السيد عمر بن شيخ بن عمر بن شيخ بن إسماعيل، وهو متفقِّه وضليع بالفقه؛ بدليل العبارات الفقهية والشرعية التي وردت في الوثيقة، مثل: مثنوية، التخلية، للغرر والجهالة، نفوذ تصرف.
وتكمن أهمية الوثيقة ليس في كونها قديمة مضى عليها أكثر من 300 سنة، بل ولأنها تبرز التوثيق القانوني والشرعي الذي كان متبعًا لإثبات الحقوق، من خلال عقود البيع والشراء التي كان يحرص الناس عليها منذ أكثر من ثلاثة قرون مضت، ورغم أنها لم تُوثَّق في محاكم شرعية رسمية، لكنَّها تمتلك القوة القانونية، ولا يرقى إليها الشك في معاملات البيع والشراء بين الناس.
كما أظهرت جوانب من الحياة الاجتماعية، والحقوق التي تمتعت بها المرأة في التصرف بما تملكه، كنذر فاطمة بنت الفقيه باعزان بثلثي بيت خيمري لولدها، وكذا تعايش الناس في الدار الواحدة، بدليل أن البيع شمل ثلثي دار خيمري، بما يعني أن ثلثه لم يُبَعْ وبقي لمالكٍ آخر، وهو ما لا نجده شائعًا في زمننا، كما تعرَّفنا على أسماء بعض الأسر التي سكنت الشحر حينها، مثل: آل رجرج، آل خيمري، آل الفقيه باعزان. وكذلك الشخصيات التي وردت ضمن الشهود من السادة وغيرهم، وعرفنا اسم العملة السائدة حينها (القروش الفِلِّية)، وكذلك اسم حي المجرف، الذي بقي من غير تغيير، على عكس بعض مسمَّيات الأحياء في مدن أخرى، التي أصابها التغيير لاعتبارات سياسية غالبًا. وهذا ما يفيد الباحث المختص في تاريخ الشحر الاجتماعي والاقتصادي.
أما وقوع هذه الوثيقة في أرشيف آل بن همام اليافعية في مرباط بظفار فيؤكد العلاقة الوثيقة التي تربط فروع الأسرة هناك بأهلهم في حضرموت التي انتقلوا منها إلى عُمان قبل أكثر من أربعة قرون كما تؤكد وثائقهم المحفوظة في خزائنهم.
[1] – الباحث عبد الله صالح حداد: حارة المجرف من أقدم حارات مدينة الشحر بعد حارة القرية، شبكة صدى الشحر، 22 يناير 2017م
[2] – وللفائدة، هذا ما كتبه د.سالم عبدالرب السلفي في مجلة فنار عدن الثقافية (سبتمبر 2023) عن القروش الفلية:” لم نجد من فسر تسمية “فلي وراكلي” (في بعض الوثائق: راكلي وفلي) بشكل كامل، وأقدم ذكر لها وقعتُ عليه كان في كتاب “يوميات صنعاء” (ص99) ليحيى بن الحسين بتحقيق الحبشي؛ إذ وجدتُ في يوميات سنة 1068هـ عبارة تقول: “والقروش الفضة الخالصة هي الراكلي معهم والفلي على تسميتهم ورسمهم” من دون زيادة توضيح من المؤلف، وأما المحقق فقد صرَّح في الهامش أنه لم يجد هذه الأسماء في معاجم أسماء النقود، وهو محق في ذلك”.
[3] – يُقَال: حَلَفَ فلانٌ يَمِينًا لَيْسَ فِيهَا ثُنْيٌ، وَلَا ثَنْوَى، وَلَا ثَنِيَّة، وَلَا مَثنَوِيّة، وَلَا اسْتِثْنَاء (تهذيب اللغة). وفي الحديث النبوي: «اشترى ابن مسعود جارية، فشرط عليه البائع خدمتها، فقال له عمر: لا تقربها وفيها مثنوية، ولا شرط».
[4] – تَخْلِية: من مصطلح أحكام القضاء وهو موضع اليد على الشيء (تكملة المعاجم العربية).
[5] – بيع الغَرَر: بيع ما يجهله المتبايعان، أو ما لا يُوثق بتسلّمه، كبيع السَّمك في الماء، أو الطير في الهواء، وسُمِّي غَرَرًا؛ لأنَّ له ظاهرًا يغرُّ المشتري وباطنه مجهول (معجم اللغة العربية المعاصرة).

